بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

عندما يصلُ "البانديّة" إلى سُدّة الحكم

2013-05-21 13321 قراءة مقالات رأي فتحي الزغل
هذا المقال يعود تاريخه إلى أكثر من 13 سنة
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
عندما يصلُ "البانديّة" إلى سُدّة الحكم
قال لي صاحبي و هو يُحاورُني : هل تعرف معنى كلمة "بانديّة" في الاصطلاح الشعبي؟ فقلتُ: هم على حدّ علمي الخارجون عن القانون، المتمرّدون على الأخلاق، البعيدون كلّ البعد عن الدّين. و لهم من التّسميات كثيرٌ في مجتمعاتنا العربيّة... فيُسمّونَ "بلطجيّة" في مصر مثلا، و "بلاطجة" في اليمن، و "شبّيحة" في سوريا الجريحة... فأعجِبَ بجوابي أيّما إعجابٍ دلّ على أنّه تعلّمَ منّي هذه المرّة، لأنّ الظاهر من حزمه أنّه أراد توريطي بجهلي أمام علمه، ثمّ سألني سؤالا آخر: ألا علمتَ أنّ "البانديّة" في بلدنا قد نفّذوا انقلابا أبيضا، و قد اعتلَوا منذ مدّةٍ سُدّةَ الحُكمِ، و هم الآن في قمّتها حاكمون؟ يأمُرون، و ينهُون، و يخطّطُون، و ينفّذُون، و لاستراتيجيات الظّلم و الغصب يُنَظِّرُون و يُنجِزون؟ أم أنّ خبرا كهذا، و حقيقة كهذه غائبةُ عنك؟ و أنت الذي تدّعي لنفسك التّحليل و الرّأي و الفكرَ. فلا شكّ أنّك و أمثالُك مأخوذون بمشاكل البلاد و النّاس الظاهرة، و نائمون عمّا يقع بين ظهرانينا؟ فلم تُوجِّهوا مِكشافَكُم على ما نحسُّ و نعاني كلّ يوم، و اكتفيتم بما تُسمّونَه بالقضايا الهامّة، و ما أنتم في واقع الأمر إلاّ جاهلون بها، و عَمُونَ عليها.

فأصابني الذّهولُ من سؤاله، و الدهشة من هجومه، و الجلل من ردِّه عليّ بتلك الطّريقة. و أخذتُ أقلِّب في ذاكرتي السّريعة عن خبر انقلابٍ وقع هذين اليومين و لم أسمع به. و هل لا نزالُ في زمن الانقلابات، و في حقبة البيان رقم واحد؟... و لكن كيف لي أن لا أعلم بحدثٍ كهذا؟ و أنا كغيري من الذين يتنفّسون السّياسة هذه الأيام كلّ صباح و مساءٍ، فعن أيّ انقلاب يتحدّث هذا الجاهل؟ و من هم "البانديّة" الذين وصلوا سُدّةَ الحكم؟ و لماذا لم يُعلنوا عن ذلك في "وطنيّتنا السّابعة" و لا في "نسمتنا" الملوّنة" و لا في "تونسيّتنا" الآفلة حتما و لو بعد حين؟ و هل لخبرٍ مثل هذا أن يغيب عن "حوارنا" التي عوّدَتنا على تصوير و نـــــــــــقل أي نشاط فيه فوضى أو احتجاج ضدّ الحكومة، و لو كان خصومة بين اثنين من حومة واحدة؟
إلاّ أنّي و لفرط إحساسي بالهزيمة أمامه، و أمام إصراره على خبره، تظاهرتُ بالجـــهل و بالجـــــهالة، و تناسيت الحكمةَ و الفراسَةَ و رباطة الجأش، و أجبتُه بـأنّي الغافلُ، و عن ما ورد في بلادنا شاردُ، و أنّي للحقيقة منه طالبُ، و عن أولئك "البانديّةِ سائلُ، و لكيفيّة استتباب الأمر لهم داهشُ...

فما كان منه إلا أن حملق فيَّ بنظرة أكرهُها، تُذكِّرني بنظرة زوجتي عندما أنسى يومَ عيد ميلادها، و أخذَ يدي اليُمنى، و قلَّبَ أصابعي فيها، و أخذَ يتكلّم يُعدِّدُ مظاهر تخلُّفي، و ظواهر جهلي و عِظَم علّتي و قال: ألم تعلمُ بأنّكم و بثورتكم على مخلوعكم فتحتم الباب لسُرّاقِكم- صبيانُه - أن يَحكُموكم في أيّام ثورتكم الأولى؟ فقلت له: بلى. فقال ألا تعلمُ أنّ سُرّاقَكُم فتحوا الباب بدورِهم لصبيانِهم ليعيثوا في البلاد فسادًا في كلِّ شبرٍ منها؟ فقلت: لا. فقال: ألا تعلم أنّكم بعد ذلك و بعد أن وحل الفأسُ في الرأسِ انتخبتم مجلسا يؤسّس لمستقبلكم؟ فقلت: بلى. فقال: ألا تعلم أنّكم فوَّضتم لجماعةٍ من مجلسكم أن يحكُموكم؟ فقلت: تقصد "الترويكا"؟ فقال: ذاك ما أقصد. فقلت: بلى. فقال: ألا تعلم أن هؤلاء ظهر عليهم التّعب قبل بداية الجــري، و التّردّد قبل النتيــجة، و الخوف من خصومهم قبل المواجهة؟ حتى وصل بهم الحالُ درجة من العلّةِ تقمّصوا فيها دور المعارضة و هم في الحكم. فقلت: بلى أعلم هذا، و أعلمُ أنّهم ساروا بتردّدهم ذاك، و بضعفهم ذاك إلى الفشل، و إلى إنجاح جهود المعارضة و المتحالفين معها من النقابات في ترويع البلَد و الناس، و تكبيد اقتصادنا الخسارة تلو الخسارة، و هم يتلذّذون في كلّ يومٍ وفي كلّ برنامجٍ إعلامِيٍّ بما يفعلون. فقال: أنت في طريــق الفهم أراكَ، و على درب الكياسة أخالُكَ. ثم عاد يسألني: ألا تعلم بأنّ ضعفَ الحُكومة شجّع سُرّاقَكُم على إعادة صبيانهم إلى الملعب؟ فقلتُ: بلى. فقال لي: ألا تعلم أن صبيانَهم هم الذين يُسمّون "الباندية"؟ فقلتُ: بلى. و لم يترقّب إجابتي و واصل كلامَهُ: عبثوا بأسواقها، فأصبحت السّلع لا تمرُّ إلاّ برضاهم، فأحكموا الخناق على المستهلكَ باحتكارهم، وأصبح الميزان لا يعدِلُ الكيل بينهم... و أضحى الكيلو الواحد ممّا يكيلون لكم في أسواقكم لا يزن كيلوغراما ممّا عهِدتُم ... و أصبح فيهم و في سلُوكِهم الغشُّ يحمل ثوب الوقاحة و اغتصاب أموال الناس المعدومة أصلا... و عبثوا في محطّات السّيارات، فأصبحت موطن ابتزازٍ لأصحابها، حتى أن الواحد منكم أصبح لا يتركُ سيارتَه و مركوبته على قارعة الطريق، إلاّ بعد أن يكون قد عقد اتفاقا مع كمشة من "البانديّة" على ثمن بقائها في مكانها دون إضرارٍ بها. فتحوّلَ المعلومُ عوض الضّررِ، لا عوضَ الحراسةِ... و عبثوا في الحافلات، و في محطّات النقل العمومي... فأصبحت و كرًا لهم و لألاعيبهم، يسرقون الناس فيها عُنوةً و علانيةً، و ينشلونـــــــــهم و يتفنّنون في اغتصابهم... و عبثوا في الأماكن العامّة أين يُفترَضُ النظام واحترام الغير و عدم إقلاقهم، فأضحت ملعبًا لهم يُعملون فيه الكفرَ، و قلّة الحياء... و عبثوا بمؤسّساتكم، فأضحت مرتعًا لهم، يُغلِقونها متى يشاءون، و يمنعون عنها و منها المواطنَ متى يُريدون، و يمنعون حتى موظّفيها من دخول مكاتبهم متى يُقرّرُون... و عبثوا بالطُّرقات العامّة فتمتّعوا في اغتصابها، و تواطؤوا على فضِّها، و تقطيع أوصالها.

ثمّ ترَكَ يدي، و سألني: ألا يُسمّى ذلك انقلابًا على السّلطة؟ إذا أصبحت سلطتُهم تُرى و تُعايَن و الحكومة غائبة؟ فمن يحكُم بربِّك... فقلت له بسذاجة بادية على مُحيّايَ: هم. فقال: ألا يسمّى ذلك مسكًا للحكم و تفرُّدًا بالأمر؟... إنّهم يحكمون و أنتم لا تعلمون ؟ انقلبوا على الحكم و أنتم لا تبصرون... و استتبّ الأمر لهم، و أنتم لا تُدركُون.
فقلت له: أجل، قد فهمتُك الآن، و ليتني ما فهمتُك... فغُصَّتي على بلدي زادت حدّةً و ألمًا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال