ويقول الشيخ عز الدين بن عبد السلام : " إن أفضلَ الأعمال بعد الإيمان بالله : الجهادُ في سبيل الله ؛ لما فيه من محقِ أعداءِ الله وتطهير الأرض منهم، واستنقاذ أسرى المسلمين من أيديهم، وصَون دماء المسلمين وأموالهم وحُرَمهم وأطفالهم، وارتفاق المسلمين بما منحه الله من أراضي الكفار وأموالهم وإرقاق حرمهم وأطفالهم . ولذلك عظّم الله فيه أجرَ الطالب من المسلمين والمطلوب، والغالب والمغلوب، والقاتل والمقتول، وأحيا القتلى فيه بعد مماتهم، وعوّضهم عن حياتهم التي بذلوها لأجله بحياة أبديَّةٍ سرمديّة لا يصفها الواصفون ولا يعرفها العارفون .
وكذلك لمَّا فارقوا الأهل والأوطان أسكنهم في جواره، وآنسهم بقربه بدلاً من أُنس مَن فارقوه من أحبائهم لأجله! فطوبى لمن حصل على هذا الأجر الجزيل في جوار الرّبّ الجليل. وإنما يحصل ذلك لمن قاتل في سبيل الله لتكون كلمةُ الله هي العليا وكلمةُ الذين كفروا السّفلى ".
ساد فى السنوات الأخيرة افتراض داخل الحكومة الأمريكية وخارجها مؤداه أن عقيدة الجهاديين – كتلك التى أشار إليها الشيخ ابن تيمية، والشيخ العز بن عبد السلام – قد ضعفت وخفتت بفعل جهود المخابرات المركزية الأمريكية، وجهود فرض القانون والعمليات العسكرية التى نجحت فى الحد من العمليات الجهادية. هذا بالإضافة إلى ما اعتقدوه من ردود الفعل السلبية للعمليات الجهادية فى العالم الإسلامى التى تمثلت عندهم فى شجب بعض علماء السنة المعروفين لهذه العمليات، وكذلك تمرد بعض أهل السنة فى العراق وتشكيلهم لما يسمى بمجالس الصحوة . ويلخص الأكاديميون الأمريكيون ذلك بقولهم " ان العمليات الجهادية وإن ارتفعت وتيرتها، فإن المحتوى العقدى لهذه العمليات قد بدأ يحتضر".
لقد ثبت خطأ هذا الإفتراض كما يقول "سيباتشيان جوركا" عضوهيئة التدريس بكلية شؤون الأمن الدولى التابعة لجامعة الدفاع القومى، والمدير المؤسس لمعهد التحول نحو الديموقراطية .
وفى حلقة نقاش مغلقة عقدت مؤخرا وحضرها العديد من المسئولين فى المخابرات الدولية ومعاهد مكافحة الإرهاب، أشار أحد أعلى رتب ضباط المخابرات الأمريكية إلى ملاحظة هامة للغاية قال فيها: " إن ما يقوم به قادة التنظيمات الجهادية الكبرى من عرض لأفكارهم العقدية بشكل غير منتظم فى شكل إعلامى على حساب التخطيط لتنفيذ عمليات هجومية قد فاق ماهو متوقع، وقد قيل لنا أن المخابرات الأمريكية بكامل هيئتها بدأت تنظر بعين الجد إلى هذا الأمر، وباتت ترى أن هذا التهديد الدعائى العقدى هو أعظم خطورة على المصالح الأمريكية من التدريب على عمليات هجومية يقتل فيها الأمريكيون".
انقسم أعضاء هذه الحلقة إلى فريقين. يمثل الفريق الأول " مارك سيجمان" وهو أحد العلماء العاملين فى فرع وزارة الداخلية الأمريكية فى " نيويورك سيتى"، وهو طبيب نفسى سابق فى المخابرات الأمريكية . ويمثل الفريق الثانى " بروس هوفمان" أستاذ برنامج دراسات الأمن التابع لجامعة جورج واشنطن .
دخل " سيجمان " و"هوفمان" فى نقاش عاصف فى العام الماضى عند مناقشتهما لقضية أثر التنظيمات الجهادية الكبرى على الجماعات الجهادية عبر العالم. رأى " سيجمان" أن الجماعات الجهادية الصغيرة تمارس عملياتها بدون توجيه من التنظيمات الجهادية الكبرى، وأن قياداتها تنبع من داخلها.أما "هوفمان" فقد أصر على أن التنظيمات الجهادية الكبرى لا زالت تشكل التهديد الأكبر، ولا زالت تحتفظ بأعلى مستوى من القيادة والرقابة، وأن القول بأن الجماعات الأصغر تمارس عملياتها بدون توجيه من القيادات الكبرى هو مجرد خرافة.
يرى "جوركا" أن " سيجمان" و"هوفمان" مخطئان، لأن مصادر المعلومات المتاحة من المخابرات الأمريكية تقدم تصورا مختلفا، حيث ترى هذه المصادر أن التنظيمات الجهادية الكبرى وإن خفت حدة عملياتها الهجومية، فإنها قد كثفت من دعايتها المتضمنة رسائل عقدية. ومازالت هذه التنظيمات مستمرة فى ممارسة نشر عقيدتها السلفية الجهادية . ولا زالت تلعب دورا هاما فى تنسيق العمليات الجهادية . لم تفقد هذه التنظيمات بريقها عند الشباب المسلم، بل كانت مصدر إلهام لهم ونجحت فى تجنيد العديد منهم فى القيام بعمليات جهادية خارج العالم العربى بصفة خاصة. يقول " جوركا " لقد أيدت مصادر غير حكومية حديثة وجهة النظر هذه، فقد قامت الجماعات الجهادية فى عام 2008 بعمليات مشابهة لتلك التى قامت بها التنظيمات الكبرى، ولكن فى بلاد تقع على بعد آلاف الأميال من العراق، وإسرائيل مثل الفيليبين، وروسيا، والصومال، وباكستان . تضاعف العدد السنوى لهذه العمليات ثلاث مرات مابين أعوام 2004- 2008 بمعدل ست مئة عملية تقريبا. وإذا استثينا من المجموع الكلى لهذه العمليات، تلك العمليات التى جرت فى أفغانستان وإسرائيل، سنجد أن معدل الزيادة فى هذه العمليات مذهل للغاية إذ بلغ أربعة أضعاف.أما إذا رجعنا إلى الوراء قبل 11/9 فى حقبة الرئيس "جورج بوش" الإبن وماتلاها من الحروب فى العراق وأفغانستان، فستصدمنا النتيجة حتما حيث نجد أن الزيادة السنوية فى معدل العمليات الجهادية التى تحركها العقيدة السلفية قد بلغ عشرة أضعاف فى العقد الماضى ".
من الواضح إذن كما يقول " جوركا " أن العقيدة التى تتبناها التنظيمات الجهادية الكبرى تكسب على الدوام مؤيدين جددا لها من فئة الشباب الذين لم يدخلوا حلبة الجهاد قط، ولم يسبق لهم الإشتراك فى عمليات جهادية. إن استفتاءات الرأى العام العربية والغربية تكشف حجم تأثر الغالبية العظمى من شباب البلاد الإسلامية بما تصوره التنظيمات الجهادية الكبرى فى دعايتها عن واقع الجهاد. وإنه من السخف – كما يقول " جوركا " - أن يجلس أحدهم فى واشنطن بلا اكتراث ويقول أن هذه التنظيمات الكبرى ترى أن الغرب يخوض حربا ضد الإسلام، ولا يعرف أن ثلاثة أرباع الباكستانيين يرون أن ذلك أمر حقيقى وأنه هو الدافع الأساس الذى يقود الولايات المتحدة فى عملياتها العسكرية تحت إسم " مكافحة الإرهاب". ولا يعرف كذلك أن خمسا وثمانين فى المئة من المصرييين يعتقدون ذلك أيضا. أنه لا بد من الاعتراف من أن هذه الزيادة الهائلة فى العمليات الجهادية، وهذا التعاطف العريض لأهدافها فى العالم الإسلامى، سببه الأساس هو هذه العقيدة الفريدة التى تتبناها التنظيمات الجهادية الكبرى. لنأخذ مثالا هذه العملية التى شنتها الجماعات الجهادية على مومباى فى الهند. إن تحليل مجريات هذه العملية يوضح أن الجهاديين ذهبوا إلى أبعد من مجرد استهداف الهندوس، لقد كانوا يبحثون بجدية عن المدنيين الأمريكيين والبريطانيين، كما استهدفوا بوضوح المركز اليهودى هناك . لقد كان الجهاديون يلبون نداء الجهاد ضد اليهود والصليبيين بناء على الفتوى التى أصدرها قائد أحد التنظيمات الجهادية الكبرى عام 1996.
وهناك نقطة أخرى بالغة الأهمية، وهى أن هذه العقيدة السلفية الجهادية قد امتدت بشكل واضح إلى مناطق أخرى من العالم لم تكن تحمل السلاح قط . مثال ذلك الشيشان وداغستان بدرجة أقل، ومناطق أخرى فى قوقاز روسيا. لكن الأهم من ذلك، هو أن تأثير هذه العقيدة الجهادية قد اخترق الثقافة الصوفية السائدة فى بعض البلاد الأفريقية التى تركز على الجانب الروحى وخلاص الإنسان، ففى الصومال على سبيل المثال نجحت الثقافة الجهادية فى فرض نفسها على الساحة واختراق الثقافة الصومالية بكاملها إلى الحد الذى اعترفت فيه جماعة الأزمة الدولية الخاصة بالصومال بأن العديد من الصوماليين يفهمون جيدا أن حرب الولايات المتحدة على ما يسمى بالإرهاب إنما هى - ببساطة - حرب على الإسلام . يقول " جوركا ": إن الذى اخترق الثقافة الصومالية ليس هو حرب العصابات وإنما هو هذه العقيدة الجهادية . لقد أدرك الصوماليون أن تغلغل الولايات المتحدة فى بلادهم هو أبعد من أن ينتهى قريبا. وأن الضباط الأمريكيين فى القيادة المقاتلة " الأفريكوم" ليسوا مجرد عسكريين يحاربون القراصنة، ويعملون على استقرار صومال يفتقد إلى المؤسساتية، إنما هم عسكريون يتعاونون مع الهيئات الفيدرالية الأخرى لضمان عدم قيام الشباب الصومالى فى الشتات بعمليات هجومية على المصالح الأمريكية ".
يتساءل " جوركا " : مالذى يعنيه كل ذلك بالنسبة للصراع المعروف بـ" الحرب العالمية ضد الإرهاب" . يجيب "جوركا " على هذا التساؤل بقوله " إنه يعنى أن الجراحة التى أجرتها الولايات المتحدة فى أفغانستان لاستئصال التنظيمات الجهادية الكبرى لم تنجح، ولم ينجح الوجود العسكرى السياسى الأمريكى فيها فى القضاء على العقيدة الجهادية لهذه التنظيمات . إن الولايات المتحدة فى حاجة إلى جراحة أخرى تحاصر فيها أو تضع سياجا يحول دون امتداد تأثير هذه العقيدة الجهادية إلى الآخرين الذين يمكن أن تكسبهم التنظيمات الجهادية الكبرى إلى صفوفها. إن خطاب " أوباما" فى القاهرة ليس كافيا. إن على الولايات المتحدة أن تذهب إلى أبعد من ذلك فى الهجوم على عقيدة الجهاد. إن مصداقية القائد لها دور عظيم جدا فى الإسلام، ولهذا فإن علينا أن نحاول إثبات عدم شرعية القيادة السلفية. إنه بعد هذه الكارثة الهائلة التى تسببت فيها إدارة" بوش" فى الإتصالات الإستراتيجية يلزم الولايات المتحدة أن تتبع سياسة مختلفة . يجب تأسيس هيئة رائدة يدعمها البيت الأبيض تعمل على تنسيق رسالة حكومية شاملة تركز على هذا العدد الضخم من المسلمين الذين يقعون أسرى لدعاية التنظيمات الجهادية الكبرى . يجب على الولايات المتحدة أن تعيد ترتيب أولوياتها من جديد، فلا تركز اهتماماتها على مفاهيم الديموقراطية التى تسعى لنشرها فى بلاد الإسلام، بل على الواقع الدموى الناتج عن العمليات الجهادية . على الولايات المتحدة أن تركز على عدم شرعية قيادة التنظيمات الجهادية الكبرى أكثر من تركيزها على سياسة تقوم على دفع المسلمين إلى حب الولايات المتحدة ".
اعتمدت تحليلات " جوركا" وغيره من الأكاديميين الأمريكيين ورجال المخابرات المركزية على نظرتهم إلى عقيدة الجهاديين على أنها " إيديولوجية ". وشتان بين العقيدة والإيدولوجية، خاصة وأن الباحثين الغربيين يناقشون فى الوقت الحاضر ما يسمونه بـ " نهاية الإيديولوجية" فى المجتمعات الصناعية المتقدمة.
يفهم الغربيون " الإيديولوجية " على أنها نظام من الأفكار المتداخلة كالمعتقدات والتقاليد، والمبادئ، والأساطير التى تؤمن بها جماعة معينة أو مجتمع ما وتعكس مصالحها واهتماماتها الإجتماعية، والأخلاقية، والدينية، والسياسية، وغيرها. ويرتبط هذا المفهوم للإيديولوجية بالفهم الماركسى لها على أنها صورة من صور الوعى الزائف، وأنها أى "الإيديولوجية " ماهى إلا مجموعة من الأفكار والأوهام "المضللة" التى ليس لها وجود حقيقى، أو أنها تمثل نوعا من الواقع الإجتماعى الذى يظهر فيه الناس وظروفهم المحيطة بهم فى أوضاع معكوسة كما لو كانوا فى حجرة مظلمة. يضاف إلى ذلك أن الفهم الغربى والماركسى للإيديولوجية يرى أن الأفكار والقيم تنبثق من النظم الإجتماعية - الإقتصادية، ومن خبرات الحياة ونماذج سلوك الجماعات الإجتماعية .
إن استئصال عقيدة تدفع معتنقيها للتضحية بأنفسهم وأموالهم لمعبودهم، ومفارقة أهليهم وأوطانهم من أجل حياة أبدية سرمدية لا يصفها الواصفون ولا يعرفها العارفون كما يقول الشيخان "ابن تيمية" و"العز بن عبد السلام"، أمر يكاد يكون مستحيلا طالما أن الجراحين الأكاديميين ورجال المخابرات المركزية يفهمونها فى ضوء مصطلح "الإيديولوجية "الذى أشرنا إليه .
انظر:
Sebartian Gorka , The Surge That Could Defeat al Qaeda, Foreign policy, August 10,2009.
-----------
د أحمد إبراهيم خضر
دكتوراة في علم الاجتماع العسكري
الأستاذ المشارك بجامعات القاهرة، والأزهر، وأم درمان الإسلامية، والملك عبد العزيز سابقا.
تعليق على مقال