مثلت عمليات الاعتداء على ليبيا التي قامت بها القوات الغربية الفرنسية و البريطانية برعاية أمريكية، تحت مظلة 'الناتو'، عامل فضح لأطراف كثيرة و خاصة منها تلك التي تصنف على أنها تتخذ الإسلام ضابطا، سواء تعلق الأمر بأفراد أو بتنظيمات سياسية أو منظمات مجتمع مدني، وهي الأطراف التي وافقت ضمنيا على الاعتداء على بلد مسلم وتقتيل أهله، بحيث أن أحداث ليبيا عرتها و أظهرتها على حقيقتها من أنه تفصلها مسافة عن التقيد بقيم الإسلام التي تدعو لنصرة الأخ المسلم وعدم الخضوع للأجنبي، كما بينت الأحداث أن هذه الأطراف أشد حرصا في تحركها لإرضاء مراكز القوى الدولية والغربية منها خصوصا، أكثر من حرصها على إرضاء الإسلام و المسلمين.
شيوخ 'الناتو'
يجب القول أن وجود أشخاص يرتزقون بالعلم الشرعي، ليس جديدا و لم يكن وليد أحداث ليبيا، فتكوّن هذه الطفيليات ظهر منذ بدايات الدولة الأموية بل منذ صراع علي ومعاوية، و لكن الجديد هو إسراف هؤلاء المرتزقة في تحريفهم و استهزائهم بالإسلام و المسلمين على السواء.
و انتقلت عمليات توظيف الإسلام من مرتبة المواقف العشوائية إلى مرتبة العمل المؤسس تحت حكم آل سعود، فهؤلاء أوجدوا آليات و منظومات تديرها طاقات بشرية مختصة في العلوم الشرعية، وقع تصويرهم على أنهم علماء يجب طاعتهم و أن دمائهم مسمومة بحيث لا يجوز نقدهم، وتم تأطير ذلك في ما يعرف بهيئة كبار العلماء فيما يشبه الاكليروس لدى المسيحيين في القرون الوسطى.
و استفاد آل سعود من طبقة مرتزقة العلوم الشرعية هؤلاء، إذ أنقذوهم من ورطتهم حينما شاركت السعودية في تدمير العراق و تقتيل أهله، حيث أفتى أولئك العلماء بصحة موقف ولي الأمر، وهو الوصف الذي يسبغونه على حكام آل سعود، و انطلت الحيلة على عموم الشعب السعودي، بل وبعض من التونسيين ممن يرى أن السعودية دولة نموذج في تطبيق الإسلام.
ومع انتشار القنوات الفضائية ، بدأت تظهر طبقة أخرى من محترفي الخوض في أمور الإسلام ، و لاقى هؤلاء قبولا بل تقديسا لدى الناس، و لكن الخطر أن هؤلاء الشيوخ الذين وصلت نجوميتهم حد تصييرهم قدوات، كانوا يعملون من طرف خفي على تتفيه للإسلام من خلال انتقائية مقيتة يقومون بها، بحيث يسرفون في أمور تعبدية فردية و يهملون تلك المتعلقة بالجانب الاجتماعي للإسلام، و انتهى الأمر بهؤلاء أن أصبحوا مكرسين للواقع و داعين ضمنيين لصحته و عدم مقاومته. بل إن بعضا من هؤلاء الدعاة لم يجدوا حرجا أن يتحدثوا في قنوات مملوكة لآل سعود، و هم الذين ما انفكوا يبثون الفاحشة في عموم المسلمين بما لديهم من قنوات أخرى تدعو للمجون، مما يعني ضمنيا تشريعا لتلك القنوات ولحكم آل سعود على السواء، وعمل على التطبيع مع الفساد ومنتجيه والمروجون له.
ثم كانت طائفة أخرى من الشيوخ ممن يتصور أنه أفضل من الفئة الأولى، فكان أن عرفوا بمناصرتهم لبعض القضايا البديهية كقضية فلسطين، و لكن كلا صنفي المرتزقة لم يكن يوما يمثل عامل وعي للشعوب بقضاياهم الحقيقية، و لا يمثل عامل صد ضد الغرب و مخططاته العاملة على إلحاقنا به، بل إن هؤلاء الشيوخ لطالما كانوا أدوات في تكريس حالة التبعية، منهم من يفعل ذلك بطريقة غير مباشرة إذ يتلاعب بالإسلام تحت مزاعم وجوب طاعة ولي الأمر، و منهم من يعتقد أن له نفوذا و قدسية لدى الأتباع السذج بحيث يأمن المجاهرة بمواقفه الداعمة مباشرة للقوى الغربية، و من هؤلاء يمكن ذكر يوسف القرضاوي و سليمان العودة و والعريفي و غيرهم، فالقرضاوي ومواقفه الداعمة لأمريكا أبدا معروفة و لا تستحق التذكير، و لكن ما يهمنا في مسألة الاعتداء الغربي على ليبيا، أن هؤلاء المشايخ كلهم وقفوا بجانب أمريكا و الغرب عموما بل وأصدر بعضهم الفتاوى المساندة لتلك الاعتداءات، و لم يروا بالمقابل بأسا بتقتيل الليبيين و استباحة أراضيهم من طرف الغرب الكافر.
حركات الإسلام الأمريكي
أما الحركات الإسلامية، و لكي لا أوغل في التفاصيل، فيكفي ذكر أن تونس لم تشهد أي موقف مناهض للاعتداء على ليبيا من طرف أي حركة أو قوى إسلامية، باستثناء موقف حزب التحرير الضبابي، و اللوم الأكبر موجه لحركة النهضة باعتبارها تحوز على زخم شعبي كبير، فهذه الحركة التي ما انفكت تتدرج من نكسة لأخرى، لم تصدر أي موقف يرفض الاعتداء على ليبيا من طرف الغرب وتقتيل أهلها، بل إن عشرات المنظمات المدنية (1) الدائرة في فلك حركة النهضة لم يصدر عنها أي موقف رافض أيضا، مما يعني ضمنيا أن هؤلاء مساندون لضرب ليبيا و تقتيل أهلها.
إذا كانت حركة النهضة ومن يدور في فلكها من تنظيمات تعتقد فعلا أن ضرب ليبيا هو من مصلحة المسلمين ويجوز شرعا، فهذا دليل على انحدار أخلاقي رهيب، وان كان الأمر سببه الاعتبارات السياسية، فهذا أيضا عذر أقبح من ذنب لا يليق بمن يملك قدرا من المبدئية فضلا على أن يكون تنظيما ينتظر منه أنصاره التحلي بخلق الإسلام.
كيف لحركة مافتئت تصدر البيانات بمناسبة وبغيرها، أن تتخلف عن إصدار بيان يدين التدخل الغربي لضرب بلد مسلم وتقتيل أهله، أولم تصدر حركة النهضة بيانا تدافع فيه عن المواخير وترفض غلقها بطريقة شعبية، هل يكون قدر إخوتنا الليبيين لدى حركة النهضة أقل من قدر مومسات مواخير تونس.
أولم يتحرك أنصار حركة النهضة وحشدوا الآلاف في قاعة 'القبة' لإبراز أنهم شباب أهل وعي وداعمون للقضايا الإسلامية، وأنهم ضد التطاول على المسلمين، فكيف يقبل هؤلاء بأن يضرب بلد مسلم من طرف قوى أجنبية ويقتل أهله، خاصة وأنهم من الفئة الواعية والمقدمة نفسها على أنها حامية للقضايا الكبرى كما يقولون، فإن كان الأمر بهذه السلبية مع من يحمل القضايا ويتصدى لها، فماذا يمكن أن يصدر عن الشباب العادي.
يصعب حقيقة على هذه الحركة أن تصدر مواقف ترفض التدخل الغربي بليبيا، وهي الحركة التي كان من أول اهتمامها بعد نيل التأشيرة الحج للكونغرس الأمريكي و تقديم نفسها على أنها قادرة على حماية المصالح الأمريكية بتونس، من دون حد أدنى من خجل كان يفترض أن يمنعها عن ذلك، أوليس أمريكا لازالت تحتل العراق وأفغانستان حيث قتلت الآلاف، أوليس أمريكا كانت قد انتهت للتو ساعة الزيارة من قتل أسامة بن لادن، أفما كان يمنعها ذلك احتراما للمسلمين من أن تؤدي تلك الزيارة.
ولعل البعض قرأ من قبل تقرير 'راند' الذي دعا الجهات الأمريكية لتدعيم قوى الإسلام المعتدل التي رأى معدو التقرير أنها القادرة على حماية المصالح الأمريكية، فهل تمثل النهضة فعلا النموذج لحركات الإسلام الأمريكي؟
ثم ما الفائدة أساسا من حركة تصل للحكم وهي بهذا الانكسار و التبعية؟ فما الحاجة لها إن ربحت الانتخابات؟ فلست أعتقد أن التونسي بحاجة لنظام يغرقنا في إسلام شعائري، بالتوازي مع خنوع لطرف أجنبي.
أنظر مقالات لي اخرى متعلقة بالموضوع:
ليبيا: بئس الثورة التي يخططها الأجنبي وبئس الثوار الذين ينفذون برامجه
هل يفتينا القرضاوي بوجوب قتل مهاجمي ليبيا ؟
قراءة في فتوى القرضاوي بقتل القذافي
--------------
(1) نعم أنا أعرف أن هناك أزيد من سبعين منظمة مابين خيرية وحقوقية وشبابية و ونسوية مقربة بطريقة أو بأخرى من حركة النهضة
تعليق على مقال