بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المعاجمُ الباكية‏

2007-10-08 10338 قراءة مقالات بحوث أحمد بن عبد المحسن العساف
المعاجمُ الباكية‏
تمتازُ اللغةُ العربيةُ بالمعاجمِ التي لم تسبقْ إليها أمة؛ فمِنْ معجمِ " العين " للخليلِ بنِ أحمد ‏الذي بدأَ بالحروفِ حسبَ مخارجِها إلى معجمِ " المقاييس " لأحمدَ بنِ فارس الذي ردَّ الكلماتِ ‏إلى أصولِ معانيها؛ وبينهما وبعدهما بذلَ أئمةُ الإسلامِ جهوداً علميةً مضنيةً حتى جمعَ ابنُ منظورٍ ‏‏" اللسان " وأتمَّ الزبيديُ " تاج العروس " وهو أغزرُ المعاجمِ مادةً وأكثرُها جذوراً. ولمْ تتوقفْ ‏حركةُ التأليفِ عندَ معاجمِ اللغةِ بلْ شملتْ معاجمَ فقهيةٍ وأصوليةٍ وحديثيةٍ وبُلدانيةٍ ونحويةٍ وأدبيةٍ ‏ومعاجمَ كشَّافِ العلومِ ومفاتيحها إلى غيرِ ذلكَ ممَّا لا يخفى على مَنْ لديه بعضُ إطلاعٍ وثقافة. ‏

ويُعدُّ التأليفُ من الأنشطةِ الدَّالةِ على ازدهارِ العلومِ ورواجِ الثقافةِ، ومِنْ أعلى صنوفِ ‏التأليفِ ما كان معجمياً يحتاجُ إلى جلدٍ وعناءٍ وصبرٍ وطولِ دُرْبَة؛ ولا تزالُ الجهودُ تُبذلُ مِنْ ‏العلماءِ والمحققين بيدَ أنَّها ليستْ كجهودِ السابقينَ مع سهولةِ الوصولِ للمادةِ العلميةِ عبرَ المنافذِ ‏التقنيةِ والحاسوبيةِ ومع وجودِ المجامعِ الفقهيةِ والعلميةِ واللغويةِ ووزاراتِ الثقافةِ والأنديةِ الأدبية.‏

وقدْ تعرَّضتْ المعاجمُ اللغويةُ بالذاتِ لعدَّةِ محنٍ بأيدي بنيها بسببِ تأثيرِ الاستشراقِ أوْ ضعفِ ‏مناهجِ التعليمِ أوْ فسادِ الذوقِ الأدبي وانصرافِ النَّاشئةِ والشبابِ عن القراءةِ والإطلاع؛ ومِنْ هذه ‏المحنِ الهجومُ عليها ووصمُها بالتعقيدِ والصعوبةِ وأكثرُ مَنْ يحملُ كِبْرَ هذا الاتِّهامِ بعضُ الأساتذةِ ‏الذين يقيسونَ معاجمنا العربيةِ إلى المعاجمِ الأجنبيةِ ويقارنون بينهما؛ أوْ الذينَ يبحثونَ في المعاجمِ ‏المرجعيةِ دونَ الرجوعِ للمختصراتِ التي يسهلُ البحثُ فيها، وقدْ أفاضَ في الرَّدِ على هذه المآخذِ ‏والشُبَهِ المحققُ الطناحي في مقالاته المنشورة‎ [1]‎‏. ومن المحزنِ هجرانُ هذه المعاجمِ في مناهجِ ‏الدراسةِ وموادِ البحثِ والمطالعةِ حتى ينشأَ الطلابُ على جفوةِ المعاجمِ وتهيبِّها زيادةً على جفوةِ ‏الكتابِ وتهيبِّ القراءةِ مما أعانَ أصحابَ الأهواءِ على التلبيسِ واستخدامِ بعضِ الكلماتِ ‏والمصطلحاتِ محرَّفةً عن مدلولاتها اتكاءً على هذه القطيعةِ وعلى استغلاقِ المعاجمِ عندَ عامةِ ‏النَّاسِ ممَّا حرمهم من اقتنائِها والاستمتاعِ بالنَّظرِ فيها.‏

وما تسميةُ الاحتلالِ استعماراً وحرية؛ ووصفُ الانحلالِ بالتمدُّنِ والحضارة؛ ونبزُ الصالحينَ ‏بالرجعيةِ والظلامية؛ ووصفُ الإفسادِ بالإصلاح؛ وقصرُ الفسادِ على الجوانبِ الماليةِ والإداريةِ؛ ‏وإطلاقُ " الشرعية " على نظامِ الأممِ المتحدةِ إلاَّ ضربٌ واضحٌ مِنْ هذا الإفكِ الذي قامَ بهِ المحتلُ ‏الكافرُ وتبعَه أذنابُه من المنافقين والمتطفلين على موائدِ المستشرقين السامَّةِ وانساقَ خلفَهم ببغاواتٌ ‏بشريةٌ يهرفون بما لا يعرفون ويخوضون فيما لا يحسنون. ومِنْ أواخرِ هذه المصطلحاتِ المجلجَلِ بها ‏‏"الإرهاب" الذي تُسَوِقُه أمريكا وتنشرُه بكلَّ وسيلةٍ معْ أنَّ المتدَّبِرَ لا يمكنُ أنْ يخرجَ أمريكا ‏وإسرائيلَ مِنْ قائمةِ الدولِ الإرهابيةِ والدَّمويةِ غيرَ أنَّهم قومٌ صنعوا المصطلحَ وألبسوه غيرهم ‏ليتلقفَه العالمُ الخائفُ أوْ الخانعُ دونَ تفكيرٍ أوْ ممانعة.‏

إنَّ نشرَ المصطلحاتِ الشرعيةِ واجبٌ ديني يدخلُ ضمنَ نشرِ العلومِ الشرعيةِ والدفاعِ عنْ ‏الهويةِ الإسلامية؛ فالغلو كلمةٌ قرآنيةٌ ووردتْ في الحديثُ النبوي الشريفُ وهيَ معبِّرةٌ بما يُغني عنْ ‏كلمةِ "التطرف"، والكافرُ وصفٌ شرعي تترتبُ عليه أحكامٌ دنيويةٌ وأُخرويةٌ تضيعُ معالمُها مع ‏‏"الآخر"؛ والذكرُ والأنثى هما مكونا النسلِ البشري والسلالةِ الآدميةِ ولهما صفاتهما المشتركةِ ‏وخصائصهما المتغايرةِ التي تؤكدُ أنَّ الذكرَ ليسَ كالأنثى خلافاً لما يريده سدَنةُ "الجندر"؛ ‏والشهيدُ شرفٌ مُقيدٌ بحالاتٍ منصوصٍ عليها وقدْ أطلقَ القومُ عنانَه حتى سمعنا بشهيدِ الحبِ ‏والفن.‏

كما أنَّ بعضَ التعابيرِ التي تسلَّلَتْ إلى ثقافتنا خلسةً جديرةٌ بالتمحيصِ والتعديل؛ فالشرقُ ‏الأوسطُ لا يختلفُ عنْ الشرقِ الأقصى وليسَ لهما إلاَّ المعاني البُلدانية خلافاً لقولنا "الشرق ‏الإسلامي" الذي يُحيي في النفوسِ معانيَ الحميةِ والنصرة، والدولةُ التركيةُ غيرُ "الخلافة العثمانية" ‏فالأولى كأيِّ دولةٍ عرقيةٍ بينما للثانيةِ وَقْعٌ يُعيدُ للأمةِ المحمديةِ آمالهَا؛ وقلْ-غيرَ مأمور- مثلَ ذلك ‏في الديمقراطيةِ التي تنسفُ كلَّ شيءٍ مقابلَ "الشورى" التي تنضوي تحتَ جناحِ الشريعةِ الغراء. ‏وليسَ ببعيدٍ عنْ ذلكَ بعضُ الأوصافِ الفكريةِ مثل "العلمانية" و"الليبرالية" وهيَ كلماتٌ رنَّانةٌ ‏تقبحُ مع تنزيلِ الوصفِ الحقيقي عليها كالنفاقِ والمنافقين.‏

وأذكرُ كلمةً جميلةً للمجاهدِ الشيخِ البشير الإبراهيمي إذ يقول: "إنَّ ظلمَ الكلماتِ بتغييرِ ‏دلالتها كظلمِ الأحياءِ بتشويه خلقتهم؛ كلاهما منكرٌ وكلاهما قبيح، وإنَّ هذا النوعَ مِنْ الظلمِ ‏يزيدُ على القبحِ بأنَّه تزويرٌ على الحقيقةِ وتغليطٌ للتاريخِ وتضليلٌ للسامعين"‏‎[2]‎‏ ولذا فمنْ العلمِ ‏والثقافةِ والأدبِ والإصلاحِ أنْ نُشيعَ المصطلحاتِ الشرعيةِ ونُصححَ التعابيرَ الخاطئةَ التي تنتشرُ ‏بينَ المسلمين بلسانِ أوْ قلمِ غافلٍ أوْ منهزمٍ أوْ تابعٍ أوْ عدوٍّ بيِّنِ العداوةِ حتى تستعيدَ الكلماتُ ‏معانيها ويرجعَ الحقُّ لأهلهِ فهمْ بهِ أولى. ‏

وإذا كانَ المحدِّثُ الأديبُ أحمد شاكر يقول: "إنَّ الأعلامَ الأجنبيةَ تُنقلُ إلى العربيةِ مغيرةً في ‏الحروفِ والأوزانِ إلى حروفِ العربِ وحدِها وإلى أوزانِ كلِمهم أوْ ما يُقاربها، وأنَّها لا تنقلُ ‏أبداً كما ينطقُها أهلُها إلاَّ أنْ توافقَ حروفُها وصيغُها حروفَ العربِ وأوزانِها "‏‎[3]‎، يقولُ ذلكَ ‏وهي مجرَّدُ أسماءِ أعلامٍ خاليةٍ من التأثيرِ فكيفَ بالمعاني والمصطلحاتِ التي تؤثرُ على الفهمِ وتُرسخُ ‏الأفكارَ والرؤى أوْ تُناقضُ الأحكامَ الشرعية؟.‏

-------------
المراجع

‏1-‏ مقالات العلامة الطناحي ج1 ص 177 ، ج1 ص 365 ، ج2 ص 537 ‏
‏2-‏ آثار الإمام الإبراهيمي ج3 ص 506 ‏
‏3-‏ جمهرة مقالات العلامة أحمد شاكر ج 2 ص 541‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال