بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدرسة التونسية: عندما توقف المصعد عن الصعود - حفريات في انكسار الوعد المدرسي وأزمة الحراك الاجتماعي

2026-11-05 154 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: حين يصبح الصعود موضع مساءلة

لم تكن المدرسة في المخيال الاجتماعي التونسي مجرد مؤسسة لتعليم القراءة والكتابة واكتساب المعارف، بل كانت، منذ بناء الدولة الوطنية وتوسيع التمدرس، إحدى أهم أدوات الصعود الاجتماعي، ورافعة أساسية للانتقال من المواقع الاجتماعية الهشة إلى مواقع أكثر استقرارًا واعتبارًا. لقد ارتبطت الشهادة المدرسية والجامعية، لعقود، بوعد ضمني مفاده أن الاجتهاد في الدراسة، والمثابرة في التحصيل، والحصول على المؤهل العلمي، يمكن أن تفتح أمام الفرد أبواب العمل والترقي وتحسين شروط العيش.

وقد أسهم هذا الوعد في ترسيخ الثقة الاجتماعية في المدرسة، وفي جعلها استثمارًا عائليًا وجماعيًا يتجاوز حدود التحصيل المعرفي إلى الرهان على المستقبل. فالأسرة التي كانت تدفع بأبنائها إلى التعليم لم تكن تنتظر منهم مجرد اكتساب المعارف، بل كانت تراهن على أن المدرسة ستمنحهم فرصة لتجاوز المواقع الاجتماعية التي انطلقوا منها.

غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها تونس، وما رافقها من اختلالات في سوق الشغل وتفاوت في فرص الانتفاع بالتعليم الجيد، وتراجع قدرة الشهادة على ضمان الارتقاء، جعلت هذا الوعد موضع مساءلة متزايدة. لم تعد المسألة مقتصرة على الالتحاق بالمدرسة أو الحصول على شهادة، بل أصبحت تتعلق بما يمكن أن تتيحه هذه الشهادة فعلًا من فرص، وبمدى قدرة المنظومة التعليمية والاقتصادية على تحويل الاستثمار في المعرفة إلى حراك اجتماعي حقيقي.

إن المدرسة لا تفقد وظيفتها الاجتماعية بالضرورة لأنها لم تعد تضمن وظيفة لكل خريج، فهذه الوظيفة لا تتحكم فيها المؤسسة التربوية وحدها، وإنما لأنها تجد نفسها في قلب منظومة أوسع لم تعد قادرة دائمًا على الوفاء بالوعود التي أسهمت في إنتاجها. وهنا يصبح من الضروري الانتقال من مساءلة المدرسة باعتبارها فضاءً للتعليم فقط، إلى مساءلة موقعها داخل شبكة العلاقات التي تربط التعليم بالتشغيل والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.

إن استعارة المصعد الاجتماعي تساعدنا على فهم هذا التحول: فالمشكلة لا تكمن فقط في أن بعض الأفراد لم يصعدوا، بل في أن المصعد نفسه لم يعد يتحرك بالسرعة والاتجاه اللذين انتظرهما المجتمع. وقد يجد بعضهم أنفسهم عالقين بين طوابق الانطلاق والوصول، فيما تتباعد فرص الصعود تبعًا للموقع الاجتماعي والجهة والموارد العائلية والثقافية.

ومن هنا تنطلق هذه الحفرية، لا لتعلن نهاية المدرسة أو تنفي ما حققته من مكاسب تاريخية، بل لتفحص المسافة المتزايدة بين الوعد المدرسي وشروط تحققه، وبين الحق في التعليم والحق في تعليم جيد، وبين الحصول على الشهادة والقدرة على تحويلها إلى موقع اجتماعي ومهني مستقر.

1. المدرسة: من وعد الصعود إلى ضرورة التمدرس

لقد مثّل تعميم التعليم في تونس أحد أبرز التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الحديث. فقد أتاح التمدرس لشرائح واسعة من أبناء الفئات الشعبية والجهات الداخلية فرصًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة، وأسهم في توسيع قاعدة المشاركة في الحياة العامة، وفي تغيير التمثلات المرتبطة بالعمل والمكانة الاجتماعية والمستقبل.

كانت المدرسة، في هذا السياق، أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت أداة لإعادة تشكيل المجتمع، ووسيلة لتقليص بعض المسافات الاجتماعية، ومجالًا لبناء تطلعات جديدة. ولم يكن غريبًا أن تتحول الدراسة إلى رهان عائلي كبير، وأن يصبح نجاح الأبناء في الامتحانات وحصولهم على الشهادات مصدرًا للفخر والأمل.

لكن التعميم الكمي للتمدرس لا يعني بالضرورة تحقق المساواة الفعلية في فرص النجاح. فمجرد دخول الجميع إلى المدرسة لا يعني أن الجميع يتلقون التعليم نفسه، أو يمتلكون الموارد ذاتها، أو يواجهون الشروط نفسها للنجاح. وهنا تظهر أهمية التمييز بين المساواة في الالتحاق والمساواة في الانتفاع الفعلي بالتعليم.

وفي هذا الصدد، بيّن بيار بورديو وجان كلود باسرون أن المدرسة، رغم خطابها القائم على الاستحقاق والمساواة، قد تسهم في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية حين تتعامل مع الموارد الثقافية والعائلية غير المتكافئة كما لو كانت استعدادات فردية متساوية (Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron, 1970).

ولا يعني ذلك أن المدرسة لا تتيح فرصًا حقيقية للصعود، بل يعني أن قدرتها على تحقيق هذا الصعود تظل مرتبطة بالشروط الاجتماعية التي تحيط بالمتعلم. فالطفل الذي يجد في أسرته دعمًا ثقافيًا وماديًا ومرافقة تعليمية ليس بالضرورة في الوضع نفسه الذي يعيشه طفل آخر يفتقر إلى هذه الموارد.

وهكذا، انتقلت المدرسة تدريجيًا من كونها وعدًا شبه مؤكد بالارتقاء إلى مؤسسة أصبح مجرد التمدرس فيها ضرورة اجتماعية، دون أن يكون كافيًا لضمان النجاح أو الاستقرار المهني. لقد أصبح التعليم شرطًا أساسيًا للمشاركة في المجتمع، لكنه لم يعد وحده ضمانة للصعود داخله.

2. الشهادة وإعادة إنتاج المواقع الاجتماعية: حين تتحول الفرصة إلى امتياز

تبدو الشهادة، في ظاهرها، ثمرة جهد فردي ومسار تعليمي يخضع لمعايير موحدة. غير أن قيمتها الاجتماعية لا تتحدد فقط بما تحمله من معارف وكفاءات، بل تتأثر أيضًا بالمؤسسة التي تمنحها، وبالموقع الاجتماعي لحاملها، وبالفرص المتاحة لتحويلها إلى مورد مهني واقتصادي.
فليست كل الشهادات متساوية في قدرتها على فتح الأبواب، وليست كل المسارات التعليمية متكافئة في ما توفره من إمكانات للاندماج المهني. وقد يحصل متعلمان على المستوى العلمي نفسه، لكنهما لا يمتلكان بالضرورة الحظوظ ذاتها في الوصول إلى فرص التدريب أو الانتداب أو بناء الشبكات المهنية.

وفي هذا السياق، يوضح بيار بورديو أن الرأسمال الثقافي لا يعمل بمعزل عن بقية أشكال الرأسمال، بل يتفاعل مع الرأسمال الاقتصادي والاجتماعي، ويؤثر في فرص الأفراد داخل المجتمع (Pierre Bourdieu, 1986).

إن المدرسة لا تعمل في فراغ اجتماعي، بل تستقبل أفرادًا يحملون معهم تفاوتات سابقة على دخولها، وقد تعيد إنتاج بعضها من خلال آليات التقييم والتوجيه والانتقاء. لذلك لا يمكن اختزال النجاح المدرسي في الذكاء أو الاجتهاد الفردي وحدهما، كما لا يمكن تفسير الإخفاق بمجرد ضعف الإرادة أو غياب المثابرة.

وتتجلى المفارقة حين يتحول الحق في التعليم إلى فرصة متاحة للجميع من حيث المبدأ، لكنه لا ينتج بالضرورة فرصًا متساوية في الحياة. فالمساواة في الشهادة لا تعني دائمًا المساواة في قيمة الشهادة، والمساواة في التكوين لا تعني بالضرورة المساواة في القدرة على توظيفه.

وهنا يصبح السؤال متصلًا بطبيعة المجتمع نفسه: هل يكتفي بتوسيع فرص التمدرس، أم يعمل أيضًا على تفكيك الشروط التي تجعل بعض الفئات أقدر من غيرها على تحويل التعليم إلى امتياز اجتماعي؟

3. تضخم الشهادات وتآكل قيمة الصعود: من المؤهل إلى الانتظار

لم يعد الحصول على الشهادة، في كثير من الحالات، يعني بالضرورة الانتقال إلى موقع مهني أفضل أو تحقيق استقرار اجتماعي. فقد اتسعت قاعدة المتعلمين والمتخرجين، وتزايد عدد حاملي الشهادات، في مقابل قدرة محدودة أو غير متكافئة لسوق الشغل على استيعابهم.

وهكذا، أصبحت الشهادة التي كانت تمثل في مرحلة سابقة موردًا نادرًا نسبيًا، تفقد جزءًا من قدرتها التنافسية حين تتوسع أعداد الحاصلين عليها دون أن تتوسع بالقدر نفسه فرص التشغيل النوعي. ولم تعد المسألة مرتبطة فقط بامتلاك المؤهل، بل بمدى قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات وتثمينها.

وفي هذا الصدد، يفسر راندال كولينز توسع الشهادات من خلال ما يسميه المجتمع القائم على المؤهلات، حيث تتحول الشهادات تدريجيًا إلى أدوات للتنافس على المواقع الاجتماعية والمهنية، وقد تتزايد متطلبات الانتداب دون أن يعني ذلك دائمًا تطورًا مماثلًا في طبيعة العمل نفسه (Randall Collins, 1979).

إننا أمام مفارقة اجتماعية واضحة: كلما ارتفع مستوى التكوين لدى فئات واسعة من الشباب، لم يكن ذلك كافيًا لضمان اندماجها المهني. وقد يتحول المسار التعليمي الطويل من استثمار في المستقبل إلى تجربة انتظار مفتوحة، تتراكم خلالها خيبات الأمل وتتراجع الثقة في جدوى الاجتهاد المدرسي والجامعي.

ويبلغ هذا التناقض مستوى أكثر إيلامًا حين نتأمل أوضاع أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم، وظلوا لسنوات على مفترق طرقات الوعود المؤجلة. فبينهم من استكمل مساره الجامعي، وحصل على شهادات عليا، وراكم خبرات ومعارف، ثم وجد نفسه خارج دورة الإنتاج والتشغيل، عاجزًا عن تحويل ما أنفقه من سنوات عمره وجهده في طلب المعرفة إلى موقع مهني يضمن له الحد الأدنى من الاستقرار والاعتراف الاجتماعي.

ولا يقتصر هذا الانتظار على أصحاب الإجازات والماجستير، بل يمتد إلى الدكاترة والباحثين الذين بلغوا أعلى درجات السلم العلمي، ثم وجد بعضهم أنفسهم أمام انسداد في آفاق التشغيل والانتداب. وهنا تصبح المفارقة أكثر عمقًا: كيف يمكن لمجتمع أن يستثمر سنوات طويلة في تكوين كفاءاته العلمية، ثم يعجز عن توفير شروط استثمار هذه الكفاءات في التنمية والبحث والإنتاج؟

وتزداد المفارقة وضوحًا حين نقارن بطالة أصحاب الشهائد العليا، ومن بينهم دكاترة وباحثون، بمسالك تشغيل أخرى تُفتح عبر عقود المناولة والبستنة، أو ضمن صيغ تشغيل عمال الحضائر. فهذه الفئات، رغم اختلاف أوضاعها القانونية والمهنية، تلتقي في سياق أوسع من هشاشة التشغيل، حيث تتباين شروط الانتداب والاستقرار والأجر والحماية الاجتماعية. وليس المقصود هنا الانتقاص من قيمة العمل أو من حق أي عامل في التشغيل والأجر الكريم، بل مساءلة منظومة تشغيل تتجاور فيها بطالة الكفاءات مع أشكال عمل هشة، دون أن تنجح دائمًا في بناء علاقة عادلة ومتماسكة بين التكوين والحاجات الاقتصادية، وبين العمل المنجز والاعتراف المادي والاجتماعي به.

ولا تقف المفارقة عند حدود الدكاترة الذين ينتظرون فرص الانتداب خارج الجامعة، بل تتخذ شكلًا أشد تعقيدًا حين نجد دكاترة يشتغلون داخل الجامعة التونسية نفسها بعقود شغل هشة، دون الاستقرار المهني الذي يفترض أن يرافق مسارًا علميًا طويلًا. وقد يجد بعضهم أنفسهم أمام أجور لا تعكس سنوات التكوين والبحث والتأهيل، بل قد تتساوى، في بعض الحالات، مع أجور وظائف لا تشترط أصلًا المسار التعليمي نفسه.

إن المفارقة هنا ليست في قيمة الأجر الذي يتقاضاه عامل لم تتح له فرصة الدراسة، ولا في حقه في أجر كريم، بل في أن المؤسسة الجامعية، التي يُفترض أن تكون فضاءً لتثمين المعرفة وإنتاجها، قد تستعين بكفاءات علمية عالية ضمن صيغ تشغيل هشة، دون أن تترجم قيمة تكوينها إلى استقرار مهني أو تقدير مادي يتناسب مع طبيعة العمل والمسؤولية.

ولا تكتمل صورة هذا الاختلال دون التوقف عند تآكل المقدرة الشرائية وتراجع القيمة الفعلية للأجور في الوظيفة العمومية. فالموظف الذي قضى سنوات طويلة في التعليم والتكوين، والتحق بمؤسسة عمومية على أساس مسار مهني يفترض الاستقرار والارتقاء التدريجي، يجد نفسه أمام أجور تتآكل قدرتها على مجاراة ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء اليومية. وفي المقابل، تشهد بعض الأنشطة الحرفية والتجارية والمهن الحرة مداخيل قد تتجاوز، في حالات عديدة، ما يحصل عليه أصحاب الوظائف العمومية، وإن كانت هذه المداخيل متفاوتة وغير مضمونة بالدرجة نفسها من الاستقرار والحماية الاجتماعية.

ولا تكمن المفارقة في أن يحقق الحرفي أو صاحب العمل الحر دخلًا مرتفعًا؛ فهذا حق مشروع وثمرة عمل ومبادرة، بل في تراجع الجاذبية الاجتماعية والاقتصادية لبعض المسارات المهنية التي كانت تمثل، في الوعي الجماعي، عنوانًا للاستقرار والاعتبار الاجتماعي. وحين لا يعود الراتب العمومي قادرًا على ضمان مستوى عيش يتناسب مع المؤهلات والمسؤوليات، يصبح السؤال متصلًا بقيمة العمل المأجور، وبالعدالة في توزيع العوائد، وبمدى قدرة الوظيفة العمومية على الاحتفاظ بكفاءاتها وتحفيز الأجيال الجديدة على الالتحاق بها.

وهكذا، لا تتآكل قيمة الشهادة فقط حين يعجز صاحبها عن العثور على عمل، بل قد تتآكل أيضًا حين يجد عملًا لا يمنحه عائدًا ماديًا يتناسب مع مساره العلمي والمهني، أو حين يفقد أجره تدريجيًا قدرته على تأمين شروط العيش الكريم.

وتظهر مفارقة أخرى في بعض صيغ تشغيل عمال البستنة والمناولة والحضائر، حين تنفصل منظومة التأجير عن حجم العمل المنجز فعليًا، أو حين لا تتناسب الأجور مع مستوى الإنجاز والانتظام وجودة الخدمة. وقد تُصرف، في بعض الحالات، أجور لا يقابلها عمل منجز بالقدر المنتظر. وهنا لا يجوز اختزال المسؤولية في العامل أو توجيه الاتهام إلى فئة اجتماعية بعينها؛ فالمساءلة ينبغي أن تتجه إلى شروط التعاقد، وآليات الرقابة، وكيفية إسناد المهام، ومراقبة الإنجاز، ومدى احترام المال العام.

إن السؤال الأعمق ليس لماذا يتقاضى هذا أجرًا وذاك أجرًا آخر، ولا لماذا يعمل هذا بشهادة وذاك دونها، بل كيف تُقيّم المنظومة العمل؟ وكيف تُثمن المعرفة؟ وعلى أي أساس تُوزع فرص التشغيل والأجور؟ وما الذي يجعل مؤسسة جامعية تستعين بكفاءة علمية عالية في وضعية هشة، بينما قد تستمر أنماط تشغيل أخرى دون رقابة فعالة على مدى ارتباط الأجر بالعمل المنجز؟

إنها مفارقة تتجاوز المقارنة بين الأفراد لتكشف خللًا في ترتيب الأولويات وفي العلاقة بين التكوين والتشغيل والتأجير والرقابة. فالمجتمع الذي يطالب أبناءه بالاجتهاد والتحصيل والتخصص، ثم لا يجد لهم موقعًا في دورة الإنتاج، أو يشغلهم في مؤسساته العلمية بعقود هشة، إنما يضعف تدريجيًا الثقة في قيمة المعرفة وفي جدوى المسار التعليمي نفسه.

وهكذا، لا يعود تضخم الشهادات مجرد مسألة إحصائية أو تقنية مرتبطة بسوق الشغل، بل يتحول إلى سؤال اجتماعي وسياسي وأخلاقي حول معنى الاستثمار في الإنسان، وحول قدرة المجتمع على الاعتراف بكفاءاته وتوظيفها.

4. تفاوت طوابق الانطلاق: حين يصبح الموقع الجغرافي محدّدًا لفرص الصعود

لا يمكن مساءلة الحراك الاجتماعي في تونس من دون مساءلة البعد الجهوي. فالمتعلم لا يعيش المدرسة في فضاء مجرد، بل داخل بيئة اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة، ولا يصعد الجميع من الطابق نفسه. فالمسافة التي تفصل المتعلم عن النجاح لا تتحدد فقط بقدراته الفردية أو بما يبذله من جهد، بل تتأثر أيضًا بالمكان الذي ولد فيه، وبنوعية المدرسة التي ارتادها، وبالموارد المتاحة لعائلته، وبالفرص التي توفرها الجهة التي ينتمي إليها.

إن التفاوت بين الجهات لا يظهر فقط في البنية التحتية أو التجهيزات المدرسية، بل يمتد إلى فرص التكوين والدعم والمرافقة، وإلى توفر المؤسسات والخدمات وإمكانات التنقل، فضلًا عن قدرة الأسر على توفير شروط النجاح لأبنائها. فالطفل الذي يدرس في محيط تتوفر فيه الموارد والخدمات والمؤسسات ليس بالضرورة في الوضع نفسه الذي يعيشه طفل آخر في منطقة تعاني من ضعف التجهيزات أو محدودية الخدمات أو صعوبة التنقل.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: قد يحقق متعلم في منطقة داخلية نتائج مدرسية مماثلة لما يحققه متعلم آخر في بيئة أكثر توفيرًا للموارد، لكن تشابه النتائج لا يعني بالضرورة تكافؤ المسارات، ولا تساوي فرص ما بعد المدرسة. فالمتعلمان لا ينطلقان من الطابق نفسه، ولا يستعملان المصعد نفسه، ولا يواجهان بالضرورة الوجهة ذاتها.

وفي هذا السياق، تساعدنا أطروحات أمارتيا سن حول القدرات على فهم أن امتلاك الموارد أو الحقوق بصورة شكلية لا يكفي، ما لم تتوفر للفرد الشروط الفعلية التي تمكنه من تحويلها إلى فرص حقيقية (Amartya Sen, 1999). فليس المهم فقط أن يكون التعليم متاحًا، بل أن يمتلك المتعلم القدرة الفعلية على الانتفاع به، وأن يجد في محيطه ما يساعده على مواصلة المسار وتحويل نتائجه المدرسية إلى إمكانات للحياة والعمل.

كما يتيح تحليل ريمون بودون للامساواة في الفرص التعليمية فهمًا يتجاوز النتائج المدرسية الظاهرة، إذ يربط المسارات التعليمية بالاختيارات التي تتشكل داخل سياقات اجتماعية مختلفة. وتساعدنا مقاربة رأس المال الثقافي عند بيير بورديو على فهم كيف تتفاوت الموارد الثقافية والاجتماعية التي يحملها المتعلمون إلى المدرسة، وكيف يمكن لهذه التفاوتات أن تؤثر في مساراتهم التعليمية وفرصهم اللاحقة (Raymond Boudon, 1973; Pierre Bourdieu, 1986).

لكن المسألة لا تقف عند حدود المدرسة أو نتائجها؛ فالمدرسة قد تفتح الباب أمام الصعود، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن وجود البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح باستمرار هذا الصعود. وهنا يتجاوز السؤال حدود المؤسسة التعليمية: ما الذي يحدث حين تتوسع فرص التمدرس، بينما تظل فرص الشغل والاستقرار والترقي متفاوتة بين الجهات؟ وما معنى تكافؤ الفرص إذا كان المتعلم مطالبًا، بعد سنوات من التعليم، بمغادرة جهته بحثًا عن إمكانات لا يجدها فيها؟

إن الحراك الاجتماعي لا يُقاس فقط بعدد الناجحين أو الحاصلين على الشهادات، بل أيضًا بمدى قدرة هؤلاء على بناء مستقبلهم داخل المجتمع الذي تعلموا فيه. وقد تصبح الهجرة الداخلية أو الخارجية، في بعض الحالات، امتدادًا لمسار تعليمي لم يجد في محيطه الاجتماعي والاقتصادي ما يسمح بتحقيق وعوده.

ولا يعني ذلك أن التنقل في حد ذاته فشل، بل إن المشكلة تظهر حين يتحول إلى ضرورة مفروضة على من يريد تحويل تعليمه إلى فرصة، وحين تتفاوت إمكانات البقاء والاختيار تبعًا للموقع الاجتماعي والجهوي.

إن تفاوت طوابق الانطلاق يجعل المصعد الاجتماعي غير متاح للجميع بالشروط نفسها، وقد تتحول المدرسة، بدل أن تكون وسيلة لتجاوز التفاوتات المجالية، إلى فضاء تعكس داخله هذه التفاوتات آثارها. ومن ثم، فإن سؤال العدالة المجالية والاجتماعية ليس سؤالًا موازيًا لسؤال المدرسة، بل هو جزء لا يتجزأ منه.

5. الاستحقاق الفردي والرهان الجماعي: مساءلة شروط النجاح

يميل الخطاب الاجتماعي أحيانًا إلى تفسير النجاح باعتباره ثمرة الاجتهاد الفردي وحده، والإخفاق باعتباره نتيجة للكسل أو ضعف الإرادة أو سوء الاختيارات. غير أن هذا التفسير، رغم ما يتضمنه من اعتراف بأهمية الجهد الشخصي، يظل قاصرًا عن فهم التعقيد الاجتماعي لمسارات النجاح والفشل.

فالأفراد لا ينطلقون من المواقع نفسها، ولا يمتلكون الموارد ذاتها، ولا يواجهون الظروف نفسها. كما أن النجاح لا يتحدد فقط بما يبذله المتعلم من جهد، بل يتأثر بنوعية التعليم، وبالدعم الأسري، وبالاستقرار المادي، وبالفرص المتاحة في المحيط الاجتماعي.
وفي هذا الصدد، يبين ريمون بودون أن اللامساواة في الفرص التعليمية لا يمكن فهمها دون النظر إلى القرارات الفردية التي يتخذها الأفراد والعائلات في ظل مواقع اجتماعية مختلفة، وما يرافقها من تقديرات متفاوتة للمخاطر والكلفة والعائد المتوقع من التعليم (Raymond Boudon, 1973).

ومن هنا، لا ينبغي أن يتحول نقد اختلالات المدرسة إلى إلغاء لمسؤولية الفرد، كما لا ينبغي أن يتحول تمجيد الاستحقاق الفردي إلى وسيلة لإخفاء التفاوتات البنيوية.
فالاستحقاق لا يصبح عادلًا إلا حين تتوفر شروط معقولة لتكافؤ الفرص، وحين لا يكون الموقع الاجتماعي أو الجغرافي أو الاقتصادي عاملًا حاسمًا في تحديد مصير المتعلم قبل أن يبدأ السباق.

إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في إلغاء المنافسة أو التقليل من قيمة الاجتهاد، بل في بناء شروط تجعل النجاح أكثر ارتباطًا بالكفاءة والعمل، وأقل خضوعًا للامتيازات الموروثة والموارد غير المتكافئة.

6. المدرس وانكسار الوعد المدرسي: شاهد على أزمة المنظومة

لا يمكن مساءلة انكسار الوعد المدرسي دون الالتفات إلى موقع المدرس داخل هذه المنظومة. فهو أحد الفاعلين الأساسيين في تحويل السياسات والبرامج إلى ممارسات يومية، وهو الذي يواجه داخل القسم التفاوتات الاجتماعية والمعرفية والنفسية التي يحملها المتعلمون معهم إلى المدرسة.

غير أن المدرس يجد نفسه، في كثير من الأحيان، أمام تناقض بين ما يُطلب منه تحقيقه وما توفره له المنظومة من شروط وإمكانات. فهو مطالب بتحقيق الجودة، ومراعاة الفروق الفردية، وضمان الإنصاف، وتطوير التعلمات، ومواكبة التحولات الرقمية، والتعامل مع صعوبات اجتماعية وتربوية متزايدة، في حين لا تكون ظروف العمل والتكوين والمرافقة دائمًا متناسبة مع حجم هذه الانتظارات.

وهنا لا يتعلق الأمر بإعفاء المدرس من مسؤوليته المهنية والأخلاقية، ولا بتبرير كل الممارسات الصادرة عنه، بل بفهم موقعه داخل منظومة تتداخل فيها المسؤوليات وتتوزع فيها أسباب التعثر.
فالمدرس ليس فاعلًا معزولًا، ولا يستطيع وحده معالجة اختلالات تتجاوز حدود القسم والمدرسة. كما أن تحميله مسؤولية النتائج كلها قد يحجب دور السياسات العمومية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية، ويختزل أزمة مركبة في أداء فردي.

إن المدرس، في هذا المعنى، ليس مجرد منفذ للبرامج، بل شاهد يومي على المسافة بين الخطاب التربوي والواقع المدرسي، وبين ما يُنتظر من المدرسة وما تسمح به شروط اشتغالها.

7. المدرسة والمجتمع: حين تتجاوز الأزمة حدود المؤسسة

لا تعمل المدرسة بمعزل عن المجتمع، ولا يمكنها أن تنتج وحدها قيمًا وسلوكيات ومعارف قادرة على الصمود أمام كل ما يناقضها في المحيط الاجتماعي. فهي تتأثر بالأسرة والإعلام وسوق الشغل والثقافة السائدة والسياسات العمومية، كما تؤثر بدورها في هذه المجالات.
وقد تصبح المدرسة عاجزة عن الوفاء بوعودها حين تجد نفسها مطالبة بمعالجة نتائج اختلالات لم تكن سببًا وحيدًا فيها. فالبطالة، والهشاشة الاقتصادية، والتفاوت الجهوي، وضعف الثقة في المؤسسات، كلها عوامل تؤثر في معنى التعليم وفي تمثلات الأفراد تجاه مستقبله.

وفي هذا السياق، يذكرنا إدغار موران بأن التربية لا يمكن اختزالها في نقل المعارف، بل تقتضي فهم تعقيد الواقع الإنساني والاجتماعي، وربط المعرفة بسياقاتها وبالمشكلات الكبرى التي تواجه الإنسان والمجتمع (Edgar Morin, 1999).

إن أزمة المدرسة ليست إذن أزمة برامج ومناهج فقط، بل هي أيضًا أزمة علاقة بين المؤسسة التربوية والمجتمع الذي يحتضنها. وحين يتراجع الاعتقاد في قدرة التعليم على تحسين شروط الحياة، فإن ذلك لا ينعكس على المتعلمين وحدهم، بل يمتد إلى الأسر والمدرسين والمؤسسات وإلى الثقة العامة في المستقبل.

ومن هنا، فإن إصلاح المدرسة لا يمكن أن يكون شأنًا قطاعيًا ضيقًا، بل يحتاج إلى رؤية تربط التعليم بالاقتصاد والتشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعية، وتعيد الاعتبار إلى المعرفة باعتبارها قيمة اجتماعية وإنتاجية وإنسانية.

8. إعادة تشغيل المصعد: نحو استعادة معنى العدالة الاجتماعية

إن إعادة تشغيل المصعد الاجتماعي لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى مزيد من التمدرس، ولا بمجرد رفع عدد الشهادات أو توسيع مؤسسات التعليم، بل تقتضي مراجعة العلاقة بين المدرسة وبقية مؤسسات المجتمع.
فالجودة التعليمية لا تنفصل عن العدالة في توزيع الموارد، ولا عن تحسين ظروف التعلم، ولا عن الاعتراف بدور المدرس، ولا عن بناء سياسات تشغيل قادرة على استيعاب الكفاءات وتثمينها.

كما أن استعادة الثقة في المدرسة تقتضي ألا يظل النجاح التعليمي وعدًا مؤجلًا، وألا تتحول الشهادة إلى وثيقة انتظار، وألا يصبح التكوين العالي مسارًا ينتهي بصاحبه إلى الهشاشة أو الإقصاء.
إن المطلوب ليس أن تضمن المدرسة وظيفة لكل خريج، فهذا يتجاوز حدود مسؤوليتها المباشرة، بل أن تعمل الدولة والمجتمع على بناء علاقة متماسكة بين التكوين والحاجات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تتوفر سياسات تشغيل شفافة وعادلة، وأن تُثمن الكفاءات العلمية والمهنية، وأن تُراقب شروط العمل والتعاقد والتأجير بما يحفظ الكرامة والمال العام.

ويقتضي ذلك أيضًا تجاوز النظرة التي تجعل المدرسة مسؤولة وحدها عن كل اختلال اجتماعي، أو تجعل الفرد وحده مسؤولًا عن مصيره. فالعدالة التعليمية لا تكتمل دون عدالة اجتماعية، والحق في التعليم لا يكتمل دون شروط فعلية للانتفاع به، كما أن الاستثمار في المعرفة يفقد جزءًا كبيرًا من معناه حين لا يجد امتداده في الحياة الاقتصادية والمهنية.

إن استعادة معنى المصعد الاجتماعي تتطلب، في النهاية، إعادة بناء الثقة بين المدرسة والمجتمع، وبين الشهادة والعمل، وبين الجهد الفردي والاعتراف الجماعي. وهي مهمة لا يمكن أن تنجزها مؤسسة واحدة، ولا قرار إداري معزول، بل تحتاج إلى رؤية وطنية تجعل الإنسان والمعرفة في قلب التنمية.

خاتمة: المصعد الذي توقف… والأسئلة التي لم تتوقف

لم تتوقف المدرسة التونسية عن استقبال المتعلمين، ولم يتوقف التونسيون عن الاستثمار في تعليم أبنائهم، لكن الوعد الذي رافق هذا الاستثمار لم يعد يتحقق بالشروط والوتيرة نفسيهما. لقد أصبح الحصول على الشهادة بداية لمسار جديد من الانتظار، بدل أن يكون دائمًا بوابة للاندماج والاستقرار والارتقاء.

وإذا كانت المدرسة قد نجحت تاريخيًا في توسيع قاعدة التمدرس وفتح آفاق لم تكن متاحة لأجيال سابقة، فإن ذلك لا يعفينا من مساءلة قدرتها الراهنة على أداء وظيفتها الاجتماعية، ولا من مساءلة السياسات التي تربطها بالتشغيل والتنمية وتوزيع الفرص.

إن المصعد الاجتماعي لا يتوقف داخل المدرسة وحدها، بل تتداخل في تعطله اختيارات اقتصادية، وتفاوتات مجالية، وآليات انتقاء، وأشكال تشغيل هشة، واختلالات في تثمين المعرفة والعمل. لذلك لا يمكن إعادة تشغيله عبر إصلاح جزئي أو خطاب تفاؤلي، بل عبر إعادة التفكير في العلاقة بين التعليم والعدالة الاجتماعية، وبين المؤهل والفرصة، وبين الكفاءة والاعتراف.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تتراجع قيمة الشهادة في سوق الشغل فحسب، بل أن تتراجع ثقة الأجيال في قيمة المعرفة نفسها، وأن يتحول الاجتهاد الدراسي من رهان على المستقبل إلى مخاطرة مفتوحة لا يعرف أصحابها أين تنتهي.

إن المدرسة التي لا تفتح أفقًا للصعود لا تفقد وظيفتها التعليمية بالضرورة، لكنها تفقد تدريجيًا جزءًا من شرعيتها الاجتماعية، وتصبح مطالبة بإعادة بناء الوعد الذي قامت عليه علاقتها بالمجتمع.

فهل نريد مدرسة تكتفي بتخريج الحاصلين على الشهادات، أم مدرسة تشارك في بناء مجتمع قادر على الاعتراف بالمعرفة وتثمين الكفاءات وتوفير شروط الارتقاء العادل؟

ذلك أن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بمن صعد ومن بقي في مكانه، بل بمن يتحكم في حركة المصعد، وبالشروط التي تسمح له بالتحرك، وبالوجهة التي يأخذ إليها أبناء المجتمع.

فالمصعد لم يتوقف عند طابق بعينه… بل كشف أن الخلل قد يكون في البناية كلها...

المراجع:

1. Boudon, R. (1973). L’Inégalité des chances : La mobilité sociale dans les sociétés industrielles. Paris : Armand Colin.

2. Bourdieu, P. (1986). « The Forms of Capital ». In J. G. Richardson (Ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York : Greenwood Press.

3. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : ditions de Minuit.

4. Collins, R. (1979). The Credential Society : An Historical Sociology of Education and Stratification. New York : Academic Press.

5. Dubet, F. (2004). L’cole des chances : Qu’est-ce qu’une école juste ? Paris : Seuil.

6. Duru-Bellat, M. (2002). Les Inégalités sociales à l’école : Genèse et mythes. Paris : Presses Universitaires de France.

7. Morin, E. (1999). Les Sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris : UNESCO.

8. Sen, A. (1999). Development as Freedom. New York : Alfred A. Knopf.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال