بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين يُنهَك المجتمع ويُعاد إنتاج العجز : حفريات في أعطاب البنية الاجتماعية وتآكل الفعل الجماعي وخطاب الإصلاح

2026-10-15 18 قراءة مقالات فكر سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: حين يصبح العجز نفسه موضوعًا للحفر

ليس أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا أن تتكاثر داخله مظاهر الفساد والاختلال، بل أن تتراجع قدرته على تحويل الوعي بهذه الاختلالات إلى فعل جماعي قادر على المساءلة والمقاومة والتغيير. فبين إدراك الخلل والاشتباك معه مسافةٌ لا تُقاس بوفرة الخطابات، ولا بعدد الشعارات المرفوعة، بل بمدى امتلاك المجتمع أدوات التنظيم، والثقة المتبادلة، والاستعداد لتحمّل كلفة الفعل الجماعي.

في الحالة التونسية، لا يكفي أن نحصي مظاهر الأزمة أو أن نردّد توصيفات من قبيل الفساد والتهميش وانسداد الأفق. فهذه الأوصاف، على أهميتها، لا تفسّر وحدها كيف يستمر الخلل، ولا لماذا تتراجع القدرة على مقاومته، ولا كيف يتحوّل الغضب الاجتماعي، في حالات كثيرة، إلى استياء متفرّق لا ينجح في بناء قوة جماعية مستدامة. هنا يبدأ الحفر: ليس في ما يظهر من أعطاب فحسب، بل في الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تجعلها قابلة للاستمرار، وفي العلاقات اليومية التي قد تسهم، عن قصد أو من دونه، في إعادة إنتاج بعضها.

فالأزمة لا تتشكّل داخل المؤسسات وحدها، ولا تُختزل في القرارات السياسية أو الإدارية التي تصدر عنها. إنها تتقاطع أيضًا مع طبيعة الروابط الاجتماعية، ومستويات الثقة المتبادلة، والعلاقة بالقواعد المشتركة، وأشكال التنشئة الأسرية، وطرائق التعامل مع الآخر والمجال العام. وبين هذه المستويات تتكوّن شبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة، تجعل من الصعب فهم العجز الجماعي بالعودة إلى سبب منفرد أو إلقاء المسؤولية على جهة واحدة.

والشأن التربوي مدخلٌ كاشف لهذه المفارقة؛ فهو ليس قطاعًا معزولًا عن المجتمع، بل نقطة تقاطع تتداخل فيها السلطة والنخب والمجتمع المدني والنقابات والأسر والمدرسة والجامعة. ومع ذلك، فإن هذا التقاطع لا يتحوّل بالضرورة إلى مشروع مجتمعي مشترك، وقد يبقى الإصلاح التربوي حاضرًا في الخطاب، غائبًا أو متعثرًا في ترتيب الأولويات الفعلية.

من هنا، لا ينصبّ السؤال على ما إذا كان المجتمع التونسي حيًّا أو ميتًا، فهذه الاستعارات، على ما تحمله من قوة تعبيرية، قد تحجب أكثر مما تكشف. السؤال الأجدر بالحفر هو: ما الذي أصاب قدرة المجتمع على الفعل؟ وكيف تتشكّل المسافة بين الإحساس بالأزمة والاستعداد لمواجهتها؟ وما علاقة تآكل الثقة واضطراب الروابط الاجتماعية بتراجع إمكانات المقاومة؟ وكيف تتفاعل أعطاب التنشئة والمؤسسات مع الاختلالات البنيوية؟ ومتى يصبح الإصلاح نفسه خطابًا يُدار، بدل أن يكون مسارًا يعيد النظر في شروط إنتاج الأزمة؟


1. من فساد البنية إلى إنهاك الفعل الجماعي: حين يصبح الوعي عاجزًا عن التحوّل

لا يعني انتشار الحديث عن الفساد أن المجتمع يمتلك بالضرورة القدرة على مقاومته. فقد يعرف الأفراد أنماط الخلل، ويتداولون تفاصيلها في أحاديثهم اليومية، ويعبّرون عن استيائهم منها في الفضاءات الرقمية، دون أن تتشكّل من هذا الوعي قوة اجتماعية قادرة على التنسيق والاستمرار وفرض المساءلة. وهنا ينبغي التمييز بين مجتمع يعرف أن ثمة أزمة، ومجتمع يستطيع تحويل معرفته إلى فعل منظم.

لا يتعلق الأمر بغياب الوعي كليًا، بل بما يمكن تسميته تعطّل الانتقال من الوعي الفردي إلى الفعل الجماعي. فقد يرفض الفرد الفساد، لكنه لا يثق في الآخرين؛ وقد يتذمّر من تردّي الخدمات، لكنه لا يرى في المشاركة وسيلةً مجدية للتغيير؛ وقد يرغب في إصلاح المؤسسة، لكنه يخشى كلفة الاعتراض أو العزلة المهنية والاجتماعية. وعندما تتراكم هذه المواقف، يتحوّل الاستياء إلى حالة منتشرة، لكنها تظلّ ضعيفة القدرة على إنتاج أثر مؤسسي.

يفيدنا بيار بورديو في فهم هذه المسافة من خلال مفهوم رأس المال الاجتماعي، الذي يحيل إلى الموارد التي تتيحها العلاقات والشبكات الاجتماعية وإمكانات تعبئتها لتحقيق أهداف مشتركة (Pierre Bourdieu, 1980). فوجود أفراد يمتلكون معرفةً أو كفاءةً أو رغبةً في التغيير لا يكفي وحده؛ إذ تتوقف القدرة على الفعل، أيضًا، على إمكان بناء الروابط والثقة والتنسيق.

لكن هذا التفسير لا ينبغي أن يتحوّل إلى لوم للأفراد أو إلى اتهام المجتمع بالاستقالة الأخلاقية. فالتراجع في المشاركة قد يكون مرتبطًا بتجارب متراكمة من الإحباط، وبضعف الثقة في جدوى المبادرات، وبالفجوة بين الوعود والنتائج، وبما قد يترتب على الاحتجاج من كلفة شخصية أو مهنية. إننا أمام علاقة متبادلة بين الفرد والمؤسسة: كلما ضعفت الثقة في إمكان التأثير، تراجع الاستعداد للمشاركة؛ وكلما تراجعت المشاركة، اتسعت المساحة التي تتحرك فيها المؤسسات دون مساءلة اجتماعية كافية.

ومن ثمّ، فإن وصف المجتمع بأنه «ميت سريريًا» قد يعبّر عن شدة الإحباط، لكنه لا يصلح وحده تفسيرًا سوسيولوجيًا. فالمجتمع ليس كتلةً واحدة، ولا تتوزع فيه القدرة على الفعل بالتساوي، كما أن الصمت لا يعني دائمًا القبول، والاحتجاج لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع بديل. المسألة أعمق: كيف تتشكّل شروط الصمت؟ ومتى يتجاوز الأفراد عزلتهم ليصبحوا فاعلين جماعيين؟


2. الشأن التربوي: تقاطع اجتماعي واسع وأولوية فعلية ملتبسة

يحتلّ الشأن التربوي موقعًا خاصًا في هذه الحفريات؛ لأنه من المجالات التي تتقاطع فيها مصالح المجتمع بأطيافه المختلفة. فالمدرسة ليست فضاءً يخصّ المعلّم والتلميذ وحدهما، بل تتداخل فيها اختيارات السلطة، وانتظارات الأسر، ومطالب النقابات، وتصورات النخب، وأدوار المجتمع المدني، ونتائج البحث العلمي. ومن المفترض أن يجعل هذا التقاطع التربية شأنًا عموميًا بامتياز، تتجاوز مساءلته حدود المناسبات والبيانات القطاعية.

غير أن اتساع دائرة المتدخلين لا يضمن، في حدّ ذاته، بناء رؤية مشتركة. فقد تتعدد الأصوات من دون أن تلتقي، وتتجاور المطالب من دون أن تنتظم في مشروع، وتتحول النقاشات إلى سجالات متفرقة لا تنتج تشخيصًا مشتركًا ولا أولويات متوافقًا عليها.

وفي هذه الحالة، يصبح تعدد الفاعلين مصدرًا محتملًا للتشتت بدل أن يكون رصيدًا للتغيير.
تظهر المفارقة حين يُعترف بأهمية التربية في الخطاب العام، بينما يظلّ السؤال عن شروط الإصلاح الفعلي مفتوحًا: هل تُبنى السياسات على تشخيص ميداني قابل للتحقق؟ هل تُمنح الخبرة التربوية والاجتماعية موقعًا مؤثرًا في القرار؟ هل تُناقش ظروف العمل والتعلم، ومحتويات البرامج، والزمن المدرسي، والعدالة في توزيع الموارد، بوصفها عناصر مترابطة في منظومة واحدة؟ أم يجري التعامل معها كملفات منفصلة، لكلّ منها إجراءٌ عابر وخطابٌ خاص؟

وقد شهد النقاش التربوي التونسي مبادرات واستشارات وتصوّرات مؤسساتية لإصلاح التربية والتعليم. غير أن الإعلان عن استشارة أو تقرير أو هيئة لا يحسم وحده مسألة الإصلاح. فالسؤال السوسيولوجي لا يتوقف عند وجود الآليات، بل يمتد إلى طبيعة المشاركة فيها، وكيفية تحويل مخرجاتها إلى قرارات، ومدى إمكان تتبّع أثر تلك القرارات في الحياة المدرسية.
المسافة بين الاستماع إلى المجتمع وإشراكه في صناعة القرار هي إحدى المسافات التي تستحق الحفر.


3. حين يُدار الإصلاح: من تغيير الواقع إلى إنتاج خطاب التغيير

للإصلاح لغةٌ خاصة تتكرر فيها مفردات التحديث والجودة والحوكمة والرؤية الاستراتيجية وتطوير الكفاءات. وهذه المفاهيم ليست مشكلةً في ذاتها؛ بل قد تكون ضرورية لتحديد الأهداف وتنظيم السياسات. لكن الإشكال يبدأ حين تصبح وفرة المفردات بديلًا عن مساءلة النتائج، وحين يُقاس التقدم بما أُعلن عنه من برامج وهياكل، لا بما تغيّر فعليًا في التجربة اليومية للمدرسة.

هنا ينبغي التمييز بين إصلاح يُغيّر شروط إنتاج الأزمة، وإصلاح يكتفي بإدارة مظاهرها. الأول يقتضي تشخيصًا صريحًا لمصادر الخلل، ومراجعةً للقرارات التي ساهمت في إنتاجه، واستعدادًا لتعديل موازين الأولويات والمسؤوليات. أما الثاني، فقد يعيد ترتيب الهياكل، ويستحدث لجانًا، ويغيّر بعض المصطلحات، بينما تظلّ العلاقة بين القرار والميدان على حالها.

يتيح لنا ميشال كروزييه التفكير في هذه المفارقة من خلال تحليله للبيروقراطية ومناطق عدم اليقين داخل التنظيمات؛ فالمؤسسات لا تتحرك دائمًا وفق الأهداف المعلنة وحدها، بل تتأثر أيضًا بقواعدها الداخلية، وتوزيع السلطة، ومصالح الفاعلين، وطرائق تعاملهم مع التغيير (Michel Crozier, 1963). لذلك لا يكفي إعلان الإصلاح حتى تتغيّر المؤسسة؛ إذ قد تستوعب المؤسسةُ الإصلاحَ داخل قواعدها القائمة، وتعيد تشكيله بما يسمح باستمرار أنماط اشتغالها.

ومن هذا المنظور، لا يكون السؤال: كم عدد الهياكل التي أُحدثت؟ بل: ما الذي تستطيع هذه الهياكل تغييره؟ وهل تمتلك استقلاليةً فعلية في التشخيص والتقييم؟ وهل تُنشر معايير عملها ونتائجها؟ وهل توجد آليات لمساءلتها عن الفارق بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة؟

كما أن الإصلاح لا يُختزل في إرادة الخبراء وحدهم، مهما كانت كفاءتهم. فالخبرة ضرورية، لكنها تحتاج إلى معطيات ميدانية، وإلى نقاش عمومي، وإلى مشاركة الفاعلين الذين يعيشون آثار القرارات. ومن دون ذلك، قد يتحول الإصلاح إلى مشروع يُصاغ فوق الواقع، ثم يُطلب من الواقع أن يتكيّف معه.


4. النقابات والنخب والمجتمع المدني: من تمثيل المطالب إلى بناء الفعل المشترك

لا يمكن فهم تراجع الفعل الجماعي من دون مساءلة الأطر التي يفترض أن تنظّمه وتمنحه الاستمرارية. فالنقابات، والنخب الفكرية والعلمية، والجمعيات، ومختلف أشكال التنظيم المدني، تؤدي دورًا يتجاوز نقل المطالب؛ إذ يمكنها أن تحوّل التجارب المتفرقة إلى معرفة مشتركة، وأن تربط بين المطالب القطاعية والأسئلة المجتمعية الكبرى.

لكن هذا الدور لا يتحقق تلقائيًا. فقد تنشغل التنظيمات بإدارة خلافاتها الداخلية، أو بالدفاع عن ملفات جزئية، أو بإعادة إنتاج أشكال مألوفة من الخطاب، فتتراجع قدرتها على بناء أفق مشترك. وقد تتحول المطالب، رغم مشروعيتها، إلى جزر منفصلة لا تلتقي عند مساءلة الشروط العامة التي تنتج الأزمة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إلغاء الاختلافات أو صهر جميع الفاعلين في موقف واحد.

فالمجتمع الحيّ ليس مجتمعًا متجانسًا، بل مجتمع يمتلك آليات لإدارة اختلافاته وتحويلها إلى نقاش منتج. إن الخطر لا يكمن في تعدد المصالح، بل في تعذّر بناء مساحات تلتقي فيها تلك المصالح حول قضايا مشتركة، وفي مقدمتها التربية والتعليم بوصفهما شأنًا يتجاوز حدود المهنة والقطاع.

ومن هنا تكتسب فكرة الفعل المشترك معناها: ليس اصطفافًا آليًا، ولا تكرارًا لشعار «صف واحد»، بل قدرة على تحديد موضوع النزاع، وصياغة مطالب قابلة للمساءلة، وتوزيع الأدوار، ومتابعة النتائج. فالتضامن الذي لا ينتج معرفةً وتنظيمًا واستمراريةً قد يبقى لحظةً وجدانية عابرة، فيما يحتاج التغيير إلى أكثر من لحظة.


5. من تفكك الروابط إلى أزمة التنشئة: حين تعبر أعطاب المجتمع عتبة المدرسة

لا تُختزل أعطاب المجتمع في فساد المؤسسات أو تعثر السياسات العمومية أو ضعف القدرة على تنظيم الفعل الجماعي. فثمة مستوى آخر لا يقل أهمية، يتشكّل في العلاقات اليومية، وفي طرائق التعامل مع الآخر، وفي مدى احترام القواعد المشتركة، وفي الأدوار التي تضطلع بها الأسرة وسائر مؤسسات التنشئة. وهو مستوى قد لا يظهر دائمًا في التقارير الرسمية أو مؤشرات الإصلاح، لكنه يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تُختبر عمليًا معاني المسؤولية والتضامن والانضباط والحق والواجب.

فالمجتمع لا يتكوّن من مؤسسات رسمية فحسب، بل من شبكة العلاقات التي تربط أفراده، ومن أشكال الثقة التي تسمح لهم بالتعاون، ومن القواعد الصريحة والضمنية التي تنظّم تعاملهم. وحين تتراجع الثقة، أو تتآكل الروابط التضامنية، أو تتقدم الحسابات الفردية على مقتضيات المصلحة المشتركة، فإن المسألة لا تعود مجرد تغير في السلوك، بل تصبح سؤالًا عن الشروط التي تسمح بإنتاج حياة جماعية قابلة للاستمرار.

ولا يعني ذلك أن كل تحول في العلاقات الاجتماعية دليل على التفكك، أو أن المجتمعات السابقة كانت أكثر تضامنًا وانضباطًا بالضرورة. فالعلاقات تتغير، وأشكال التضامن تتبدل، كما أن بعض الروابط التقليدية قد تكون قائمة على الإكراه أو التراتبية أو إقصاء الاختلاف. لذلك لا يتعلق الحفر باستعادة صورة مثالية عن مجتمع ماضٍ، بل بفهم ما إذا كانت التحولات الجارية تتيح أشكالًا جديدة من الثقة والتعاون، أم أنها تترك الأفراد أكثر عزلة وأقل قدرة على بناء استجابات مشتركة.

ويتصل هذا السؤال بمسألة الفساد البنيوي، لا من زاوية التجاوزات التي ترتكبها بعض الجهات فحسب، بل من زاوية العلاقة اليومية بالقواعد والمعايير. فحين يصبح خرق القاعدة قابلًا للتبرير ما دام يحقق منفعة، وحين يُدان السلوك نفسه إذا صدر عن الآخر ويُسوّغ إذا صدر عن الذات، ينشأ تناقض بين الرفض المعلن للاختلال والاستعداد العملي للتعايش مع بعض صوره. ولا يعني ذلك مساواة الأفراد بالجهات التي تمتلك سلطة القرار أو القدرة على التحكم في الموارد؛ فالمسؤوليات متفاوتة، والفساد البنيوي لا يُفسَّر بجمع التجاوزات الفردية وحدها. لكنه يدعونا إلى مساءلة الكيفية التي تتفاعل بها القواعد والمؤسسات والممارسات اليومية، فتجعل بعض الاختلالات قابلة للاستمرار أو صعبة المواجهة.

وتظهر هذه المفارقة أيضًا في العلاقة بالانضباط. فاحترام القواعد المنظمة للحياة المشتركة ليس مرادفًا للخضوع الأعمى، كما أن الاعتراض على القواعد الجائرة ليس دليلًا على انعدام المسؤولية. إن الإشكال يبدأ حين تتراجع القدرة على التمييز بين الحق في الاعتراض والحق المفترض في انتهاك حقوق الآخرين، أو حين يُنظر إلى الفضاء العام باعتباره مجالًا لتدبير المنفعة الفردية، لا مسؤوليةً مشتركة تتطلب مراعاة الغير.
وعندئذٍ، لا يكون السؤال مقتصرًا على مظاهر العنف أو الفوضى أو عدم احترام القواعد، بل يمتد إلى شروط تشكّل هذه الممارسات، وإلى مدى اتساق المؤسسات نفسها في تطبيق القواعد، وإلى ما إذا كانت العدالة في المعاملة تعزز احترامها أم تقوضه. فمن الصعب أن تطالب المؤسسات الأفراد بالانضباط إذا كانت ممارساتها لا تمنحهم أسبابًا كافية للثقة في عدالة القواعد واتساق تطبيقها.

وتحتل الأسرة موقعًا محوريًا في هذا السياق، لا باعتبارها مصدرًا وحيدًا للسلوك الاجتماعي، بل بوصفها إحدى البيئات الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الحدود والمسؤولية والتفاوض واحترام الآخر. غير أن الحديث عن التربية الوالدية يستدعي الحذر من تحويل الصعوبات التي تواجهها بعض الأسر إلى اتهام أخلاقي عام. فقد تتراجع المتابعة التربوية لأسباب متعددة، من بينها ضغوط العمل، والهشاشة الاقتصادية، والإرهاق، والتحولات في تنظيم الحياة الأسرية، وضعف قنوات التواصل مع المدرسة. كما أن حضور الولي في الحياة المدرسية لا يُقاس بعدد الزيارات أو بمدى استجابته الفورية لكل طلب، بل بطبيعة العلاقة التي يبنيها مع الطفل، وبقدرته على توفير التأطير والمتابعة ضمن الإمكانات المتاحة.

ومع ذلك، يظل من المشروع التساؤل عما يحدث حين تضعف بعض وظائف التنشئة الوالدية، أو تتناقض الرسائل التي يتلقاها الطفل بين الأسرة والمدرسة، أو تتحول العلاقة بين الطرفين إلى تبادل للاتهامات بدل بناء المسؤولية المشتركة. فقد تجد المدرسة نفسها مطالبة بمعالجة سلوكيات لا تستطيع تفسيرها أو احتواءها بمفردها، بينما تنتظر بعض الأسر منها أن تتولى وحدها مسؤوليات تتجاوز حدود الفعل المدرسي. وهكذا تصبح العلاقة بين المؤسستين مجالًا لتبادل اللوم، في الوقت الذي تتطلب فيه طبيعة المشكلة فهمًا مشتركًا لشروط نشأتها وحدود قدرة كل طرف على التدخل.

لكن المدرسة لا تستقبل هذه التوترات بوصفها مرآة محايدة للمجتمع؛ فهي قد تخفف آثارها أو تعيد إنتاجها. فإذا واجهت السلوك المضطرب بالإقصاء وحده، أو قابلت ضعف الانضباط بتشديد العقاب دون بناء معنى القاعدة، أو اختزلت دور الأسرة في توقيع الوثائق والاستجابة للمراسلات، فإنها قد تفوّت فرصة تحويل النزاع إلى تعلم اجتماعي.

وفي المقابل، لا يمكن مطالبتها بتعويض كل ما يتعثر في الأسرة والمجتمع، ولا تحميل المدرّس وحده مسؤولية معالجة اختلالات تتجاوز إمكاناته المهنية والمؤسسية.

هنا تتكشف إحدى مفارقات الإصلاح التربوي: نطالب المدرسة بأن تنتج مواطنًا مسؤولًا، قادرًا على احترام الآخر والمشاركة في الحياة المشتركة، بينما قد نترك الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تدعم هذا التكوين خارج دائرة المساءلة. ونطالب المدرّس بضبط الحياة الصفية، من دون أن نفحص دائمًا طبيعة العلاقة بين السلطة والقاعدة، أو مدى اتساق الرسائل التربوية التي يتلقاها المتعلم في البيئات المختلفة.

إن المدرسة لا تصلح المجتمع بمفردها، والأسرة لا تتحمل وحدها مسؤولية التحولات الاجتماعية، كما أن السلوك الفردي لا يمكن فصله عن شروط إنتاجه. لكن هذه الحدود لا تبرر إعفاء أي طرف من مساءلة دوره الممكن. إنها تقتضي، بالأححرى، الانتقال من تبادل الاتهامات إلى فهم العلاقات التي تربط الأسرة والمدرسة والمجتمع، ومن تفسير السلوكيات باعتبارها انحرافات فردية معزولة إلى مساءلة السياقات التي تجعلها تتكرر أو يصعب احتواؤها.

وهنا يعود السؤال إلى جوهر هذه الحفريات: إذا كانت قدرة المجتمع على المقاومة تتطلب الثقة والتعاون واحترام القواعد المشتركة، فأين تُكتسب هذه الاستعدادات، وأين تتعرض للتآكل؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح تربوي فعلي إذا ظلت العلاقة بين التنشئة الأسرية والتجربة المدرسية والتحولات المجتمعية مجزأةً إلى ملفات منفصلة؟


6. التربية بين إنتاج الوعي وإعادة إنتاج العجز

تتجاوز الأزمة التربوية حدود البرامج والامتحانات والنتائج المدرسية؛ فهي تتصل أيضًا بنوع العلاقة التي تقيمها المدرسة مع المعرفة والاختلاف والمشاركة. فالمدرسة التي تعلّم المتعلم أن يكرّر الإجابة الصحيحة، لكنها لا تمنحه فرصًا كافية لفهم المشكلة ومساءلة المعطيات ومناقشة البدائل، قد تنجح في نقل محتويات معرفية، لكنها تظلّ محدودة في تنمية الاستقلالية النقدية.

وقد وجّه باولو فريري نقده إلى التربية التي تتعامل مع المتعلم باعتباره وعاءً للإيداع، ودافع عن تعليم يقوم على الحوار وقراءة الواقع والربط بين الوعي والفعل (Paulo Freire, 1970). ولا تتعلق أهمية هذا التصور بالقسم وحده؛ إذ يطرح سؤالًا أوسع حول قدرة المؤسسات على تكوين أفراد يكتفون بالتكيف مع الواقع، أو يمتلكون أدوات فهمه ونقده والمشاركة في تغييره.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن المطالبة بمجتمع قادر على المساءلة والمقاومة، ثم إهمال طبيعة الممارسات التي يتعلم من خلالها أفراده معنى السلطة والمعرفة والاختلاف. فإذا كانت المدرسة فضاءً للتدرب على الطاعة دون نقاش، وعلى الامتثال دون تفسير، وعلى اعتبار الخطأ وصمةً بدل أن يكون فرصةً للتعلم، فإن آثار هذه الممارسات قد تتجاوز القسم إلى علاقة الفرد بالمؤسسة والفضاء العام.

لكن لا ينبغي تحويل هذه العلاقة إلى حتمية ساذجة؛ فالمدرسة لا تصنع المجتمع وحدها، كما أن المتعلم لا يتشكل داخلها فقط. إنها تعمل ضمن شبكة من التأثيرات الأسرية والاقتصادية والثقافية والسياسية. ومع ذلك، تظلّ المؤسسة التربوية مجالًا حاسمًا لاختبار التناقض بين خطاب يعلن أهمية التفكير النقدي وممارسة قد لا تتيح له شروط الظهور.

وبذلك يصبح إصلاح التربية جزءًا من سؤال أوسع: أيّ إنسان نريد أن نكوّن؟ فردًا يتقن التكيف مع المؤسسات القائمة، أم مواطنًا يستطيع فهمها ومساءلتها والمساهمة في تطويرها؟ وأيّ معنى للنجاح المدرسي إذا لم يترافق مع توسيع قدرة المتعلم على الحكم والتفكير والمشاركة؟


7. المجلس الأعلى للتربية: المؤسسة لا تعوّض السؤال عن المشروع

يكتسب المجلس الأعلى للتربية والتعليم أهميته ضمن هذا المشهد، لا باعتباره مركز الأزمة أو اختزالًا للإصلاح، بل بوصفه اختبارًا لطريقة التفكير في التغيير. فإحداث مؤسسة جديدة قد يوفّر إطارًا للتنسيق والتخطيط، لكنه لا يضمن، بمجرده، تغيير شروط اشتغال المنظومة.

لكن ما يستحق الحفر يتجاوز سؤال التأسيس إلى أسئلة المشروع والشرعية المعرفية والقدرة على التأثير: هل يستند العمل إلى تشخيص شامل للوضع التربوي، أم إلى تجميع ملفات متفرقة؟ من أنجز هذا التشخيص، وبأي أدوات ومؤشرات؟ وهل أُتيحت نتائج التقييم للنقاش العمومي؟ وكيف جرى تمثيل الخبرة الميدانية في تحديد الأولويات؟ وما الآليات التي ستسمح بمتابعة أثر القرارات في المدرسة والجامعة ومراكز التكوين؟

إنها أسئلة لا تفترض مسبقًا غياب المشروع أو فشل المؤسسة، لكنها ترفض اعتبار وجودها دليلًا كافيًا على تحقق الإصلاح. فالمعيار ليس عدد الخبراء أو الاجتماعات أو البرامج المعلنة، بل قدرة العمل المؤسسي على إنتاج معرفة قابلة للتحقق، وقرارات قابلة للمساءلة، وتحولات يمكن ملاحظتها في الواقع.

ثم إن الإصلاح التربوي لا يمكن أن يُختزل في قرار إداري أو رؤية تُصاغ داخل دائرة مغلقة. إنه شأن مجتمعي يستدعي مشاركة المدرّسين والتلامذة والأولياء والباحثين والنقابات ومكونات المجتمع المدني، لا بوصفهم جمهورًا يُستمع إليه عند الحاجة، بل باعتبارهم أطرافًا تمتلك معرفةً بالتجربة المدرسية وآثار السياسات. فالمشاركة ليست زينةً ديمقراطية تضاف إلى مشروع جاهز؛ إنها إحدى وسائل اختبار المشروع وتصحيح مساره.

وهنا يعود السؤال إلى المجتمع نفسه: هل يمتلك الفاعلون الاجتماعيون القدرة على متابعة عمل المؤسسات ومساءلتها، أم يظلّ الإصلاح شأنًا يُناقش من حين إلى آخر، ثم يُترك للجهات القائمة عليه؟ إن المؤسسة قد تفتح مجالًا للتغيير، لكن تحويل هذا الإمكان إلى واقع يظلّ مرتبطًا أيضًا بوجود مجتمع قادر على المتابعة والنقد والتنظيم.


8. من إدارة الأزمات إلى مساءلة شروط إنتاجها: حين يصبح النقد جزءًا من الأزمة

قد يكون من السهل تفسير تعثر الإصلاح بضعف الموارد، أو تعقّد الملفات، أو تضارب المصالح، أو مقاومة التغيير داخل المؤسسات. وهذه عوامل لا يجوز تجاهلها. لكن الاكتفاء بها قد يحوّل التحليل إلى جرد للعوائق، من دون مساءلة الطريقة التي تتفاعل بها هذه العوائق وتعيد إنتاج بعضها بعضًا.

فالأزمة لا تستمرّ دائمًا لأن حلولها مجهولة، بل قد تستمرّ أيضًا لأن شروط معالجتها غير متوافرة، أو لأن كلفة تغييرها موزعة بصورة غير متكافئة، أو لأن الفاعلين لا يمتلكون القدرة على فرض الأولويات التي يرونها ضرورية. وفي هذه الحالة، قد يتحول الإصلاح إلى سلسلة من التدخلات الجزئية التي تخفف بعض الأعراض، لكنها لا تمسّ العلاقات التي تنتجها.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين نقد الأشخاص ونقد البنى. فالحفر السوسيولوجي لا يحتاج إلى افتراض وجود فاعل شرير يدبّر الأزمة، ولا إلى اختزالها في سوء نية جهة بعينها. إنه يبحث في القواعد والحوافز وعلاقات القوة وأنماط اتخاذ القرار، وفي النتائج التي قد تنتج عن تفاعلها، حتى عندما لا تكون تلك النتائج مقصودة من أي فاعل منفرد.

كما لا ينبغي تحويل الحديث عن العجز الجماعي إلى إدانة أخلاقية للمجتمع. فالناس لا يتحركون في فراغ، والتنظيمات لا تعمل خارج شروطها، والاحتجاج لا يستمر بمجرد توفر الغضب. إن الفعل الجماعي يحتاج إلى ثقة، وإلى أطر للتنسيق، وإلى أهداف واضحة، وإلى إمكانات تسمح بتحمل كلفته. لذلك فإن مساءلة تراجع المقاومة تستدعي مساءلة البيئة التي تجعلها ممكنة أو مكلفة أو محدودة الأثر.

لكن الحفر في أعطاب المنظومة يضعنا أمام مفارقة أخرى: كيف يمكن للخطاب النقدي أن يتجاوز حدود التشخيص، دون أن يتحول بدوره إلى خطاب يُستهلك داخل المؤسسة التي ينتقدها؟ وكيف ينتقل الوعي بالخلل من ممارسة ذهنية إلى قدرة اجتماعية على مساءلة شروط إنتاجه وإعادة إنتاجه؟ أليس من الممكن أن يتحول النقد نفسه إلى إحدى آليات إدارة الأزمة، حين يُسمح له بالكلام، دون أن يُمنح أي أثر في تغيير الواقع؟

إن النقد، مهما بلغت دقته، لا يضمن وحده التغيير. فقد تتحول المفاهيم النقدية إلى مفردات متداولة في الندوات والتقارير واللقاءات، وقد تستوعب المؤسسة خطاب الاعتراض وتعيد توظيفه من دون أن تسمح له بمساءلة قواعد اشتغالها. عندئذٍ، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما إذا كان النقد قادرًا على كشف الخلل، بل يمتد إلى ما إذا كانت البيئة التي تستقبله تتيح له أن يصبح قوةً مؤثرة، أو تحوّله إلى ممارسة رمزية تمنح الانطباع بوجود نقاش من دون تغيير شروط الواقع.

ولا يعني ذلك أن قيمة النقد تُقاس مباشرةً بنتائجه السياسية أو المؤسسية، أو أن كل كتابة نقدية مطالبة بتقديم برنامج تنفيذي. فالنقد يؤدي وظيفة معرفية ضرورية حين يكشف ما تخفيه المسلّمات، ويزعزع ما يبدو طبيعيًا، ويفتح إمكان التفكير في بدائل لم تكن مطروحة. لكن هذه الوظيفة تختلف عن التغيير المؤسسي، ولا ينبغي الخلط بينهما. فالكشف ليس هو التغيير، كما أن غياب التغيير الفوري لا يجعل الكشف عديم القيمة.

المسألة، إذن، ليست مطالبة النقد بالتخلي عن استقلاليته لصالح وصفات جاهزة، بل مساءلة العلاقة بين المعرفة النقدية وشروط تداولها وتأثيرها. من يمتلك القدرة على تحويل التشخيص إلى موضوع للنقاش العمومي؟ من يحدد ما يدخل إلى جدول الأولويات وما يُترك على الهامش؟ كيف تتشكل التحالفات حول المطالب المشتركة؟ وما الذي يمنع المعرفة المتراكمة في الميدان من التحول إلى عنصر مؤثر في القرار؟

هنا تتقاطع مسؤولية الباحث مع مسؤولية الفاعلين الاجتماعيين والمؤسسات، من دون أن تذوب إحداها في الأخرى. فالباحث لا يحلّ محل المجتمع، والناقد لا يستطيع فرض التغيير بمجرد الكتابة، والمؤسسة لا تكتسب الشرعية لمجرد أنها تسمح بالنقاش. إن ما بين هذه المواقع من علاقات وتوترات وحدود هو نفسه موضوع للحفر.

وقد يكون أخطر ما يصيب النقد أن يتحول إلى طقسٍ متكرر: تُكشف الأعطاب، وتُصاغ المفاهيم، وتُعلن المواقف، ثم يعود الواقع إلى مساره السابق. لا لأن النقد غير ضروري، بل لأن إنتاجه لا يترافق دائمًا مع شروط اجتماعية وتنظيمية تسمح بتحويله إلى مساءلة مستمرة. وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: هل ننتقد المنظومة كي نكشف آليات اشتغالها، أم نكتفي أحيانًا بإنتاج خطاب نقدي يجد مكانه داخلها، ثم يتعايش مع استمرارها؟

إنها ليست دعوةً إلى التخلي عن النقد، بل إلى تعميق الحفر فيه؛ لأن مساءلة المؤسسة لا تكتمل من دون مساءلة شروط استقبالها للنقد، كما أن مساءلة العجز الجماعي لا تكتمل من دون التفكير في حدود الخطاب الذي يحاول تفسيره.


خاتمة: الحفر في المسافة بين الشكوى والمقاومة

إن المجتمع التونسي ليس كتلةً واحدة يمكن الحكم عليها بالموت أو الحياة، ولا تكفي مظاهر الفساد وحدها لتفسير تراجع الفعل الجماعي. ما يستحق المساءلة هو المسافة بين معرفة الأعطاب والقدرة على مقاومتها، وبين تعدد الفاعلين وإمكان بناء مشروع مشترك، وبين خطاب الإصلاح وشروط تحققه.

ولا يمكن فهم هذه المسافة من دون النظر في الروابط الاجتماعية التي تسمح للأفراد بالثقة والتعاون، وفي العلاقة اليومية بالقواعد المشتركة، وفي التحولات التي تمسّ بعض وظائف التنشئة الأسرية والمدرسية. فالأزمة لا تُنتج داخل المؤسسات وحدها، كما أن آثارها لا تتوقف عند أبوابها؛ إذ تتفاعل البنى والممارسات والعلاقات في تشكيل واقع قد تعيد بعض عناصره إنتاج الشروط التي تعوق تغييره.

والشأن التربوي، بما يمثله من تقاطع للمصالح والخبرات والانتظارات، يكشف هذه المفارقات بوضوح. فحين يصبح الإصلاح قضيةً مؤسساتية أكثر منه نقاشًا مجتمعيًا مستمرًا، وحين تُقاس الجدية بالإعلانات بدل النتائج، وحين تظلّ الخبرة الميدانية بعيدة عن التأثير الفعلي، يصبح من المشروع مساءلة طبيعة العلاقة بين المؤسسة والمجتمع، لا الاكتفاء بتقييم الخطاب أو تعداد أوجه القصور.

لكن الحفر لا يتوقف عند أعطاب المنظومة، ولا عند حدود قدرتها على الإصلاح؛ بل يمتد إلى الخطاب الذي ينتقدها، وإلى الشروط التي تسمح لهذا الخطاب بأن يُسمع أو يُحتوى أو يُهمّش. فقد يكشف النقد ما يستتر خلف واجهة الإصلاح، لكنه لا يضمن وحده تغيير ما كشفه. وقد يصبح، من حيث لا يقصد، جزءًا من المشهد الذي يصفه، حين يتكرر التشخيص من دون أن تتغير شروط إنتاج الأزمة.

من هنا، لا تنتهي هذه الحفريات إلى وصفة جاهزة، ولا تدّعي امتلاك إجابات نهائية. إنها تحاول فتح المسكوت عنه، وتفكيك ما يبدو بديهيًا، والبحث في الشروط التي تجعل الأزمة قابلة للاستمرار، والإصلاح قابلًا للتحول إلى خطاب، والنقد نفسه عرضةً للاحتواء.

فهل مات المجتمع فعلًا، أم أُنهك حتى فقد ثقته في جدوى المقاومة؟ وهل نؤسّس مؤسسات لإصلاح الواقع، أم نكتفي بإدارة خطاب الإصلاح؟ وكيف يمكن للنقد أن يحافظ على استقلاليته، دون أن يبقى حبيس التشخيص، أو يتحول إلى طقسٍ يمنحنا شعورًا زائفًا بأننا نواجه الأزمة لمجرد أننا نصفها؟ وكيف تتفاعل أعطاب البنية الاجتماعية مع تحولات الأسرة والمدرسة والعلاقات اليومية، فتُضعف القدرة على بناء فعل جماعي قادر على إحداث التغيير؟

لعلّ السؤال الأعمق ليس كيف ننتج خطابًا نقديًا أكثر حدّة، بل كيف نفهم المسافة بين إنتاج المعرفة وإمكان التأثير، بين كشف الخلل وإعادة تشكيل شروطه، وبين الاعتراض الذي يعبّر عن الاستياء والمقاومة التي تبني قدرةً جماعية على الفعل.

أسئلةٌ مُنهِكة ومُستنزِفة، لا تنتظر بالضرورة إجابات جاهزة في مشهد يزداد ضبابية والتباسًا، بقدر ما تستدعي أسئلة أخرى وحفريات أعمق. فربما لا يبدأ الإصلاح الحقيقي حين نعلن امتلاك الحل، بل حين نمتلك الشجاعة المعرفية لمساءلة الطريقة التي نفكر بها في الأزمة، والكيفية التي ننتج بها خطاب التغيير، وحدود قدرتنا على تحويله إلى واقع.

فالحفر لم ينتهِ… بل ربما بدأ للتو.


المراجع:

1. Beck, U. (1992). Risk Society: Towards a New Modernity. London: Sage.

2. Bourdieu, P. (1980). «Le capital social : notes provisoires». Actes de la recherche en sciences sociales, 31, 2–3.

3. Crozier, M. (1963). Le phénomène bureaucratique. Paris : Seuil.

4. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Herder and Herder.

5. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris : ESF.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال