أنطلق من هذه الحقيقة التاريخية، لأسقطها على واقع مجتمعنا اليوم و مؤسساته، و الذي يتعرض لصراع بين أقلية ذات هوية متفسخة لكنها ذات سطوة سياسية و اقتصادية و إعلامية، و أغلبية ذات هوية عربية إسلامية لكنها سلبية و لا تأخذ بزمام المبادرة كي لا أقول متفرجة أو مستسلمة.
الهوية القوية الحاضرة في أذهان التونسيين هي السبيل الوحيد لبناء مجتمع قوي، متماسك وحديث.
الهوية هي التي تكمن التونسيين من الوثوق بأنفسهم و الحديث برأس مرفوعة أمام العالم. فمن لا تاريخ له لا مستقبل له و من لا هوية له لا حضارة له. أمّا التفسخ و الانهزام الحضاري فلا ينتج عنه سوى عقد ومُركّبات النقص أمام الآخر، و الإحساس بالتقزم أمام الحضارات الأخرى. كما أنه سبب في نشوء التناقضات في نفسية التونسي.
الخطير في الأمر أن بعض المنهزمين حضاريا، والمدعين للحداثة و التقدم يسيطرون على جزء من النسيج الاقتصادي والسياسي و الإعلامي و حتى الأمني و الإداري في تونس. بعضهم يساهم في وضع البرامج في وزارة المرأة بالتعاون مع الجمعيات ذات نفس التوجه، يحاولون التأثير على المناهج الدراسية لتلاميذنا في المدارس و المعاهد، يسعون من خلال عمليات التوجيه الجامعي إلى إبعاد الطالبات عن عائلاتهن، يضعون برامج إعلامية تمجد ثقافة التفسخ و تصور جوهر الهوية على أنه رجعية و ظلامية و تخلف.
دعاة التغريب و الانحلال الاجتماعي ينظمون أنفسهم في جمعيات، يربطون علاقات مع مؤسسات و منظمات دولية، ينشؤون مواقع أنترنات، ينظمون ملتقيات و اجتماعات، يطبعون قصصا و كتبا و أقراص و يوزعونها على عمال المصانع و تلاميذ المدارس و طلبة الجامعات. يكتبون المقالات، ينشؤون الجرائد و الإذاعات و التلفزات، و لا يتركون أية مساحة إلا و يستغلونها لنشر ثقافة الانهزام الحضاري التي يسمونها حداثة و انفتاح و تقدمية.
يجتهدون و ينفقون من أموالهم و يخصصون أوقاتهم من أجل نشر التفسخ وضرب هوية التونسيين، وهم يعلمون أنهم لن يحصلوا لا على أجر و لا على راحة بال، وأقصى ما يتمنونه إطراء من قناة فرنسية أو جريدة غربية.
أما أغلبية التونسيين فهي تتفرج و لا تحرك ساكنا، اللهم بعض النقد الخافت هنا أو هناك. هل هذه هي ايجابية المجتمع التونسي و قوة إرادته؟ ينتقد القنوات التونسية و يدمن مشاهدتها، ينتقد العري و الانحلال الأخلاقي واللفظي و لا يراقب أبناءه و بناته، ينتقد تصرفات الناس و تكالبهم و انتهازيتهم، ينتقد كثرة انتشار المخدرات و الإجرام، ينتقد العنف اللفظي و المادي، ينتقد الانحلال الأخلاقي و عودة المجتمع لعصور الغرائز الحيوانية. و لكن ماذا فعلنا لننشر الأخلاق السامية و قيم مجتمعنا الحقيقية، ونجعل من ذلك منطلقا لبناء مجتمع متحضر و حديث، كما يحلم به كل إنسان؟ ومتى يقرر كل منا أن نخصص لوطننا و لمجتمعنا بعض الجهد حتى ترسخ معالم هويتنا في أذهاننا و أذهان أبنائنا و في تصرفاتنا.
كريم السليتي
خبير بمكتب استشارات دولي
تعليق على مقال