دائما ما يتبع هذه المشاهد التي تكشف عن أزمة أخلاقية تجتاح المجتمع المصري حنينا إلى الماضي فندور نبحث بين جنباته عن أمثلة مغايرة لواقعنا ملئها الأخلاق الحميدة والمبادىء العالية ونظن الماضي دوما واحة غناء لجنة باسقة عمادها ينابيع المثالية المفقودة الآن لكن اللافت أن الماضي أحيانا يتمرد على رهاناتنا ويحمل لنا صورا مماثلة وطبق الأصل لما نفر منه و الواحة التي ظنناها كانت في حقيقتها سراب ولتكن حوادث المشاكسات بين محصلي التذاكر والمواطنين مثالا جليا على ما نقول ففي العدد 1932 من صحيفة المؤيد في 2 اغسطس 1896 يسوق لنا واقعة طريفة حدثت في 28 يوليو من نفس العام.
وقبل أن نمضي للواقعة لزاما أن نعرف ما هي صحيفة المؤيد؟! والتي توارت عن الظهور منذ زمن بعيد وهي إحدى المحطات الأولى للصحافة المصرية الوطنية إذ أنشأها الشيخ علي يوسف في الأول من ديسمبر عام 1889 وهو الصحفي المقرب من الخديو عباس حلمي الثاني لتكون لسان حال الحركة الوطنية المطالبة بجلاء المحتل الانجليزي ولتكون في مواجهة صحيفة المقطم المدعومة من المحتل . خلاصة الواقعة التي تنقلها لنا الصحيفة في صورة شكوى أن مشادة وقعت بين الراكب حسن بك عبد الرحمن أباظة -القاصد بندر الزقازيق- وبين مفتش التذاكر حامد أفندي حلمي -الغيور على قوانين المصلحة والمكدر لصفو راحة الركاب بحسب وصف الصحيفة-ذلك أن الراكب من فرط تعجله ركب من محطة أبو الشقوق (يقصد غالبا قرية أبو الشقوق التابعة لمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية) دون تذكرة فأراد المفتش تحصيل تذكرة طاق ونصف من المنصورة (غرامة مرة ونصف ) فحاول الراكب بلطف إقناع المفتش أنه ركب من محطة أبو الشقوق مستشهدا بمصطفى أفندي رياض معاون محطة المنصورة والراكب معه لكن المفتش رفض تفهم الأمر واحتدم الأمر وتطور إلى التطاول على مقام البك الراكب وعلى معاون محطة المنصورة بعبارات السفه والوقاحة من جانب المفتش بحسب الصحيفة وتم رفع الأمر إلى إسكندر بك فهمي مأمور إدارة السكك الحديدية (تولى رئاسة مجلس إدارة السكك الحديدية بعد ذلك في الفترة من 1898-1905).
الطريف أن الصحيفة ترصد أنها ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الحوادث والأدهى أنها من نفس المفتش ولكن تجاه الشيخ أحمد الحملاوي أستاذ اللغة العربية في مدرسة المنصورة الأميرية ولمن لا يعرف الشيخ أحمد الحملاوي فهو أديب وشاعر بارز وناظر مدرسة عثمان باشا ماهر لربع قرن من الزمان والتي تقع في 19 شارع محمد کُريم والمُتاخمة لقصر الأمير المملوکي "يشبك بن مهدي" وهي من المدارس التي تعكس النهضة التعليمية إبان عهد الخديو عباس حلمي الثاني حيث كان يتم فيها تدريس العلوم الدينية جنبا إلى جنب العلوم الحديثة وللشيخ الحملاوي كتاب في البلاغة هو (زهر الربيع في المعاني و البيان والبديع) كان أحد أسباب عدم استكمالي للدراسة بمعهد الدراسات الصوفية لصعوبته .
نعود إلى موضوعنا والذي نرى العزاء فيه هو أن الركاب في الأزمنة القديمة والحديثة هم الطرف الأكثر تضررا وفي الوقت ذاته الأكثر امتلاكا لزمام أنفسهم فلا يقابلون الإساءة بإساءة مثلها بل يسلكوا الطريق القويم في رفع شكواهم عبر الصحف قديما ووسائل التواصل الاجتماعي حديثا للجهات المختصة والتي يقع عليها المسؤولية في ضرورة إعداد السائقين والموظفين لديها فنيا و سلوكيا ومراقبة أدائهم وضرورة وجود دورات تدريبية مستمرة لهم لطريقة التعامل مع الجمهور وكسب ثقته وعلاج المشكلات وفق أطر علمية ومهنية فالخصم من الراتب والنقل ليس علاجا باترا.
لا ينبغي أن نغض الطرف طويلا عن مثل هذه المشكلات التي قد تقتل حرفيا الناس نفسيا وعصبيا ولنا في وفاة فيلسوف الرواية وفارس الرومانسية الأديب الكبير (محمد عبد الحليم عبد الله) أبو الجوائز وصاحب الروائع الأدبية كلقيطة وشجرة اللبلاب والذي توفى عام 1970 جراء خلاف مع سائق تاكسي كان يجهل شخصيته على خمس قروش فقط زيادة في الأجرة!! أدت لإصابة الأديب بنوبة عصبية وانفجار بالمخ مات على أثره .
------------------
د.محمد فتحي عبد العال
كاتب وباحث وروائي مصري
تعليق على مقال