و لكن عندما كبرنا أكثر و أصبحنا ندرك خفايا الحياة و مآسيها أدركنا أن الشر أصبح له حلفاء و أن المستضعفين في الأرض كثر و أن الحق قد شارف على الضياع لا محالة.
فأنت عندما تتابع الأخبار و تفهم مجريات الأحداث السياسية و أخبار الشرق الأوسط و تتابع إحصاء عدد الشهداء الفلسطينيين في كل مرة و في كل يوم تدرك أن القصص و حكايات الجدة شيء و الواقع شيء آخر مختلف تماما.
فما يحدث اليوم في قطاع غزة إنما يحسّسك بأن الشر يخاطبك في كل ركن من أركان بيتك و أنت تتابع الأخبار و يضحك بأعلى صوته متفاخرا بنصره و بالدعامة التي يحض بها من قبل مجلس الأمن و الولايات المتحدة الأمريكية و بالشرعية التي أعطاه له الصمت العربي على حسب قول الصحفي الإسرائيلي الذي كتب مقالا يقول فيه بأن صمت العرب هو الذي يدعم الممارسات الإسرائيلية.
فاليوم قد فاق عدد ضحايا المحرقة التي تقترفها إسرائيل في قطاع غزة الـ120 شهيدا جلهم من المدنيين في حادثة ليست الوحيدة على مدى تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ففي كل فترة يتجرأ الجيش الإسرائيلي على ارتكاب المجازر في حق المدنيين الفلسطينيين العزل و ككل مرة يكتفي الساسة العرب بالإدانة و الشجب و التذكير بضرورة تعيين حماية دولية للشعب الفلسطيني ..و...و.
و الطريف في كل هذا – إن كان في الأمر طرافة- أنه في كل مرة يثور الشارع العربي في أول الأمر و يحتجّ و يتظاهر ثم يكتم شقّ غيضه و يكتفي بمشاهدة الأخبار و البكاء على موت الأطفال لا ذنب لهم سوى أنهم يقطنون أرضهم المغتصبة و يحملون الجنسية الفلسطينية روحا و انتماءا ...بينما يعدل الشقّ العربي الآخر حتى عن مواكبة ما يجري هاربا من الإحساس بالحزن منشغلا بمشاكله اليومية ...
و في نفس هذا السياق سوف أذكر لكم موقفا حصل أيام الدراسة الجامعية بمعهد الصحافة و بالتحديد في حصة "الإذاعة" حين كنا نعدّ نشرات الأخبار، حيث يتولى فريق إعداد نشرة إخبارية و يتولى فريق آخر تقييم هذا العمل...فقد صار النقاش حادا بين الطرفين حول عنوان يتحدث عن استشهاد فلسطيني حيث اعتبره الفريق الأول عنوانا رئيسيا في حين رأى الفريق الثاني بأن الخبر عادي و يحدث يوميا فهو إذن يخلو من الجدّة و لا يعتبر عنوانا رئيسا...
و قد ظل هذا الموقف راسخا في ذهني إلى الآن أتذكره كل ما تابعت أخبار الشرق الأوسط و هذا الموقف نشاهده اليوم في التصريحات العربية و كأنما الأمر أصبح عاديا بالنسبة لهم ويحدث يوميا فهو لا يحمل جدّة !...أو ربما كأنهم أصبحوا يميلون إلى القول بأن" ما باليد حيلة ..و لا مراد لقضاء الله..." و غيرها من التعابير التي ترسخ الانهزامية حتى إن مقوله " ما ضاع حق وراءه طالب" قد اهتزت لدينا نحن العرب و أصبحنا ننطق بها دون تأكّد من أن الحق باق - هذا إن لم يكن قد ضاع فعلا-.
لهذا و بناءا على ما سبق فإننا ننصح القائمين على إعداد و كتابة قصص الأطفال العرب أن يكونوا واقعيين أكثر عند تأليفهم لنهايات الحكايات ...و إن لم يستطيعوا فننصحهم أن يكتبوا في نهاية كل قصة سعيدة ملاحظة تقول :" هذه النهاية تتحقق إذا وافق مجلس الأمن و إذا لم تستعمل أمريكا حق الفيتو و طبعا إذا خرج العرب من مجرد الاستنكار و التنديد".
-----------------
مباركة العماري صحفية من تونس
تعليق على مقال