وأذكر أيضاً في أول زيارة لي إلى لندن، وكنت في الثامنة والعشرين من العمر، طلبت من شقيقتي أن تأخذني إلى ساعة بغ بن، في ويستمنستر آبي. وعندما وقفت تحت برج الساعة تذكرت المهابة التي كنا نتصورها ونحن نستمع إلى دقات بغ بن، واللهجة الرصينة للغاية لمذيع نشرة الأخبار، فدهشت ...!
يبدو أن بعض من تلك المهابة قد سقطت بحكم تقادم الزمن، ولكن القسم الأكبر هوى وتلاشى، بسبب المرات العديدة التي كذبت فيها إذاعة لندن، ومارست دجلاً إعلامياً، نعم هو رفيع المستوى، ولكنه دجل على أية حال، يختلف شكلياً عن إعلام عاش الرئيس، المجد للزعيم، التي تمارس الدجل بطريقة ساذجة ومقرفة، ذلك لأن لا الذوق لا يهمها أو إن كشف الناس الدجل أم لا، ولكن إذاعة مثل لندن، ومثلها يفترض محطات أخرى مثل السي أ أن، فقدت الآن كل مصداقية لها، بل وصار حتى كبار المسئولين يمارسون الكذب المفضوح بدرجة بائسة، ولا يتورع البعض منهم أن يقوم بتمثيليات، يستخدم فيها يديه ووسائل إيضاح من مستلزمات الحفلة، ينافس فيها ممثلي الكوميدي في بلدانهم، من يدري، ربما هذا المسئول أو ذاك قد وضع عينه على وظيفة ممثل سينما بعد التقاعد.
سأضرب بعض الأمثلة فحسب.
شاهدت بأم عيني رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يكذب تحت قبة مجلس العموم، وهو الأريب الذكي، لإمبراطورية كان الشمس لا يغرب عن ممتلكاتها، يدلي أمام مجلس العموم بأقوال لا تقنع حتى صبية المدارس، هذا المجلس العتيد، وهذا المنصب الخطير، ينتهي به الأمر أن يكون مهرجاً، يكذب ويمثل، ويخدع ويغش، وبابتذال ويفعل كل شيئ، لأنه مضبوع لجورج بوش، ولا يقوى على مخالفة أمر له ..! وجورج هذا لا يتورع حتى من مناداته: تعال وله توني ..!
واليوم هناك تحقيق عن جريمة زج الجيش البريطاني في عدوان سيدينه ذات يوم مجلس أمن يحترم نفسه، أو شيئ بهذا الاسم، وسيدفع المعتدي ثمن عدوانه حتماً، واليوم تشير التحقيقات أن رئيس وزراء بريطانيا بعبارة صريحة أو ملفلفة: كذاب، والأخطر من ذلك أن تحقيقات تشير أن المخابرات البريطانية اغتالت العالم البريطاني ديفيد كيلي(عام 2003) لكي لا يفضح سر التواطؤ على غزو العراق، وأن العالم كيلي كان يعكف قبل وفاته في ظروف غامضة على وضع كتاب لفضح أسرار حكومة بلاده عن حرب العراق، والكشف عن قيامه بتحذير رئيس الوزراء البريطاني توني بلير من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل قبل أسابيع من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وشاركت فيه بريطانيا، قتل هذا العالم من قبل سلطات بلاده لأنه أراد كشف الحقيقة، والتحقيقات جارية، وهي تدور لتبيض صفحة بريطانيا، لا لإلقاء القبض على المجرم
كولن باول، وزير خارجية هاوي، ولكنه ضابط محترف، ترى ما لذي يلجأه إلى الكذب العلني أما عدسات المصورين ..؟ هناك صورة شهيرة لهذا الجنرال يمسك بيده أمبولة لا يزيد طولها عن بضعة سنتمترات ليقول لمجلس الأمن: أيها السادة هذه هي أسلحة الدمار الشامل. ولكن، والحق يقال أن الضابط الهمام والوزير الفطحل، أعترف أيضاً أمام العدسات أيضا في حفلة ضياع الناموس، أن تلك أسوء لحظة في حياته، وماذا عن مئات ألوف البشر الذين قتلوا ...؟ آسفين .. لقد أر تكبنا أخطاء كثيرة. بل أن الوزيرة العبقرية قالت أر تكبنا ألاف الأخطاء ترى من يحاسب هؤلاء ويسحبهم لمحكمة الجنايات الدولية والاعتراف سيد الأدلة ..؟
الرئيس أوباما، الذي أستفتح رئاسته بتمثيلة رهيبة، أعتقد أنه بلون بشرته، ودينه السابق، وتودده المبطن، سيتمكن من يبدأ لعبة البوكر بخدعة (Bluff)، والبلف شائع في ألعاب البوكر يا سيادة الرئيس وليس في مصائر الشعوب، ولكنه لم يقوى على الانتظار أن تمر سنة واحدة، أو حتى عدة أشهر فحسب على خطابه التاريخي من على مدرج جامعة القاهرة، بل بأيام معدودة، فيذهب إلى مؤتمر إيباك ويلقي خطاباً صهيونياً بز فيه الصهاينة. وبالأمس فقط يمتدح إسرائيل، ويطلب من العرب أن عليهم أن يعشقوا من يقتلهم ويسلب حقوقهم، بالله عليكم لو مارست دولة من الدرجة العاشرة مثل هذا الدجل ماذا سيكون الحكم عليها ..؟
بالأمس أيضاً، احترقت بغداد بالصواريخ الإيرانية، عصابات المنطقة الخضراء تتصارع كالذئاب فيما بينها، والكل يريد أن يحمل ما خف وزنه وغلا ثمنه وبأسرع وقت، وها هم تحولوا إلى سباق في النهب. وحكام المنطقة الخضراء، مدوا أياديهم في بادئ الأمر خلسة، ثم بخجل، ثم نظموا حركة مد اليد، ولما شعروا أن الأمور على وشك أن تفلت، والأحذية تنتظر أن تنهال على رؤوسهم، صار النهب علني، ثم تطور العلني فصاروا يسرقون من بعضهم باستخدام السلاح.
رب سائل لماذا يسرقون من بعضهم. سؤال وجيه. هؤلاء أيها السادة مثل الحيوانات الخرافية، تجوع كلما تأكل، ومثل أسيادهم المستعمرين، عندما لا يجدون بقعة يستعمرونها يتحاربون فيما بينهم، والدليل أن كل الحروب التي نشبت في العالم كان ورائها دول غربية (ديمقراطية) رأسمالية والهدف هو إعادة اقتسام للعالم.
وطالما أن الكذب ملح اللصوص، يا سيدي فلنكذب .. لنكذب هذه المرة أيضاً .. آلهة الكذب معنا، ونحن مثلما نقتل ونسلب وننهب ونقيم التصفيات العرقية والطائفية، فلماذا لا نكذب، فقالوا أن وراء التفجيرات التي عرف الشعب العراقي بأسره من كان ورائها، لكن .. لا .. ورائها الإرهابيين والتكفيريين والبعثيين إلى آخر المعزوفه. طيب هؤلاء عرفنا أنهم محكومون بالكذب، ولكن لماذا يكذب السفير الأمريكي في بغداد. ليقول ما نصه: "(لماذا يريد أي شخص أن يعود حزب البعث الذي كان مسؤولا عن التدمير في هذا البلد عبر هذه السنوات، السؤال الفعلي من الذي يقول هذا الكلام ويزعم أن الولايات المتحدة تريد عودة الحزب، لأني اعرف وأقول لك ليس لدينا أية مصلحة في هذا على الإطلاق، هذه المقولات خاطئة كلياً ".وأكد السفير الأمريكي هيل أن بلاده لا تفكر بالعمل ضد الحكومة العراقية الحالية. وحول طبيعة الحوار ومساره بين واشنطن وبغداد حول القضايا الثنائية، قال " اولاً وقبل كل شيء كانت هناك مناقشات في الماضي، هذه المناقشات كانت تتم بالتنسيق مع الحكومة العراقية، ولم تكن الحكومة العراقية تريد أن نسير فيها".
إذن هذا السفير يدعي خلاف ما يعرف .. تصوروا أيها السادة المحترمون، هذا بلد كان من أرقى بلدان الشرق الأوسط، وقد أشار تقرير للأمم المتحدة أن العراق على وشك أن يغادر خانة البلدان النامية، وهو ما أزعج الأمريكان ومن لف لفهم، ولهذا بالضبط كان إنذار بيكر لوزير الخارجية العراقي بالحرف الواحد: سنعيدكم إلى العصور الحجرية. العراق اليوم صار من أسوء بلدان العالم، في الفساد والسرقة والفوضى بحسب مراكز دولية، بلد يقتل فيه العلماء من أجل أن يسود الجهلة والزعران .. يا للأسف.
لنقل أن هذا دبلوماسي براغماتي، وهو سفير لدولة لا تعرف العيب، ولكن لماذا يكذب جنرال بأربعة نجوم ..؟ (الجنرال تشارلز جاكوبي) فيدعي أن: العراقيون بدأوا بإدارة بلادهم فعليا مطلع العام، هو لا يريد أن يعترف أن ما أخرجه من المدن هو مطارق المقاومة، ولكنه يوغل في الكذب المفضوح، أنظروا ماذا يصرح: " لقد ألزمنا أنفسنا بالقضاء على الطائفية في العراق، والأهم أن الشعب العراقي نفسه يرفض العنف على أسس طائفية." . ألا يعلم هذا الجنرال أن كونغرس بلاده قد أصدر قراراً بتقسيم العراق، وها هم ينفذون خططهم كل يوم، وما تفجيرات الأمس إلا خطوة بائسة، فقدر عرفها الشعب.
ويضيف الجنرال المهزوم، وكأن لا يكفيه أنهار الدماء التي سالت: "علينا أن نقوم بما هو أفضل من ذلك، فالمهمة صعبة، وهؤلاء الإرهابيين تمكنوا من تقوية أنفسهم على مدار السنوات الماضية، لكن علينا أن نعطي القوات الأمنية فرصة، فهم سينجحون في نهاية المطاف."
مدير مخابرات القرقوزات من طينتهم وعجينتهم (يكرم الطين والعجين الطاهرين) نطق أخيراً، بأن ألأسلحة الإيرانية وعملائها هم الذين يخربون البلد تنفيذاً لأوامر طهران.
مجلس الأمن الموقر، يشهد حفلة إبادة وقتل وتهجير، وتصفيات سياسية وعرقية وطائفية أما أبصاره، بلد صار عدد اللاجئين أكثر من خمسة ملايين لاجئ انتشروا في دول العالم، ولم ينطق بحرف، صدرت إليه إشارة مستعجلة .. ينبغي إدانة التفجيرات، قرار متهور متعجل سيندمون عليه بعد أن عرف القاصي والداني أن وراء التفجيرات: ليس سوى ألعابهم المدللة، قرقوزاتهم، الشريف منهم عميل لثلاثة دول فصاعداً.
ما العمل يا بلاد الرافدين ....
مالعمل وقد تكالب عليك ثلاثي الفصائل الكلبية: الكلب والضبع والذئب .. وأترك للقارئ الكريم أن يقدر من هو الكلب، ومن هو الضبع، ومن هو الذئب
أنا أعرف كيف ستنتهي هذه الحفلة .. أعرف لأني أعرف التاريخ، أعرف لأني درست قوانين التطور، أعرف لأني أبن هذه التربة، أعرف لأني أدرك غضبة الأسود .. بل أنا اسمع زئيرها
العرب في البوادي يقولون: ما يروح كعود (رضيع الناقة) وعند أهله فرس
تعليق على مقال