بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

امرأتنا... في الحقل السياسي (3/3)‏ الجزء الثالث : الأبعـــاد المنسية

2008-02-11 13754 قراءة مقالات فكر د. خالد الطراولي
امرأتنا... في الحقل السياسي (3/3)‏
الجزء الثالث : الأبعـــاد المنسية
إن الرفق والليونة و التدرج وعدم الحسم الآني أحيانا التي عالج بها النص المقدس والفعل النبوي ‏قضية المرأة وفعلها السياسي يؤكد على الأبعاد التالية:‏

1/ أن السياسي في جانبه المقدس بقي خطوطا عريضة ومبادئ سامية ورئيسية، وترك مجال ‏تنزيله إلى اجتهادات الفقيه والعالم من مصلحة وحاجة وضرورة يفرزها الواقع المتغير. وما حوار السقيفة ‏الساخن إلا تأكيد على غياب الحسم وترك المسألة لاجتهاد المجتهدين،وليس دور المرأة في المجال السياسي ‏إلاّ بضع هام وضروري من هذا الاجتهاد.‏

2/ أن الفعل السياسي للمرأة لا يمكن معالجته بمنحى عن الحالة الاجتماعية والاقتصادية للجماعة، ‏وأن الفضاء السياسي يبقى عنصر تأثير وتأثر بالفضاءات الأخرى. وقد تساءل مالك بنبي منذ ربع قرن"هل ‏يجب نزع الحجاب؟ أو هل يُسوَّغ للمرأة التدخين أو التصويت في الانتخابات؟ أو هل يجب عليها أن تتعلم؟ ‏فينبغي ألا يكون جوابنا عن هذه الأسئلة بدافع مصلحة المرأة وحدها بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه ‏الحضاري.. إن إعطاء حقوق المرأة على حساب المجتمع معناه تدهور المجتمع.. فالقضية ليست قضية ‏فرد وإنما هي قضية مجتمع".[1] لذا يجب النظر إلى العمل السياسي للمرأة ليس فقط من زاوية الحقوق ‏ولكن أيضا من زاوية المصلحة العامة وفي إطار التكوين المؤسساتي للمجتمع وهذا يبعدنا عن مفهوم ‏المطالبة والصراع بين الجنسين ويقربنا من التصور الإسلامي للمساكنة والعدالة في أوسع مظاهرها ‏ويصبح السياسي حقلا اجتماعيا بالأساس. كما يجعل من مفهوم " الأمن " هدفا جوهريا للشريعة حيث ‏تتحقق لجميع أفراده عوامل الاستقرار والطمأنينة ويغدون أجزاءا حيوية في المجتمع. فيصبح من مصلحة ‏المجتمع العليا واستقراره وأمنه وازدهاره مساواة المرأة في الحقل السياسي ناخبة ومنتخبَة. ‏

3/ أن العمل السياسي للمرأة لا يمكن عزله عن وضعيتها كأم وبنت وزوجة وكامرأة تعبر عن ‏مجموع جنس له خاصياته وتطلعاته. ففي كنف هذا المربع، ومع احترام أولي لدورها وحقها وواجبها ‏وقدرتها وكفاءتها فيه، يُفهم المشوار السياسي للمرأة وهو توافق وانسجام تبدأ معالجته وتفهمه في وسط ‏المحيط العائلي (النواة والممتد) ليصل إلى أروقة المجتمع وثناياه. فحمل الهم العام ينطلق من ثنايا البيت ‏الصغير في أم مربية وساعية من أجل توعية أبنائها وتأصيل خدمة المصلحة العامة، إلى المنازل الكبرى ‏للسياسة ومنابرها العامة.‏

4/ أن النشاط السياسي هو جزء من عبادة الله التي كثيرا ما تغيب عن الذهنية الإسلامية، حيث ‏يغلب الدافع السياسي والهمّ السياسوي والأفق الضيق والحسابات المقيتة في تبنّي رأي أو تقديم حجة. ‏فالسياسة رغم نزعتها أللاّأخلاقية التي أورثها لنا تاريخنا في بعض مراحله الحالكة، والتي زادها الفعل ‏الغربي تقززا واشمئزازا، تبقى مظهرا عبوديا إذا روعيت فيه الأخلاق والقيم الإسلامية والنصوص ‏الصحيحة (سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ..منهم إمام عادل. وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان ‏جائر). فهل يبقى هذا الفضاء رجوليا وتبقى المرأة معزولة عنه؟ وهل من العدل حبسها عن ارتياده وطرق ‏باب العبادة فيه إرضاء لربها وخدمة لمجتمعها؟، ففي عودتها تخليق للسياسة وإعادة الاعتبار لبعدها ‏العبادي.‏

5/ إن حالات الاعتداء والإعصار التي واجهت الدولة الإسلامية في الكثير من فتراتها أوجب ‏الجهاد الذي هو فرض كفاية عند الجمهور، وقد أوجبوه على المرأة في حالة دخول العدو ديار المسلمين، ‏بل يمكن للمرأة عدم استئذان زوجها فيه. وقد عايشت المرأة المسلمة في العهد النبوي هذه المراحل الصعبة ‏وساهمت حسب قدرتها في التواجد في ساحات الوغى مسعفة ومؤزرة للرجال. ‏

إن الحالة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم من شتات وتخلف يفرض تنزيل مفهوم الجهاد في ‏مستواه اللاعنفي، فقد دخل الفقر والبؤس والمرض ديار المسلمين واستوطنوها، حيث أصبحت قضية ‏التنمية والنهوض محورا جهاديا يوجب التقاء المرأة والرجل على نفس المستوى في التعبئة والنفير العام ‏في الفضاءات كلها، باعتبار التنمية ظاهرة ومسار متعددا الأبعاد، وما الفضاء السياسي إلا جانب هام ‏ومُكمل لنجاحها أو كسوفها.‏

6/ إذا كانت البيعة تحمل طابعا عقائديا والتزاما للمبايِع بالشريعة وتوفر شروط العلم والاجتهاد في ‏المبايَع له، فإن الانتخاب يعتبر حالة جديدة أوجدها غياب الخلافة الإسلامية، وهو ما يوجب اجتهادا آخر ‏وميثاقا سياسيا مختلفا يلتزم فيه الرجل والمرأة على السواء وحسب مقتضيات الاستخلاف والمساواة بين ‏الجنسين.‏

ختاما : امرأتنا بين سياسة الظلّ و ضلال السياسة!.‏
‏ تبقى امرأتنا تتجاذبها أطراف، بين الظل في حراكه وتبعيته فهي فاعلة نشطة، تابعة لمجتمعها ‏تدور حيث دارت حوائجه ولوازمه، وبين سياسة فهمها أهلها أنها ضالة مُضلة جعلت صوت المرأة منبوذ ‏ورأيها مرفوض، إن استشرتها فخالفها فذلك عين الرشاد، وإن عارضتك فقوّمها فذلك غاية المراد. ‏

إن سياسة الظل رغم إيجابيتها في تفعيل المرأة غير أنها تبقى محدودة، لأنها تفرض تبعية كاملة ‏للرجل و للمجتمع، وهذا إن كان دافعا في حالة ازدهاره فإنه يلغي دورها في حالات الأزمة والانكماش، ‏وهو ما يفسر غيابها المفروض في الفترات المتردية من تاريخ الأمة. ففعالية المرأة يجب أن تكون مبدئية ‏وقائمة آناء الليل الحضاري و في كل أطراف نهاره، وهي أشد وألزم في ساعات العسرة والانهيار. إن ‏الدور السياسي المنشود للمرأة في ظل التخلف والفقر الذان يضربان المجتمعات الإسلامية حاليا يتمثل في ‏أكثر من باب، فمن توعية أسرية وتربية للأجيال، إلى مشاركة سياسية مباشرة، إلى تواجد جمعياتي على ‏مستوى عال. ‏

خوفي أن لا نكون مضطرين إلى كل هذا العناء في البحث الدائم عن التبرير في مجال حقوق ‏المرأة وأدوارها وواجباتها، والأمر يبدو أكثر بداهة وأيسر فهما وتفهما!، وقد صدقت بنت الشاطئ في ‏قولها " لسنا في حاجة إلى شئ من هذا التكلف (في التوفيق بين أصول الإسلام ووضع المرأة) إذا صحّ ‏وعينا لشخصية المرأة في الكتاب والسنة وموضعهما في تاريخه "،[2] ولن يكون الحديث متماسكا نقلا ‏وعقلا، وأمينا لهذا المقدّس الذي نحمله إذا غابت المرأة "الإنسان" وحظرت المرأة "الأنثى" وهيمنت.‏

ـ انتهى ـ


ملاحظـة :
يصدر قريبا للدكتور خالد الطراولي كتاب جديد بعنوان "حــدّث
مواطن قــال.." يمكن الحجز بمراسلة هذا العنوان: kitab_traouli@yahoo.fr


‎-------------------------‎
هوامش :

‏(1) مالك بنبي " شروط النهضة " دار القلم دمشق ط4 1987 ص: 125.‏

‏(2) وضع المرأة في العالم الإسلامي. بحوث ندوة عقدتها الايسيسكو في القاهرة 19_21 أوت 1991. ‏ص :134.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال