لم يكن أحد منا - مثلا - يجرؤ على الاستمرار في خطف قطعة حلوى من صديقه إذا لفظ بهذه الكلمة , وكأن هذه الكلمة كانت تحول قطعة الحلوى إلى قطعة من الجمر التي تتلظى بها يد الخاطف , فلا يلبث أن يعيدها وهو مطأطئ الرأس قد احمر وجهه من الخجل .. إنها الفطرة الإنسانية النقية التي تزلزل أعماق الطفل الصغير فيرى فيما أقدم عليه خطأ فادحًا يجب عليه أن يبادر بإصلاحه وإلا نزلت عليه عقوبات غيبية لا يعرف مداها .
هذه الفطرة الإنسانية التي أدى سحقها في نفوس البعض إلى تحويل مجتمعاتنا إلى غابة يتحكم فيها مجموعة من الوحوش التي لا تعترف بالقيم ولا يشغلها سوى أن تعيش وتسيطر وتمتلك وتكبر و تنهب وتسلب لتغنى ولو أحاط الفقر برقاب الآخرين .. ولو أذلتهم الحاجة وقتلهم العوز .. وهؤلاء الذين قتلوا فطرتهم الإنسانية بأيديهم وتلذذوا بقتلها حتى صارت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة ما عادوا يهتمون بصرخات الفقراء المنهوبين رغم أنها تزداد يومًا بعد يوم ويعلوا صداها في أرجاء تتسع ساعة بعد ساعة و تخرج في كل مرة من نفوس يزداد إحساسها بالحسرة ويتعمق شعورها بالظلم وتترسخ في داخلها آلام العجز ... ورغم اليقين بأنه لن يكون لصرخاتها صدى في النفوس التي غشيتها ظلمة الأطماع وأعمتها وأصمت أسماعها الأنانية ... إلا أنها لا تزال تردد ‘ إحنا مش مسامحين ‘ ... تتردد هذه الكلمة في كل أنحاء الوطن.... ‘ إحنا مش مسامحين ...’ مش مسامحين أولئك الذين أكرموا أعداءنا وأهانوا أبناءنا .. مش مسامحين أولئك الذين تسببوا في معاناتنا وآلامنا .. مش مسامحين أولئك الذين أعادوا الوطن للوراء وحرموا أبناءه من خيره بعد أن سلبوهم حقوقهم ونهبوها ظلمًا وعدوانًا .... مش مسامحين أولئك الذين غرسوا الفساد في تربته .. وظلوا ينشبون أظفارهم في قلوب من يحبه ويدافع عنه.... ‘ مش مسامحين ‘يقولونها وهم يعلمون أن الجناة ليست لهم براءة الأطفال كي يأتوا وهم مطأطئين رؤوسهم من الخجل ليعيدوا ما اغتصبوه أو ليصلحوا ما أفسدوه .... لكنهم يقولونها وهم على يقين أن الله لن يتركهم , وأن العقوبات التي لا يعرف مداها إلا هو سبحانه قادمة لا محالة ... فالله يمهل ولا يهمل .
تعليق على مقال