ليست أزمة تونس في نقص الرجال الذين يتولون المناصب، ولا في قلة الشعارات التي تتحدث عن الإصلاح، وإنما في السؤال الذي طال تأجيله: هل صُممت الدولة التونسية بمؤسساتها وإدارتها وعلاقات السلطة داخلها لكي تنتج الثروة وتحقق العدالة وتستثمر في الإنسان، أم أنها أصبحت، مع مرور الزمن، منشغلة بإعادة إنتاج جهازها الإداري والمحافظة على آليات اشتغاله أكثر من انشغالها بالنتائج التي ينتظرها المجتمع؟ إن الدولة لا تقاس بعدد مكاتبها ولا بتسلسل مراتبها ولا بقدرتها على إصدار الأوامر، بل بقدرتها على تحويل موارد البلاد إلى إنتاج، وتحويل القانون إلى فرصة، وتحويل الإدارة من حاجز يقف بين المواطن وحقه إلى أداة تفتح أمامه الطريق. وحين تصبح الإجراءات غاية في ذاتها، وتضيع المسؤولية بين الإدارات، ويستطيع كل طرف أن يفسر الفشل باعتباره نتيجة لاختصاص جهة أخرى، فإن الخلل لا يعود في الأشخاص وحدهم، بل في هندسة الدولة نفسها.
من هنا تنطلق ضرورة إعادة بناء العلاقة بين المركز والجهات، لا على أساس تقسيم البلاد إلى وحدات إدارية تتلقى التعليمات، بل على أساس توزيع واضح للمسؤولية والقدرة على المبادرة. وأقترح في هذا السياق انتخاب الوالي مباشرة من سكان الولاية، ومنحه صلاحيات تنفيذية حقيقية وميزانية تنمية معلومة، ليصبح مسؤولا أمام ناخبيه عن الاستثمار والتشغيل والبنية التحتية وجودة الخدمات. فالوالي الذي يستمد سلطته من قرار التعيين يتحرك، بحكم طبيعة موقعه، داخل تسلسل إداري ينتهي إلى المركز؛ أما الوالي المنتخب فيستمد شرعيته من السكان، ويصبح مطالبا بأن يقدم لهم حسابا عن برنامجه ونتائجه. غير أن الانتخاب لا يصنع المعجزات بمفرده، ولا يحول المسؤول إلى رجل دولة بمجرد حصوله على الأصوات؛ لذلك يجب أن تقترن الشرعية الانتخابية بشروط النزاهة، والشفافية في التمويل، وتحديد العهدة، والرقابة على المال العام، ومنع تحول النفوذ المحلي إلى ملكية سياسية تتوارثها العائلات والشبكات والمصالح.
وليس المقصود أن تصبح كل ولاية دولة داخل الدولة، أو أن تفقد الحكومة المركزية قدرتها على توحيد السياسات الوطنية وضمان الأمن والسيادة والتوازن بين الجهات. المقصود أن تتوقف المركزية عن احتكار المبادرة في المسائل التي تستطيع الجهات إدارتها بكفاءة أكبر، وأن تحتفظ الدولة المركزية بما لا تستقيم الدولة من دونه: السياسات السيادية، والمعايير الوطنية، وإعادة توزيع الموارد، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية وحدة السوق والبلاد. فالمركز القوي ليس هو الذي يقرر كل تفصيل، بل الذي يعرف ما يجب أن يقرره بنفسه، وما ينبغي أن يتركه للمستوى الأقرب إلى المواطن، ثم يضمن أن تعمل المستويات كلها في اتجاه واحد.
ومن هنا تأتي المسألة الاقتصادية التي يجب أن تكون في قلب وظيفة الوالي المنتخب. لا يكفي أن يستقبل المسؤول وفود المستثمرين، أو يعلن عن اتفاقيات، أو يلتقط الصور أمام مصانع لم تبدأ الإنتاج بعد. المطلوب أن يتحول كل وال إلى قائد للتنمية الجهوية، يمتلك فريقا مهنيا في الاقتصاد والمالية والهندسة والتسويق والاستثمار، ويعمل على إعداد خريطة دقيقة للموارد والفرص والأراضي والبنية التحتية والمهارات المتاحة في ولايته. ويكون مسؤولا عن إعداد محفظة مشاريع جاهزة للدراسة والتمويل والتنفيذ، وعن استقطاب الشركات الأجنبية والصناديق الاستثمارية والكفاءات التونسية في الخارج، وعن تنظيم بعثات اقتصادية وتقديم عروض واضحة للمستثمرين، بالتنسيق مع المؤسسات الوطنية المختصة.
إن الاستثمار لا يأتي لأننا نطلبه، بل لأنه يجد شروطا تجعله يختارنا. والمستثمر الجاد لا يبحث عن خطاب حماسي بقدر ما يبحث عن قانون مستقر، وإدارة سريعة، وقضاء موثوق، وبنية تحتية صالحة، وعملة ومالية عمومية يمكن توقع مسارهما، وكفاءات قادرة على الإنتاج. لذلك يجب أن يمتلك الوالي صلاحية تنسيق الإجراءات، ومتابعة التراخيص، وإزالة التعطيلات، والتفاوض الأولي حول المشاريع الكبرى، ضمن آجال قانونية معلومة، من دون أن يتحول إلى سلطة تمنح الامتيازات على هواها أو تتصرف في أملاك الدولة خارج القانون. أما الإعفاءات الجبائية الوطنية والضمانات المالية والقرارات الاستراتيجية، فيجب أن تبقى محكومة بالقواعد الوطنية والرقابة المختصة، لأن جلب الاستثمار لا يبرر بيع المصلحة العامة ولا تحميل الأجيال القادمة كلفة اتفاقيات غير مدروسة.
والدولة التي تريد استثمارا أجنبيا حقيقيا مطالبة أيضا بأن تسأل عن نوعية الاستثمار، لا عن حجمه وحده. هل ينقل التكنولوجيا؟ هل يخلق وظائف مستقرة؟ هل يرفع الصادرات؟ هل يستخدم المورد البشري المحلي؟ هل يضيف قيمة إلى الاقتصاد التونسي، أم يكتفي باستغلال امتيازات ظرفية ثم يرحل؟ إن المشروع الذي يعلن عن مئات الوظائف ولا يدخل الإنتاج ليس إنجازا، والاتفاقية التي لا تتحول إلى مصنع أو خدمة أو بنية تحتية ليست ثروة. لذلك يجب أن تقاس نتائج الوالي بما تحقق فعليا، لا بما أُعلن عنه، وبما بقي من أثر اقتصادي بعد سنوات، لا بما صنعه من ضجيج في موسم سياسي واحد.
لكن من يقود التنمية يحتاج إلى عقل استراتيجي يسبق القرار، ويختبر كلفته، ويكشف مخاطره، ويقارن بين البدائل. ولهذا أقترح إحداث مجلس وطني أعلى لكبار الخبراء، يضم كفاءات تونسية مشهودا لها في الاقتصاد والمالية والهندسة والطاقة والمياه والصحة والتعليم والصناعة والنقل والفلاحة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيئة والقانون والإدارة والعلاقات الدولية. ولا ينبغي أن يكون هذا المجلس ناديا للألقاب الجامعية أو مكافأة للمواقع السابقة، بل مؤسسة تُفتح أبوابها وفق معايير صارمة، أساسها الخبرة المثبتة، والإنجاز القابل للتحقق، والنزاهة، والاستقلال عن تضارب المصالح، والقدرة على التفكير خارج حدود الاختصاص الضيق.
إن الخطر ليس في أن يحكم الجهل، بل أيضا في أن تتحول الخبرة إلى سلطة مغلقة لا يسألها أحد. فالشهادة ليست ضمانة للحكمة، والاختصاص لا يمنح صاحبه حق احتكار القرار العام. لذلك تكون وظيفة المجلس إعداد الدراسات الاستراتيجية، وتقييم المشاريع الكبرى، وقياس الأثر المالي والاجتماعي والبيئي للسياسات، وتقديم البدائل العلمية للحكومة والجهات، ومساعدة الولايات على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. وتُنشر تقاريره وتوصياته، وتلتزم المؤسسات المعنية بتوضيح أسباب الأخذ بها أو رفضها. أما القرار النهائي فيبقى للمؤسسات التي يمنحها الدستور والقانون تلك الصلاحية؛ فالخبراء يوضحون الممكن وكلفته ومخاطره، لكنهم لا يحلون محل الإرادة العامة ولا فوق القانون.
وفي المستوى الإداري، يصبح من الضروري مراجعة خطة المعتمد والاستغناء عنها ضمن إعادة هندسة شاملة لوظائف الدولة المحلية، لا في عملية حذف شكلي لمسمى إداري. يجب أولا جرد المهام الفعلية، وتحديد ما ينبغي نقله إلى المؤسسات المنتخبة، وما يجب أن يبقى في المصالح الإدارية المهنية، وما يمكن دمجه أو رقمنته. فلا معنى للإبقاء على طبقة إدارية لمجرد أن التاريخ تركها لنا، كما لا معنى لإلغائها ثم إعادة إنتاج الوظائف نفسها تحت أسماء أخرى. المطلوب أن يعرف المواطن أين يودع ملفه، ومن المسؤول عن معالجته، وفي أي أجل يحصل على الجواب، وكيف يطعن إذا تعرض للتعطيل أو الرفض. فالإدارة الحديثة لا تُقاس بعدد الأختام التي تضعها على الورق، بل بعدد المشكلات التي تحلها، وبالوقت الذي توفره على الناس، وبما تمنعه من هدر للمال والفرص.
ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح من دون ميزانية جهوية مرتبطة بالنتائج. فالوالي الذي يُحاسب على التنمية يجب أن يمتلك الموارد القانونية والمالية التي تمكنه من تنفيذ برنامجه، وإلا تحولت المحاسبة إلى مسرحية يُلام فيها المسؤول على ما لا يملك. وفي المقابل، لا يجوز أن تُمنح الجهة صلاحيات مالية بلا ضوابط، أو أن تتوسع في الاقتراض والضمانات بما يهدد التوازنات الوطنية. ولهذا يجب نشر الميزانيات والعقود والصفقات ومؤشرات الإنجاز، وإخضاع الإنفاق للتدقيق المستقل، وربط التمويل بمعايير موضوعية تراعي عدد السكان وحاجات البنية التحتية ومستوى التنمية والبطالة والفقر، حتى لا تتحول اللامركزية إلى امتياز جديد للولايات الأقوى على حساب المناطق الأضعف.
أما الرقمنة، فلا ينبغي اختزالها في تحويل الورق إلى ملفات إلكترونية مع بقاء العقل الإداري القديم على حاله. الرقمنة الحقيقية تعني أن يكون لكل إجراء مسار معلوم، ولكل قرار أثر قابل للتتبع، ولكل مشروع سجل يوضح كلفته ومصدر تمويله والجهة المسؤولة عنه ونسبة تقدمه. وتعني أيضا أن تصبح الصفقات العمومية والاتفاقيات والميزانيات متاحة للرقابة في الحدود التي يسمح بها القانون، وأن تُبنى منظومة فعالة لكشف تضارب المصالح ومكافحة الفساد وحماية المبلغين. فالتكنولوجيا لا تصنع النزاهة وحدها، لكنها تجعل التلاعب أصعب حين تقترن بقضاء مستقل ورقابة حقيقية وإرادة في المحاسبة.
ولأن الدولة لا تُعاد هندستها بمرسوم واحد، يجب أن يمر المشروع عبر مسار قانوني واضح، يبدأ بتدقيق دستوري وتشريعي يحدد ما يمكن تعديله بقانون وما قد يستوجب تعديلا دستوريا، ثم إعداد النصوص المنظمة لانتخاب الوالي وصلاحياته وتمويله، ولتركيبة مجلس الخبراء واستقلاله، ولإعادة توزيع وظائف المعتمد، وللعلاقة بين المركز والجهات. ويُستحسن اختبار بعض عناصر الإصلاح تدريجيا، مثل الشباك الموحد للمستثمر، والمنظومة الرقمية للمشاريع، ولوحات قيادة الأداء، قبل تعميم النموذج، ثم إخضاع التجربة لتقييم مستقل يقارن النتائج بما كان قائما قبلها.
إن الغاية النهائية ليست إنتاج طبقة جديدة من المسؤولين، ولا إنشاء مجالس إضافية تستهلك الميزانيات، بل بناء دولة تعرف من يقرر، ومن ينفذ، ومن يراقب، ومن يتحمل المسؤولية عندما يفشل. دولة لا تكتفي بتوزيع الوعود، بل تجعل لكل وعد مؤشرا، ولكل مشروع أجلا، ولكل ميزانية نتيجة، ولكل سلطة حدودا قانونية. دولة تفتح المجال للكفاءة من دون أن تجعل الخبراء طبقة فوق المجتمع، وتمنح الجهات القدرة على المبادرة من دون أن تتركها فريسة للتفاوت، وتستقطب الاستثمار من دون أن تفرط في السيادة أو الموارد أو حقوق المواطنين.
تونس لا تحتاج إلى إدارة أكبر، بل إلى إدارة أذكى؛ ولا تحتاج إلى سلطات تتنازع الاختصاصات، بل إلى مسؤوليات واضحة؛ ولا تحتاج إلى إعلان المشاريع بقدر حاجتها إلى إنجازها. إن إعادة هندسة الدولة ليست تمرينا في المصطلحات ولا ترفا فكريا، بل شرط من شروط استعادة الثقة، ورفع الإنتاجية، وتحسين الدخل، وإعادة الاعتبار للعمل والكفاءة والمصلحة العامة. وحين يصبح الوالي مسؤولا أمام الناس عن التنمية، ويصبح الخبير مسؤولا عن جودة التحليل، ويصبح الموظف مسؤولا عن الخدمة، ويصبح كل إنفاق قابلا للتدقيق، عندها فقط يمكن أن ننتقل من دولة تدير أزماتها إلى دولة تصنع مستقبلها.
فالدولة القوية ليست تلك التي تتدخل في كل شيء، بل تلك التي تعرف ما يجب أن تفعله، وتملك الكفاءة لإنجازه، والشجاعة لمحاسبة من يعطله.
تونس التي تحتاج إلى إعادة بناء الدولة: من سلطة التعيين إلى شرعية الإنجاز ومن بيروقراطية الملفات إلى اقتصاد المبادرة
2026-10-12
22 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال