ومع تسارع الأحداث في نهاية القرن العشرين حيث انفردت أمريكا في القرار السياسي العالمي , بدأت تعيد حساباتها في الكثير من السياسات التي تلت الحرب العالمية الثانية , لعدم وجود منافس لها مع محاولاتها لاستقطاب باقي الدول " الاستعمارية السابقة " لتلف في مدارها .
إن ما يهمنا من ذلك هو الموقف الأمريكي من الوطن العربي ... فما هي سياساتها تجاه العرب ... ؟ ولماذا ؟
لقد أعادت أمريكا حساباتها تجاه الوطن العربي فموقعه الجغرافي في قلب العالم وامتلاكه الكم الهائل من مصادر الاقتصاد والطاقة العالمية ومرور خطوط المواصلات الدولية من خلاله , يجعل منه من الأهمية بمكان في حالة توحده المسيطر الأول والأقوى في العالم على كثير من مجريات الأحداث بالإضافة الى العوامل الأخرى الموروثة من الثقافة العربية لذلك عملت على تعطيل تحقيق هذا الهدف بكل الوسائل.
إن الوعي الغربي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص لتلك الخصائص التي ينفرد بها الوطن العربي دفعهم الى إدارة صراع رهيب وعنيف مع الأمة العربية باستخدام عدة محاور يأتي في مقدمتها المحور الديني حيث استخدمته الامبريالية العالمية بزعامة أمريكا, فتم زرع الكيان الصهيوني اليهودي في قلب الوطن العربي , ليكون حاجز يفصل بين جناحي الوطن العربي , وليحول بأي طريقة في التعاون بينهما , فالصهيونية عدو ذو خصوصية متميزة , لأنها ترتكز الى عصبية دينية والى نظرة عنصرية والى تنظيم عالمي يمتلك مقومات الهيمنة , والى مخططات كانت وما تزال تؤكد المعادلة التي توازي بقاء الصهيونية مساويا لزوال الدور التاريخي للأمة العربية , كذلك فان الصهيونية قد تحالفت مع الاستعمار القديم ثم مع الامبريالية الأمريكية , بالإضافة الى الفرس الذين يعملون على تحقيق إستراتيجيتهم ودوافعهم الخاصة بهم والتي تلتقي مع اليهود في كثير من الحلقات , ليشكلوا عداء ثلاثي الأطراف تأتي خصوصيته من التحالف والترابط الرأسمالي والامبريالي القائم بينهم , كما تم زج الفرس لتغذية الفتن الطائفية كما حصل في العراق ولبنان , إضافة الى الدعم المقدم الى الحركات الدينية المتطرفة كما حصل في المغرب العربي .
ولكي تديم الولايات المتحدة الأمريكية حالة تفوقها ولتمول عملياتها العدوانية ولامتلاك الوطن العربي لمصادر الطاقة العالمية من نفط وغاز بالإضافة الى الكثير من المعادن الأخرى غير العامل البشري بكل مضامينه , عمدت الى محاولة السيطرة عليه , فاصطدمت بتنامي الوعي القومي العربي الذي حاولت كسره بالاستفادة من التجربة الأوربية أبان القرون الوسطى فسخرت الدين الإسلامي بعد تغذية الفكر الطائفي فيه وطرحته مشروعا موازيا ومتقاطعا مع الفكر القومي , خصوصا بعد التطور الناضج الذي احتوته الخطط التنموية في البلاد العربية ومشروعها الحضاري ومحاولة استثمار رؤوس الأموال الناتجة من فائض إيراداتها , وظهور الدور الأكثر خطورة لرؤوس الأموال والثروات العربية الذي برز خلال حرب تشرين عام 1973, عندما استعمل العرب نفطهم كأحد أسلحة المعركة المهمة ضد الصنيعة الغربية الكيان الصهيوني والدول المساندة والداعمة له , كما برز في قدرة لعراق على الصمود والانتصار على إيران في قادسية صدام المجيدة وصمود العراق أمام الحصار الاقتصادي الظالم الذي فرضته أمريكا ، إي بمعنى ان جميع أطراف الصراع سواء العرب حكومات وشعب أو الغرب قد أدركوا حجم القدرات العربية في التأثير بطبيعة مسار الأحداث والتحكم بنتائجها ولعل الأزمة الاقتصادية العالمية أكدت هذا بشكل جلي فسحب رأس المال العربي الموجود في الغرب الآن قادر الى حد كبير على إنهاء أسطورة التفوق الغربي الى الأبد ولكن عمالة الحكام العرب تمثل حجر الإسناد وهم لن يقدموا على هكذا خطوة لأنهم قد راهنوا على الدعم الأمريكي دون شعبهم أي أنهم يستندون الى تبادل مصالح البقاء مع القوى الاستعمارية على حساب الشعب العربي فخسروه وسيخسرون أسيادهم وان تأخر ذلك بعض الوقت .
وللإبقاء على حالة التخلف للأمة العربية , حاول الغرب استنزاف وسحب الأموال العربية المتراكمة والناتجة عن صادراتها , بمختلف الطرق .
لم تتمكن الخيارات السابقة في تحقيق الهيمنة الغربية المطلقة على المنطقة فلجأت الولايات المتحدة الى الخيار العسكري لتحقيق أهدافها وتنفيذ مخططاتها بسبب الوعي العربي لطبيعة تلك المخططات حيث اثبت قدرته على مواجهتها والقضاء عليها , فأصبح من الضروري فرض تدخل عسكري مباشر تحت مسميات مختلفة , كالشرعية الدولية كما حصل في مصر أثناء العدوان الثلاثي عليها بعد تأميم قناة السويس وكما هو حاصل في لبنان منذ سبعينات القرن الماضي , أو محاربة الإرهاب وإرهاب الدولة وحقوق الإنسان كما تحاول أمريكا أن توحي به كالذي يحصل في السودان , أو ذريعة أسلحة الدمار الشامل كما حصل في العراق .
وإذا كانت أمريكا قد انسحبت من فيتنام وحافظت على تماسك قوتها وتنامي دورها على المستوى العالمي , فإنها في العراق وبعزم الأبطال من أبنائه تحت راية القيادة العليا للجهاد والتحرير, قد اتجهت نحو هاويتها المحتومة التي لن تقف عند الانهيار العسكري والاقتصادي بل ستتعداه الى تفتيتها وإنهاء أكذوبتها كدولة عظمى وان المستقبل القريب إنشاء الله سينبلج فجره عن ولادة قوى عالمية شعبية تؤمن بحرية الشعوب والتعايش بسلام وتساهم في بناء الحضارة الإنسانية الخالية من العدوان كما تجلى ذلك واضحا في التأيد الذي امتد على أرجاء المعمورة لصفعة حذاء البطل منتظر الزيدي للقزم الصغير بوش وعميله المالكي.
تعليق على مقال