(1)
ما أن احتلت القوات الأمريكية " بغداد " ، ثم زحفت خارجها ، حتى ارتدت " شافيرا " - الفتاة الأمريكية - رداء و بُرقعًا أسودَيْن ، و دخلت تحاضر الدارسِيْن في فصل دراسي خاص في نيويورك عن الإسلام ، تشرح معتقدها الإسلامي ، و بلغة إنجليزية ركيكة تقول : " العنف لا وجود له في قلوب المسلمين ، نحن كمسلمين نريد السلام لأطفالنا ، و أنتم أيضًا تريدون السلام " ، أخذت تشرح للدارسين أركان الإسلام الخمسة ، و تؤكد لهم أن الجهاد ليس واحدًا منها ، و تضيف " إن لدينا الكثير ممّا نشترك فيه ، لكننا كمسلمين نتعجب من عقيدة التثليث عندكم ! " .
هنا يندفع أحد الدارسين - الذين كانوا يستمعون لـ " شافيرا " باهتمام - للدفاع عن عقيدة التثليث ؛ فتخلع " شافيرا " برقعها الأسود ، و تكشف عن حقيقتها ، و تقول للدارسين : " أنا لست بـ " شافيرا " ، و لست مسلمة ، أنا " باربارا" ، أقوم بالتدريس في فصول الاجتماع السنوي المائة والخمسين ؛ لتعليم الدارسين كيفية تحويل المسلمين إلى المسيحية " .
لم يكن هذا الفصل الدراسي ، سوى أحد الفصول العديدة التابعة للمركز الأمريكي العالمي ؛ لنشر المسيحية ، و الذي تموِّله و تعتني به المنظمات و الإرساليات الكنسية الأمريكية ، و ينضم تحت لوائها هؤلاء المسيحيون المتعصبون ضد الإسلام .
تكشف إحصائيات مركز دراسات المسيحية العالمية ، في معهد " جوردون لوكوييل " لللاهوت بولاية " ماستشوتس " - أنَّ عدد الإرساليات الكنسية إلى البلاد الإسلامية ، تضاعفَ من عام 1982 إلى عام 2001 ، من خمس عشرة ألف إرسالية ، إلى سبع وعشرين ألف إرسالية . أما الدراسات الجادة عن الإسلام ، فقد تكثفتْ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر
- المسرحية - فكان هناك أمريكي من كل اثنين من أعضاء الإرساليات الكنسية ، و كان من كلّ ثلاثة منهم واحد من المنظمات الإنجيلية . يقول " جورج براسوييل" أستاذ الإرساليات في معهد اللاهوت المعمداني : " نحن نذهب الآن أكثر من أي وقت مضى إلى بلاد المسلمين ، إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أشعلتْ دوافعنا " . و نشطت حركة هذه المنظمات و الإرساليات ، منتهزة فرصة الغزو الأمريكي للعراق و أفغانستان . تحالفت هذه الهيئات الكنسية مع الجيش الأمريكي ، بحيث تقوم هذه الهيئات بجهود مكثفة تحت الحماية العسكرية ، و انطلاقا من القواعد العسكرية الأمريكية ، تهدف إلى تحويل المسلمين إلى النصرانية في المناطق التي يُسيطر عليها الجيش الأمريكي ، والتي يُطلِق عليها الكنسيون " المناطق المحررة " . قال أحد أعضاء هذه المنظمات في ذلك : " إن توجهنا بالمسيحية إلى المسلمين يدخل الآن مرحلة حاسمة ، و إننا إذا لم نستطع استخدام حقنا المتاح لنا في هذه الفترة بالذات ؛ فقد تضيع منَّا هذه الفرصة " . و قال " فراكلين جراهام " أحد الدعائم الكبرى الهامة في الموجة التنصيرية الموجهة إلى العراق : " إن هذه الحرب هي لحظة الذروة بالنسبة لنا ، كما أنها أنضج فترة لتقديم الإنجيل إلى المسلمين " .
لم يكنِ الرداء و البُرقع الأسودان ، و اللغة الإنجليزية الركيكة ، إذًا سوى لعبة تعليمية ، و لم تكن كلمات " باربارا " عن الإسلام سوى تهكُّم على ردود المسلمين – الانهزامية - على هجوم الغرب عليهم .
المحوران الأساسيان اللذان كانت تدور حولهما المحاضرات في هذه الفصول ، هو الحط من قيمة الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) ، و الرفع من قدْر المسيح ( عليه السلام ) ، ثم التركيز على أن المواجهة هي أساسًا مع الإسلام الذي وصفه ، " فراكلين جراهام " بأنه ديانة شريرة و مجرد نفاية " ، و وصفه آخر بأنه " أكثر الديانات الإبراهيمية توحشًا و معارضة ؛ لارتداد المسلمين عنه " ، أما المسلمون فهم في نظر هذه المنظمات " ضحايا " . و يدَّعي أفراد هذه المنظمات أنهم يحبون المسلمين ! لكنهم يعترفون بأنهم يطمحون بأن تحل المسيحية محل الإسلام !!
كانت " باربارا " تحاضر الدارسين على امتداد ثلاث ساعات ، تقارن فيها بين النبي محمد ( صلى الله عليه و سلم ) و المسيح ( عليه السلام ) ، قالت باربارا : " المسيح ظهر من الموت ، لكنه ظل حيًّا ، أما محمد فقد مات . أيها الدارسون ، أوصيكم بألا تتعرضوا للمسلمين عامة ، و لا تدخلوا معهم في مناقشات حول إسرائيل ، و أذكركم بكلمات الجنرال " جون أشكروفت " - القائد الأمريكي في حرب الخليج- بأن الإسلام دين يطلب الإله فيه منك ، أن ترسل ابنك للموت من أجله ، أما المسيحية فهي معتقد ، يرسل الإله ابنه ؛ ليموت من أجلك " . و ذكّرت " باربارا" الدارسين بأن " أشكروفت " يقصد بالمسلمين هؤلاء الإرهابيين ، و ليس المسلمين عامة ، الذين هم مجرد ضحايا كما ذكرنا .
في نهاية محاضراتها أكدت " باربارا" أن الإسلام هو " الإرهاب " ، ثم توجهت بالدعاء إلى ربها قائلة : " يا إلهنا ، دمِّر سلاح الدمار الشامل الذي هو " الإسلام " بعينه ! يا إلهنا يا مخلصنا ، نحن نشهد أن دمك يشمل الغفران لكلّ مسلم ، وهذا يكفي ! " . أدركت " باربارا" ما لم يدركه المسلمون عامة ، و على رأسهم " محمد البرادعي " ، أن سلاح الدمار الشامل الذي كانت تبحث عنه أمريكا ، وتسعى إلى تدميره ، هو الاسم الكودي لـلإسلام .
(David Van Biema, Should Christians convert Muslims. June 22, 2003)
(2)
" الإنجيليون " هم أحد هذه المنظمات الكنسية النشطة العاملة في العراق ؛ يقول " دافيد بيما " ممتدحًا هذه المنظمة : " هناك من بين المنظمات الكنسية منظمة هامة ، جيشها بلا سلاح ، و جنودها متطوعون ، و معسكراتها عبارة عن فصول دراسية " ، يدَََّعي " بيما "- بطريقة مكشوفة - بأن هذه الجماعة متعاطفة مع المسلمين ، و أنها ليست على صلة بالحكومة الأمريكية ، إلا في هذا التصور الرديء غير العمدي للولايات المتحدة . لكن " بيما " يعترف صراحة بأن الإنجيليين دخلوا إلى المناطق المحررة في العراق ، تلك التي احتلتها القوات الأمريكية بغرض تحويل أهلها إلى النصرانية .
يعتقد " الإنجيليون " أن الحاجة المادية للمسلمين ، و ما يفترض أنه الحاجة الروحية هي التي أقنعتهم ، أن الشعوب الإسلامية هي واحدة من الشعوب العظيمة التي لم تصلها ، و يجب أن تصلها كلمة " الإنجيل " ، كما يعتقدون - أيضًا - أن بلاد المسلمين هي آخر المناطق الساخنة ، التي يجب أن تصلها كلمة المسيح ( عليه السلام ) .
و من المعروف أن الرئيس " بوش " يقف خلف المنظمات الإنجيلية بصفة خاصة ، و المنظمات الكنسية بصفة عامة . كما تؤيّد و تدعّم المنظمات الإنجيلية - مثل الجمعية المعمدانية الجنوبية ، و جمعية مساعدة العالم وغيرهما - ذهاب أعضائها إلى العراق .
يقول المتحدث الرسمي باسم الهيئة الأمريكية للتنمية الدولية ، في تصريح أدلى به لموقع " بيتيفنت " : " إن الحكومة الأمريكية لا تفرض أية رقابة على منظمات الإحسان " . صرح مسئول عسكري عالي المستوى ، لمجلة " التايم" أن للرئيس" بوش" " علاقات مُحكمة مع المنظمات المسيحية ، و أنه يؤيد جهود الإحسان القائمة على أساس مسيحي ، و القول بأن البيت الأبيض لا يشجع منظمات المساعدة المسيحية على العمل في العراق – قول يفتقد إلى الدقة " . أما " فرانكلين جراهام " فيقول : " إن إدارة بوش هي المموّل الأساس لأعمال المساعدات و التبشير بالإنجيل ، للأمة الجديدة المحررة " . و يقصد بهاالعراق و أفغانستان .
جاء في مقالة نشرها موقع " جلوبال وانس " ، بعنوان : " الأمريكيون يخططون لتحويل العراقيين إلى المسيحية " الآتي :
1- إن المنظمات و الإرساليات الكنسية تعمل بالتعاون مع الجنرالات الأمريكيين ، على تحويل المسلمين - الذين يتعرضون لمواقف صعبة في العراق - إلى المسيحية . و إن هذه المنظمات و الإرساليات تلقى التأييد والحماية من هؤلاء الجنرالات ، الذين يمدّون أعضاءها بالسكن الملائم ، و يجعلون نقطة انطلاقهم للعمل الكنسي من القواعد العسكرية .
2- أينما يذهب الجيش الأمريكي إلى قرية أو مدينة عراقية ؛ للتفتيش ، أو للتدمير ، أو للغارات الليلية ؛ يتبعه الكنسيون ، و معهم المنشورات و الكتيبات التي تثني على المسيحية ، و تحتوي في نفس الوقت على مادة مُعادية للإسلام تقدم للعراقيين .
3- يعتمد الجيش و المنظمات الكنسية على خطة ، تنُمُّ عن فهْم دقيق لما يُسمونه بثقافة المجتمع العربي التقليدي الذكوري ، الذي يقوم على قوامة و مسئولية الذكور الكاملة عن الأسرة ؛ فالذكر في الأسرة العربية التقليدية ، هو السند و الداعم الأساس لها ؛ لذا يقوم الجيش الأمريكي باعتقال الذكور أو قتلهم ؛ و بالتالي فصلهم عن الأسرة ؛ و هنا ينفرد الكنسيون بالنساء و الأطفال و غير القادرين ، و يُمدونهم بالمال و المأوى و الطعام ، مقابل الارتداد عن
الإسلام .
4- لا يسمح الجيش الأمريكي مطلقا لمنظمات الإغاثة الإسلامية ، أن تقترب من هذه المناطق التي احتلتها و شغلتها المنظمات الكنسية ، و التي يلصق بها تهمة الإرهاب ، باسثناء هذه المنظمات الإسلامية ، التي تخاطر بالعمل في العراق ، و التي يُديرها الجيش الأمريكي و الحكومة العراقية .
و كشف " بيما " في مقالته التي أشرنا إليها سابقا ، عن بعض أبعاد هذا التحالف الكنسي العسكري على النحو التالي :
1- إن منظمة " بي بي إم " - و هي منظمة أصولية مسيحية - أمدت وحدة حاملة الطائرت الأمريكية " 101 إس تي " في موقعها بفورت كانبل بولاية كنتاكي ، و المنتشرة حاليًا في العراق - بآلاف الطبعات العسكرية التي تحتوي على الدراسات اليومية عن الإنجيل ، و تقع هذه الدراسات في كتاب ، يتكون من 496 صفحة ، مقاس 6×9 ، و يحتوي الكتاب على 366 تعليقا يوميًا تعبديًا ، و خرائط ، و رسومًا بيانية ، و معلومات إضافية .
2- قال " رينيه ليلانوس" - الضابط المفوِّض المسئول في الوحدة المذكورة - : " إن جنود الدوريات الذين يتجولون في الشوارع العراقية ، يحملون معهم هذه المطبوعات ؛ بغرض تنصير السكان المحليين . إن وحدتنا مستعدة للتوجه إلى أفغانستان ، و سيحمل جنودنا هذه المطبوعات معهم ، إننا جميعا في حاجة لأنْ نصلي من أجل هؤلاء الجنود ، و نصلي لله أن يفتح لنا الأبواب ، إننا في مواقع استراتيجية من أجل هدف محدد ، هو نشر كلمة الإنجيل " .
3- أكد " كارين هاوكنز" - أحد مسئولي المنظمات الكنسية - أنّ الوُعَّاظ العسكريين المسيحيين ، يحثون الجنود على نشر كلمة المسيح بين السكان المحليين .
4- إن ملايين الدولارات تحولت إلى مساعدات ، و ساعات لا تحْصى من العمل الإحساني ، وفرتها المنظمات و الإرساليات الكنسية ، في أعقاب دخول القوات الأمريكية إلى العراق و أفغانستان .
(3)
" معمر عناد " مواطن عراقي من أهل " الفالوجة " - و من المعروف أن غالبية سكانها من أهل السُّنة – تلك التي كانت مسرحًا لهجوم دموي شرس ، شنّه الأمريكيون عليها في عام 2005 ؛ لدَحْر ما أسموه بـ " التمرد السُّني " . و بعد أن أحكم الأمريكيون قبضتهم على المدينة ؛ أقاموا على حدودها حرسًا من المارينز ، يفحص البطاقات التي تؤكد لهم أن كلّ من يدخل إلى " الفالوجة " هو من أهلها . قدّم " معمر" بطاقته إلى الجندي الأمريكي ،
فيُخرج من جيبه عملة معدنية ، و يضعها في يد " معمر" ، الذي يتناولها على خوف منه ، و لمّا يسمح له بالدخول ؛ يُعطي " معمر " هذه العملة ، لشاب جامعي من سكان بلدته ؛ ليعرف حقيقتها ؛ يقرأ الشاب ما هو مكتوب على وجهي العملة ؛ فإذا به آيتان من آيات الإنجيل مكتوبتان باللغة العربية ، تتحدثان عن المسيح المخلص .
أدرك " معمر" أن الأمريكيين يسعَوْن إلى ارتداد المسلمين عن دينهم ، و تحوّلهم إلى المسيحية ، يروي " معمر" الواقعة لأقاربه ؛ فيخبرونه أن الأمريكيين أعطوهم مثلها . يلتف أهل البلدة في السوق حول جماعة من الناس ، كانوا يتحدثون في أمر هذه العملة ، كان كلّ واحد منهم يسأل الآخر : " هل أعطاك الأمريكيون مثل هذه العُملة ؟! " .
أضاف القادة السّنيون في محاولتهم تفسير أسباب ما فعله الأمريكيون ، بُعدًا آخر غير البُعد التنصيري ، ألا و هو محاولة إثارة الفتنة بين المسلمين و المسيحيين في المدينة .
أجرى " ناجي و ليليان " - و هما الكاتبان اللذان رَوَيَا أحداث هذه الواقعة ، في صحيفتهما " ماك كلاتشي" - مقابلات مع سكان " الفالوجة " ؛ في محاولة للتعرُّف على آثار واقعة توزيع العملة عليهم ؛ حصر السكان القضية كلها في كلمتين هما : << الضعف والإذلال >> ؛ و استدلوا على ذلك بتزامُن حدوث واقعة العُملة ، مع واقعة استخدام أحد الجنود الأمريكيين للقرآن كهدف للرمي ، حيث اخترق فيها الرصاص صفحات القرآن الكريم ؛ فأحدث فيه أحد عشر ثقبًا .
(Jamal Nagy and Leila Fadel, Iraqis claims Marines are pushing Christianity in Fallujah, McClatchy Newspaper, May, 28, 2008 .
لم تكن هذه الواقعة محض ادعاء ، كما قال الكاتبان السابقان ؛ فقد كتب " نيكي دبليو" في اليوم التالي لمقال " ناجي و ليليان " مقالة له بعنوان : " جنود أمريكيون يحاولون تحويل المسلمين إلى المسيحية " - يقول : " إن الأمريكيين يقولون : إن هذه الآيات المكتوبة على وجهي العملة ، هي آيات يعرفها المسيحيون جميعهم ، بأنها الآيات التي خلصت أرواحهم ، لكنّ هذه الآيات نفسها ، هي التي قدمها جنود المارينز إلى العراقيين " . و ما لم يذكره " نيكي " هو أن هذه الآيات مكتوبة بالعربية ، أي أنها موجهة للعراقيين ، و ليس للجنود الأمريكيين . هذا بالإضافة إلى أن " مايك إبشو" - المتحدث باسم قوات الحلفاء - قد صرّح بأنّ مرتكب هذه الواقعة فرد واحد و أن التحقيق جارٍ . و هذا إقرار بحدوث الواقعة بغض النظر عن مرتكبيها .
Nikki w (Karate blossom), American Soldiers Trying to convert Muslims to Christianity in Iraq, May 29, 2008)
أكّد " ناجي و ليليان " كذلك ، أن الجيش الأمريكي يُجري تحقيقا حول الواقعة ، و أن " باتريك دريسكول " - المتحدث باسم الجيش الأمريكي - بعث برسالة إلى صحيفتهما ، قال فيها : " إن قانون الجيش الأمريكي ، يمنع قيام جنوده بأي دعوة إلى أي دين ، أو معتقد ، أو شعيرة " . غير أن الواقع يُثبت أن هذه القوانين حبر على ورق ، و ما ذكرناه سابقا ، يثبت أن تأييد " بوش " و تدعيمه لدور المنظمات الكنسية عمومًا - هو الأصل ، كما أن البنتاجون نفسه يدعم هذا الدور الكنسي ؛ بدليل أن كتاب الدراسات اليومية عن الإنجيل ، و المتوافر في وحدة حاملة الطائرات 101 إس تي ، يحمل شعار الأفرع الخمسة للقوات المسلحة الأمريكية . و يقول الباحثون إن هذا من شأنه أن يُعطي انطباعًا ، بأن هذه المطبوعات يتم طبعها تحت حماية البنتاجون ، بالرغم من أنه كان قد أنكر علمه ببعض الوقائع الخاصة بتعمد تنصير العراقيين .
و تعتبر الاعتذارات سواء من الجنرالات العسكريين ، أو من الرئيس " بوش " نفسه ، وسيلة تقليديية لتهدئة الأمور ، عند اكتشاف الوقائع التي تظهر على السطح ، حقيقة هذا التحالف الكنسي العسكري ، و غالبًا ما تأخذ هذه الاعتذارات طابعًا تمثيليًا ؛ مثال ذلك الاعتذار الذي قدمه الجنرال " جيفري هاموند " ، عند اكتشاف واقعة توزيع العملة على أهل السنة في
" الفالوجة " ، يقول لقادتهم : " لقد جئتُ إليكم طالبًا الغفران ، إنى أنظراليوم إلى عيونكم بكلّ تواضع ، و أقول لكم : من فضلكم سامحوني ، و سامحوا جنودي " . و استكملت فصول هذه المسرحية أولاً : عوقب الجندي الذي قام بذلك ، بمكافئته بالإعفاء من الخدمة في العراق . ثانيًا : إصدار التصريحات التي تحاول أن تخفي حقيقة هذا التحالف ؛ هذا " ميكي وينستن " رئيس هيئة " ووتش دوج " للحريات الدينية العسكرية ، يقول : " إن عدم التسامح الديني بين الأفراد العسكريين ؛ يستدعي تحقيقا فيدراليًا ، إن الأحداث التي صدمتنا عن تصرفات الجنود الأمريكيين في العراق وأفغانستان ، باستخدام القرآن كهدف للرمي بطريقة مؤلمة ، أو استخدام العملات المعدنية ، و توزيع الكراسات الدينية ، و بعض المواد الهزلية التي تهزأ بالإسلام و المكتوبة بالعربية - تمسّ الأمن القومي لقواتنا المسلحة " .
إن ما أسماه " وينستن " بعدم دستورية التصرفات الهادفة لتنصير المسلمين ، أو ما أسماه بالتجاوزات الصارخة لقوانين وزارة العدل الأمريكية ، و قوانين الهيئة الدينية العسكرية ، و التي سيعاقب من قاموا بها ؛ لعدم إطاعتهم الأوامر الصادرة في هذا الشأن ، يدخل - أيضًا -تحت مظلة الاعتذارات المصطنعة لتغطية عملية التنصير ، فهو نفسه يعترف ، بأن محاولات تنصير المسلمين ، قائمة منذ عدة سنوات مضت في العراق و أفغانستان ، و يعترف كذلك بأن نشاط الجنود الأمريكيين في تنصير المسلمين ، بدأ فور غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003.
في عام 2004 ، ادّعى " ستيف مايكل " - و هو واعظ عسكري - بأن العراقيين شغوفون بالتحول إلى النصرنية ، و أنه حاول تحويل اثني عشر منهم إليها ، هذا الأمر في حد ذاته - كما يقول " وينستن " - انتهاك دستوري واضح . أقر" مايكل" بأنه كان يُقدم إلى العراقيين مطبوعات دينية مكتوبة باللغة العربية ، و اعترف - كذلك - بأنه لو كانت لديه أناجيل كافية باللغة العربية لقدمها إليهم ، و أنه كان يقوم بمهمة تنصير العراقيين ، وهو يقدم إليهم الطعام ، من المطعم الخاص بوحدته العسكرية ، كما أنه قدّم الأناجيل العربية إلى سكان قرية " الدور" و هي قرية يسودها أهل السنة .
كما تشير تقارير أخرى إلى أن بعض الكتب المسيحية الهزلية ، قدِّمت للأطفال العراقيين ، طبعتها عدة دور نشر أهمها " مطبوعات شيك " ، هذه الكتب الهزلية مطبوعة بالعربية و الإنجليزية ، و تحتوي على صور للنبي محمد ( صلى الله عليه و سلم ) ، و تقول إن النبي محمدا ( صلى الله عليه و سلم ) و المسلمين سيحترقون في النار ؛ لأنهم لم يقبلوا المسيح ( عليه السلام ) كمخلص لهم . و يقول المسئولون عن موقع " شيك " على الإنترنت : " إن مطبوعاتهم مطلوبة من المسلمين ، لكنّ تقديمها إليهم ، قد يترتب عليه تعريض الجنود الأمريكيين للخطر ، أو إثارة مشاعر القيادة المسلمة " . وقد رفض متحدث باسم " شيك " أن يعلق على هذه القصص الهزلية التي وُزّعت على العراقيين .
و ما يؤكد أن التصريحات بعدم دستورية ذلك ، أو أن القونين العسكرية تحظر على الجنود القيام بمثل هذه التصرفات ، الهادفة لتنصبر المسلمين ، هو مجرد غطاء تستمر تحته عمليات التنصير - هو أن جنود حاملة الطائرات 101 إس تى في العراق ، أكدوا أنهم سوف يستمرون في جهودهم التنصيرية ، ما لم تصلهم تعليمات بالتوقف عن ذلك . كما أن " لانوس "
- الضابط المفوض الذي أشرنا إليه سابقا - قال : " إن هناك ألفي نسخة من الطبعة العسكرية للإنجيل ، أرسلت إلى الوحدة المذكورة آنفا ، و أنها سوف توزع فورًا على العراقيين " .
و يُضاف إلى ذلك أن أحد المواقع الكنسية ، أشار إلى أن هناك ثلاثين ألف نسخة من الكتب التنصيرية ، وُزِّعَتْ على الأفراد العسكريين ستأخذ طريقها إلى العراقيين .
(Jason Leopold, US soldiers launch campaign to convert Iraqis to Christianity, Counter Current.Org.)
(4)
المسألة إذا ليست مجرد تحالف عسكري- صناعي ، اجتمعت فيه القوى العسكرية مع القوى الرأسمالية الصناعية ؛ للسيطرة على بلاد المسلمين و مقدراتهم ، و إنما هو تحالف اجتمعت فيه مختلف القوى ؛ لقهر الإسلام و إذلال المسلمين ؛ فتحْتَ مظلة القنابل و المدافع و الصوارخ ينهب الرأسماليون خيرات البلاد ، و يقوم الكنسيون بضرب ثقافة المسلمين ؛ يقول الكنسيون : " إن تجربة قرنَيْن مَضَيَا من التنصير فى العالم الإسلامي ، بيّنت للكنائس أن الحماس المتدفق للإرساليات ، يستقر مع الزمن على أجندة معتدلة ، تضع فى اعتبارها القوانين المحلية و ظروف البلاد ، و تتجه فى النهاية إلى التركيزعلى بناء مؤسسات تعليمية مسيحية ، تضرب بجذورها فى ثقافة المسلمين ، هذا بالإضافة إلى إمداد فقراء المسلمين بالمساعدات الإنسانية و الصدقات . لقد أثبتت هذه التجربة ، أن الوجود التنصيري القائم على هذه الجهود ، هو الأكثر استمرارًا ، و الأكثر تمتعًا بالاحترام ، و هو الأكثر ثمرة من غيره من الجهود " .
و لهذا أخذت المنظمات و الإرساليات بما يُعرف بنظرية " الخيام " أو " صانع الخيام " و تعني هذه النظرية : " أن تعظ بالإنجيل فى كلّ وقت ، حينما يكون ذلك ضروريًا . تعني - أيضًا - أن تكون صديقا للمسلمين ، و ألا تبلغ الإنجيل بطريقة مباشرة ، عليك أن تنشئ مشروعات تتعامل معهم عن طريقها ، أن تتحدث معهم عن الرياضة ، و عن الضرائب ، و عن الأطفال ، أن تشاركهم أعيادهم . تعني ألا تخفي معتقدك المسيحي ، لكن عليك ألا تضغط به
عليهم " .
استوحت هذه المنظمات نظرية " الخيام " ، من الطريقة التى كان يتعامل بها من يُسمونه بالقديس" بولس" ، مع سكان البحر المتوسط ؛ كان يُقدم لهم الإنجيل بطريقة غير مباشرة ، كان يعمل بالتجارة ، و يقدم خدماته للناس بصورة يومية ، فى شكل مساعدات و أعمال تنموية ، يفتقد فيها السكان إلى الخبرة الكافية . كما استوحت هذه المنظمات من أعمال " بولس" ، العديد من الطرق التى يدخلون بها إلى المسلمين ، و وضعت تصوراتها في هذا الشأن على مواقع الإنترنت ، و ضربت أمثلة لذلك بأعمال الهندسة الميكانيكية ، التي دخلت بها إلى مدينة عربية لم تحددها ، و أعمال مبيعات الكمبيوتر فى بلد إسلامي لم تحدده ,
و تدريس إدارة الأعمال التى دخلت بها إلى " قيرقيزيا " . هذا بالإضافة إلى الأسواق الخيرية و برامج تعليم الإنجليزية . و قد قام أحد أعضاء هذه المنظمات بضرب مثال ، بقيامه بحمل صندوق به أدوات ، يؤدي بها خدمات إلى سكان مسلمين ، بطريقة بشوشة ، بالقرب من أحد المساجد .
أظهرت خبرة العمل التنصيري ، أن بعض السِّريَّة فى التنصير قد يكون غير ضروري ؛ يقول " دافيد إنجلسن " - المدير التنفيذي لما يُعْرَف " بهيئة المساعدة الخيامية " - : " إن العمل التنصيري فى السعودية - و هي من أكثرالبلاد ذات الغالبية المسلمة - ممكن ، حتى
و أنت تشغل بها وظيفة عادية ، فإذا سألك السعوديون عن ديانتك ، فأنت حرٌّ تمامًا فى أن تشرح لهم معتقدك ، صحيح أن القانون يمنع الارتداد عن الدين ، لكنه غير فعّال ، و هناك خبراء فى التنصير ، يرون أن القادة المحليين ، قد يسمحون لك بأن تعظ بدينك ، بطريقة غير رسمية ، مقابل الخبرة الغربية التي تقدمها لهم فى مجالات أخرى " .
و قد عبّر " ديريل أندرسون " بوضوح عن الارتباط بين المنظمات الكنسية و الحكومة الأمريكية ، بقوله : " إن علينا أن ننفذ داخل المنطقة التي تعمل فيها حكومتنا ، فالكلّ يرى أن حكومتنا ذات نفاذ إيديولوجي ، و هنا تتوفر لدينا الحرية لإنفاذ نصرانيتنا " .
--------------
دكتور أحمد إبراهيم خضر
دكتوراة في علم الاجتماع العسكري
الأستاذ المشارك بجامعات القاهرة، والأزهر، وأم درمان الإسلامية ، والملك عبد العزيز سابقا .
تعليق على مقال