المباراة كانت عرسا جميلا جمع بين فريقين من بلدين جميلين قدّما للعالم نموذجا راقيا للثورة التي زلزلت أنظمة الفساد و الطغيان. و لكن تشاء الأقدار أن تخرج هذه المجموعات الفاسدة بين الحين و الآخر في مصر كما في تونس لتزرع بذور الفرقة و تبذر الأشواك في طريق الإصلاح لإفشاله.
رأينا ذلك أكثر من مرّة و عرف الجميع أنّ أعداء الثورة هم من يقفون وراء تلك الأعمال الشنيعة التي
قد تنجح في تشويه الصورة و لكن سرعان ما تعود الأمور إلى نصابها بفضل العقلاء الذين يصدّون تلك الهجمات التخريبيّة بفضل الكلمات الطيّبة لأنّ "الكلمة الطيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت و فرعها في السماء".
كلمات الاعتذار الطيّبة الجميلة التي جاءت من جميع الهيئات المصريّة السياسيّة و المدنيّة كانت كافية لتضميد الجراح التونسيّة و كانت حقّا كشجرة طيّبة أطفأت بظلّها حرقة الغدر التي جاءت من فئة قليلة لا تمثّل الشعب المصريّ العظيم الذي نحبّه كما يحبّنا و نحترمه كما يحترمنا.
غير أن الاعتذار الأجمل و الأكثر روعة جاء من نهى. نهى طالبة مصريّة تدرس في تونس و جميع من معها في الفصل تونسيّون. و هي تسكن في تونس منذ سنوات مع أسرتها المصريّة لأنّ والدها يعمل بالبنك الإفريقيّ الذي استقرّ به المقام في تونس.
في بداية الحصّة، استأذنت نهى منّي بوصفي أستاذها و قالت أنّها ترغب في توجيه كلمة إلى زملائها في الفصل، فسمحت لها و هي الطالبة المثاليّة التي لا أردّ لها طلبا.
نظرت إلى كلّ من في الفصل و الجميع يجهل ما ستقول و احمرّ وجهها في لحظات ثمّ قالت " أتقدّم إليكم باسم والدي و أسرتي و كافّة الشعب المصريّ بالاعتذار لكم و للشعب التونسيّ الشقيق عن الأحداث المؤسفة التي وقعت في مباراة الزمالك و الإفريقي، وأرجو من كلّ قلبي أن لا يتكرّر ذلك"
قالت نهى كلمتها بصدق مؤثّر فصفّق لها زملاؤها في الفصل و صفّقت معهم بإعجاب كبير أمام ذلك الموقف النبيل الذي كان تلقائيّا عفويّا خاليا من كلّ شكليّات "البرتوكول الدبلوماسي".
و ظللت أفكّر في ذلك الموقف طيلة ساعات، و مرّت بخاطري كلّ كلمات الاعتذار التي نشرت في الصحافة المصريّة و العالميّة و ضجّت بها نشرات الأخبار في الإذاعة و التلفزيون فلم أجد أجمل من الاعتذار الذي جاء على لسان نهى. ظللت أفكّر في ذلك طيلة النهار، و لمّا جاء الليل قرّرت أن أكتب هذه المقالة تعبيرا عن الشكر لنهى و التقدير لوالد نهى و الإكبار للشعب الذي جاءت منه نهى.
عبد الرزاق قيراط ، أستاذ نهى
تعليق على مقال