هذه الأيام يحدث في فرنسا شيء يتجاوز في دلالته حدود الاحتجاجات الطلابية نفسها فمنذ بداية سبتمبر بدأت في عدد من المعاهد الثانوية تحركات احتجاجية سرعان ما اتسعت رقعتها وخرج تلاميذ إلى الشارع للمطالبة بما يعتبرونه حقوقا أساسية تتصل بالتعليم وظروف الدراسة ونقص المدرسين وتهالك بعض المؤسسات.
لكن ما لفتني في هذا المشهد ليس فقط حجم الاحتجاج أو عدد المؤسسات المنخرطة فيه وإنما الصورة السياسية التي يقدمها هؤلاء المراهقون عن أنفسهم.
تلاميذ في الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة يتحدثون بثقة عن حقوقهم يعرفون ما يطالبون به ويفهمون حدود علاقتهم بالشرطة ويعرفون كيف يتعاملون مع وسائل الإعلام وحين تحاول بعض التغطيات اختزالهم في صورة مراهقين مشاغبين أو أدوات في يد الأحزاب يجيبون بمطالب محددة تتعلق بنقص المدرسين واكتظاظ الأقسام وظروف الدراسة وتهالك بعض المؤسسات وغياب شروط ملائمة في سنة البكالوريا.
قد نختلف معهم في بعض المطالب أو في أساليب الاحتجاج لكن ثمة حقيقة سياسية تستحق التأمل ، هؤلاء الشباب تعلموا مبكرا أن المواطن ليس مجرد فرد ينتظر ما تقرره السلطة وإنما طرف في المجال العام له حقوق وعليه أن يعرفها ويدافع عنها.
وهنا تصبح المسألة أعمق من مجرد احتجاج طلابي لأن الفرق بين مجتمع يحتج ومجتمع لا يحتج ليس بالضرورة أن الأول أكثر غضبا من الثاني فقد يكون الفرق أن أحدهما يمتلك ثقافة سياسية ومدنية تسمح له بتحويل الغضب إلى فعل جماعي منظم بينما يبقى غضب الآخر فرديا متقطعا سريع النسيان ومحصورا في ردود الأفعال.
وهذه النقطة تحديدا تجعلني أفكر في تونس وفي تجربتي الشخصية قبل أن أفكر في غيري.
فعندما كنت تلميذا لم أكن أدرس في معهد فاخر في العاصمة كما قد يتبادر إلى الذهن بل كنت أدرس في معهد بمدينة منجمية بولاية فصة كان من المفترض بحكم تاريخها وثروتها وموقعها الاقتصادي أن تكون وضعيتها أفضل بكثير مما كانت عليه.
كنت أقطع نحو سبعة كيلومترات سيرا على الأقدام للوصول إلى المعهد فلا حافلة مدرسية ولا سيارات أجرة ولا حتى نقل ريفي منتظم يمكن الاعتماد عليه وكان الوصول إلى المعهد في حد ذاته جزءا من المعاناة اليومية.
أما داخل المؤسسة فكانت التجهيزات محدودة والمخابر تفتقر إلى كثير مما كنا نحتاج إليه فكنا ندرس العلوم ونحلم بأن نرى تجارب علمية حقيقية وأن نلمس معدات تقنية وأن نكتشف كيف تتحول المعارف التي نقرأها في الكتب إلى تجارب ومشاريع وأدوات لكن ذلك كان أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.
ومع ذلك أقولها اليوم بإنصاف أن معهدنا كان رغم كل ذلك أفضل بكثير من عدد كبير من المعاهد الأخرى التي كانت حالتها أكثر بؤسا وبعضها كان متهالكا وآيلا للسقوط.
وهذه المفارقة مهمة لأنها تكشف شيئا لم نكن نملك في ذلك العمر الأدوات الفكرية لفهمه ، كنا نعيش النقص لكننا لم نكن نمتلك دائما لغة الحقوق التي تمكننا من تحويل ذلك النقص إلى قضية عامة.
كنا نمشي سبعة كيلومترات لكننا لم نسأل بالضرورة لماذا لا يوجد نقل و كنا ندرس في مخابر محدودة التجهيز لكننا لم نسأل أين حقنا في تعليم علمي محترم و كنا نرى الفوارق بين مؤسسات التعليم لكننا لم نمتلك دائما الوعي بأن كون مؤسسة ما أفضل من مؤسسة أخرى لا يعني أنها جيدة وأن كون تلميذ لا يموت تحت سقف آيل للسقوط لا يعني أن حقه في تعليم محترم قد تحقق.
وهذه في حد ذاتها واحدة من أخطر مشكلاتنا ، أننا كثيرا ما نقيس أوضاعنا على الأسوأ لا على الممكن والمستحق.
يكفي أن نقول الحمد لله هناك من هو أسوأ منا حتى يتحول البؤس إلى معيار ويصبح مجرد عدم الانهيار إنجازا.
وحين ننظر إلى الوراء نكتشف أن ما كنا نعتبره آنذاك أمرا عاديا لم يكن عاديا بالضرورة فغياب النقل ونقص التجهيزات وضعف المخابر والفوارق الكبيرة بين المؤسسات التعليمية كلها ليست مجرد تفاصيل يومية وإنما مؤشرات على علاقة أوسع بين المواطن والدولة وعلى سؤال العدالة في توزيع الموارد والفرص.
ثم كبرنا وبدأنا نرى الصورة الأوسع فرأينا أسقفا تنهار في مؤسسات تربوية وتلاميذ يدفعون حياتهم ثمنا لإهمال كان يمكن تفاديه ومؤسسات تغلق بعد سقوط أجزاء منها ومناطق كاملة تعاني نقصا في النقل والتجهيز والبنية الأساسية.
تقع المأساة فنغضب وتنتشر الصور وتمتلئ مواقع التواصل بالتعليقات ويتصدر الموضوع النقاش أياما قليلة ثم يأتي موضوع آخر فيبتلع الموضوع السابق ونعود إلى حياتنا كأن شيئاً لم يحدث.
وهنا أعتقد أن علينا أن ننتقل من سؤال لماذا لا يحتج التونسيون؟ إلى لماذا لا يتحول غضبنا في كثير من الأحيان إلى ثقافة سياسية مستمرة؟
المشكلة ليست أن التونسي لا يغضب بل على العكس التونسي يغضب كثيرا لكن الغضب شيء والفعل السياسي شيء آخر.
قد يكون لديك مجتمع كامل يشعر بالظلم من دون أن تملك قوة اجتماعية منظمة قادرة على تحويل هذا الشعور إلى تغيير فالمواطن ليس هو الشخص الذي يشعر بالظلم فقط وإنما هو الذي يستطيع أن يحول شعوره بالظلم إلى سؤال والسؤال إلى مطلب والمطلب إلى تنظيم والتنظيم إلى ضغط مدني والضغط إلى تغيير في السياسات.
وهنا تتجاوز المسألة الدولة نفسها لأن علينا أن نعترف بأن جزءا من المشكلة يقع علينا نحن أيضا.
وأقول ذلك وأنا أول المعنيين، لسنا ضحايا فقط بل نحن أيضا مسؤولون عن جزء من الواقع الذي نعيش فيه.
لقد ربّينا أجيالا على ثقافة أخطى راسي واضرب وعلى الاعتقاد بأن الكلام قد يجلب المشاكل وأن الاعتراض وجع رأس وأن الصمت أكثر أمانا ثم نشتكي من أن الشباب لا يهتم بالشأن العام لكن ماذا علّمناه عن الشأن العام؟
علّمناه أن السياسة قذارة وأن السياسيين جميعا سواء وأن الكلام لا يغير شيئا وأن من يتدخل في الشأن العام يجلب على نفسه المتاعب ثم نستغرب أن يختار الشاب الصمت أو الهروب إلى كرة القدم أو الألعاب أو البوز أو التفاهات الرقمية.
نحن لا نستطيع أن نطلب من جيل أن يكون مواطنا فاعلا ثم نربيه طوال حياته على أن أفضل مواطن هو المواطن الذي لا يتدخل فالمواطنة ليست صفة تُمنح في بطاقة التعريف وإنما هي ثقافة تُكتسب بالممارسة.
وهي قبل أن تكون حقا في التصويت قدرة على السؤال وقبل أن تكون حقا في الاحتجاج معرفة لماذا نحتج وقبل أن تكون معارضة للسلطة قدرة على فهم كيف تعمل السلطة ومن أين تأتي الأموال وكيف تُتخذ القرارات ومن يتحمل المسؤولية عنها.
وهنا يصبح الفرق بيننا وبين بعض التجارب الأخرى ليس فرقا في الذكاء ولا في الشجاعة ولا في الوطنية وإنما في جانب منه فرق في التنشئة السياسية والمدنية.
الشاب الذي يتعلم منذ الصغر أن صوته لا قيمة له سيبحث غالبا عن وسائل أخرى للتعبير عن نفسه وقد يتحول غضبه إلى سخرية أو لامبالاة أو انفجار عابر أما الشاب الذي يتعلم أن صوته جزء من المجال العام فسيسأل ويناقش وينظم ويحتج ويتفاوض ويحاسب.
المسألة في جوهرها ليست أن نخلق جيلا يحتج أكثر وإنما أن نخلق جيلا يفهم أن له موقعا داخل الحياة العامة.
ولهذا لا أعتقد أن الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من الشباب الفرنسي هو أننا يجب أن نستنسخهم أو نقلد احتجاجاتهم فالقضية أعمق من ذلك.
السؤال الذي تطرحه هذه المشاهد علينا هو هل نربي أبناءنا على أن يكونوا مواطنين أم نربيهم على أن يكونوا متفرجين؟
لأن تونس لا تحتاج فقط إلى شباب غاضب من البطالة أو الفساد أو سوء الخدمات وإنما تحتاج إلى شباب يفهم لماذا تحدث هذه الأشياء ومن يقرر ومن يمول ومن يراقب ومن يحاسب وما هي الأدوات القانونية والمؤسساتية المتاحة أمامه لتغييرها.
نحتاج إلى جيل يعرف أن الدولة ليست عدوا يجب تحطيمه وليست أبا يجب طاعته في كل شيء.
الدولة مؤسسة والمواطن طرف فيها والسلطة قابلة للمساءلة والقانون هو المساحة التي يتحرك فيها الجميع.
وعندما يفهم الشباب ذلك تتغير العلاقة كلها فلا يعود المواطن ينتظر من ينقذه ولا يعود المسؤول يتصرف وكأن المجتمع مجرد جمهور ولا يصبح الاحتجاج مجرد انفجار عاطفي بل يتحول إلى ممارسة سياسية ومدنية واعية.
وربما هنا تحديدا تكمن مشكلتنا الكبرى ، نحن لا نفتقر فقط إلى الموارد بل نفتقر أحيانا إلى القدرة على تحويل الوعي الفردي إلى قوة جماعية.
تلميذ يمشي سبعة كيلومترات إلى المعهد قد يكون مظلوما لكن ألف تلميذ يعرفون لماذا يمشون سبعة كيلومترات ويعرفون حقهم في النقل ويعرفون الجهة المسؤولة ويعرفون كيف يطالبون به قانونيا ويعرفون كيف يوثقون المشكلة ويضعونها أمام الرأي العام والمؤسسات يمثلون شيئا مختلفا تماما فالأول يعيش المشكلة أما الثاني فيبدأ في صناعة السياسة.
وهذا في رأيي هو الفارق الذي يجب أن نتعلمه فالمجتمعات لا تتغير فقط عندما يتغير الحكام وإنما تتغير أيضا عندما يتغير تعريف المواطن لنفسه فعندما ينتقل من ماذا أستطيع أن أفعل؟ إلى ما الذي يحق لي أن أطالب به؟ ومن لا فائدة إلى ما هي الأدوات التي أملكها؟ ومن دعني بعيدا عن المشاكل إلى هذا الشأن يعنيني ومن رد الفعل إلى الفعل ومن المتفرج إلى المواطن.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم على أنفسنا وعلى مدارسنا وعلى أسرنا وعلى دولتنا ليس لماذا لا يحتج شباب تونس مثل شباب فرنسا بل متى نبدأ في تعليم شباب تونس أن البلاد ليست شيئا يحدث أمام أعينهم وإنما شيء يملكون مثل غيرهم حقا ومسؤولية في المشاركة في صنعه؟
لأن المواطنة لا تبدأ يوم تفتح صندوق الاقتراع بل تبدأ يوم يكتشف الإنسان أن له صوتا وأن لصوته قيمة وأن عليه مسؤولية أن يستخدمه.
لسنا ضحايا فقط ..بل نحن أيضا مسؤولون عن هذا الواقع
2026-10-08
61 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال