تقديم: حين يصبح التناقض موضوعًا للحفر
لم تعد مساءلة المدرسة التونسية ممكنة بالاكتفاء بما تعلنه من أهداف، أو بما تتضمنه البرامج الرسمية من قيم ومبادئ، أو بما ترفعه الخطابات التربوية من شعارات حول المتعلّم والمواطنة والانضباط والتعلّم النشط. فبين ما يُقال عن المدرسة وما يجري داخلها، وبين ما يُنتظر منها وما تسمح به شروط اشتغالها، تتشكل مسافة تستحق الفحص؛ مسافة لا يمكن اختزالها في أخطاء بعض الممارسين، ولا تفسيرها بإخفاق المتعلّمين وحدهم، ولا تجاوزها بمجرد استدعاء إصلاح تربوي جديد.
في الحياة المدرسية اليومية، تتكرر مفارقات تستحق التوقف عندها: يُطالَب المتعلّم باحترام القواعد، لكنه قد يلاحظ أن بعض الكبار لا يلتزمون بها إلا حين تخدم مصالحهم؛ وتُرفع قيمة الحوار، بينما قد تتحول بعض المواقف الصفية إلى أوامر متبادلة؛ ويُدعى المعلّم إلى مراعاة الفروق الفردية، في حين يجد نفسه أحيانًا أمام أقسام مكتظة، ووقت محدود، وانتظارات متزايدة، ووسائل لا تتناسب دائمًا مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه. كما يُطلب من المدرسة أن تربي على المسؤولية، في الوقت الذي قد تُواجَه فيه بعض محاولات ضبط الحياة المدرسية بالتردد أو بتضارب التوقعات حول حدود السلطة التربوية.
لا تعني هذه المشاهد أن المدرسة فقدت كل قدرتها على التربية، ولا أن التناقض أصبح قاعدة مطلقة في جميع المؤسسات والفصول. لكنها تطرح سؤالًا يتجاوز وصف الحالات الفردية إلى مساءلة الشروط التي تسمح لبعض التناقضات بأن تتكرر، وأن تتحول أحيانًا إلى جزء مألوف من الحياة المدرسية.
من هنا يأتي السؤال الذي يمنح هذا المقال عنوانه: هل ما زلنا نُربّي فعلًا؟ ليس المقصود التشكيك في كل ما ينجزه المعلّمون، أو نفي القيمة التربوية للمدرسة، بل مساءلة العلاقة بين الخطاب التربوي والممارسة الفعلية، وبين القيم المعلنة وشروط تجسيدها، وبين المسؤوليات التي تُحمّل للأفراد والآليات المؤسسية التي يفترض أن تسندهم.
إن التربية ليست مجرد نقل للمعارف، كما أنها ليست مجموعة من التعليمات التي يُطلب من الطفل الامتثال لها. إنها عملية اجتماعية وأخلاقية وثقافية معقدة، تتشكل داخل المدرسة وخارجها، وتتأثر بما يعيشه الطفل من علاقات ونماذج وممارسات. ولذلك فإن مساءلة المدرسة تقتضي النظر في محيطها الاجتماعي، وفي تنظيمها المؤسسي، وفي موقع المعلّم، وفي صورة السلطة التي تقدمها للأجيال الجديدة.
هذه محاولة للحفر في بعض التناقضات التي قد تعترض المدرسة التونسية، لا بهدف إصدار حكم نهائي عليها، بل لفهم ما وراء الظواهر اليومية، وما يجعل بعض الاختلالات تستمر رغم كثرة الخطابات الداعية إلى الإصلاح. فالسؤال ليس فقط ما الذي ينبغي أن تفعله المدرسة، بل أيضًا ما الذي تسمح لها شروطها بأن تفعله، وما الذي ننتظره منها بينما نترك بعض شروط النجاح التربوي معلّقة.
1. من المدرسة التي تُعلّم إلى المدرسة التي ينبغي أن نُساءل عمّا تُنتج:
اعتدنا النظر إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة للتعليم والتنشئة الاجتماعية، تتولى نقل المعارف وتنمية القدرات وغرس القيم وإعداد الأجيال للحياة الجماعية. وقد أسهم هذا التصور في ترسيخ مكانتها باعتبارها فضاءً مركزيًا في بناء الفرد والمجتمع. غير أن أهمية المدرسة لا تُقاس بما تعلنه من أهداف فحسب، بل بما تنتجه ممارساتها اليومية من علاقات وتمثلات وسلوكات، وما تتيحه للمتعلّمين من فرص لفهم العالم والمشاركة فيه.
لقد بيّن إميل دوركايم أن التربية فعل اجتماعي تتولى من خلاله الجماعة إعداد الأجيال الجديدة للحياة داخل المجتمع (mile Durkheim, 1922). فالتربية، وفق هذا المنظور، ليست شأنًا فرديًا معزولًا، بل عملية ترتبط بالقيم والمعايير والعلاقات التي ينظم بها المجتمع وجوده. غير أن هذا التصور يفتح سؤالًا إضافيًا: أيّ قيم تنقلها المدرسة فعلًا حين تتعارض بعض ممارساتها مع القيم التي تعلنها؟ وهل يكفي أن تُدرج قيمة الاحترام في البرامج حتى تصبح جزءًا من التجربة اليومية للمتعلّم؟
قد يتعلم الطفل أن الحوار وسيلة لحل الخلاف، لكنه لا يجد دائمًا في محيطه نماذج عملية للحوار. وقد يُطالَب بالصدق، بينما يشاهد أحيانًا ممارسات اجتماعية تقوم على المواربة أو تبرير السلوك بحسب المصلحة. وقد يتلقى دروسًا عن المسؤولية، لكنه لا يجد في بعض المواقف فرصة حقيقية لتحمل نتائج اختياراته أو المشاركة في اتخاذ القرارات التي تخص حياته المدرسية.
إن المدرسة لا تنقل القيم عبر محتويات الدروس وحدها؛ فهي تنقلها أيضًا من خلال طريقة تنظيم الزمن، وتوزيع الكلام، والتعامل مع الخطأ، وتسوية النزاعات، وتطبيق القواعد، والإنصات إلى المتعلّم، والتمييز بين السلوك المقبول وغير المقبول. ولهذا قد تتعلم الأجيال من الممارسة اليومية ما يختلف عما تتلقاه في الخطاب الرسمي.
ولا ينبغي أن يُفهم ذلك بوصفه اتهامًا عامًا للمعلّمين أو للمؤسسات. فالممارسات التربوية تتفاوت، وقد يجد المتعلّم داخل المدرسة نماذج إنسانية ومهنية تترك أثرًا عميقًا في شخصيته. لكن وجود هذه التجارب الإيجابية لا يلغي ضرورة مساءلة التناقضات التي تظهر في تجارب أخرى، ولا يسمح بتحويلها إلى استثناءات لا تستحق البحث.
إن السؤال السوسيولوجي لا يبدأ من البحث عن شخص نحمّله المسؤولية، بل من محاولة فهم العلاقة بين الممارسة الفردية والإطار الذي تتم داخله. فالمعلّم يتصرف ضمن برنامج وزمن ومؤسسة وانتظارات اجتماعية، والمتعلّم يتشكل داخل شبكة من العلاقات المدرسية والأسرية والإعلامية. ومن ثمّ، لا يمكن تفسير ما يحدث داخل الفصل بمعزل عن الشروط التي تحيط به.
بهذا المعنى، يصبح الانتقال من سؤال «ماذا نُعلّم؟» إلى سؤال «ماذا تنتج ممارساتنا؟» ضرورة منهجية. فالمعرفة التي لا تُرافقها شروط للفهم والنقد والممارسة قد تتحول إلى محتوى محفوظ، والقيمة التي لا تجد ما يسندها في العلاقات اليومية قد تصبح عبارة تُستعاد في المناسبات، بينما يستمر السلوك في اتجاه آخر.
2. القفص الحديدي: حين تستمرّ المؤسسة ويضيق أفق الفعل
تعمل المدرسة داخل تنظيم مؤسسي يحدد الأدوار والمسؤوليات، وينظم الزمن والمحتويات وطرائق التقييم والعلاقات المهنية. وهذا التنظيم ضروري لاستمرار المرفق العمومي وضمان قدر من الانسجام بين المؤسسات. غير أن التنظيم، حين يتصلب أو يتحول إلى غاية في ذاته، قد يضيّق مساحة المبادرة ويجعل الالتزام بالإجراءات أهم من مساءلة جدواها التربوية.
استعمل ماكس فيبر مفهوم العقلنة لتحليل توسع التنظيم القائم على القواعد والإجراءات والحسابات داخل المجتمعات الحديثة (Max Weber, 1922). ويمكن الاستئناس بهذا المنظور لفهم بعض التوترات التي تعيشها المؤسسة المدرسية: فالإجراءات التي وُضعت لضمان انتظام العمل قد تتحول، في بعض السياقات، إلى إطار يصعب داخله تعديل الممارسة أو الاستجابة لحاجات المتعلّمين المتغيرة.
لا تكمن المشكلة في وجود القواعد في حد ذاته؛ إذ لا يمكن أن تستمر الحياة المدرسية من دون قواعد واضحة. إنما تكمن في احتمال انفصال القاعدة عن غايتها، حين يصبح تنفيذ الإجراء أهم من فهم أثره، أو حين يُقاس نجاح الممارسة بمدى مطابقتها للتعليمات لا بمدى إسهامها في التعلّم والتنشئة.
قد يجد المعلّم نفسه مطالبًا بإنجاز محتويات محددة في زمن محدود، ومراعاة الفروق الفردية، وتفعيل المقاربات الحديثة، وتحقيق نتائج قابلة للقياس، والمحافظة على الانضباط، والتواصل مع الأسر، وتوثيق العمل المنجز. وكل مطلب من هذه المطالب قد يكون مشروعًا في ذاته، لكن اجتماعها في شروط عمل غير ملائمة قد يخلق تناقضًا بين ما يُطلب نظريًا وما يمكن إنجازه عمليًا.
هنا يبرز معنى القفص الحديدي بوصفه استعارة تحليلية لوضع يصبح فيه الفرد محاطًا بانتظارات وإجراءات متعددة، بينما تتقلص قدرته على التصرف بحرية ومسؤولية. وقد لا يشعر المعلّم في مثل هذا الوضع بأنه يرفض التجديد أو يعارض الإصلاح، بل قد يجد نفسه عاجزًا عن تحويل التوجيهات إلى ممارسة مستدامة، بسبب ضغط الزمن، أو محدودية الموارد، أو تضارب الأولويات، أو غياب المرافقة الكافية.
ويكتسب هذا التوتر أهمية خاصة عندما تُحمّل النتائج للممارس وحده، بينما تبقى شروط الإنتاج التربوي خارج دائرة المساءلة. فحين لا تتحقق الأهداف، قد يُختزل التفسير في ضعف الكفاءة أو مقاومة التغيير، من دون بحث كافٍ في العلاقة بين طبيعة المطالب والوسائل المتاحة لتحقيقها.
ولا يعني ذلك أن المعلّم معفى من مسؤوليته المهنية، أو أن كل تعثر مردّه إلى المؤسسة. فالممارسات الفردية تختلف، والمبادرة ممكنة حتى في الظروف الصعبة، كما أن بعض الاختلالات قد ترتبط بضعف التخطيط أو قصور التكوين أو محدودية مراجعة الذات. لكن التفسير المتوازن يقتضي عدم الفصل بين مسؤولية الفاعل وشروط فعله.
إن المدرسة التي تريد تطوير الممارسة لا تحتاج فقط إلى إصدار توجيهات جديدة، بل إلى فحص الطريقة التي تتفاعل بها التوجيهات مع الواقع اليومي. فالتجديد الذي لا يراعي شروط العمل قد يتحول إلى عبء إضافي، والإجراء الذي لا يتيح مساحة للتكيّف قد ينتج امتثالًا شكليًا بدلًا من تحول فعلي.
وهكذا لا يعود السؤال: هل يلتزم المعلّم بالتعليمات؟ بل يصبح أيضًا: هل يسمح التنظيم المؤسسي للمعلّم بأن يفهم غاياتها، وأن يكيّفها تربويًا، وأن يقيّم نتائجها، وأن يراجعها حين لا تحقق ما وُضعت من أجله؟
3. التنشئة الأخلاقية: من يربّي من؟
تُعدّ التربية الأخلاقية من أكثر المجالات التي تكشف العلاقة المعقدة بين المدرسة والمجتمع. فالمدرسة مطالبة بتنشئة المتعلّم على الصدق والاحترام والمسؤولية والتضامن وقبول الاختلاف، لكنها لا تعمل في فراغ اجتماعي منفصل عن الأسرة والشارع ووسائل الإعلام والفضاء الرقمي. ويتشكل الطفل عبر ما يسمعه وما يشاهده وما يعيشه، وليس عبر ما يُقال له داخل الفصل وحده.
يمكن للمتعلّم أن يتلقى درسًا عن احترام القانون، ثم يشاهد في حياته اليومية ممارسات تتعامل مع القانون بوصفه عائقًا ينبغيالالتفاف عليه. وقد يتعلم أن قيمة الإنسان لا تقاس بمكانته أو بامتلاكه، لكنه يلاحظ أن بعض العلاقات الاجتماعية تمنح الامتياز للأقوى أو الأكثر نفوذًا. وقد يُدعى إلى الاعتراف بالخطأ، في حين يجد حوله من يبرر الخطأ حين يصدر عن شخص ذي مكانة.
لا يعني ذلك أن المجتمع التونسي بأكمله يناقض القيم التي تعلّمها المدرسة، ولا أن الأسر عاجزة عن التربية الأخلاقية. ففي المجتمع نماذج كثيرة للتضامن والنزاهة وتحمل المسؤولية، كما توجد أسر ومؤسسات ومبادرات تمنح الطفل خبرات إيجابية. لكن التناقض بين الخطاب والممارسة، حيثما يظهر، يضع التنشئة الأخلاقية أمام اختبار يتجاوز حدود الدرس المدرسي.
لقد أبرز بيار بورديو وجان-كلود باسرون أن المدرسة لا تعمل بمعزل عن البنية الاجتماعية، وأنها قد تسهم، في ظروف معينة، في إعادة إنتاج الفوارق والتراتبيات من خلال آليات تبدو محايدة في ظاهرها (Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron, 1970). ولا يقتضي استحضار هذا التحليل اعتبار المدرسة مجرد أداة لإعادة الإنتاج، بل يتيح فهم أن رسائلها التربوية تتفاعل مع ما يحمله المتعلّمون من تجارب وموارد وتمثلات اجتماعية متفاوتة.
ومن هنا تبرز صعوبة اختزال التربية الأخلاقية في حصص مخصصة للقيم أو في مطالبة الطفل بالسلوك الجيد. فالقيمة لا تتحول إلى ممارسة راسخة لمجرد تعريفها أو تكرارها، وإنما تتطلب خبرة متراكمة يشعر فيها المتعلّم بأن القاعدة عادلة، وأنها تطبق بصورة منصفة، وأن الكبار أنفسهم لا يعفون أنفسهم من مقتضياتها.
حين يُطالَب الطفل بالاحترام، ينبغي أن يجد ما يبرر هذه المطالبة في طريقة التعامل معه ومع الآخرين. وحين يُطالَب بالمسؤولية، ينبغي ألا تُختزل المسؤولية في الطاعة، بل أن يتعلم الربط بين الاختيار والنتيجة، وبين الحقوق والواجبات. وحين يُدعى إلى الاعتراف بخطئه، ينبغي أن تكون مساءلته فرصة للفهم والتصحيح، لا مناسبة للإهانة أو الوصم.
وهنا يصبح السؤال «من يربّي من؟» أكثر من مجرد عبارة بلاغية. فالكبار لا يربّون الأطفال من خلال الكلام فقط، بل من خلال سلوكهم، كما أن الأجيال الجديدة تكشف أحيانًا، عبر أسئلتها واعتراضاتها، التناقضات التي اعتاد المجتمع تجاوزها أو تبريرها. وهذا لا يعني قلب الأدوار أو إعفاء الطفل من التوجيه، بل الاعتراف بأن التربية علاقة متبادلة التأثير، وإن لم تكن المسؤوليات فيها متساوية.
إن المدرسة تستطيع أن تؤدي دورًا مهمًا في بناء الحس الأخلاقي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعوّض جميع التناقضات الاجتماعية. كما أن المجتمع لا يستطيع أن يطالب المدرسة بإنتاج قيم يناقضها بعض ما يعيشه أفراده من ممارسات. لذلك فإن مساءلة التنشئة الأخلاقية تقتضي النظر في العلاقة بين الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، لا توزيع الاتهامات على طرف واحد.
4. الجيل الجديد: تمرّد على المدرسة أم على التناقضات المحيطة به؟
غالبًا ما يُوصَف الجيل الجديد بأنه أقل انضباطًا، أو أقل صبرًا، أو أقل استعدادًا للامتثال، مقارنة بأجيال سابقة. وقد تتحول هذه الأوصاف، حين تتكرر من دون فحص، إلى أحكام جاهزة تفسّر السلوك قبل فهمه. فبدل البحث في أسباب التغيرات التي يشهدها عالم الطفل، يُختزل الأمر في تراجع أخلاقي عام أو في ضعف التربية الأسرية والمدرسية.
لا يمكن إنكار أن بعض السلوكيات تطرح صعوبات فعلية أمام الحياة المدرسية، وأن المعلّمين قد يواجهون حالات من الرفض أو التشويش أو الاعتداء اللفظي أو عدم احترام القواعد. لكن فهم هذه السلوكيات لا يقتضي جمعها كلها في صورة واحدة، ولا افتراض أن كل اعتراض هو تمرّد، أو أن كل اختلاف في السلوك دليل على انهيار القيم.
لقد تغيرت شروط التنشئة الاجتماعية بصورة ملحوظة. فالأطفال يعيشون اليوم في فضاءات متعددة، ويتعرضون لمحتويات رقمية متدفقة، ويتفاعلون مع نماذج مختلفة من السلطة والنجاح والعلاقات. وقد أصبحت المدرسة واحدة من فضاءات التأثير في حياتهم، لا الفضاء الوحيد الذي يحدد تصوراتهم وسلوكاتهم. وهذا التحول يفرض مساءلة الأدوات التي تعتمدها المؤسسة لفهم المتعلّم والتواصل معه.
ولا يعني ذلك أن التكنولوجيا أو وسائل التواصل مسؤولة وحدها عن كل تغير، كما لا يعني أن الأجيال السابقة كانت أكثر انضباطًا أو أفضل أخلاقيًا في جميع الأحوال. إن المقارنة بين الأجيال تحتاج إلى معطيات دقيقة، وإلى الانتباه إلى اختلاف الظروف الاجتماعية والتربوية التي عاشتها. أما تحويل الحنين إلى الماضي إلى معيار للحكم على الحاضر، فقد يحجب أكثر مما يكشف.
قد يعترض المتعلّم على قاعدة لا يفهم غايتها، أو يرفض إجراءً يراه غير منصف، أو يتصرف بطريقة غير مقبولة لأنه لم يكتسب بعد الأدوات اللازمة لضبط انفعالاته أو تسوية خلافاته. وهذه الحالات ليست متطابقة، ولا ينبغي أن تُواجَه بالاستجابة نفسها. فهناك فرق بين السؤال والرفض، وبين الاختلاف والإساءة، وبين الخطأ العابر والسلوك المتكرر الذي يعرقل تعلّم الآخرين.
إن التربية لا تقتضي إلغاء سلطة المعلّم، لكنها لا تقتضي كذلك تفسير كل ممارسة تربوية من زاوية الطاعة والامتثال. فالمتعلّم ليس مستقبلًا سلبيًا للأوامر، بل فاعل يتعلم تدريجيًا فهم القواعد والمشاركة في الحياة الجماعية وتحمل نتائج أفعاله.
وقد يكون بعض ما يبدو تمرّدًا على المدرسة اعتراضًا على تناقضات أوسع يعيشها الطفل في محيطه. غير أن هذا الاحتمال لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى تفسير جاهز لكل سلوك؛ فهو فرضية تستحق البحث في ضوء الحالات والمعطيات، لا حكمًا عامًا على جيل كامل.
المطلوب إذن ألا نكتفي بالسؤال عما إذا كان الجيل الجديد قد تغير، بل أن نسأل أيضًا: هل تغيرت المدرسة بالقدر الذي يسمح لها بفهم هذا الجيل؟ وهل ما زالت بعض الممارسات تعتمد تصورات عن المتعلّم لا تتناسب مع حاجاته الراهنة؟ وكيف يمكن الجمع بين احترام شخصيته وترسيخ المسؤولية والانضباط الضروريين للتعلّم المشترك؟
إن فهم الجيل الجديد لا يعني تبرير كل تصرفاته، كما أن مساءلة سلوكه لا تعني إدانته مسبقًا. إنه يعني الانتقال من الأحكام العامة إلى الفهم، ومن رد الفعل إلى التشخيص، ومن الرغبة في استعادة نموذج سابق إلى التفكير في شروط تربية قادرة على الاستجابة للحاضر.
5. المعلّم بين الشرعية البيداغوجية وشروط الممارسة:
يحتل المعلّم موقعًا مركزيًا في العملية التربوية، لكنه يجد نفسه أحيانًا بين مطالب متعارضة: أن يكون صاحب سلطة، من دون أن يتحول إلى متسلط؛ وأن يكون قريبًا من المتعلّم، من دون أن يفقد القدرة على تنظيم العمل؛ وأن يراعي الفروق الفردية، مع ضمان تقدم المجموعة؛ وأن يفعّل المقاربات الحديثة، مع المحافظة على نسق تعلّم يسمح بتحقيق الأهداف.
إن الشرعية البيداغوجية لا تُختزل في المنصب أو في الحق الرسمي في إصدار التعليمات. إنها تتشكل كذلك من الكفاءة المهنية، والقدرة على تنظيم القسم، والإنصاف في التعامل، ووضوح القواعد، والاستعداد إلى الإصغاء، والقدرة على تفسير القرارات. فالمتعلّم يحتاج إلى سلطة مفهومة يمكن توقع ممارستها، لا إلى أوامر متقلبة أو إلى قواعد تطبق على البعض دون البعض الآخر.
لكن الشرعية المهنية لا تُبنى بإرادة المعلّم وحده. فهي تتأثر أيضًا بظروف العمل، وبصورة المدرسة في المجتمع، وبالعلاقة مع الأسر، وبمدى وضوح المسؤوليات، وبما توفره المؤسسة من دعم عند مواجهة الصعوبات. وحين تتضارب الرسائل التي يتلقاها المعلّم حول كيفية التعامل مع السلوكيات المعرقلة للتعلّم، فقد يجد نفسه أمام مسؤولية واضحة في ظاهرها، لكن أدوات ممارستها غير واضحة بما يكفي.
لا ينبغي أن تتحول هذه الصعوبات إلى مبرر لكل تصرف يصدر عن المعلّم. فالمسؤولية المهنية تقتضي احترام كرامة المتعلّم، وتجنب العنف والإهانة والتمييز، ومراجعة الممارسة عند الحاجة. غير أن مطالبة المعلّم بتحمل المسؤولية لا تعفي المؤسسة من واجب تحديد الإجراءات، وتوفير المرافقة، وضمان وضوح القواعد التي تنظم الحياة المدرسية.
وتساعدنا مقاربة دونالد شون للتفكير في الممارسة المهنية على فهم أهمية مراجعة الفعل أثناء إنجازه وبعده، بدل الاكتفاء بتطبيق وصفات ثابتة (Donald A. Schn, 1983). فالممارسة التربوية لا تسير دائمًا وفق خطة خطية؛ إذ تظهر مواقف غير متوقعة، وتتطلب تعديلات تستند إلى الخبرة والتأمل والحكم المهني.
لكن التفكير التأملي لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن التكوين والمرافقة المؤسسية. فلا يكفي أن نطلب من المعلّم أن يبتكر حلولًا فردية لكل صعوبة، أو أن نحمّله وحده تبعات تعارضات تنظيمية تتجاوز إمكاناته. فالممارسة الجيدة تحتاج إلى معرفة مهنية، ووقت للتخطيط، وفرص للتبادل بين الزملاء، وإطار واضح للتصرف في المواقف المعقدة.
كما أن تجديد العلاقة التربوية لا يعني إلغاء الحدود. فالقسم فضاء مشترك يحتاج إلى قواعد تضمن حق الجميع في التعلّم، والاحترام المتبادل، وعدم الاعتداء أو التشويش المستمر. وإذا كانت السلطة التربوية مطالبة بالتطور، فإن هذا التطور ينبغي أن يعزز قدرتها على الإقناع والتنظيم والإنصاف، لا أن يتركها معلّقة بين خطاب يطالب بالانضباط وممارسة تتردد في تحديد ما يترتب على خرق القواعد.
إن إنصاف المعلّم لا يقتضي منحه سلطة مطلقة، كما أن حماية المتعلّم لا تقتضي تجريد المعلّم من كل أدوات التنظيم. المطلوب هو بناء علاقة تربوية تستند إلى وضوح المسؤوليات، وتناسب الاستجابة مع السلوك، وإمكانية مراجعة القرار، وحماية كرامة جميع الأطراف.
6. الدولة ومسؤولية تنظيم الحياة المدرسية: حين يُغيَّب التأديب باسم حماية الطفل
تحتل حماية الطفل مكانة أساسية في أي تصور تربوي وإنساني للمدرسة. فلا يمكن تبرير العنف أو الإهانة أو العقاب الذي يمس الكرامة، ولا يمكن النظر إلى المتعلّم باعتباره موضوعًا خاضعًا لسلطة لا حدود لها. غير أن حماية الطفل تطرح سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن ضمان هذه الحماية، وفي الوقت نفسه، المحافظة على حقه وحق زملائه في التعلّم داخل فضاء منظم؟
تظهر الإشكالية حين جد المعلّم نفسه مطالبًا بالمحافظة على الانضباط، ومنع السلوكيات التي تعطل الدرس، وحماية المتعلّمين من الاعتداءات، بينما لا تكون الإجراءات المتاحة للتعامل مع بعض الحالات واضحة بما يكفي، أو لا تكون آليات تطبيقها ومتابعتها فعّالة في الممارسة. عندئذ قد تتحول معالجة المشكلة إلى مسؤولية فردية، ويصبح المعلّم مطالبًا بتدبير موقف معقد من دون أن يعرف دائمًا حدود صلاحياته أو مسار التدخل المؤسسي المناسب.
ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى العودة إلى أساليب عقابية قاسية، أو إلى إضفاء الشرعية على الإهانة والعنف، بل بضرورة التمييز بين الحماية وإلغاء المسؤولية، وبين منع التجاوز والتخلي عن تنظيم الحياة المدرسية. فالمؤسسة التي لا تحمي المتعلّم من العنف مطالبة بالمراجعة، كما أن المؤسسة التي لا تمتلك آليات واضحة للتعامل مع السلوكيات التي تعرقل التعلّم مطالبة هي الأخرى بمساءلة تنظيمها.
وتزداد المسألة إلحاحًا حين يقارن المعلّم بين ما يتوافر في بعض المراحل التعليمية، ولا سيما المرحلة الإعدادية، من إجراءات تأديبية مؤسسية، وبين ما يختبره في المدرسة الابتدائية من محدودية الآليات الواضحة للتعامل مع السلوكيات المتكررة التي تعرقل التعلّم. ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بنقل الإجراءات من مرحلة إلى أخرى بصورة آلية، أو بتوسيع العقاب، بل بالسؤال عن مدى توافر إطار تربوي متدرّج ومفهوم وقابل للتطبيق، يحدّد المسؤوليات، ويحمي حقوق المتعلّمين، ويسند المعلّم في أداء واجبه المهني.
فحين يغيب هذا الإطار، أو لا يكون واضحًا وفعّالًا في الممارسة، قد يجد المعلّم نفسه مطالبًا بفرض الانضباط دون أدوات مؤسسية كافية، وقد تتحوّل معالجة السلوك المتكرر إلى مسؤولية فردية تُترك لاجتهاده وقدرته على الاحتمال. وعندما يُبرَّر هذا الوضع بذريعة حماية الطفل، يبرز السؤال عن المعنى الذي نمنحه للحماية: هل تقتصر على منع التجاوز في حق المتعلّم، أم تشمل أيضًا حماية حقه وحق زملائه في التعلّم، وضمان قدرة المؤسسة على الاستجابة للسلوكيات التي تعطل الحياة المدرسية؟
إن حماية الطفل لا تقتضي إلغاء المسؤولية، كما أن مساءلة السلوك لا تبرّر الإهانة أو العنف. المطلوب هو إطار واضح وعادل يميّز بين الخطأ العابر والسلوك المتكرر والاعتداء، ويحدّد الاستجابات المناسبة لكل حالة، ويضمن حق جميع الأطراف في المعاملة المنصفة والمساءلة.
ويقتضي ذلك أيضًا ألا تُترك الأسرة والمعلّم والإدارة في علاقة ملتبسة، يتبادل فيها كل طرف الاتهامات حين تقع المشكلة. فالإجراءات الفعّالة لا تقوم على العقوبة وحدها، بل على التدرج، والتوثيق، والتواصل مع الأسرة، وفهم أسباب السلوك عند الحاجة، وتحديد التدخلات الملائمة، ومراجعة النتائج. كما ينبغي أن تكون هناك آليات واضحة للتعامل مع الحالات التي تتجاوز قدرة المعلّم الفردية، بما يضمن ألا يتحول القسم إلى فضاء يُطلب فيه من شخص واحد أن يعالج بمفرده كل التعقيدات الاجتماعية والنفسية والسلوكية.
وفي المقابل، لا يجوز أن تصبح الصعوبات السلوكية ذريعة لتصنيف الأطفال أو وصمهم، أو لإقصائهم من حقهم في التعليم. فالطفل الذي يواجه صعوبة في ضبط سلوكه يظلّ محتاجًا إلى التربية والتوجيه، كما أن زملاءه يحتاجون إلى بيئة تسمح لهم بالتعلّم في أمان وهدوء نسبيين. والتوفيق بين هذه الحقوق لا يتحقق بتفضيل طرف وإهمال آخر، بل بتنظيم مؤسسي عادل يأخذ في الاعتبار اختلاف الحالات ودرجات خطورتها وتكرارها.
هنا تبرز مسؤولية الدولة والجهات المشرفة على المدرسة في توفير إطار مفهوم للتعامل مع السلوكيات، وفي توضيح المسؤوليات والصلاحيات، وفي ضمان التكوين والمرافقة، وفي تجنب ترك المعلّم بين الخوف من تجاوز الحدود والخوف من فقدان القدرة على تنظيم القسم. كما تبرز الحاجة إلى التمييز بين ما تقرره النصوص والإجراءات رسميًا، وما يحدث عند تطبيقها في الواقع؛ إذ لا يصح الجزم بغياب كل إجراء قبل فحص الأطر المنظمة، لكن من المشروع مساءلة مدى وضوحها ونجاعتها وإمكانية تطبيقها في المدرسة الابتدائية.
إن الدولة لا تُقاس مسؤوليتها التربوية بإصدار المبادئ العامة فقط، بل كذلك بقدرتها على تحويلها إلى ترتيبات عملية تحفظ حقوق الطفل، وتضمن حق المجموعة في التعلّم، وتمنح المعلّم سندًا مؤسسيًا واضحًا. فالحماية التي لا يصاحبها تنظيم قد تترك فراغًا في الممارسة، والسلطة التي لا تضبطها قواعد عادلة قد تتحول إلى تسلط. وبين هذين الاحتمالين تقع مسؤولية بناء إطار تربوي متوازن، لا يجعل الحقوق متعارضة، بل يسعى إلى ضمانها جميعًا.
7. الإصلاح التربوي: حين تتكاثر الوعود وتظلّ الأسئلة معلّقة
تتعدد الخطابات المتعلقة بإصلاح المدرسة، وتتغير المفاهيم والمقاربات، وتظهر دعوات إلى تطوير الكفايات، واعتماد التعلم النشط، وتفعيل الإدماج، ومراعاة الفروق الفردية، وتوظيف التكنولوجيا، وتنمية مهارات التفكير والتواصل. وهذه الأهداف تستجيب، في جانب مهم منها، لحاجات حقيقية يفرضها تطور المعرفة وتغير المجتمع. غير أن السؤال لا يتعلق بقيمة هذه التوجهات في ذاتها، بل بالشروط التي تسمح بتحويلها إلى ممارسات مستقرة وذات معنى.
قد تتحول المقاربة الجديدة، حين تُقدَّم في شكل توجيهات عامة لا ترافقها شروط تطبيق مناسبة، إلى مجموعة من المصطلحات التي يتداولها الممارسون من دون أن يتغير جوهر العمل اليومي. وقد يصبح النجاح في الإصلاح مرتبطًا بالقدرة على استعمال اللغة الرسمية للمقاربة، أو إعداد الوثائق المطلوبة، أكثر من ارتباطه بمدى التحسن الفعلي في تعلّم المتعلّمين.
ولا ينبغي أن يقود هذا النقد إلى رفض البيداغوجيات الحديثة أو إلى تمجيد الممارسات القديمة. فالمقاربات التربوية ليست وصفات سحرية، كما أنها ليست بالضرورة مجرد شعارات فارغة. إن قيمتها تتحدد بمدى ملاءمتها للسياق، وبنوعية التكوين والمرافقة، وبقدرة الممارس على فهم مبادئها وتكييفها، وبوجود آليات تسمح بتقييم نتائجها ومراجعة جوانب قصورها.
إن كل إصلاح جاد يحتاج إلى سؤالين متلازمين: ما الذي نريد تغييره في الممارسة؟ وما الشروط التي نحتاج إليها كي يصبح التغيير ممكنًا؟ فإذا ركزنا على السؤال الأول وأهملنا الثاني، فقد نحمّل المعلّم مسؤولية فجوة لا يستطيع سدّها بمفرده. وإذا ركزنا على الظروف وحدها وتجاهلنا الممارسة المهنية، فقد نحول صعوبات الواقع إلى مبرر دائم لعدم التطور.
وقد نبهت أدبيات الإصلاح التربوي إلى أهمية التعامل مع التغيير بوصفه عملية تتطلب وقتًا وتعلمًا مؤسسيًا، لا مجرد إعلان عن توجه جديد (Michael Fullan, 2007). فالتغيير لا يتحقق بمجرد تعميم المفاهيم، بل يتطلب فهمًا مشتركًا للأهداف، ومرافقة للممارسين، وفرصًا للتجريب والتقويم، وقدرة على الاستفادة من النتائج بدل الاكتفاء بإثبات الامتثال للإجراءات.
وتزداد أهمية هذا الأمر حين تتعدد الإصلاحات أو تتغير الأولويات قبل أن تتضح نتائج التجارب السابقة. ففي مثل هذه الحالات، قد يجد المعلّم نفسه مطالبًا بالانتقال من إطار إلى آخر، بينما تظل بعض الأسئلة الأساسية دون إجابة: ما أثر المقاربة في تعلّم المتعلّمين؟ ما الصعوبات التي واجهت تطبيقها؟ ما التعديلات التي أدخلها الممارسون؟ وما الذي أثبت نجاحه أو محدوديته في الواقع؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالانطباعات وحدها، ولا بتعميم تجربة فردية على جميع المدارس. إنها تحتاج إلى ملاحظة ميدانية، ومعطيات عن التعلم، واستماع إلى الممارسين والمتعلّمين، ومقارنة بين السياقات، وتقييم لا يكتفي بقياس النتائج النهائية، بل يحاول فهم المسارات التي أنتجتها.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الإصلاح باعتباره خطابًا سياسيًا أو إداريًا، والإصلاح باعتباره تحولًا فعليًا في التجربة المدرسية. فقد تكون اللغة المستخدمة حديثة، بينما تظل بعض العلاقات على حالها؛ وقد تتغير الوثائق، بينما لا يتغير توزيع الوقت أو طريقة التعامل مع الخطأ أو فرص مشاركة المتعلّم. وفي المقابل، قد تحدث تحولات تربوية مهمة في أقسام ومؤسسات لا تحظى دائمًا بالظهور الإعلامي أو الخطابي.
لذلك لا يتمثل السؤال في عدد الإصلاحات التي أُعلنت، بل في نوعية التحولات التي أحدثتها، وفي مدى قدرتها على الاستمرار، وفي ما إذا كانت قد خففت التناقضات القائمة أم أضافت مطالب جديدة إلى واقع لم تتغير شروطه بما يكفي.
8. من تشخيص الأعطاب إلى الحفر في شروط استمرارها:
إن رصد التناقضات بين الخطاب والممارسة ليس غاية في ذاته. فالتشخيص قد يتحول بدوره إلى خطاب متكرر، يعيد تسمية المشكلات من دون أن يقترب من الآليات التي تجعلها تستمر. ولذلك يقتضي المنظور السوسيولوجي الانتقال من وصف الظاهرة إلى مساءلة شروط إنتاجها وإعادة إنتاجها.
حين تتكرر صعوبة ضبط القسم، لا يكفي أن نصف المتعلّمين بقلة الانضباط، أو أن نتهم المعلّمين بضعف الكفاءة، أو أن نكتفي بإرجاع الأمر إلى الأسرة. فكل تفسير من هذه التفسيرات قد يضيء جانبًا من الحالة، لكنه لا يفسرها وحده. المطلوب هو النظر في تفاعل عوامل متعددة: طبيعة التنظيم المدرسي، وكثافة القسم، ووضوح القواعد، وظروف الأسرة، وتجارب الطفل السابقة، ونوعية العلاقة التربوية، ومدى توفر الدعم المؤسسي.
وحين تتسع المسافة بين القيم المعلنة والممارسات اليومية، لا يكفي أن نكرر الدعوة إلى الأخلاق أو أن نضيف درسًا جديدًا في المواطنة. بل ينبغي أن نفحص ما إذا كانت الحياة المدرسية نفسها تمنح المتعلّم فرصًا لممارسة الإنصاف، وتحمل المسؤولية، وتسوية الخلاف، واحترام الاختلاف. فالقيمة التي لا تجد مكانًا في تنظيم العلاقات قد تبقى معرفة لفظية لا تتحول إلى خبرة.
وحين يشعر المعلّم بأن سلطته المهنية تتعرض للالتباس، لا يكفي أن ندعوه إلى مزيد من الحزم أو مزيد من المرونة. فالمسألة تتعلق أيضًا بوضوح الصلاحيات، وبوجود إجراءات عادلة، وبالعلاقة مع الأسرة، وبطبيعة المرافقة التي توفرها المؤسسة، وبمدى التوافق بين ما يُطلب من المعلّم وما يُتاح له لإنجازه.
إن الحفر في هذه التناقضات لا يعني افتراض وجود فاعل خفي يتعمد إفساد المدرسة، ولا البحث عن مؤامرة تفسر كل اختلال. فاستمرار بعض المشكلات قد ينتج عن تداخل قرارات وممارسات ومصالح وعادات تنظيمية، من دون أن يكون هناك طرف واحد يتحكم في نتائجها أو يقصدها جميعًا. وقد تستمر آلية غير ناجعة لأنها أصبحت مألوفة، أو لأن مراجعتها مكلفة، أو لأن آثارها موزعة على أطراف متعددة، أو لأن المسؤولية عن تغييرها غير واضحة.
ومن هنا تأتي أهمية البحث الميداني. فالتجربة اليومية للمعلّم والمتعلّم ليست مجرد مادة للشكوى، كما أن الشهادات الفردية لا تكفي وحدها لإصدار أحكام عامة. لكنها يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لأسئلة قابلة للفحص: متى تتكرر المشكلة؟ في أي سياقات؟ ما أشكالها؟ كيف يستجيب لها الفاعلون؟ ما أثر الاستجابات المختلفة؟ وما الشروط التي تساعد على الحد منها أو تجعلها تستمر؟
إن تحويل هذه الأسئلة إلى بحث يتطلب التمييز بين الملاحظة والتفسير، وبين الفرضية والنتيجة، وبين تجربة فردية واتجاه أوسع. كما يقتضي الانفتاح على معطيات قد لا تنسجم مع التوقعات الأولى، والاستعداد إلى مراجعة الفرضيات حين لا تدعمها الوقائع. فالنقد السوسيولوجي لا يكتسب قيمته من حدّة عباراته، بل من قدرته على كشف علاقات قد لا تظهر في القراءة السريعة، وعلى إبقاء التفسير مفتوحًا أمام ما يقدمه الميدان.
ولذلك لا أبحث هنا عن وصفة واحدة تعالج جميع أعطاب المدرسة، ولا أزعم أن التناقضات التي تناولها المقال حاضرة بالدرجة نفسها في كل المؤسسات. إنما أقترح النظر إليها بوصفها أسئلة تستحق البحث، انطلاقًا من الوقائع اليومية، ومن التوتر بين المبادئ المعلنة وشروط الممارسة، ومن الحاجة إلى فهم ما يحدث قبل التسرع في اقتراح ما ينبغي فعله.
خاتمة: هل ما زلنا نُربّي فعلًا؟
لا تكمن أهمية السؤال «هل ما زلنا نُربّي فعلًا؟» في إجابته بنعم أو لا، بل في ما يفتحه من مساءلة لعلاقة المدرسة بمجتمعها، وللعلاقة بين المعرفة والقيم، وبين السلطة والمسؤولية، وبين الخطاب الإصلاحي والممارسة اليومية.
فالمدرسة ليست مؤسسة منفصلة عن المجتمع، ولا تستطيع أن تنتج وحدها قيمًا تناقضها بعض الممارسات المحيطة بها. لكنها ليست كذلك مجرد مرآة سلبية لما يجري خارج أسوارها؛ إذ تظل فضاءً قادرًا على فتح إمكانات للتعلّم والحوار والإنصاف، وعلى منح الأطفال خبرات قد لا يجدونها في محيطهم. غير أن هذه الإمكانات لا تتحققتلقائيًا، ولا تكفي النوايا الحسنة لضمانها.
كما أن المعلّم ليس المسؤول الوحيد عن كل ما يحدث داخل المدرسة، لكنه ليس معفى من مراجعة ممارسته. والمتعلّم ليس مجرد ضحية للظروف، كما أنه ليس مسؤولًا بمفرده عن كل سلوك يصدر عنه. والأسرة ليست الطرف الوحيد الذي ينبغي مساءلته، مثلما أن الدولة لا تستطيع الاكتفاء بإعلان المبادئ من دون توفير شروط تنظيم الحياة المدرسية ودعم الممارسين.
إن التربية فعل اجتماعي مشترك، لكنه لا يعني توزيع المسؤولية بالتساوي بين أطراف تختلف مواقعها وصلاحياتها. فلكل طرف مسؤولياته، وللمؤسسة واجبات لا يمكن أن تُترك لاجتهاد الأفراد وحدهم. وحين تتعارض الحقوق أو تلتبس المسؤوليات، يصبح المطلوب إطارًا واضحًا يضمن حق الطفل في الحماية والتعلّم، وحق المجموعة في بيئة مدرسية منظمة، وحق المعلّم في ممارسة عمله ضمن شروط مهنية عادلة.
ولا أقدّم هنا وصفة جاهزة لاستعادة الانضباط، ولا دعوة إلى العودة إلى سلطة تربوية لا تُساءل، ولا حكمًا نهائيًا على المدرسة التونسية. إنما أحاول فتح بعض الأدراج التي اعتدنا المرور بجانبها من دون أن نفحص ما تخفيه: كيف تتحول القيم إلى ممارسة؟ متى تصبح القواعد سندًا للتعلّم، ومتى تتحول إلى إجراءات شكلية؟ كيف نحمي الطفل من العنف من دون أن نتركه خارج دائرة المسؤولية؟ وكيف نطالب المعلّم بأداء دوره من دون أن نغفل الشروط التي تجعل هذا الدور ممكنًا؟
ربما لا يبدأ إصلاح المدرسة بإعلان مقاربة جديدة، بل بالقدرة على الإصغاء إلى ما تكشفه الممارسة اليومية من تناقضات، وعلى تحويل الشهادات إلى أسئلة، والأسئلة إلى فرضيات قابلة للفحص، والفرضيات إلى معرفة تستند إلى الميدان. فالمشكلة التي لا نفهم شروط استمرارها قد تعود بأسماء جديدة، والإصلاح الذي لا يفحص أثره قد يتحول إلى خطاب إضافي يضاف إلى الخطابات السابقة.
إن السؤال التربوي لا يفقد قيمته حين لا يقدم جوابًا سريعًا؛ فقد تكون وظيفته الأولى أن يمنعنا من الاكتفاء بأجوبة جاهزة. وبين الرغبة في الإصلاح والحاجة إلى فهم شروطه، تظل المدرسة مجالًا يستحق النقد، لا لأن كل ما يحدث فيها فاشل، بل لأن ما تنجزه وما تعجز عنه وما تعد به وما تسمح به، جميعها عناصر تستحق البحث.
فالحفر لم ينتهِ… بل ربما بدأ للتوّ.
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre, et Jean-Claude Passeron. (1970). La Reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
2. Durkheim, mile. (1922). ducation et sociologie. Paris : Félix Alcan.
3. Fullan, Michael. (2007). The New Meaning of Educational Change (4th ed.). New York : Teachers College Press.
4. Schn, Donald A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. New York : Basic Books.
5. Weber, Max. (1922). Wirtschaft und Gesellschaft. Tübingen : J. C. B. Mohr.
هل ما زلنا نُربّي فعلًا؟ حفريات في التناقض بين الخطاب التربوي وممارسة المدرسة التونسية
2026-10-29
126 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال