هل أسند دور لجورجيا يفوق قدراتها ..؟
هل كانت التحرشات الجورجية سيناريو معد في عواصم أخرى أوكل تنفيذها لتبليسي ..؟
هذه أسئلة هامة، والإجابة عليها سترسم سيناريوهات قادمة، ومواقف وتساؤلات ..!
دون ريب شعرت تبليسي أنها دفعت ثمناً باهضاً للعب دور المزعج .. أو رأس حربة الاستطلاع .. أو
دور القاعدة المتقدمة .. ولكن في الحقيقة كان دورها(عصفور الإغراء) أو الطعم للأصطياد لصقر الروسي، والتصريحات الأخير للرئيس الجورجي تشير إلى تراجع، من أن جورجيا لا تريد عداء روسيا، بعبارة أخرى لا تريد أن تلعب دور مخلب القط .. إدراك حكيم وجيد وإن كان ذلك متأخراً بعض الشيئ ..
قاتل بدلاً عنا، أزعج جاراً لا قبل لك به، أنضج سجالاً استراتيجياً، ونحن سنتدخل في الوقت المناسب، وقد يكون التدخل مباشراً ولكن ذلك لا يجري إلا في الحالات القصوى، عندما يحطم ذلك الجار أو الخصم الأقليمي مخالبك، فتتدخل حاملات الطائرات واليوتو، ونصدر قررات من مجلس الأمن، وقد نحاصر، وقد نوجه كروز ومروز أو نبعث كونوليزا رويز، هذه هي فحوى النزاعات بالوكالة، وإلا كيف تجرؤ دولة بخمسة ملايين من السكان بجار عطسته نووية ..؟
الكيان الصهيوني قدم مثالاً لمن يريد أن يلعب دور الخدن الحميم. والخدن الحميم عليه أن يتحمل رغبات الخدن الأكبر، أما إذا كانت النتيجة موجعة، فالخدن الكبير سيتولى تنظيف الملعب، وترتيب الأجواء، وتهيئة جوقة المشجعين، وأخيراً وليس آخراً .. مسح دموع الثكالى بحفنة من الدولارات ..!
أمثلة كثيرة جداً أكثر من أن تعد وتحصى .. وهي ما أطلق عليها في مرحلة الوفاق بين العملاقين: الحروب بالوكالة .. وهي حروب كلفت البشرية الكثير جداً من الخسائر في الأرواح والمعدات، حتى يكتب عنها الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في مؤلفه الهام: هكذا فقدنا السلام، أن حروب النيابة كلفت أرقام مرعبة من الخسائر، ترى هل تعود الحروب بالنيابة مرة أخرى كمقدمات لحرب باردة جديدة ..؟
الأمريكان يعتقدون أن حفنة من الدولارات قادرة على تسكين الجروح، مساعدة، مكافأة، منافحة .. ليس مهماً، المهم هو تدفئة جيوب الجيورجيين الذين كانوا يحكمون روسيا وكل الجمهوريات الاشتراكية .. ألم يكن أبن جورجيا جوزيف ستالين سيد الكرملين، واللاعب الرئيسي في الاستراتيجية العالمية ..
ولكن اليوم تغير كل شيئ، وعلى جورجيا أن تعيش من صادرات النبيذ الفاخر وحسب، وهو لا يساوي شيئاً كثيراً، والجورجي المشبع بأفكار الغرب، ميخائيل ساكاشفيلي والله أعلم ما هو أكثر من ذلك، فها هو الإناء ينضح بما فيه .. منح لنفسه الحق بأن يلعب البوكر بمصائر شعبه وبلاده الصغيرة، معتبراً دور الكيان الصهيوني، وفاته أن الأمر هناك مختلف كلية .. وعدا ذلك فهو لم ينظر للمسألة من وجهها الآخر، وهي حقيقة موجعة: ذلك أن سكان هذا الكيان الصهيوني يتمنون أن يأتي القرن الذي ينامون فيه وأبوابهم غير مغلقة، وخزانة الملابس خلف الباب لزيادة الأمان والضمان ..
ولكن لا أمان ولا ضمان .. وكل يوم الهرجة ببيت العرجة .. على قول المثل العراقي .. وعقلاء الكيان يشترون سراً بيوت لهم في هنغاريا والارجنتين ..
الأمريكان عندما اسندوا دور المزعج لجورجيا، كانوا يقدرون أن لكل دور تكاليفه، ربما سوف لن تكون باهضة بهذا القدر .. ولكن هناك مفاجئات في كل موقف..
ومثال على ذلك .. والتاريخ السياسي يزخر بالأمثلة الكثيرة ..
الأمريكان رتبوا رحلة مشؤومة للطائرة الكورية KAL ورقم رحلتهاKE 007 ، إذ حلقت فوق قواعد صواريخ ذرية، وفوق قواعد الغواصات النووية وأهمها: Petropawlowsk في كامتشكا وكذلك فوق قواعد السلاح الجوي والبحري السوفيتية في جزيرة سخالين Sachalin متوغلة بذلك 700 ، في تلك الليلة 1/ سبتمبر ـ ايلول / 1982 لقى 269 راكب مصرعه بنتيجة سوء تقدير ... سوء تقدير من المخابرات الأمريكية ورد غير مرن ...! رد غير مرن من السوفيت Inflexible ، وهاج الرئيس الأمريكي ريغان وماج، ولكن أطباؤه أقنعوه بأن الأمر لا يستحق أن يتلف رئيس الولايات المتحدة صحته نتيجة حادث، ورد غير مرن .. !
الحادث كان قد جرى التخطيط له لقياس سلامة عمل الدفاع الجوي السوفيتي في منطقة تعد استراتيجية هي تلك المنطقة المواجهة لسواحل المحيط الهادي / الباسفيكي الذي يعج بقواعد للأمريكان وحلفاءها، وللسوفيت على حد السواء، لا سيما فوق شبه جزيرة كامتشكا وجزيرة سخالين السوفيتيتين، والعملية برمتها قيمت في الآخر على اساس: النجاح الذي لم يحدث ..!
ولأن العملية أعتبرت في وقتها بسيطة، فقد كشفت دوائر عديدة أسرار تلك الرحلة المشؤومة التي لعبت فيها الطائرة الكورية الجنوبية دور عصفور الأغراء / الطعم، للصقر السوفيتي، ولكن من يسأل عن الثمن ..!
أجهزة الإعلام الأمريكية استغلت الحادث وصورته على أنه وحشية وبربرية، وكالعادة ولا كلمة واحدة عن أخلاقية مخططي العملية، لعبة البوكر التي راح ضحيتها 269 راكب.
وقبل ذلك كانت المخابرات الأمريكية وغيرها من مخابرات الدول الغربية تمارس مثل هذه اللعاب وتسميها: أختبار (Test) والأثمان متفاوتة، ولكن دائماً يوكل لأداء هذه الواجبات (عصفور الإغراء) لمقاوليين ثانويين يدفعون الثمن طائعين لأن أدوراهم على المسرح هكذا .. ثانويين، وعليهم أن لا يظهروا الكثير من التذمر، أولاً من قبيل أبداء الأدب أمام الخدن الحميم الأكبر، وثانياً طمعاً بجائزة أبداء الصبر والتحمل على تلقي اللطمات والرفسات المقابلة أو في حال أن ألتهم الدب عصفور الإغراء، فالعوض بالمرات القادمة .. هذا إن هناك قادمة ..!
وعلى الأرجح فأن الرئيس الجورجي يعتبر نفسه فهلوياً (يكفي أنه يتحدث الإنكليزية بطلاقة) لإطاعته الأوامر بدقة، ولعله يتهم خصومه من المعارضين الجورجيين بأنهم صبية لا يفقهون دهاليز السياسة وأنفاقها، ويغمر من طرف خفي إلى التصريحات التي أطلقها بسخاء الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته، ونفخ في الكير بعض قادة الأتحاد الأوربي مجاملة بحماس متفاوت ولسان حالهم يقول .. ليتك تنهي ولايتك يا بوش وترحل ..
ـ الروس وجدوا أنفسهم أن لا بد من تصرف ما يرغم من خطط للدور الجورجي في القفقاس بأن يراجع خططه، وأن الخطط الأمريكية في شرق أوربا ينبغي أن تعاد صياغتها ..
ـ أكذوبة فاضحة هي مزاعم الصواريخ الإيرانية، فالإيرانيون لا يطلقون ولا فشكة واحدة، يضحكون بعبهم ويقولون لبعضهم .. .. ما عليكم .. الأمر محسوب .. والكسب مضمون
ـ الأمريكان يريدون أبقاء الساحة الأوربية ساخنة بما يضمن لهم دوراً قيادياً في ما يسمى قيادة طرفي الأطلسي.
ولكن الحقيقة الأكيدة الساطعة على مسرح السياسة الدولية المعاصرة، هي أن لم تعد مصداقية للدول العظمى، والحقيقة هي لم تكن كذلك على الدوام، ولكن كانت الدول الاستعمارية كان تحكم برجعيين كبار من قلب اللعبة، من عيار تشرشل، وروزفلت وترومان، وجي موليه، والآن مجرد ممثلين هواة وفاشلين، تغطي تحركاتها بذرائع قد تبدو معقولة، ولكن مستعمري اليوم يمارسونها على المكشوف وبلا أغطية ولا أردية .. عراة .. كما خلقوا أول مرة
التعري لم يعد عيباً .. وزواج المثليين لم يعد نشازاً ..
ماذا ..؟ عيب ..؟
بل هو دليل التحضر والتطور والنشاز هو من لا يعترف به، وسوف يصدر مجلس الأمن قرارات يعاقب الدول التي لا تقبل بزواج المثليين .. بالحصار الاقتصادي وربما بتقديم رؤسائهم للمحاكمة، فقد حضر مندوبي السفارات الغربية جلسات محاكمات المثليين في القاهرة ليشعروهم .. نحن معكم ..
لماذا ...
لنكون كلنا في الهوا سوا ..
حقوق الإنسان مصطلح هم يقررون صلاحية ومدى سريانه، في الزمان والمكان الذي يفيد أن يثار فيها مأساة حقوق الإنسان... الإنسان غال حيث يرى عملاء المخابرات الأمريكية ذلك، اليوم في دارفور، لأن النفط هناك .. وهو يقولونها بهذه الدرجة أو تلك من الصراحة .. والوقاحة
علام يتعلق الأمر ..
ربما بلون البشرة، وربما بلون العيون، ورطانة اللغة الأجنبية، ودرجة الجنسية المثلية وتقبلها ..
وطالما جورجيا تلعب داخل ملعبنا، فأبخازيا يجب لأن لا تنفصل، وكذلك أوستينا يجب أن تبقى مقسمة شمالية وجنوبية، أما العراق فيستحق أن يصدر الكونغرس قراراً بتقسيمه .. الكونغرس يصدر القرار، وعلى المخابرات الأمريكية والبنتاغون ومجلس الأمن أن تنفذ، وأخيراً من يطلق على أنفسهم نواب العراق .. أن يبصمون بحوافرهم ... العيب ليس دخاناً يؤذي العيون ..
وميخائيل ساكاشفيلي هو ديمقراطي للعظم بشهادة كونوليزا رايس، وروسيا معزولة بقرار منها ومن إدارتها، وليس الولايات المتحدة التي تعاني من الكراهية وعدم الأحترام بدرجة لم تبلغها دولة عظمى ولا صغرى من قبل ... بل صار من العيب أن تتحالف جهة معها، ويحرص البعض على أخفاء علاقاته مع الولايات المتحدة ويبذل الغالي والنفيس على أخفاءها وربما يحلف بأغلظ الإيمان ..
ولكن ...
المثل العراقي يقول: الشمس طلعت على الحرامية والممثلون لا يخدعون سوى أنفسهم .. والشعب يعرف من هم مع المحتلين ومن هم حلفائه .. أنهم ببساطة من جاء بهم المحتل على ظهور دباباته، وعلى متن طائرات الهيركليس، وأخذوا الموافقة الخطية بأن يهرجوا .. فالتهريج مسموح به إذا كان بأمر من القصر الأبيض ..
الكيان الصهيوني لم ولن يصبح شرعياً ...
ساكاشفيلي سيلفظه شعبه ذات يوم ..
المسرح يحترق بالمهرجين ... ولأن المهرجين كانوا حرامية، وما زالوا يحنون للأدوار الوضيعة، فهم يشترون بيوتاً ومزارع في مسقط رأس خيانتهم .. كل يعرف طريق العودة بل وقد خططوا له بدقة ويحتفظ بخارطة الطريق في جيبه ...!
دورة التاريخ تدور، الممثلون الثانويون سيختفون
بل ربما سيكون هناك تبديل حتى في أدوار البطولة ..
الأرض ستبقى .. الشعوب التي تمتد جذورها في أرضها وليس في القصر الأبيض والبنتاغون ولانغلي
ستبقى لأنها لم تأخذ موافقة من أحد بالبقاء ..!
لا يصح إلا الصحيح
تعليق على مقال