بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ارتفاع معدلات الطلاق في مجتمعاتنا .. ناقوس إنذار

2009-05-08 8484 قراءة مقالات رأي هناء سلامة
1
ارتفاع معدلات الطلاق في مجتمعاتنا .. ناقوس إنذار
إذا كان الخطاب الإسلامي يتباهى على الغرب عمومًا ومجتمعاته ونظمه الاجتماعية ونظام الأسرة فيه، مؤكدًا متانة الأسرة العربية المسلمة لإقامتها على أسس راسخة من القيم والأخلاق، مقابل الحياة الاجتماعية الغربية التي لا تحترم الأسرة، ولا تحث على الزواج بسبب شيوع العلاقات المفتوحة بين الجنسين خارج دائرة الزواج، فإن الأرقام التي تصدرها الجهات المسئولة في مصر والبلاد العربية تؤكد أن معدلات الطلاق في بلادنا العربية باتت أكبر من معدلاته في الدول الغربية.

وإذا كان الهم الأكبر في مجتمعاتنا العربية هو تيسير زواج الشباب والفتيات، وحث أولياء أمور الفتيات على عدم المبالغة في المطالب المادية، فإن زيادة حالات الطلاق ينسف جهد تيسير الزواج، بل إنه يضيف مشكلات أخرى للمجتمع تتمثل في أعباء الزوجة المطلقة، خاصة لو كان لديها أبناء من زواجها السابق؛ تتمثل في السكن، والإنفاق على الأبناء ورعايتهم، وإدارة الخلافات مع الزوج السابق، وشغل مؤسسات المجتمع القانونية بها ... إلخ.

أحدث ناقوس خطر عن حالات الطلاق ما أكدته جمعية المأذونين الشرعيين المصريين، من أن متوسط عدد حالات الطلاق بمصر بلغ 300 ألف حالة سنويًّا، وأن 42% من حالات الطلاق وقعت بين المتزوجين حديثًا، وهذه أرقام كبيرة جدًّا وشديدة الإزعاج وهي تعبر عن حالة فشل وضعف لمجتمعنا ومؤسساته.

الخبراء يؤكدون أن الأمور المادية سبب رئيسي من أسباب الطلاق؛ أي أن العوامل المادية والاقتصادية وعدم قدرة الزوج على الإنفاق على زوجته وأولاده إذا كان فقيرًا هي السبب، أما بين الأغنياء؛ فإنها ترجع لعدم القدرة على توفير الرفاهية للزوجة.

وإذا كانت الأمور المادية هي السبب؛ فمعنى ذلك أن الدولة مسئولة عن هذا الملف بفشلها في إدارة الشأن الاقتصادي، وفي إحداث التنمية والتطور الذي يحفظ الاستقرار الاجتماعي، فالحكومة المصرية منذ أن انحازت لخطط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من بداية التسعينات، وهي تطبق سياسات رأسمالية لا تخدم الطبقات الفقيرة، بل تزيد من فقرهم، في الوقت الذي تصب فيه هذه الخطط والسياسات الاقتصادية في صالح الأثرياء ورجال الأعمال، وهم قطاع محدود من المجتمع.

أما إذا كان سبب الطلاق هو سوء خلق الزوج وتعديه بالسب والقول والفعل والضرب على الزوجة؛ فإن ذلك فشل اجتماعي جديد تُسأل عنه الأسرة التي تربي هذا الزوج بين جدرانها وتعلم منها، وهو تأكيد على أن أنماط التربية السائدة في المجتمع قاصرة ومتخلفة وخاطئة وتحتاج إلى تغيير.

وهو تعبير أيضًا عن فشل مؤسسات التعليم في بلادنا، والتي لها دور تربوي معروف، وهو تأكيد على فشل مؤسساتنا الإعلامية التي كان يجب أن يكون لها رسالة توعية واضحة للشباب المقبلين على الزواج؛ لتعريفهم بكيفية معاملة زوجاتهم الصغيرات.

وإذا كان سبب الطلاق هو إدمان الزوج للمخدرات والاختلاط بأصدقاء السوء؛ فإن ذلك تعبير عن حالة من الفشل والسقوط المروع للأسرة، وكل مؤسسات المجتمع قاطبة، التي كان ثمار جهدها هذا الشاب المدمن الفاشل.

وإذا كان سبب الطلاق هو كثرة تدخل الأهل والأقارب في شئونهما الزوجية، واستمرار بعض الخلافات التي سبقت الزواج إلى ما بعد الزواج؛ كالخلاف على قيمة المهر، والمؤخر، والشبكة، وتأثيث الشقة، والهدايا، والاستعداد للزفاف؛ فإنه تعبير عن فشل في بناء أسرنا، وتعبير عن فشل للأفكار وأنماط التفكير والعادات الاجتماعية، وناقوس يؤشر إلى أننا لم نفلح خلال عقود طويلة على المستوى الإعلامي والاجتماعي والتربوي في تغيير أنماط تفكير الشباب، وفي توجيههم لأنماط جديدة من التفاعل مع المشكلات المعاصرة.

وإذا كان سبب الطلاق هو عمل المرأة وتركها بيتها وأولادها بدون رعاية، أو بسبب راتبها الذي تحصل عليه من عملها، أو بسبب غيرة زوجها عليها، والتي تجعله دائمًا يفكر في ماذا تفعل الزوجة خلال ساعات عملها؟ ومع من تتحدث؟ ومع من تجلس؟ وإذا كان سبب الطلاق هو حديث الزوجة مع زميلاتها بالعمل عن خلافاتها مع زوجها، وما ينتج عن ذلك من تدخل طرف ثالث في المشكلة البسيطة لتتحول إلى خلاف عميق، وكذلك عقد الزوجة مقارنات بين زوجها وزملائها في العمل من الرجال؛ فإن الأمر جد ويستحق الدراسات العاقلة الهادئة المنصفة التي تحق الحق وتبطل الباطل، تعطي الزوج حقه وتمنع الزوجة من الخطأ، حتى ولو كان الأمر على حساب العمل الذي هو أمر ثانوي أمام الأمر الجوهري وهو الحفاظ على الأسرة، والمنزل، والزوج، والأولاد، ورعايتهم.

وإذا كانت أسباب الطلاق مرجعها إلى ميل أحد الزوجين لاختلاق النزاع والمشاجرات؛ فإن الأمر يعود إلى خلل تربوي ينبغي مراجعته وتقويمه.

أما إذا كان سبب الطلاق هو تأخر الحمل والإنجاب، مما يزيد من حدة التوترات والخلافات بين الزوجين وتدخل الآخرين في شئون حياتهما، مما يؤدي إلى حدوث الطلاق؛ فإن الأمر مركب ومعقد، ففيه جانب وعي ديني وإيمان بالله، بالإضافة إلى جانب تربوي وثقافي، وغير بعيد جانب التربية الأسرية، كما أن برامج الإعداد الثقافي القومي للشباب متهمة أيضًا.

أما إذا كان سبب الطلاق هو تمكين المرأة من حقوقها وخاصة التعليم، الذي أيقظ عندها وعيها بحقوقها ومسئولياتها وفرصها في الحياة، وإدراكها للضغوط الواقعة عليها، وكذلك لإدراكها بحقوقها سواء الاجتماعية أو القانونية؛ ما أدى إلى تغير نظرتها إلى الطلاق وعدم خوفها منه، فهذه كارثة وفشل ذريع؛ فالمفترض أن يكون ذلك سببًا في تدعيم زواجها وإفادتها لأسرتها وزوجها وأبنائها، فالتعليم الذي لا يفيد في ذلك فاشل وليست له قيمة.

أما إذا كان سبب الانفصال غياب الوازع الديني والمعاملة الإسلامية بين الزوجين؛ فإن المؤسسة الدينية هي المسئولة، وكذلك غياب القدوة الحسنة التي ينتظرها الشاب من أبيه، أو تنتظرها الفتاة من أمها، وهو تعبير عن فشل مؤسسات التربية في المجتمع.

التعليقات والردود

1
ابو سمية
2009-05-08
نموذج تونس
مقال ممتاز، لان البعض حينما يدرس ظاهرة الطلاق يخرج باسباب تتمحور جلها حول الاسباب المادية، ففي تونس مثلا لا تكاد تجد اي دراسة حول الطلاق تقول بماقالته هذه المقالة من ان حق الرجل في الغيرة على شرفه مثلا تكون وراء اسباب الطلاق، لان مثل هذه الاعتبارات لاينظر اليها لدينا بتونسي اصلا وتعتبر من التخلف

كما ان اعادة النظر في مسالة ان عمل المراة من اسباب الطلاق ايضا لاينظر اليها بتونس لان المطالب باعادة النظر في عمل المراة بحيث يحافظ على شروط دنيا لشرف الرجل كان يقع توفير عدم الاختلاط او عدم تشغيل المراة في اماكن تخدش من حيائها وغيرها، لا يمكن النظر اليه ايضا، ولايعتبر كسبب ياخذ به اصلا حين تناول المشاكل

بمعنى ان دراسة المشاكل كالطلاق مثلا، لافائدة منه اذا كان القائمون بالدراسات هم انفسهم الذين كانوا وراء مشروع التفكيك والمشاكل، لانهم حين الدراسة سيعملون على تمرير ارائهم وبالتالي لاخير يرجى من مجمل مايقع لدينا في تونس من معالجات لمظاهر تفكك الاسرة مادام لم يقع استبعاد العناصر المتغربة حاملة لواء الالحاق من جماعات الايسار عموما،

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال