بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تحتاج المؤسسة إلى يومٍ لتتذكّر معلّمها - حفريات في طقس الاعتراف: من تكريم المعلّم إلى إدارة غيابه

2026-10-05 84 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: عندما يصبح الاحتفال موضوعًا للحفر

في الخامس من أكتوبر، يستعيد المعلم حضوره في الخطاب العام. تُنشر صوره، وتُكتب عنه العبارات المضيئة، وتُستعاد مفردات من قبيل رسالة، وتضحية، وصانع الأجيال، وباني المستقبل. وقد تُقام مناسبات للتكريم، وتُوزع شهادات أو هدايا، وتُلقى كلمات تذكّر المجتمع بمكانة هذه المهنة، وكأن المجتمع يفتح، ليوم واحد، نافذة رمزية على شخص يقف طوال السنة في قلب المدرسة، لكنه لا يكون دائمًا في قلب الخطاب العام.

ولا شيء في ذلك يستحق الرفض في ذاته؛ فأن يُقال للمعلم «شكرًا» ليس أمرًا قليل القيمة، والاحتفاء بمهنة التعليم ليس ترفًا رمزيًا بالضرورة. فالطقوس الجماعية تؤدي وظائف مهمة في تثبيت القيم وإعادة إنتاج الذاكرة الاجتماعية، كما أن الاعتراف الرمزي جزء من المكانة التي تمنحها الجماعة لأفرادها ومهنها. وقد بيّن بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1990) أن الرأسمال الرمزي ليس أمرًا هامشيًا في الحياة الاجتماعية، بل هو أحد أشكال القوة التي تمنح الأشخاص والمواقع والمهن شرعيتها ومكانتها.

لكن الحفر لا يبدأ من الاحتفال نفسه، بل من المسافة التي قد تتشكل بين الاحتفال وما يحدث بعده. فالمعلم الذي يبدو في الخامس من أكتوبر شخصية مركزية في الخطاب، يعود في السادس من أكتوبر إلى قسمه، إلى برنامجه، إلى دفتره، إلى تلاميذه، وإلى إيقاع المؤسسة، كما يعود إلى شروط العمل والأسئلة المهنية التي لا تُحلّ بالتصفيق ولا تُغلقها الكلمات الاحتفالية. يعود إلى الزمن العادي الذي لا تمنحه فيه الرزنامة مكانًا استثنائيًا، ولا تحيطه فيه الكاميرات، ولا تُرفع فيه صورته بوصفه «صانع الأجيال».

وهنا تحديدًا تكتسب المناسبة دلالتها السوسيولوجية؛ فاليوم العالمي للمعلم لا يعود مجرد تاريخ للاحتفاء، بل يصبح نافذة يمكن من خلالها النظر إلى علاقة المؤسسة بمعلمها. فالطقس يكشف ما ترغب المؤسسة في إظهاره، لكن المسافة بين الطقس والحياة اليومية تكشف شيئًا آخر: ما الذي يبقى من ذلك الاعتراف عندما ينتهي الاحتفال؟ فالمسألة، إذن، لا تتعلق برفض التكريم، ولا بالتقليل من قيمة كلمة الشكر، وإنما بالتمييز بين الاعتراف الذي يُقال والاعتراف الذي يُمارس.

فالاعتراف الرمزي قد يمنح المعلم مكانة في الخطاب، لكن الاعتراف المؤسسي يظهر في موقعه داخل القرار، وفي الثقة بخبرته، وفي شروط عمله، وفي تكوينه، وفي الزمن الذي يُمنح له، وفي المساحة التي يُسمح له فيها بأن يكون فاعلًا في بناء المدرسة، لا مجرد منفذ لما يُبنى خارجها. وقد يحدث، عندما ينفصل الاعتراف الرمزي عن الاعتراف المؤسسي، أن يتحول الطقس من مناسبة لتثبيت قيمة المعلم إلى وسيلة رمزية لتخفيف التوتر الذي تنتجه التناقضات اليومية.

ومن هنا تبدأ الحفرية؛ فهي لا تبحث عن عيب في الاحتفال، ولا عن نفاق خلف كل كلمة، وإنما تحاول أن تنفذ إلى ما هو أبعد من الصورة، إلى العلاقة بين المعلم المحتفى به والمعلم الممارس، وبين قيمة المهنة في الخطاب ومكانتها في بنية المؤسسة، وبين يوم واحد يُستعاد فيه المعلم في الذاكرة العامة وبقية أيام السنة التي يُختبر فيها الاعتراف به في صمت.

فالحفر لا يتوقف عند ما تقوله المؤسسة عن المعلم؛ بل يبدأ من المسافة بين ما تقوله عنه… وما تفعله معه.

1. من الاعتراف إلى طقس الاعتراف: عندما يتحول التقدير إلى مناسبة

ليس الاعتراف بالضرورة هو الاحتفال؛ فالاحتفال لحظة زمنية محددة، بينما الاعتراف الحقيقي علاقة مستمرة تتجسد في الممارسة وفي بنية المؤسسة وفي طريقة التعامل مع صاحب المهنة. ولذلك فإن الفرق بين أن يُقال للمعلم «أنت مهم» وأن يشعر بهذه الأهمية في موقعه المهني، فرق يتجاوز اللغة إلى بنية العلاقة نفسها. فالكلمات قد ترفع قيمة المهنة في الوعي العام، لكن قيمتها المؤسسية تتحدد كذلك من خلال الطريقة التي تُترجم بها تلك الكلمات إلى علاقات وممارسات وقرارات.

في هذا المستوى يصبح اليوم العالمي للمعلم طقسًا رمزيًا يعيد وضع المعلم في مركز المشهد. تتوقف الحياة اليومية للحظة، ويُعاد استحضار قيمة المهنة، وتُمنح الكلمات للمعلم بدلًا من أن يكون هو، في العادة، من يمنحها للآخرين. إنه انتقال مؤقت في المواقع الرمزية؛ فالشخص الذي يكرّس يومه للحديث عن الآخرين يصبح هو موضوع الحديث، وتتحول مهنته من ممارسة يومية مألوفة إلى قيمة اجتماعية يجري الإعلان عنها والاحتفاء بها.

وهذا ما يجعل الاحتفال ذا دلالة اجتماعية؛ فالطقس لا يكتفي بتكريم الفرد، بل يعيد إنتاج صورة اجتماعية عن المهنة. وحين يُوصف المعلم بأنه «صانع الأجيال» أو «باني المستقبل»، فإن الخطاب يمنحه رأسمالًا رمزيًا يرفع من قيمة موقعه الاجتماعي. غير أن بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1982) يذكرنا بأن اللغة نفسها مجال للصراع حول القيمة والشرعية، وأن الكلمات التي تمنح المكانة يمكن أن تخفي، في الوقت نفسه، التفاوت بين القيمة الرمزية والقيمة الفعلية.

ومن هنا لا تكمن المسألة في رفض التكريم، بل في التمييز بين الاعتراف الذي يُقال والاعتراف الذي يُمارس. فقد تكون كلمة الشكر صادقة، لكن صدقها الرمزي لا يحسم وحده مسألة الاعتراف المؤسسي؛ فهذا الأخير يظهر في موقع المعلم من القرار، وفي الثقة بخبرته، وفي جودة تكوينه، وفي شروط ممارسته، وفي المساحة التي تُمنح له لكي يكون فاعلًا لا مجرد منفذ.

2. يوم واحد للمعلم… وبقية السنة للاختبار: الزمن الاحتفالي في مواجهة الزمن المهني

تكتسب الطقوس قوتها من قدرتها على فصل لحظة معينة عن الزمن العادي. وقد درس أرنولد فان جينيب (Arnold Van Gennep, 1909) وظائف الطقوس في تنظيم الانتقال بين الحالات والمراحل، وهو ما يسمح بالنظر إلى اليوم العالمي للمعلم بوصفه لحظة استثنائية تُخرج المهنة مؤقتًا من رتابة الحياة اليومية وتعيد تقديمها في صورة أكثر كثافة ووضوحًا.

