بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تعلّم المدرسةُ القيمَ وينقضها المجتمع - حفريات في التنشئة الأخلاقية وتمرد الجيل الجديد

2026-10-25 205 قراءة مختلفات سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: حين تصبح القيم موضوعًا للحفر

في الحياة اليومية، داخل المدرسة وخارجها، تتكرر مشاهد تستحق التأمل: متعلّم يُطالَب بالصدق، لكنه قد يشاهد الكبار وهم يبرّرون الكذب حين يخدم مصالحهم؛ وطفل يُدعَى إلى احترام القانون، بينما يلاحظ أن بعض القواعد يمكن تجاوزها متى توفرت الوساطة أو النفوذ؛ وتلميذ يتعلم أن احترام الآخر قيمة أساسية، ثم يصادف في محيطه سلوكيات تقوم على الإهانة أو الإقصاء أو التمييز. وفي المقابل، نجد أسرًا ومربين ومؤسسات يحرصون على ترسيخ القيم، وناشئة يبدون استعدادًا للدفاع عنها، بما يؤكد أن الواقع ليس كتلة واحدة، وأن التناقضات لا تلغي وجود ممارسات أخلاقية إيجابية.

لا تتيح هذه المشاهد وحدها إصدار أحكام نهائية على المجتمع أو على الجيل الجديد، لكنها تفتح مجالًا للسؤال عن العلاقة بين ما يتعلمه الناشئة من قيم، وما يعاينونه من ممارسات، وما يستخلصونه من هذه المسافة بين الخطاب والواقع. فهل يمكن أن ننتظر من المدرسة أن تنجح في التربية الأخلاقية إذا كانت الرسائل التي يتلقاها المتعلم في الأسرة والشارع والفضاء الرقمي متعارضة أحيانًا مع ما يُطلب منه داخل القسم؟ وهل يمكن تفسير بعض مظاهر التمرد على القيم المعلنة باعتبارها مجرد أزمة لدى الناشئة، من دون مساءلة الظروف الاجتماعية التي تتشكل فيها مواقفهم وسلوكياتهم؟

ثمّة سؤال آخر يختبئ خلف هذه المفارقات، وقد يكون أكثر إزعاجًا من سؤال تراجع القيم نفسه: من يربّي من؟ هل تقتصر التنشئة على انتقال القيم من الكبار إلى الصغار، أم أن سلوك الناشئة واعتراضاتهم واختياراتهم تكشف بدورها للكبار ما لم ينتبهوا إليه في ممارساتهم وتصوراتهم؟ وهل يمكن أن نطالب جيلًا باحترام مبادئ لا يجدها متجسدة دائمًا في محيطه، من دون أن نضع ممارساتنا نحن أيضًا موضع مساءلة؟

لا يتعلق الأمر هنا بإعلان انهيار أخلاقي شامل، ولا بإدانة جيل بأكمله، ولا بإعفاء المدرسة من مسؤوليتها التربوية. إنما يتعلق بمحاولة فهم الكيفية التي تتشكل بها القيم داخل شبكة معقدة من العلاقات والخبرات، وكيف يمكن أن تفقد بعض المبادئ قدرتها على التأثير عندما لا تجد ما يسندها في الممارسة اليومية. من هنا تنطلق هذه الحفريات من الواقع المعيش، ثم تستعين بالمفاهيم السوسيولوجية لفهم التناقضات التي تكشفها الملاحظة، لا لإخضاع الواقع لنظرية جاهزة أو البحث عن متهم واحد.

1. الوازع الأخلاقي بين مقتضيات البرامج وحدود الممارسة:

في الواقع المدرسي التونسي، لا يمكن القول إن المدرسة تُغفل القيم الأخلاقية تمامًا؛ فالبرامج الرسمية في التربية الإسلامية والتربية المدنية تنص على جملة من المبادئ والقيم التي تستهدف تنمية الوازع الأخلاقي لدى المتعلمين، وترسيخ معاني المسؤولية والصدق والتضامن والعدل واحترام الآخر والقانون. غير أن حضور هذه القيم في البرامج لا يعني بالضرورة تحوّلها إلى ممارسات يومية راسخة، ولا يضمن أن تصبح جزءًا من سلوك المتعلم داخل المدرسة وخارجها.

تُطرح هنا مفارقة تستحق الانتباه: فعلى الرغم من أهمية التربية الإسلامية والتربية المدنية في بناء الشخصية الأخلاقية، فإن الحيز الزمني المخصص لتدريسهما يظل محدودًا، بما قد يجعل تناول القيم محكومًا بضيق الوقت وكثافة المحتويات ومتطلبات إنجاز الدروس. وفي بعض الممارسات، قد ينتهي الأمر باختزال الدرس في عرض مبادئ وتعريفات ومواعظ، فيتحول إلى تنظير مجرد قد يبدو للمتعلم مملًا وبعيدًا عن تجربته اليومية. فيتعلم أن الصدق فضيلة، وأن احترام القانون واجب، وأن قبول الاختلاف سلوك محمود، لكنه لا يجد دائمًا الوقت أو الفضاء التربوي الكافي لمناقشة معنى هذه القيم في مواقف واقعية، أو اختبارها من خلال الحوار والتفاعل والممارسة.

لكن المسألة لا تتعلق بمدة التدريس وحدها، ولا بمحتوى البرامج فحسب؛ إذ يكمن أحد أوجه الإشكال في التعامل مع الأخلاق كما لو كانت معارف يمكن تلقينها داخل حصة دراسية، ثم انتظار ظهور آثارها تلقائيًا في السلوك. فالأخلاق ليست مادة مدرسية فحسب، بل هي أيضًا منحى في الحياة، ومنهج في تنظيم العلاقات، وطريقة في ممارسة السلطة، ومعيار في التعامل مع الآخرين. وهي تتشكل، بدرجة أساسية، داخل المجتمع والأسرة، من خلال ما يراه الطفل من سلوك، وما يختبره من عدل أو تمييز، وما يلاحظه من انسجام أو تناقض بين الأقوال والأفعال.

فالطفل الذي يتعلم في المدرسة أن الصدق قيمة أساسية، ثم يلاحظ في محيطه أن الكذب قد يُكافأ أو يُستخدم لتجاوز القواعد، يجد نفسه أمام رسالتين متعارضتين. والمتعلم الذي يُطالَب باحترام القانون، بينما يشاهد انتهاكه دون مساءلة، قد يستخلص من الممارسة الفعلية ما يناقض ما تلقاه في الدرس. والتلميذ الذي يُدعَى إلى احترام الآخر، ثم يعاين أشكالًا من التحقير أو الإقصاء، قد يجد صعوبة في فهم الحدود الفعلية للقيمة التي يتعلمها. هنا لا تعود المسألة متعلقة بضعف استيعاب المبدأ، بل بالتنافس بين مصادر التنشئة، وبالوزن الذي تكتسبه الخبرة اليومية مقارنة بالخطاب المدرسي.

تساعدنا دراسة جاكسون للحياة اليومية داخل القسم على فهم أن التعلم لا يقتصر على المضامين المعلنة، بل يشمل أيضًا ما يختبره المتعلم في العلاقات والقواعد وأساليب المعاملة (Jackson, 1968). كما تتيح أعمال بورديو وباسرون التفكير في الطريقة التي قد تعيد بها المؤسسة التربوية إنتاج بعض التفاوتات والتناقضات الاجتماعية بدل تجاوزها آليًا (Bourdieu & Passeron, 1970).

لا يعني ذلك التقليل من أهمية التربية الإسلامية أو التربية المدنية، ولا تحميل المدرسة وحدها مسؤولية تعثر التنشئة الأخلاقية. بل يعني وضع هذه المواد ضمن إطار أوسع: ما الذي تستطيع حصة دراسية محدودة الزمن أن تنجزه إذا لم تسندها بيئة أسرية واجتماعية ومؤسسية تجعل القيم المعلنة قابلة للمعاينة والممارسة؟ وهل يكفي أن نعلّم المتعلم ما ينبغي أن يفعله، أم أن التربية الأخلاقية تقتضي أيضًا أن نساعده على فهم التناقضات التي يلاحظها، وأن نراجع الممارسات التي تجعل ما يتعلمه في المدرسة منفصلًا عما يعيشه في الواقع؟

بهذا المعنى، لا تكمن المفارقة في غياب القيم عن البرامج، بقدر ما تكمن في احتمال انفصال تعليم القيم عن شروط تجسيدها اجتماعيًا. وهذا ما يجعل البحث في علاقة الجيل الجديد بالقيم محتاجًا إلى تجاوز التفسير المدرسي الضيق، نحو مساءلة شبكة التنشئة بأكملها: الأسرة، والمدرسة، والفضاء العام، والعلاقات اليومية التي يتعلم الناشئة من خلالها ما يُقال لهم إنه صواب، وما يرونه في الواقع قابلًا للممارسة أو التجاوز.

2. الأسرة والمجتمع: التنشئة خارج أسوار المدرسة

لا يدخل الطفل إلى المدرسة صفحة بيضاء تنتظر أن تملأها البرامج التعليمية؛ فهو يصل إليها محمّلًا بما اكتسبه داخل الأسرة، وبما لاحظه في محيطه الاجتماعي، وبما اختبره من طرائق التعامل بين الكبار. وقبل أن يتعرف إلى المفاهيم المجردة للعدل والاحترام والمسؤولية، يكون قد راقب كيف يتصرف أفراد أسرته في مواقف الخلاف، وكيف تُمارَس السلطة داخل المنزل، وكيف يُعامل الضعيف، وكيف يُحسم النزاع، وكيف يُكافأ الصدق أو يُعاقب عليه.

قد يتعلم الطفل احترام الآخر من خلال أسرة تحترم اختلافه وتستمع إلى رأيه، وقد يتعلم الخضوع بدل الحوار إذا كانت السلطة لا تقبل النقاش. وقد يكتسب معنى المسؤولية حين يشارك في أعمال مناسبة لعمره، أو يتعلم التهرب منها إذا لاحظ أن الالتزامات لا تُحترم إلا عندما تكون هناك رقابة. ولا يعني ذلك أن الأسرة هي المصدر الوحيد للسلوك الأخلاقي، أو أن جميع الأسر تنتج أنماطًا متشابهة؛ بل يعني أن التربية الأخلاقية تتشكل عبر الممارسة والعلاقة والقدوة، ولا يمكن اختزالها في ما يُقال للطفل صراحة.

ويتسع هذا المسار ليشمل المجتمع بمؤسساته وفضاءاته المختلفة. فحين يلاحظ الناشئ أن بعض الناس يُحاسَبون على تجاوزاتهم بينما يُعفى آخرون منها، أو أن الوصول إلى الحقوق يتوقف أحيانًا على العلاقات الشخصية، فقد تتكون لديه صورة عن العدالة تختلف عن الصورة التي تقدمها الدروس. وحين يشاهد أن الاحترام يُمنح أحيانًا للمكانة أو المال أكثر مما يُمنح للإنسان، قد يعيد النظر في المعايير التي يُطلب منه تبنيها.

لا يعني هذا أن الناشئة يقلدون ما يرونه بصورة آلية، أو أن الممارسات الاجتماعية تحدد سلوكهم بصورة نهائية. إنهم يفسرون ما يشاهدونه، ويتأثرون به بدرجات متفاوتة، وقد يقبلونه أو يرفضونه أو يدخلون معه في صراع. لكن من الصعب فهم علاقتهم بالقيم إذا عزلنا خطاب المدرسة عن السياقات التي تمنح هذه القيم معناها العملي.

وهنا يعود السؤال: من يربّي من؟ قد يبدو في ظاهره سؤالًا عن الأدوار بين الكبار والصغار، لكنه يتجاوز ذلك إلى مساءلة التصور الذي يجعل التربية عملية أحادية الاتجاه، ينتقل فيها الصواب من جيل مكتمل الوعي إلى جيل لا يحتاج إلا إلى التوجيه. فالكبار أنفسهم نتاج تنشئة سابقة، ويحملون تمثلات وعادات وتناقضات قد يعيدون إنتاجها دون وعي. وما يعتبرونه بديهيًا أو طبيعيًا قد يكون في بعض الأحيان أثرًا لتجاربهم الاجتماعية، لا قاعدة أخلاقية مطلقة.

حين يرفض طفل تناقضًا بين ما يُقال له وما يراه، أو حين يسائل متعلم قاعدة لا يجد لها مبررًا مقنعًا، فإن موقفه لا يكشف بالضرورة عن خلل لديه وحده؛ فقد يتحول أيضًا إلى مرآة تعيد إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع صورة عن أنفسهم. وقد يجبر اعتراض الناشئ الكبار على مراجعة ما اعتادوه، أو على تفسير قواعد لم يتعودوا أصلًا على مساءلة مبرراتها.

لا يعني ذلك قلب الأدوار أو إلغاء مسؤولية الكبار في التنشئة، بل توسيع فهمها. فالتربية تظل مسؤولية، لكنها ليست احتكارًا للحقيقة؛ والسلطة التربوية تظل ضرورية، لكنها لا تُعفى من المساءلة؛ والقدوة لا تقوم على مطالبة الناشئة بما لا يلتزم به الكبار أنفسهم. إن السؤال «من يربّي من؟» لا يدعو إلى التنصل من المسؤولية، بل إلى فهم التنشئة باعتبارها علاقة تتداخل فيها السلطة والقدوة والخبرة والاعتراف، ويتعلم فيها الصغار من الكبار، فيما تكشف استجابات الصغار للكبار حدود ما يعتبرونه بدهيًا أو مشروعًا.

من هنا تكتسب المقاربة السوسيولوجية أهميتها؛ فهي لا تكتفي بالسؤال عما إذا كان الطفل قد تعلم القاعدة، بل تسأل أيضًا عن الشروط التي تجعلها قابلة للتصديق والاتباع. فالقيمة لا تكتسب قوتها من تكرارها فحسب، بل من شعور الفرد بأنها قاعدة مشتركة، وأن الالتزام بها لا يجعله ساذجًا أو خاسرًا أمام من ينتهكها. وعندما تتسع المسافة بين القاعدة المعلنة والممارسة الفعلية، قد يصبح الالتزام نفسه موضع تردد أو تفاوض.

3. تمرد الجيل الجديد: رفض السلطة أم أزمة اعتراف؟

تظهر في بعض البيئات التربوية والأسرية سلوكيات تُوصَف بأنها تمرد على القيم أو تراجع في احترام الكبار والقواعد: الاعتراض على التعليمات، ومناقشة القرارات، ورفض بعض أشكال السلطة، أو اللجوء إلى أساليب تواصل يراها الكبار غير مقبولة. غير أن جمع هذه المظاهر تحت عنوان واحد قد يحجب اختلاف دوافعها وسياقاتها؛ فالاعتراض ليس دائمًا رفضًا للقيم، كما أن الطاعة ليست دائمًا دليلًا على الاقتناع بها.

قد يكون بعض السلوك تعبيرًا عن اختبار الحدود أو البحث عن الاستقلال، وقد يعكس أحيانًا صعوبة في ضبط الانفعال أو ضعفًا في اكتساب مهارات الحوار، وقد يرتبط في حالات أخرى بشعور المتعلم بأنه لا يُسمع أو لا يُعامل بإنصاف. لذلك لا ينبغي تفسير كل اعتراض بوصفه تحررًا من سلطة غير مشروعة، كما لا ينبغي اعتباره تلقائيًا انحرافًا أخلاقيًا. فالمطلوب هو التمييز بين رفض القاعدة لأنها غير عادلة، ورفضها لمجرد تجنب الالتزام، وبين مساءلة السلطة وإنكار أي حق لها في التنظيم.

يساعد مفهوم الاعتراف في هذا السياق على توسيع زاوية النظر. فالفرد لا يحتاج إلى القواعد وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى أن يشعر بأن له مكانة وصوتًا، وأن يُعامل بوصفه شخصًا يستحق الاحترام (Honneth, 1995). وإذا كانت المدرسة تطالب المتعلم باحترام الآخرين، فإنها مطالبة بدورها بأن تجعل الاحترام ملموسًا في طريقة الإصغاء إليه، وتفسير القرارات، والتعامل مع الخطأ، وتطبيق العقوبات.

ولا يعني ذلك إلغاء سلطة المربي أو تحويل كل قاعدة إلى موضوع تفاوض دائم. فالحياة المشتركة تحتاج إلى ضوابط واضحة، لكن شرعية الضوابط تتعزز عندما تكون مفهومة ومتسقة ومطبقة بإنصاف. أما حين يختبر المتعلم قواعد متغيرة بحسب الأشخاص، أو عقوبات لا تتناسب مع الأفعال، فقد يتعلم أن السلطة ليست مبدأ منظمًا للحياة المشتركة، بل قدرة على فرض الإرادة.

من هنا يصبح السؤال أقل ارتباطًا بمدى طاعة الجيل الجديد وأكثر اتصالًا بطبيعة علاقته بالقواعد وبمن يطبقونها. هل يرى فيها شروطًا لحماية الجميع، أم قيودًا تُفرض عليه وحده؟ وهل يُتاح له أن يفهم أسبابها ويناقش آثارها، أم يُطالَب بالامتثال دون تفسير؟ وما الذي يجعل بعض الناشئة يتمسكون بقيم معينة، بينما يتعامل آخرون معها بانتقائية أو لا مبالاة؟

هذه أسئلة لا تحسمها الملاحظات العابرة، ولا تكفي فيها الانطباعات العامة عن «جيل اليوم». إنها تحتاج إلى بحث ميداني يميز بين الأعمار والبيئات الأسرية والاجتماعية والخبرات المدرسية، ويفحص ما يقوله الناشئة عن القيم، وما يفعلونه في مواقف فعلية، وما الذي يفسر المسافة بين الاثنين.

4. المدرسة بوصفها مختبرًا للتناقضات الاجتماعية:

لا تقف المدرسة خارج المجتمع حتى تكون قادرة على معالجة تناقضاته من موقع محايد. إنها فضاء اجتماعي تدخل إليه الفوارق الاقتصادية والثقافية، وأنماط التعامل مع السلطة، والتصورات المختلفة للنجاح والعدالة والاستحقاق. وفي القسم، لا يختبر المتعلم مضمون الدرس وحده، بل يختبر كذلك كيفية توزيع الانتباه، وطريقة معالجة الأخطاء، ومدى احترام صوته، والفرق بين القواعد المعلنة وما يجري فعليًا.

فإذا كان درس التربية المدنية يدعو إلى المساواة، ثم شعر بعض التلاميذ بأن فرص التعبير أو المعاملة تختلف باختلاف المكانة أو التحصيل أو القرب من السلطة، فإن التجربة اليومية قد تضعف الرسالة النظرية. وإذا دعت المدرسة إلى الحوار، بينما لا يجد المتعلم فرصة للكلام إلا في حدود ضيقة، فقد تتحول قيمة المشاركة إلى مضمون يُحفظ بدل أن تُمارَس المشاركة نفسها.
ولا ينبغي تعميم هذه الصورة على جميع المؤسسات أو المربين؛ فهناك ممارسات مدرسية جادة تتيح الحوار وتطبق القواعد بإنصاف وتساعد المتعلمين على اكتساب حس المسؤولية. غير أن وجود هذه التجارب الإيجابية لا يلغي أهمية فحص الحالات التي تتعارض فيها المبادئ المعلنة مع الممارسة اليومية.

إن المدرسة لا تنقل القيم عبر الدروس وحدها، بل عبر تنظيم الحياة المدرسية أيضًا: كيف يُدار الخلاف؟ كيف يُعامل التلميذ الذي يخطئ؟ هل تُفسَّر العقوبة؟ هل يُتاح إصلاح الخطأ؟ هل يُطبَّق القانون على الجميع؟ وهل يُنظر إلى المتعلم بوصفه طرفًا في حياة جماعية، أم مجرد منفذ للتعليمات؟

تتقاطع هذه الأسئلة مع تحليل بورديو وباسرون لدور المؤسسة التعليمية في إعادة إنتاج بعض البنى الاجتماعية، ومع دراسة جاكسون لما يتعلمه التلاميذ ضمنيًا من الحياة اليومية في القسم (Bourdieu & Passeron, 1970; Jackson, 1968). فالمتعلم قد يكتسب من طريقة تنظيم الحياة المدرسية تصورًا عن السلطة والإنصاف لا يقل أثرًا عن التصورات التي يتلقاها في الدروس.

من هذا المنظور، لا يكفي أن نسأل هل تُدرَّس القيم في المدرسة، بل ينبغي أن نسأل إلى أي مدى تتجسد في نظام العلاقات داخلها. فالقسم الذي يجعل الإنصاف ممارسة محسوسة يمنح درس العدالة معنى إضافيًا، والمدرسة التي تتيح للمتعلم تحمل المسؤولية تمنحه فرصة لتجربة المواطنة بدل الاكتفاء بتعريفها. أما إذا بقيت القيم حبيسة الخطاب، فقد يجد المتعلم صعوبة في ربطها بعالمه الفعلي.

5. من أزمة القيم إلى أزمة الشرعية الأخلاقية:

عندما تتكرر الفجوة بين ما يُقال وما يُمارَس، لا تكون النتيجة بالضرورة اختفاء القيم، بل قد تكون تراجع الثقة في الجهات التي تقدمها وفي القواعد التي تدعو إلى احترامها. فقد يظل المتعلم مقتنعًا بأن الصدق قيمة إيجابية، لكنه يتساءل عن جدوى الالتزام به إذا رأى أن غيره يحقق مكاسب بالكذب. وقد يعترف بأهمية احترام القانون، لكنه يشك في عدالته إذا لاحظ تطبيقه بصورة انتقائية.

هنا ينبغي التمييز بين رفض القيمة نفسها والشك في شرعية من يطالبون بها. فقد لا يرفض الناشئ العدل، بل يرفض أن يُطالَب به ممن لا يلتزمون به. وقد لا يعارض المسؤولية، بل يحتج على توزيع غير منصف للواجبات والحقوق. وقد لا يرفض الاحترام، بل يرفض علاقة تعتبر احترام الكبير واجبًا أحادي الاتجاه، ولا تعترف في المقابل بحق الصغير في الكرامة.

لا يعني هذا أن كل تبرير يقدمه الناشئ لسلوكه صحيح، أو أن التناقض الاجتماعي يعفي الأفراد من المسؤولية. ففهم السلوك ليس تبريرًا له، وتشخيص الظروف ليس إلغاءً لقدرة الفرد على الاختيار. لكنه يمنعنا من اختزال المسألة في ضعف أخلاقي فردي، ويعيد الانتباه إلى الشروط التي تجعل القيم مقنعة وقابلة للعيش المشترك.

تتيح أعمال بورديو حول التمايز الاجتماعي التفكير في الطريقة التي تتفاوت بها المعايير والتوقعات بحسب المواقع الاجتماعية، وكيف يمكن لبعض الأحكام الأخلاقية أن تتداخل مع أحكام المكانة والذوق والاستحقاق (Bourdieu, 1979). كما يفتح مفهوم الاعتراف مجالًا لفهم أن الشعور بالإنصاف والاحترام يؤثر في علاقة الفرد بالمؤسسات وبالقواعد التي تنظمها (Honneth, 1995).

لذلك قد لا تكون المسألة أزمة قيم بالمعنى البسيط، بل أزمة في شروط اكتساب القيم شرعيتها الاجتماعية. فالقيمة لا تصبح قاعدة مشتركة لمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى خبرة متكررة تجعل الأفراد يلمسون أنها تنطبق على الجميع، وأن الالتزام بها ليس عبئًا يُفرض على الضعفاء وحدهم. ومن دون ذلك، قد تتحول الأخلاق إلى خطاب رسمي يُستدعى في المناسبات، بينما يجري التفاوض حوله في الحياة اليومية وفق موازين القوة والمصلحة.

6. التكنولوجيا والقيم: هل تغير الوسائط الأخلاق أم تكشف تناقضاتها؟

لا يمكن فهم علاقة الجيل الجديد بالقيم بمعزل عن الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الناشئة. فالمنصات الرقمية تتيح التعبير والتواصل والوصول إلى المعرفة، لكنها تتيح أيضًا انتشار الإهانة والتشهير والتنمر والمعلومات المضللة، وتضع المستخدم أمام أنماط جديدة من التأثير الاجتماعي والمقارنة والبحث عن الاعتراف.

قد يكتب المتعلم على الإنترنت ما لا يجرؤ على قوله وجهًا لوجه، وقد تتحول الإهانة إلى مادة للتسلية حين تُفصل عن أثرها في الشخص المستهدف. وقد يتعامل بعض المستخدمين مع عدد المشاهدات والإعجابات بوصفه معيارًا للنجاح، بما يجعل الاستفزاز أو المبالغة أكثر جاذبية من التثبت والإنصاف. لكن هذه الاحتمالات لا تعني أن التكنولوجيا تنتج بالضرورة سلوكًا غير أخلاقي؛ فالوسائط نفسها تُستخدم للتعلم والتضامن ونشر المعرفة والدفاع عن الحقوق.

المهم هنا ألا نكتفي باتهام التكنولوجيا بإفساد القيم، أو بتصوير الجيل الرقمي بوصفه جيلًا فقد القدرة على التواصل الأخلاقي. بل ينبغي فحص العلاقة بين خصائص المنصات، وأنماط التنشئة، والحاجة إلى الاعتراف، والضوابط التي يتعلمها المستخدم في أسرته ومدرسته ومحيطه. فالسؤال ليس فقط ماذا يفعل المتعلم على الشاشة، بل أيضًا كيف يفهم المسؤولية عن كلامه، وكيف يميز بين حرية التعبير وإيذاء الآخرين، وما إذا كان يتعلم أن العالم الرقمي فضاء اجتماعي له تبعات واقعية.

ومن ثم، فإن التربية الأخلاقية في هذا المجال لا يمكن أن تقتصر على التحذير من مخاطر الإنترنت. إنها تحتاج إلى بناء قدرة على الحكم والنقاش والتحقق، وإلى فهم أثر السلوك الرقمي في الآخرين، وإلى ممارسة المسؤولية بدل الاكتفاء بترديد قواعد عامة. كما تحتاج إلى أن ينسجم خطاب الكبار عن الاحترام والمسؤولية مع الطريقة التي يستخدمون بها هم أنفسهم الفضاء الرقمي.

7. ما الذي ينبغي أن نبحث عنه قبل أن نحكم؟

إذا أردنا فهم العلاقة بين المدرسة والقيم وتمرد الجيل الجديد، فإن أول ما ينبغي تجنبه هو تحويل الملاحظات الجزئية إلى أحكام شاملة. فمشهد من العنف اللفظي، أو حالة من الغش، أو موقف من رفض السلطة، لا يكفي وحده للقول إن الأخلاق تتراجع لدى جيل كامل. كما أن وجود نماذج إيجابية لا يكفي لإنكار المشكلات التي تستحق البحث.

المطلوب هو الانتقال من الانطباع إلى الفرضية، ومن الفرضية إلى الفحص. ويمكن أن يبدأ البحث بمقارنة ما يتعلمه المتعلمون في التربية الإسلامية والتربية المدنية بما يواجهونه في حياتهم اليومية، ثم رصد المواقف التي يشعرون فيها بأن القيم المعلنة منسجمة مع الواقع أو متعارضة معه. ويمكن كذلك فحص أثر المناخ المدرسي وطريقة تطبيق القواعد في مواقفهم من السلطة والإنصاف والمسؤولية، مع الانتباه إلى اختلاف الخبرات بين الأسر والمدارس والبيئات الاجتماعية.

كما ينبغي التمييز بين معرفة القيمة والاقتناع بها والقدرة على ممارستها. فقد يعرف المتعلم القاعدة ولا يقتنع بها، وقد يقتنع بها لكنه يعجز عن تطبيقها في بعض المواقف، وقد يلتزم بها في بيئة ويتخلى عنها في أخرى. وهذه الفروق مهمة لأنها تمنعنا من اعتبار السلوك الظاهر دليلًا كافيًا على البنية الأخلاقية للفرد، وتدفعنا إلى دراسة الظروف التي تؤثر في الاختيار.

ومن الضروري أيضًا الإصغاء إلى الناشئة أنفسهم، لا لاستخراج تبريرات جاهزة لسلوكهم، بل لفهم تصوراتهم عن العدل والاحترام والسلطة والحرية. فما الذي يجعل قاعدة معينة مقنعة بالنسبة إليهم؟ ومتى تبدو لهم مجرد أمر مفروض؟ وكيف يفسرون التناقض بين الخطاب والممارسة؟ وما أثر هذه التناقضات في ثقتهم بالمدرسة والأسرة والمؤسسات؟

إن المقاربة السوسيولوجية لا تبدأ بتوزيع المسؤولية على طرف واحد، ولا تنتهي إلى وصفة جاهزة. إنها تحاول تحديد العلاقات بين المستويات المختلفة: ما الذي يعود إلى الممارسة الفردية؟ وما الذي يرتبط بالتنشئة الأسرية؟ وما الذي تساهم فيه المدرسة؟ وما الذي يكشف عن تناقضات اجتماعية أوسع؟ ثم تبحث في الأدلة التي تسمح بتأكيد الفرضيات أو تعديلها.

وفي هذا الإطار، يمكن استحضار تصور ديوي للتربية باعتبارها خبرة اجتماعية تتشكل بالمشاركة والممارسة، لا بمجرد نقل المعارف (Dewey, 1916). كما تذكّرنا أعمال موران بأهمية التفكير في تعقيد الظواهر الإنسانية وتجنب التفسيرات الأحادية التي تفصل ما هو متداخل في الواقع (Morin, 1999). فالتنشئة الأخلاقية ليست نتيجة درس منفرد، ولا حصيلة خطاب أسري وحده، بل مسار تتفاعل فيه الخبرة الشخصية والعلاقات الاجتماعية والمؤسسات والظروف التاريخية والثقافية.

خاتمة: حين لا تكفي القيم المعلنة للدفاع عن نفسها

إن التناقض بين القيم التي تعلّمها المدرسة والممارسات التي يلاحظها المتعلم في محيطه لا يثبت، بمفرده، أن المجتمع فقد أخلاقه أو أن الجيل الجديد تمرد على القيم من حيث المبدأ. لكنه يكشف عن إشكال تربوي واجتماعي يستحق البحث: كيف نحافظ على قدرة القيم المعلنة على الإقناع، حين لا يجد المتعلم دائمًا ما يسندها في الممارسة اليومية؟

لا تستطيع المدرسة وحدها أن تعالج كل تناقضات المجتمع، كما لا يمكن للأسرة وحدها أن تعزل أبناءها عن تأثير الفضاء العام والوسائط الرقمية. غير أن ذلك لا يعفي أيًّا من هذه الأطراف من مسؤوليتها. فالمدرسة مطالبة بأن تتجاوز، قدر الإمكان، اختزال التربية الأخلاقية في مضامين تُلقَّن ضمن حصص محدودة الزمن، وأن تمنح القيم فرصًا للتجربة والحوار والممارسة. والأسرة مطالبة بأن تنظر إلى التربية الأخلاقية بوصفها أسلوبًا في الحياة والعلاقة، لا مجرد تعليمات. والمجتمع مطالب بأن يواجه التناقضات التي تجعل بعض القيم مقبولة في الخطاب ومهملة في السلوك.

لكن مساءلة هذه الأطراف لا تكتمل من دون مساءلة الكبار أنفسهم. من يربّي من؟ هل يقتصر دور الكبار على نقل القيم إلى الناشئة، أم أن ما يصدر عن الجيل الجديد من اعتراضات وأسئلة يكشف بدوره حدود الممارسات التي اعتادها الكبار؟ وهل نملك من الاتساق بين أقوالنا وأفعالنا ما يجعلنا قادرين على تحويل القيم التي ندافع عنها إلى خبرة يومية قابلة للتصديق؟ وهل نستطيع أن نطالب الناشئة باحترام القواعد من دون أن نراجع، نحن أيضًا، طريقة تطبيقها ومقدار ما تنطوي عليه من عدل وإنصاف؟

لا يعني هذا قلب الأدوار أو إعفاء الناشئة من مسؤوليتهم، بل الإقرار بأن التربية ليست عملية أحادية الاتجاه، وأن السلطة التربوية لا تستمد مشروعيتها من موقعها وحده، وإنما أيضًا من قدرتها على التفسير والإنصاف والقدوة. فالكبار أنفسهم نتاج تنشئة سابقة، وقد يعيدون إنتاج تناقضات لم يختاروا جميعها بوعي، لكنهم يملكون، مع ذلك، إمكانية مساءلتها ومراجعتها.

ليس الرهان إذن في زيادة المواعظ وحدها، ولا في إدانة الناشئة كلما خالفوا توقعات الكبار، بل في فهم الشروط التي تجعل القيم قواعد مشتركة للحياة. فالاحترام الذي لا يجد ما يسنده في المعاملة يظل مبدأ معلنًا، والعدل الذي يُطبّق بصورة انتقائية يفقد جزءًا من قدرته على الإقناع، والمسؤولية التي لا تقابلها مساءلة منصفة قد تتحول إلى عبء غير متكافئ.

لا أقدّم هنا محاكمة للأسرة أو المدرسة أو المجتمع، ولا وصفات جاهزة لاستعادة سلطة أخلاقية متخيّلة؛ إنما أحاول فتح بعض الأدراج التي اعتدنا المرور بجانبها دون فحص، ومساءلة ما تخفيه من تناقضات، والبحث في الشروط التي تتشكل ضمنها علاقة الناشئة بالقيم والسلطة والمسؤولية.

فربما لا تكمن المسألة في أن جيلًا جديدًا قد أدار ظهره للقيم، بقدر ما تكمن في أننا لم نفحص بما يكفي الكيفية التي نعلّم بها هذه القيم، والفضاءات التي نمارسها فيها، والتناقضات التي قد تجعلها مقنعة في الخطاب وهشة في الواقع.

فالحفر لم ينته... بل ربما بدأ للتو.

المراجع:

1. Bourdieu, P. (1979). La Distinction : Critique sociale du jugement. Paris : ditions de Minuit.

2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : ditions de Minuit.

3. Dewey, J. (1916). Democracy and Education. New York: Macmillan.

4. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris : Félix Alcan.

5. Honneth, A. (1995). The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. Cambridge, MA: MIT Press.

6. Jackson, P. W. (1968). Life in Classrooms. New York: Holt, Rinehart and Winston.

7. Morin, E. (1999). Les Sept Savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris : Seuil / UNESCO.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال