بالنسبة للأعضاء الغاضبين من ذلك البيان، فقد كان الممضون على نص 4 جوان “متآمرين” على الهيئة ورئاستها، “مأجورين” في خدمة أجندات خبيثة، “مندسين” يسعون لتفجير الهيئة. أما الأكثر “ذكاء” فقد ذهبوا إلى اتهام مجموعة الثلاثة عشر بأنهم بدؤوا في القيام بحملة انتخابية لأنفسهم وأنهم إنما يريدون جلب الأنظار لهم. بقي لهم بعد أن صدقوا كل ما قالوه أن يطالبوا الممضين على البيان بالاعتذار، وهو اعتذار لم يفكروا حتى في منح الوقت المفترض لأصحابه للنطق به، ربما لأنهم كانوا يعرفون مسبقا أنه لن يحصل، وربما حرصا على وحدة الهيئة، وربما خوفا من أن ينطق أحدهم بكلام يزيد في توتيرهم.
أما رئيس الهيئة الموقر، الذي تغاضى للمرة الأولى في جلسات الهيئة عن تحديد توقيت المداخلات، فقد كان سعيدا بالعياضية التي اشترك فيها للمرة الأولى أرباب الشعر والنثر، ولأنه كان شديد الحياد فقد ترك أعضاء الفرقة المبجلين يكيلون التهم والشتائم لمن يفترض أنهم زملاء لهم في الهيئة، ذلك أن بيان 4 جوان قد “جرحه جرحا شديدا”، و”مس من شعوره” بطريقة غير مسبوقة. وبالفعل فإن للتسامح حدودا، وكذلك للحياد. ينسى السيد رئيس الهيئة في خضم ذلك أن البيان تعرض لأدائه السياسي وليس لشخصه، وأن الانتقادات التي وجهت إليه ما كانت لتجرحه لو اعتبر مضمونها أكثر من اعتبار شكلها. أما ما شهده بعينيه وأذنيه فهو ثلب صريح لمن يفترض أنهم زملاؤه في الهيئة، وهو ثلب يحتفظون بحقهم في تتبع الناطقين به بكل السبل المشروعة. كانت تلك فرصة إضافية للسيد الرئيس لإبراز حياديته وتكذيب نص البيان، ولكن الأمر لم يكن بالبساطة المفترضة: عندما تكون أنت في صلب الموضوع، وعندما تكون الأنا لديك بمثل ذلك التضخم، فإنك تتبع غريزتك وقليلا ما عقلك. وهذا بشري جدا !
الأغرب من ذلك هو الربط بين بيان الثلاثة عشر وبين ما تكتبه بعض الصحافة، وكذلك ما يكتب وينشر على الشبكات الافتراضية، من انتقادات للهيئة العليا وأدائها، واعتباره أن الأمر ناتج عن مؤامرة خبيثة لتفجير الهيئة من الداخل بالتنسيق مع مهاجميها من الخارج. كانت تلك النغمة الافتتاحية قد أعطت اللحن العام للجلسة، وقد كانت كافية وأكثر من كافية. لم يمنع كثير من المتابعين أنفسهم من تذكر نوع معين من التفاعل مع أحداث مشابهة طيلة عشرين سنة على الأقل: لا ينظر لفحوى الانتقادات وإنما يقع البحث في نوايا المنتقدين، وعوضا عن النظر في المضمون المحرج للانتقادات يقع الهروب إلى شكلها “الجارح”، في تشخيص قد يبدو ساذجا لدى البعض، ولكنه واع تماما في الحقيقة. بعد ذلك، أي بعد القفز عن الاختلافات في وجهات النظر حول طريقة تسيير الهيئة وعملها، يقع تلخيص المشهد كله في تقسيم جديد: أنصار السيد رئيس الهيئة وأعداؤه. بعد ذلك ينطلق الجمع في حفلة المزايدة، فيتحول نعت مجموعة الثلاثة عشر من “السلوك الغريب”، إلى “الاندساس” ثم إلى “التآمر”، ثم إلى “الخيانة” ولا يبقى بعد ذلك سوى تنفيذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت في الساحة الحمراء ! نفهم جيدا أنه لا يمكن للبعض التخلص من كل التركة النفسية والسياسية التي تراكمت في وعيهم طيلة عشرات السنين. فالاستبداد، ذلك المرض العضال، عندما يصيب جسما فإنه يدمر خلايا النقد الذاتي ويحول الطبقة السياسية كلها إلى جسم متشابه في ردود أفعاله مع تلك التي ادعى أنه جاء لتعويضها. حتما، سيتوجب أن ننتظر زمنا أطول من المفترض لنرى الطبقة “الجديدة” تغير سلوكها، فالشفاء عملية طويلة معقدة.
بعض الأسئلة بقيت مع ذلك دون أجوبة، لأنها لم تطرح: لو أراد الممضون على بيان 4 جوان تفجير الهيئة، لماذا لم يعلنوا تعليق عضويتهم منها، خاصة وأن ذلك كان سيدمرها بالفعل ويحولها إلى ما تخشى التحول إليه في نظر الرأي العام؟ لو أراد الممضون على النص المذكور تدمير الهيئة لماذا رفضوا إمضاءات أخرى على البيان الذي أصدروه، والجماعة تعلم حق العلم أن بيانا ممضى من ثلاثين عضوا على الأقل أكبر قدرة على التدمير من بيان ممضى من ثلاثة عشر عضوا؟ لو أراد أصحاب البيان تدمير الهيئة بالفعل لماذا يتمسكون بدورهم فيها، ولماذا يحرصون على المشاركة في أشغالها ويشتركون في اللجان التي يعهد إليها بصياغة مشاريع نصوصها، مثل لجنة “العهد الجمهوري” على سبيل الذكر لا الحصر؟
ربما كان على منتقدي المنتقدين أن يتساءلوا مثل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى، وربما توجب عليهم أن يفكروا بطريقة مختلفة تجعلهم قادرين على الفهم أكثر مما أبدوه في تلك الجلسة البهيجة: هل تقوم الهيئة بما يفترض أنها تقوم به؟ وهل إعداد قانون انتخابي وإحداث هيئة مستقلة للانتخابات طيلة أكثر من أربعة أشهر من الوجود بكاف لتسويقها لدى الرأي العام؟ وهل تقوم الهيئة بما يفترض أن تقوم به بمقتضى المرسوم المحدث لها: “إبداء الرأي بالتنسيق مع الوزير الأول حول نشاط الحكومة”، و ”إحداث لجان مختصة في مواضيع معينة ”. كان بالإمكان ربح الكثير من الوقت لو أن تلك اللجان أحدثت، وأوكلت إليها مهمة إعداد النصوص التي استغرقت معظم جهد الهيئة، ذلك أن اللجنة الوحيدة القارة الموجودة صلب الهيئة هي إلى اليوم “لجنة الخبراء”، خاصة وأن تجربة إحداث لجان (مثل لجنة ضبط قائمة المناشدين ولجنة صياغة “العهد الجمهوري”) قد أثبتت نجاعتها، ولكننا كنا ننتظر أن تتشكل لجان لمتابعة الوضع السياسي العام، وخاصة المسالة القضائية والمسالة الأمنية. ولكن إصرار رئاسة الهيئة على عدم تشكيلها رغم المطالبات العديدة بذلك لا يمكن تفسيرها إلا بحرص الرئاسة على أن لا تفلت الأمور من يديها، وأن يوجه للحكومة من الانتقادات ما لا تقوى عليه.
نقطة أخرى ستظل تثار باستمرار، وعلى رئاسة الهيئة أن تفكر فيها قبل أن تفاجئها بيانات أخرى: هل رئاسة الهيئة تمثل الهيئة لدى الحكومة أم الحكومة لدى الهيئة؟ وهل من حق رئاسة الهيئة أن تحسم في بعض القضايا دون مناقشتها أصلا في الهيئة، بغض النظر عن طبيعة تلك القضايا؟ وهل من حق رئاسة الهيئة أيضا أن تدلي بصفتها تلك بتصريحات سياسية لم يحصل حول مضمونها إجماع ولا نقاش داخل اجتماعات الهيئة؟ نقطة أخرى: بأي حق يسمح بعض أعضاء لجنة الخبراء في الهيئة العليا لأنفسهم استعمال صفتهم تلك في وسائل الإعلام لإبداء آراء شخصية مثيرة للجدل ومستفزة للرأي العام؟ وبأية صفة يسمح البعض الآخر لنفسه “بتأنيب” بعض أعضاء اللجنة على إمضائهم البيان المذكور؟
أما الممضون على البيان، فإنهم لا يزالون يعتقدون أن بإمكان الهيئة أن تطور عملها وتزيد في نجاعة أدائها، وأن بإمكان أعضائها إذا ما أرادوا (وكثير منهم يريدون ويحاولون) أن ينقلوا نبض الشارع الحقيقي ويراعوا تخوفاته من رؤية ثورته تضيع أدراج الحسابات الحزبية الضيقة، ولكن جدوى الأعمال التي يسعون للقيام بها تظل محدودة، لأن طريقة عمل الهيئة أرادت ذلك. في البلاد أشياء أخرى غير حسابات الأحزاب وأحقاد الإيديولوجيا، وإننا نعتقد أن بإمكان هذه الهيئة أن تتقي الهجمات عليها، لأن معظم تلك الهجمات منطلقة من سوء فهم، ومن نقص في التواصل، وخاصة من محدودية القدرة على مراجعة الذات لدى بعض الذوات. أما صم الآذان عن النقد، واتهام المنتقدين بأنهم خونة ومأجورون، فما نحسبه إلا يزيد في عزلتها، ويحد من مردوديتها.
عدنان المنصر
مواطن سيبقى حرا
تعليق على مقال