بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدرسة التونسية: مهارات الحياة خارج الحياة - حفريات في المسافة بين الخطاب البيداغوجي والتجربة المدرسية

2026-10-11 71 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تمهيد: حين تتقدّم لغة البيداغوجيا على تجربتها

تحتل مفاهيم التفكير النقدي والاستقلالية والإبداع والعمل الجماعي وحل المشكلات والتواصل والمبادرة مكانة متزايدة في الخطاب التربوي المعاصر. وهي مفاهيم تعكس تحولًا مهمًا في النظر إلى وظيفة المدرسة، من الاقتصار على نقل المعارف إلى الاهتمام بما يستطيع المتعلم أن يفعله بها، وكيف يوظفها في فهم محيطه والتفاعل معه. فالمدرسة الحديثة لا يُفترض أن تكتفي بإعداد المتعلم للامتحانات، بل أن تسهم أيضًا في بناء قدرته على الاختيار والتفكير والتواصل والتصرف في مواقف الحياة المختلفة.

وقد انعكس هذا التوجه على الخطاب التربوي التونسي، حيث أصبحت مهارات الحياة والكفايات العرضية والتعلم النشط والتمركز حول المتعلم مفاهيم حاضرة في البرامج والوثائق والتكوينات والممارسات المعلنة. ولا يمكن اعتبار هذا التحول مجرد تغيير في المفردات، إذ إنه يعكس، في جانب منه، سعيًا إلى تجاوز التصورات التي تختزل التعلم في استظهار المعارف واسترجاعها، وإلى توسيع الاهتمام بما يكتسبه المتعلم من قدرات تساعده على التعامل مع محيطه.

غير أن حضور هذه المفاهيم في الخطاب والوثائق لا يحسم، في حد ذاته، طبيعة التجارب التي يعيشها المتعلم داخل القسم. فبين تحديد مهارة ضمن الأهداف التعليمية وإتاحة شروط ممارستها فعليًا، توجد مساحة تستحق البحث والفهم. وقد تتسع هذه المساحة أو تضيق بحسب طبيعة النشاط، وحرية المتعلم في الاختيار، وموقع الخطأ في عملية التعلم، ومدى استعداد البيئة الصفية لاستيعاب المبادرة والاختلاف.

فالمتعلم الذي يُراد له أن يكون مستقلًا يحتاج إلى فرص فعلية للاختيار واتخاذ القرار، والذي يُنتظر منه أن يفكر نقديًا يحتاج إلى فضاء يسمح له بطرح الأسئلة ومناقشة الأفكار وبناء الحجج، والذي يُراد له أن يتعلم التعاون يحتاج إلى مواقف تستدعي التفاوض وتقاسم المسؤولية. ولا يعني ذلك أن هذه الشروط غائبة بالضرورة عن الأقسام التونسية، أو أن الممارسات المدرسية تتحرك في اتجاه واحد، بل إن المسألة تتعلق بمدى حضورها الفعلي، وبكيفية تشكلها داخل سياقات مدرسية تختلف في إمكاناتها وظروف عملها.

من هنا ينطلق هذا المقال من سؤال لا يستهدف إدانة المدرسة بقدر ما يسعى إلى فهم إحدى مفارقاتها الممكنة: إلى أي مدى تتحول المهارات المعلنة في الخطاب البيداغوجي إلى خبرات فعلية يكتسبها المتعلم من خلال ممارسته اليومية؟
قد يحمل نشاط ما عنوان «التفكير النقدي»، لكن طبيعة الأسئلة المطروحة فيه قد تحدد مسبقًا حدود الإجابات المقبولة. وقد يُنظم نشاط في مجموعات، لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات أن المتعلمين مارسوا التعاون بما يتضمنه من تفاوض وتقاسم للمسؤولية. وقد تُدرج الاستقلالية ضمن الأهداف التعليمية، بينما تظل فرص الاختيار واتخاذ القرار متفاوتة من وضعية إلى أخرى.

لا تكمن أهمية هذه الأمثلة في اعتبارها وصفًا شاملًا للمدرسة التونسية، وإنما في أنها تساعد على التمييز بين تسمية المهارة وإتاحة شروط ممارستها. فالنشاط ليس دليلًا كافيًا على تحقق الهدف، والوثيقة التي تعلن قيمة تربوية لا تكشف وحدها عن الكيفية التي تتحول بها تلك القيمة إلى خبرة لدى المتعلم.
وللدلالة على هذه المسافة المحتملة بين التسمية والتجربة، أقترح مفهوم «الشعوذة البيداغوجية»، لا باعتباره اتهامًا للمدرسة أو لمعلميها، ولا افتراضًا لوجود تضليل متعمد أو فاعل شرير يدير المشهد من خلف الستار، بل بوصفه مفهومًا نقديًا يستكشف إمكان تحوّل بعض العلامات الظاهرة على التجديد إلى بدائل عن التغيير الفعلي، عندما تصبح تسمية الممارسة دليلًا على تحققها قبل فحص ما أنتجته لدى المتعلم.

بهذا المعنى، لا يبدأ الحفر من إدانة التجربة المدرسية، بل من محاولة فهمها؛ ولا يفترض غياب مهارات الحياة، بل يتساءل عن الشروط التي تجعلها قابلة للتعلم والممارسة، وعن العوامل التي قد تعترض انتقالها من مستوى الأهداف المعلنة إلى مستوى الخبرات اليومية.
فالمسألة ليست أن المدرسة تتحدث عن مهارات لا وجود لها بالضرورة، بل أن علينا أن نفهم كيف تنتقل هذه المهارات من مستوى الخطاب إلى مستوى التجربة، وما الذي قد يعترض هذا الانتقال.

1. البعد التاريخي: إرث الاستعمار والشعارات المستمرة

لا يمكن فهم علاقة المدرسة التونسية بالشعارات البيداغوجية الحديثة من دون وضعها داخل تاريخ أطول من تاريخ الإصلاحات الحالية. فالمدرسة الحديثة، في تونس كما في كثير من المجتمعات التي خضعت للاستعمار ثم دخلت مرحلة بناء الدولة الوطنية، لم تكن مجرد فضاء محايد لنقل المعرفة، وإنما كانت جزءًا من مشروع اجتماعي وثقافي أوسع يتعلق ببناء المواطن وتنظيم المجتمع وإنتاج أنماط معينة من السلوك والانضباط.

لكن اختزال كل ما يحدث اليوم في «الإرث الاستعماري» سيكون بدوره تفسيرًا مريحًا أكثر من اللازم. فالمسألة أكثر تركيبًا. لقد تحولت المدرسة التونسية بعد الاستقلال إلى أداة مركزية لبناء الدولة الوطنية، وتوسعت وظيفتها الاجتماعية، وتغيرت برامجها، وتعددت إصلاحاتها، وانتقلت تدريجيًا إلى قاموس تربوي جديد يستعير مفاهيم الكفايات، والتمركز حول المتعلم، والتعلم النشط، والمهارات الحياتية.

ومع ذلك، فإن بعض البنى العميقة لا تتغير بالسرعة نفسها التي تتغير بها اللغة. فالمؤسسة التي نشأت تاريخيًا حول التنظيم والانضباط والبرامج الموحدة والتصنيف والتقويم تستطيع أن تستوعب قاموسًا جديدًا دون أن تعيد بالضرورة بناء جميع آلياتها الداخلية.

وهنا يمكن الاستفادة من قراءة فوكو للمؤسسات الحديثة بوصفها فضاءات تنتظم فيها الأجساد والأزمنة والسلوكات عبر آليات دقيقة للضبط والمراقبة والتقويم (Foucault, 1975). فالمدرسة لا تقوم فقط بتوزيع المعرفة، وإنما تنظم أيضًا الزمن والحركة والكلام والجلوس والانتظار والإجابة، أي إنها تسهم في إنتاج شكل معين من النظام.

ولا يعني ذلك أن التنظيم والانضباط يتعارضان بالضرورة مع التعلم أو الاستقلالية؛ فكل ممارسة تربوية تحتاج إلى قدر من التنظيم. إنما تظهر المسألة عندما تصبح آليات التنظيم، بدل أن تهيئ شروط التعلم، عاملًا يحد من إمكانات المبادرة والتجريب والاختلاف.
المفارقة إذن ليست في أن المدرسة التونسية لم تتغير، بل في أن بعض التغيرات قد تحدث على مستوى الخطاب أسرع من حدوثها على مستوى البنية.

وهنا يمكن فهم كيف تعيش مفردات حديثة داخل ممارسات متفاوتة في قدرتها على تجسيد المعاني التي تحيل إليها. فالتجديد لا يتحقق بمجرد استبدال قاموس بآخر، وإنما يتطلب النظر في الشروط المؤسسية التي تسمح للمفاهيم الجديدة بإعادة تشكيل التجربة المدرسية.

2. الشعوذة البيداغوجية: تحليل الظاهرة

تبدأ الشعوذة البيداغوجية، وفق المعنى الذي نقترحه هنا، عندما يتحول الشكل إلى دليل على وجود الجوهر. فقد يكفي أحيانًا أن نجد نشاطًا جديدًا، أو تقنية جديدة، أو مصطلحًا جديدًا، حتى نطمئن إلى أن الممارسة نفسها قد تغيرت. لكن النشاط لا يصبح تفكيرًا نقديًا بمجرد أن يحمل هذا الاسم، ولا يصبح التعلم تعاونيًا بمجرد أن يجلس التلاميذ في مجموعات.

المهارة ليست عنوان النشاط، وإنما ما يحدث للمتعلم أثناء النشاط.
وهنا يصبح الفرق بين تمثيل المهارة وممارسة المهارة جوهريًا. يمكن أن يظهر التفكير النقدي في نشاط يطلب من المتعلم إعادة صياغة فكرة أو اختيار إجابة من بين إجابات محددة، لكن التفكير النقدي بوصفه ممارسة يقتضي مساحة للسؤال والاعتراض والمقارنة وبناء الحجة ومراجعة الموقف.

ولا يعني ذلك أن الأسئلة المغلقة أو الأنشطة الموجهة عديمة القيمة، فهي قد تؤدي وظائف تعليمية مهمة بحسب الأهداف والسياقات. لكن الإشكال يظهر عندما يُختزل التفكير النقدي في هذه الأنشطة، أو عندما تُعامل المشاركة الشكلية باعتبارها دليلًا كافيًا على اكتساب مهارة مركبة.

ومن هذا المنظور، تتقاطع المسألة مع تصور بورديو وباسرون للفعل التربوي بوصفه ممارسة لا تنقل المعرفة بصورة محايدة فقط، وإنما تسهم أيضًا في إعادة إنتاج أنماط من الشرعية الثقافية والرمزية (Bourdieu & Passeron, 1970). فالمدرسة لا تقول للمتعلم فقط ما ينبغي أن يعرف، وإنما تعلمه ضمنيًا أيضًا ما هو الكلام المقبول، وما هو السؤال المناسب، وما هي الإجابة التي تستحق الاعتراف.

أما كليفورد غيرتز، فإن اهتمامه بالرموز والثقافة يفتح زاوية أخرى للنظر إلى المدرسة: فالمؤسسات لا تشتغل بالممارسات المادية فقط، وإنما تنتج عالمًا من الرموز والمعاني التي تمنح أفعالها شرعية ودلالة (Geertz, 1973). ومن هنا يمكن أن تصبح بعض المصطلحات البيداغوجية رموزًا قائمة بذاتها، حتى عندما تبتعد تدريجيًا عن التجربة التي يفترض أن تحيل إليها.

ولا تحتاج هذه الظاهرة إلى مؤامرة أو إلى نية واعية في التضليل. فقد تنشأ من تراكم ممارسات صغيرة: نشاط شكلي، ووثيقة مصاغة بلغة حديثة، وتكوين لا يمنح وقتًا كافيًا للتجريب والمراجعة، وتقويم يبحث عن مؤشرات قابلة للرصد، ومؤسسة تحتاج إلى إظهار أنها تتحرك. ومع الوقت، يمكن أن يصبح إظهار التغيير جزءًا من آليات التغيير نفسها، دون أن يعني ذلك أن كل مبادرة شكلية أو كل وثيقة إدارية تخلو من قيمة.

والفارق هنا دقيق؛ فالمشكلة ليست في استعمال المفاهيم الحديثة، ولا في توثيق الأنشطة، وإنما في أن تتحول هذه المظاهر إلى مؤشرات بديلة عن فحص أثر الممارسة في التعلم.
وهكذا يتحول السؤال من «هل قمنا بالنشاط؟» إلى «ماذا حدث للمتعلم بسببه؟».

3. التلميذ والمعلم: بين الانتظارات والقيود المؤسسية

يعيش التلميذ جزءًا مهمًا من هذه المسافة لأنه يوجد في نقطة التماس بين الخطاب والممارسة. يسمع أنه متعلم نشط، لكنه قد يجد نفسه في وضعية انتظار. يُطلب منه التفكير، لكنه يتعلم أيضًا ما الذي ينبغي أن يقوله حتى يحصل على الاعتراف. يُشجَّع على المبادرة، لكنه قد يكتشف أن بعض المبادرات تحظى بالترحيب أكثر من غيرها، بحسب مدى انسجامها مع إيقاع الحصة وتوقعات المعلم وشروط العمل.

وهكذا يتعلم التلميذ، إلى جانب المنهاج الرسمي، منهاجًا آخر أقل وضوحًا: كيف يتكيف مع المؤسسة. يتعلم متى يسأل، ومتى يصمت، ومتى يجرب، ومتى يتجنب الخطأ، وكيف يقرأ توقعات الكبار. وهذه المعرفة ليست بالضرورة سلبية في ذاتها، فالعيش داخل أي مؤسسة يقتضي تعلم قواعدها، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح القدرة على التكيف مع النظام أقوى من القدرة على الفعل داخله.

وقد أشار فرييري إلى الخطر الكامن في النموذج التعليمي الذي يتحول فيه المتعلم إلى وعاء تُودع فيه المعرفة، بدل أن يكون طرفًا في عملية حوارية منتجة للمعنى (Freire, 1970). وما يهم هنا ليس إسقاط مفهوم «التعليم البنكي» بصورة آلية على المدرسة التونسية، وإنما استعماله أداةً للسؤال: هل يمكن أن تتحول بعض أشكال التعلم، رغم حداثة محتوياتها، إلى علاقات تقليدية في إنتاج المعرفة وتداولها؟

أما المعلم، فلا يمكن وضعه خارج هذه المعادلة. فهو مطالب في الخطاب بأن يكون ميسرًا ومرافقًا ومجددًا ومبدعًا، وأن ينمي مهارات الحياة، ويراعي الفروق الفردية، ويستثمر التكنولوجيا، ويقيم التعلم بصورة مستمرة. لكنه يعمل في الوقت نفسه داخل زمن مدرسي محدد، وبرامج، وتقويمات، ومتطلبات إدارية، وانتظارات متعددة.

وقد يكون المعلم راغبًا في فتح المجال أمام المتعلم، لكنه يجد نفسه مضطرًا إلى إدارة حصة في زمن محدود، وإنجاز برنامج، وتحقيق نتائج، والتعامل مع عدد من المتعلمين واحتياجات متباينة. وقد ينجح في تجاوز بعض هذه القيود من خلال خبرته ومبادراته، بينما تعجز ممارسات أخرى عن ذلك لأسباب تتجاوز الإرادة الفردية.

لذلك فإن تحميل المعلم وحده مسؤولية الفجوة يحول مشكلة مؤسسية محتملة إلى مسألة أخلاقية فردية. فالمعلم ليس مجرد منفذ آلي للبرامج، لكنه أيضًا ليس فاعلًا يمتلك حرية غير محدودة في إعادة تشكيل شروط عمله.
ومن هنا يصبح السؤال: ما مقدار الحرية الفعلية التي تملكها الممارسة الفردية داخل بنية مؤسسية محددة سلفًا؟

4. مهارات الحياة: بين التسمية والممارسة

ربما هنا تتضح إحدى أبرز مفارقات الموضوع. فمهارات الحياة يفترض أن تكون متصلة بالحياة الواقعية، لكنها قد تتحول داخل المدرسة إلى محتويات منفصلة عن الحياة التي يفترض أن تعد لها.
التفكير النقدي، مثلًا، لا يعني أن يعرف التلميذ تعريفه، وإنما أن يستطيع أن يسأل ويقارن ويشكك ويبرهن ويعيد النظر في موقفه. ولهذا فإن بيئة التعلم نفسها تصبح جزءًا من تعليم التفكير النقدي. وقد بيّنت الأدبيات المتعلقة بتعليم التفكير النقدي والإبداعي أن التحدي لا يكمن في إدراج هذه المهارات ضمن أهداف المنهج فقط، وإنما في كيفية جعلها جزءًا من التدريس والتعلم والتقويم اليومي (Vincent-Lancrin et al., 2019).

والأمر نفسه ينطبق على العمل الجماعي. فالجلوس في مجموعات لا ينتج التعاون تلقائيًا. التعاون يحتاج إلى تفاوض وتقاسم للمسؤولية واختلاف وإدارة للخلاف. فإذا كانت المجموعة مجرد طريقة لتقسيم تمرين، فقد نكون قد استعملنا شكل التعاون دون أن نتيح بالضرورة تجربة التعاون.

أما حل المشكلات، فإنه يواجه مفارقة أكثر دقة. فالحياة لا تقدم مشكلاتها دائمًا في صيغة وضعيات منظمة ومحددة المعطيات، ولا تقول للفرد ما المفهوم الذي يجب استعماله. كثير من المشكلات الواقعية تبدأ أصلًا من القدرة على اكتشاف المشكلة، وتحديدها، والاعتراف بنقص المعلومات، ثم اختيار مسار ممكن في ظل عدم اليقين.

والاستقلالية بدورها لا تُدرّس كقاعدة. لا يمكن أن نقول للمتعلم «كن مستقلًا» ثم نعتبر أن الاستقلالية قد تحققت. إنها تحتاج إلى مساحة للاختيار، وإلى احتمال الخطأ، وإلى تحمل نتائج القرار. كما تحتاج إلى تدرج في منح المسؤولية يتناسب مع عمر المتعلم وقدراته، وإلى مرافقة لا تلغي الاختيار بل تساعد على بنائه.

ومن هنا يتضح أن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين تعليم المهارات أو عدم تعليمها، وإنما بكيفية بناء شروط اكتسابها. فقد يتعرف المتعلم إلى مفهوم الاستقلالية أو التفكير النقدي دون أن تتاح له فرص كافية لممارستهما، وقد يكتسب جوانب من هذه المهارات ضمن أنشطة لا تحمل أسماءها صراحة.

ولهذا فإن الوهم التربوي المحتمل لا يتمثل في أن نقنع المتعلم بأن مهارات الحياة موجودة، بل في أن نطمئن نحن إلى أن تسميتها وتعليمها في شكل أنشطة يكفيان لإنتاجها.
فهناك مسافة بين المعرفة بالمهارة والقدرة على ممارستها، وبين ممارستها داخل وضعية مدرسية محددة وتوظيفها في مواقف الحياة المتغيرة.

5. الأبعاد الاجتماعية والثقافية: هل تتاح المهارات للجميع بالقدر نفسه؟

لا تعيش المدرسة خارج المجتمع. إنها تستقبل المتعلمين محملين بالانتظارات الاجتماعية، وبالتفاوتات الاقتصادية والثقافية، وبصور النجاح والفشل، وبعلاقات السلطة، وبتمثلات الأسرة والمدرسة والمعرفة.
ولهذا فإن الحديث عن مهارات الحياة لا يمكن فصله عن السؤال: أي حياة نقصد؟

فالاستقلالية التي يحتاجها طفل يعيش في بيئة اجتماعية مستقرة ليست بالضرورة هي نفسها التي يحتاجها طفل يواجه هشاشة اقتصادية أو اجتماعية. والقدرة على التعبير عن الذات لا تُمارس بالطريقة نفسها لدى جميع المتعلمين. وما تمنحه المدرسة من موارد رمزية قد يتفاعل مع الرأسمال الثقافي الذي يحمله المتعلم من أسرته ومحيطه.

وهنا تستعيد أطروحات بورديو حول الرأسمال الثقافي والعنف الرمزي قوتها التفسيرية؛ فالمدرسة قد تبدو موحدة في مطالبها، لكن المتعلمين لا يدخلون إليها وهم يمتلكون الموارد الرمزية نفسها (Bourdieu & Passeron, 1970).
ومن ثم فإن خطاب مهارات الحياة قد يخفي تفاوتًا آخر: بعض المتعلمين يملكون خارج المدرسة فرصًا واسعة لممارسة الحوار والمبادرة والاختيار والتجريب، بينما لا يجد آخرون هذه الفرص إلا داخل المؤسسة المدرسية. فإذا لم توفر المدرسة للجميع فضاءً فعليًا للممارسة، فإن المهارة نفسها قد تصبح امتيازًا غير معلن.

ولا يعني ذلك أن الفوارق الاجتماعية تحدد مصير المتعلم بصورة نهائية، أو أن المدرسة عاجزة عن الحد منها. فقد تكون المدرسة نفسها فضاءً يوسع فرص التعبير والمشاركة ويمنح المتعلم إمكانات لا تتوفر له في محيطه. لكن ذلك يتوقف، ضمن عوامل أخرى، على قدرتها على توفير شروط تعلم عادلة وعلى الاعتراف بتنوع الخبرات التي يأتي بها المتعلمون.

وهكذا لا تعود الفجوة بين الخطاب والممارسة مجرد مسألة بيداغوجية، وإنما تصبح أيضًا مسألة اجتماعية تتعلق بتوزيع فرص التعلم والمشاركة والاستقلالية.

6. البعد التقني والبنيوي: حين تتغير الوسائل وتبقى العلاقة

دخلت التكنولوجيا المدرسة محملة بوعود مهمة: أن تجعل التعلم أكثر تفاعلية، وأن توسع الوصول إلى المعرفة، وأن تمنح المتعلم أدوات جديدة للبحث والإنتاج والتواصل.
لكن التكنولوجيا لا تغير بالضرورة البنية التي تدخل إليها.
يمكن أن تتحول السبورة الرقمية إلى سبورة تقليدية أكثر لمعانًا. ويمكن أن تتحول المنصة الإلكترونية إلى مكان جديد لإيداع المحتوى نفسه. ويمكن للفيديو أن يحل محل الشرح الشفهي دون أن تتغير علاقة المتعلم بالمعرفة.

ولا يعني ذلك أن هذه الوسائل لا تضيف قيمة، بل إن قيمتها تتوقف على طريقة توظيفها، وعلى ما تتيحه من إمكانات جديدة للفهم والتجريب والتعاون والإنتاج.
وهنا يجب التمييز بين رقمنة التعليم وتجديد التعليم. فالرقمنة تغير الوسيط، بينما يتطلب التجديد النظر في طبيعة العلاقة بين المتعلم والمعرفة والمعلم، وفي الأدوار التي تسمح بها الوسائل الجديدة داخل عملية التعلم.

ومن منظور ماكس فيبر، يمكن فهم المؤسسات الحديثة أيضًا من خلال نزعتها إلى التنظيم والعقلنة وإخضاع الفعل لقواعد وإجراءات قابلة للضبط (Weber, 1922). وفي السياق المدرسي، يمكن أن تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتعزيز القياس والتتبع والتوثيق، كما يمكن أن تفتح إمكانات أوسع للبحث والتواصل والإنتاج. ولا تحدد التقنية وحدها أي المسارين سيتحقق، إذ يتوقف ذلك على الخيارات التربوية والمؤسسية التي توجه استخدامها.

لهذا لا يكفي أن نسأل: كم جهازًا دخل المدرسة؟
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا تغير في موقع المتعلم بعد دخول الجهاز؟
هل أصبح أكثر قدرة على البحث والاختيار والتحقق من المعلومات؟ هل أتاحت له التقنية إنتاج معرفة أو تبادلها أو مراجعتها؟ أم أنها استُعملت أساسًا لنقل المحتوى نفسه بوسيلة مختلفة؟
إذا ظل المتعلم متلقيًا، فقد تكون التقنية قد غيرت شكل المشهد دون أن تغير جوهر العلاقة التعليمية. أما إذا أتاحت له فرصًا جديدة للفعل، فإنها تصبح جزءًا من تحول تربوي يتجاوز مجرد تحديث الوسائل.

7. البعد الفلسفي: أي إنسان نريد أن يتعلم داخل المدرسة؟

في العمق، لا تتعلق المسألة فقط بمهارات الحياة، بل بصورة الإنسان التي تسعى المدرسة إلى الإسهام في بنائها.
هل نريد إنسانًا قادرًا على الاختيار، أم إنسانًا جيدًا في تنفيذ التعليمات؟ هل نريد مواطنًا يسأل، أم متعلمًا يعرف متى يكون السؤال مناسبًا؟ هل نريد عقلًا نقديًا قادرًا على مراجعة المسلمات، أم عقلًا قادرًا على إنتاج الإجابة التي يطلبها الامتحان؟

لا تستدعي هذه الأسئلة إدانة المدرسة مسبقًا، ولا تفترض أن التنظيم والتوجيه يتعارضان بالضرورة مع الاستقلالية. لكنها تضعنا أمام توتر فلسفي يستحق التفكير: كيف يمكن لمؤسسة تقوم جزئيًا على التنظيم والضبط أن تسهم في بناء إنسان مستقل ونقدي؟
لقد أظهر فوكو كيف تعمل المؤسسات الحديثة عبر آليات دقيقة تجعل الانضباط جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد أوامر مباشرة (Foucault, 1975). وفي المقابل، يرى ديوي أن الديمقراطية والتربية لا تنفصلان عن الخبرة والمشاركة، لأن الإنسان يتعلم الديمقراطية من خلال ممارستها لا من خلال حفظ تعريفها (Dewey, 1916).

ومن هنا يصبح السؤال التربوي سؤالًا فلسفيًا يتجاوز صياغة الأهداف إلى فحص العلاقة بين القيم المعلنة والخبرات التي تسمح المدرسة بعيشها.
هل يمكن أن نعلم قيمة لا نعيشها؟
هل يمكن أن نعلّم الحوار دون أن نتيح مساحة للاختلاف وتبادل الحجج؟
هل يمكن أن نعلّم الاستقلالية دون أن نمنح المتعلم فرصًا متدرجة لاتخاذ القرار؟
هل يمكن أن نعلّم التفكير النقدي إذا ظل النقد مقبولًا فقط ما دام لا يؤثر في مسار النشاط أو في الإجابات المنتظرة؟

لا تتطلب هذه الأسئلة أن يتخلى المعلم عن دوره في التوجيه، ولا أن يتحول القسم إلى فضاء بلا قواعد. إنها تدعونا إلى التفكير في كيفية بناء علاقة تربوية توازن بين التنظيم وحرية المبادرة، وبين التوجيه وإمكان الاختيار، وبين متطلبات التعلم والاعتراف بفاعلية المتعلم.

وهنا تبلغ الحفرية أحد أسئلتها الأكثر إزعاجًا: هل يمكن أن تكون المدرسة، إلى جانب المهارات التي تعلن تعليمها، فضاءً يكتسب فيه المتعلم مهارات أخرى من خلال الممارسة اليومية؟
مهارات التكيف.
ومهارات الامتثال.
ومهارات قراءة السلطة.
ومهارات اكتشاف الإجابة التي تنتظرها المؤسسة.

ليست هذه المهارات سلبية في كل سياق؛ فالتكيف مع الآخرين واحترام القواعد وفهم العلاقات الاجتماعية قدرات يحتاج إليها الإنسان أيضًا. لكن المسألة تظهر عندما تصبح هذه القدرات هي الأكثر حضورًا، على حساب المبادرة والتساؤل والمشاركة والقدرة على مراجعة المواقف.
فالمؤسسة لا تعلّم فقط من خلال ما تقوله، بل أيضًا من خلال ما تكافئه، وما تسمح به، وما تؤجله، وما تعتبره خروجًا عن المسار المعتاد.

الخاتمة: من حضور المهارة إلى حضور التجربة

قد تبدو المدرسة التونسية، في خطابها التربوي، أكثر انفتاحًا على مفاهيم التربية الحديثة. فقد دخلت مفردات جديدة إلى البرامج والتكوينات والممارسات المعلنة، وأصبح المتعلم في قلب الخطاب، وأصبحت مهارات الحياة جزءًا من الصورة التي تقدمها المدرسة عن وظيفتها.
لكن فهم هذا التحول يقتضي أن نغادر الوثيقة ونتجه إلى التجربة الصفية، لا بحثًا عن تأكيد حكم مسبق، بل لفحص الكيفية التي تتحول بها الأهداف إلى ممارسات، والممارسات إلى خبرات، والخبرات إلى قدرات قابلة للتوظيف خارج المدرسة.

هناك، يمكن أن نكتشف أن المسألة ليست بالضرورة غياب المهارات، وإنما المسافة التي قد تفصل اسم المهارة عن تجربتها.
فالتفكير النقدي قد يكون حاضرًا في الهدف، بينما تتفاوت شروط ممارسته. والاستقلالية قد تكون قيمة معلنة، بينما تظل مساحات الاختيار محدودة في بعض الوضعيات. والعمل الجماعي قد يظهر في شكل النشاط، بينما لا يعيش المتعلم بالضرورة تجربة التعاون. وحل المشكلات قد يصبح تقنية مدرسية، بينما تظل مشكلات الحياة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في وضعية لها حل منتظر.

ولا تنفي هذه المفارقات وجود تجارب مدرسية تتيح للمتعلمين فرصًا حقيقية للمبادرة والتفكير والإبداع. بل إن وجود مثل هذه التجارب يجعل المقارنة أكثر أهمية، لأنه يسمح بالبحث في الشروط التي تساعد بعض الممارسات على تجسيد الأهداف المعلنة، والعوامل التي تجعل ذلك أصعب في سياقات أخرى.

وهنا لا يعود الخطاب البيداغوجي مجرد لغة تصف ما يحدث داخل المدرسة؛ إنه أيضًا لغة تحدد ما يُنتظر منها، وتؤثر في كيفية تقييم عملها. لكنه قد يتحول، إذا انفصل عن التجربة، إلى غطاء رمزي يجعل المؤسسة تبدو وكأنها تحقق ما تعلنه، دون أن يكون الإعلان وحده كافيًا لإثبات ذلك.

وهذا هو الوجه الذي تستهدفه «الشعوذة البيداغوجية» في هذا المقال: ليس أن نقول شيئًا كاذبًا بالضرورة، بل أن نكرر شيئًا صحيحًا إلى درجة قد يصبح فيها تكراره بديلًا عن فحص شروط تحققه.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف نعلّم مهارات الحياة؟
بل: كيف نمنح هذه المهارات حياة داخل المدرسة؟
كيف نمنح الطفل فرصًا حقيقية للاستقلالية، مع توفير التوجيه الذي يحتاج إليه؟
كيف نتيح له التفكير النقدي، دون أن نخلط بين الانضباط الفكري ومجرد الوصول إلى الإجابة المنتظرة؟
كيف نساعده على الإبداع، مع الاعتراف بالخطأ بوصفه جزءًا من التعلم؟
وكيف نجعل العمل الجماعي تجربة فعلية لتقاسم المسؤولية وإدارة الاختلاف، لا مجرد ترتيب مكاني للتلاميذ؟
ثم كيف نعرف أن ما يتعلمه الطفل داخل القسم أصبح قدرة يستطيع توظيفها في مواقف الحياة المتغيرة؟

إن هذه الأسئلة لا تستدعي حلولًا جاهزة بقدر ما تستدعي بحثًا في الشروط التي تجعل التعلم تجربة ذات معنى. وهي لا تضع المدرسة في مواجهة الحياة، بل تدعو إلى مساءلة المسافة التي قد تفصل بينهما، وإلى التفكير في الكيفية التي يمكن بها جعل التجربة المدرسية أكثر اتصالًا بما يُنتظر من المتعلم أن يفعله خارج أسوارها.
ربما تكمن المفارقة في أن المدرسة لم تعد تفتقر إلى الكلمات الحديثة، وأن حضور هذه الكلمات يمثل، في حد ذاته، مدخلًا ممكنًا لإعادة التفكير في وظيفتها.

لكن يبقى السؤال: هل حضرت مع الكلمات الشروط التي تمنحها معناها؟
وهنا يعود العنوان إلى دلالته الأكثر إثارة للتفكير:
مهارات الحياة خارج الحياة.

ليست المسألة إذن أن المدرسة لا تتحدث عن التفكير النقدي أو الاستقلالية أو التعاون أو الإبداع، بل أن نفهم ما يحدث عندما يصبح الحديث عن الحياة أيسر من إتاحة شروط ممارستها داخل التعلم.
هناك، في هذه المسافة تحديدًا، يبدأ الحفر.

فالحفر لم ينتهِ... بل ربما بدأ من هنا...

المراجع:

1. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les ditions de Minuit.

2. Dewey, J. (1916). Democracy and Education. New York: Macmillan.

3. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris: Gallimard.

4. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Continuum.

5. Geertz, C. (1973). The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books.

6. Vincent-Lancrin, S. et al. (2019). Fostering Students’ Creativity and Critical Thinking: What It Means in School. Paris: OECD Publishing.

7. Weber, M. (1922). Wirtschaft und Gesellschaft. Tübingen: Mohr.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال