وكمساهمة منا لمحاولة التصدي لعمليات التشويش الفكري التي تحدث حاليا ببلداننا, ولأحد القائمين عليها وهم الذين يوالون الغرب ممن يسمى علمانيون, سنقوم بإذن الله بنشر سلسلة من المقالات تتحدث عن العلمانية وجذورها, أمدنا بها المفكر العراقي / الالماني الأخ أيـــاد محمود حســـين.
ونحن بالطبع نرحب بكل مقالات أخرى تردنا وسنعمل على نشرها من اجل إحداث حراك فكري بتونس. فوزي مسعود
ماذا تعني كلمة العلمانية وكيف تطورت ؟
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة "سيكيلاريزم" فى الانجليزية ، وهى كلمة لاصلة لها بلفظ ( العلم ) ومشتقاته على الاطلاق . والترجمة الصحيحة للكلمة هى ( اللادينية ) او ( الدنيوية ) ، او بمعنى اخص هو ما لاصلة له بالدين . تقول دائرة المعارف البريطانية عن مادة "سيكيلاريزم" ، هى حركة اجتماعية تهدف الى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالاخرة الى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها . والتعبير الشائع فى الكتب الاسلامية المعاصرة هو ( فصل الدين عن الدولة ) . وهو فى الحقيقة لايعطى المدلول الكامل للعلمانية الذى ينطبق على الافراد وعلى السلوك الذى قد لايكون له صلة بالدولة . ولو قيل إنها ( فصل الدين عن الحياة ) لكان اصوب , ولذلك فأن المدلول الصحيح للعلمانية هو ( اقامة الحياة على غير الدين )
والعلمانية مفهوم قديم عند الغرب يرجع اصله لبداية ظهور الديانة المسيحية , وهى تنسب عندهم الى العالم بمعنى الدنيا . ففى قاموس وبستر كوليجيت الحديث لعام 1979 تعرف كلمة العلمانية على انها كل مايتعلق بالعالم ، او ماهو مؤقت وليس ديني ، او مالاعلاقة له بالكنيسة ، وهى ايضا رفض او اقصاء الدين والاعتبارات الدينية . فالعلمانية هى الشىء الوثيق الارتباط بالحياة المعاصرة ، واشهر معانيه الان الاشياء الدنيوية المتمايزة عن الاشياء الروحية غير العقدية ، وغير التى لها صفة الخلود . ويرى ماندن انها ليست من الاشياء المتعرضة للناحية الدينية ، او مخصصة لها ، اى انها تعنى فصل كل ماهو دينى عن كل ماهو مدنى ويرى المؤرخ توينبى انها شىء يرتبط بالحكومة والحاكم ، ومن ثم فهى هنا تتمايز عن رجال الدين ، وقد تعنى ملاك الارض والمنتفعين به ، ولايرتبط بها ولا يحكمها هيكل الحكم الديني . ومن هذه ألوجهه فهى شيء عقلاني يقوم أساسا على القيم المنفعية ، وهى بهذا لها سمات المجتمعات الصناعية الحديثة التي تتعارض مع العقيدة . ويرى فرشيلد إن العلمانية هو الإنسان المستنير الذي يبحث فى المباحث الإنسانية ويرى لويس ورث إن العلماني هو الذي ينبذ الإيمان المطلق ويعبر عنه بالنظرة العلمانية للإنسان الحديث بمعنى الحياة فى العالم وليس فى مجتمع ديني مع عدم الارتباط بالآراء اللاهوتية وبحيث تكون أفكاره متعارضة تماما لأفكار الناسك او الراهب وفى قاموس ويبستر العالمي الثالث يقول)العلمانية هي رؤية للحياة او اى أمر محدد يعتمد أساسا على انه يجب استبعاد الدين وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها ومن ثم فهى نظام اخلاقى اجتماعي يعتمد على قانون يقول بان المستويات الأخلاقية والسلوكيات الاجتماعية يجب إن تحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعاشية والرفاهية الاجتماعية دون الرجوع إلى الدين( والعلمانية كما يفهمها الغرب هي فصل الدين عن العلم فهما متضادان ومتعارضان ويفسر الباحث العلماني الغربي تشارلس واتس قائلا )العلمانية هي معالجة المشكلات الاجتماعية عن طريق العقل وليس عن طريق العقيدة الإلهية وهى مبنية على الواقع لا على الخيال على التجربة لا على ماهو فوق الطبيعي او هو منزل من الله. كما إنها تعتبر كل ما يقدمه الدين هو بمثابة نظريات بحتة لانفع فيها لأنها تفوق تصور العقل وتجد إن الدين قد منح أكثر من فرصة عبر التاريخ ليثبت وجوده وقد فشل فى انهاء مايحيط بالانسانية من كوارث وترى ان العلمانية من الاهمية والضرورة الماسة بمكان تدمير الاعتقاد فى الدين كوسيلة اصلاح وقد رفضت الاتجاهات العلمانية كل اعتقاد فى الدين او فى اى قوى خارج الطبيعة ورات انه لابد من تأسس المعرفة على اسس تجريبية ومن خلال هذه التفسيرات فان النتيجة واحدة وهى ان العلمانية تعنى اتخاذ الاساليب والمسالك غير الدينية فى السعى الى النهضة والتقدم والتماسها عن طريق علمانى .
يقول البروفيسور جون كين بأن مفهوم العلمانية الذى ظل امرا لصيقا بأوروبا وحضارتها ظهر فى التاريخ القديم ، ويمكن اعادته الى الزمن الذى قرر فيه الامبراطور قسطنطين )274-337 م( تبنى النصرانية كدين رسمى للامبراطورية الرومانية ، مما جعل العلاقة بين السلطتين الروحية والعلمانية امرا جليا . ويمكن اعادة هذه العلاقة الجدلية الى التاريخ القرن الثالث عشر ، وهو الزمن الذى استخدمت فيه صفة علمانى لاول مرة فى اللغة الانكليزية بين رجال الكنيسة الذين كانوا يعيشون فى عزلة الرهبانيات. ويقدم كل من ويليام اوف اوكام 01285-1349 م( وجون ويكليف )1329-1384 م( حسا ووعيا بكلمة العلمانية التى استخدمت لتفريق مؤسسات مهمتها بما هو مدنى عادى وقتى عن المؤسسات الاخرى المهتمة بشكل واضح بالدينى الروحى . ومن خلال هذا المفهوم تمت الاشارة الى السلاح العلمانى للقوة الدينية التى تبنتها الكنيسة ، لمعاقبة المتهمين او المعتدين على الحقوق والواجبات الدينية المقدسة. لقد زعم رجال الكنيسة انهم شركاء الله فى السماء وما يحرمونه فى الارض يحرمه الله فى السماء وبموجب هذا التفويض الالهى الباطل ادى الى ازدياد الضغط والاضطهاد ضد المسيحيين مما ادى بمرور الزمن الى الافلاس الكامل للمسيحية .
جاء فى كتاب معالم تاريخ العصور الوسطى مايلى )ان البابا غريغورس السابع اعلن سنه 1085 ميلادية ان الكنيسة هى صاحبة السيادة فى العالم كله وتستمد نفوذها من الله مباشرة وان البابا له مركز فذ فى العالم فهو الذى يولى الاساقفة ويخلعهم وله الحق فى خلع الاباطرة لانه سيدهم الذى لايسأل عما يفعل وهم يسألون( وجاء فى الكتاب نفسه )واقسى من هذا ان يعلن البابا حرمان امبراطور فيضطر احيانا الى الوقوف ببابه ثلاثة ايام حافى القدمين عارى الراس بين الثلوج والامطار حتى يأذن له البابا ويغفر له ذنوبه . كما فعل الامبراطور هنرى الرابع حين حرمه البابا عام 1076 ميلادية ويضطر احيانا الى ان يركع بين يدى البابا كما فعل الامبراطور فريدريك حين حرمه البابا سنة 1177 ميلادية(. ولهذا السبب ثارت الشعوب الاوروبية ضد رجال الدين وضد الاقطاع ونتج عن هذه الثورة فصل الدين عن الدنيا وهو ماعرف باسم العلمانية وكانت فى بداية الامر تعنى اللادينية حيث ورد فى معجم اكسفورد انها تعنى كل ماهو دنيوى او مادى ولاصلة له بالدين ولهذا السبب فصلوا الدين عن الدولة استنادا الى ادعائهم يقول السيد المسيح )اعط مالقيصر لقيصر وما لله لله( وخلال القرن السادس عشر بدات المعانى والاوصاف التى ارتبطت بلقب العلمانية تضعف شيئا فشيئا ، واخذ مصطلح علمانى يفقد معناه المتصل بالتجديف ، حيث اصبحت مدنيا لا الاتباط فيه بالدين. ثم تبلور هذا المصطلح فى ظل الثورة الفرنسية منذ عام 1789 ، بعد ان رفض الاوروبيون الخضوع لسيطرة الكنيسة الكاثولوكية ، ووساطة البابا صاحب الحق فى الغفران ، والجزاء باللعن نيابة عن الله . ومن هنا ترك هذا المجتمع الغربى الاعتماد على الله ، بل الاعتماد على نفسه فى تفكيره ونظمه ، ولم يعد ينظر الى السماء التى يوجد فيها الله ، وبدا ينظر الى العالم اى الى الارض . العلمانية عند الغرب اصبح عمليا هو فصل العقيدة من الشريعة وتقديم الدين للناس كانه عقيدة بغير تشريع فالعلمانيون يؤمنون بالدنيا وينكرون فضل اى دين مسيحيا كان او اسلاميا ونرى هنا انه فى بداية القرن 1800 تم استبدال الالوهية بالسلطة البشرية )العلمانية( لم تعط مبادى كلية عامة شاملة فيها البصيرة بالصلاح للبشر منذ بدء الخلق وحتى قيام الساعة فهى تتخبط فى ايجاد القواعد العامة والاصول الثابتة كما انها تتخبط فى الجزئيات والفروع وقد حولت العلمانية الغرب الى ارض قاحلة من ناحية الروح واتلاف وافساد اجيالا بعد اجيال من الشباب. وفى بداية القرن العشرين بدات تظهر التناقضات فى شكل العلمانية هو علاقتها وصلتها النظرية والعلمية بالسياسة المطلقة والاستبدادية ويدل على هذه النزعة الموروثة تلك المحاولات السياسية فى بلاد مثل فرنسا وتركيا لمؤسسة العلمانية التى شوهت بالعنف والقسر والاجبار والتى تجعلها مثالا واضحا على مااسمته كاترين ادوارد ب)الاستعمارية الداخلية( ويعتبر جون كين ان العداء العلمانى تجاه الاسلام يعتبر مثالا مثيرا للقلق حتى اصبحت العلمانية متعصبة اكثر من اللازم ضد الحجاب او محلات اللحم الحلال واللحى. وقد ظهر هذا المصطلح فى البلدان العربية اولا فى مصر عام 1828 حيث استعمله المترجم الياس وقد ورد اللفظ عنده بمعنى الذى لايعطى ادنى اهتمام لكل ماهو لاهوتى او دينى ويعد بذلك اول من وضع هذا المصطلح باللغة العربية. الا ان قضية العلمانية قضية قديمة فى مضمونها وحديثة فى لفضها حسمها الفكر الاسلامى منذ عصوره الاولى ووصل فيها الى قول فصل اجمعت عليها الامة ان كل شىء فى الوجود والكون خاضع لله تعالى وليس للطبيعة العمياء . ((يتبع))
تعليق على مقال