لكن المعلم لا يعيش في الخامس من أكتوبر وحده؛ فحياته المهنية تمتد عبر بقية الأيام، حيث لا توجد منصة ولا كلمات احتفالية ولا صور جماعية، وإنما يوجد القسم بما يحمله من تفاصيل وضغوط وانتظارات، ويوجد البرنامج والتقييم والاجتماعات والوثائق والتلاميذ والزمن المدرسي الذي لا يتوقف. هناك، في الزمن العادي، تتحدد حقيقة العلاقة بين المؤسسة ومعلمها، لأن المدرسة لا تُبنى بالمناسبات، وإنما بما يحدث في الأيام التي لا تحمل أسماء احتفالية.

والزمن المدرسي نفسه ليس مجرد إطار محايد، بل هو أحد أهم أشكال التنظيم داخل المؤسسة. فالحصة محددة بالدقائق، والبرنامج مرتبط بالرزنامة، والتقييم مرتبط بمواعيد، والوثائق مرتبطة بآجال، والاجتماعات مرتبطة بأوقات، والتكوين مرتبط بجدولة، والمعلم يوجد داخل كل هذه الأشكال الزمنية حاملًا جزءًا كبيرًا منها على عاتقه. ولذلك فإن الاعتراف بالمهنة لا يمكن أن ينفصل عن الطريقة التي يُدار بها هذا الزمن، وعن مقدار المساحة التي تسمح للمعلم بأن يمارس مهنته بوصفها فعلًا إنسانيًا ومهنيًا لا مجرد سلسلة من المواعيد والإجراءات.

ومن ثم تصبح قيمة اليوم العالمي للمعلم مرتبطة بما يحدث بعده. فإذا كان الخامس من أكتوبر يرفع المعلم رمزيًا، فإن بقية الأيام تختبر هذا الرفع، وما يبدو في الخطاب اعترافًا مطلقًا قد يصطدم في الحياة اليومية بتفاصيل صغيرة ومتراكمة تعيد المعلم إلى موقعه الوظيفي المعتاد. وهنا تتحول الرزنامة نفسها إلى وثيقة اجتماعية؛ فالمجتمع لا يعبر عن قيمه فقط من خلال الأيام التي يحتفل بها، بل كذلك من خلال ما يحدث في الأيام التي لا يحتفل فيها بشيء.

3. من الإنسان إلى الصورة: صناعة المعلم المثالي

يظهر المعلم في الخطاب الاحتفالي غالبًا من خلال صورة مثالية: المخلص، الصبور، المتفاني، حامل الرسالة، صانع الأجيال، حارس المستقبل. وهذه الصورة ليست اختراعًا احتفاليًا محضًا، بل تستند إلى تصور تاريخي للمهنة بوصفها فعلًا يتجاوز مجرد أداء وظيفة. غير أن الحفر يبدأ عندما تصبح الصورة أقوى من الإنسان الذي تمثله، وعندما تتحول الصفات التي يُحتفى بها إلى معايير ضمنية يُطلب من المعلم أن يظل مطابقًا لها مهما تغيرت ظروف الممارسة.

لقد أتاح إرفينغ غوفمان (Erving Goffman, 1959) التفكير في الحياة الاجتماعية من خلال ثنائية الواجهة والكواليس. فالفاعل الاجتماعي لا يظهر دائمًا بكل تعقيداته، وإنما يقدم نفسه داخل مشاهد اجتماعية محددة، تنتقي منها المؤسسة ما يناسب الصورة التي تريد إنتاجها. وفي الخامس من أكتوبر، يكون المعلم في الواجهة؛ يظهر في الصورة، ويُذكر في الخطاب، وتُستعاد قيمته الرمزية، وتُقدّم مهنته في صورتها الأكثر إشراقًا.

لكن خلف هذه الواجهة يوجد معلم آخر: معلم يتعب ويختلف ويحتج ويخطئ ويتعلم، ويبحث عن معنى، ويحاول أن يتعامل مع واقع مدرسي لا يطابق دائمًا الصورة التي تُرسم عنه. وهذا الإنسان لا يمكن اختزاله في الصفات الاحتفالية، لأن المهنة الحقيقية أكثر تعقيدًا من الخطاب الذي يحيط بها في المناسبات.

وهنا تظهر مفارقة دقيقة؛ فكلما ارتفعت صورة المعلم في الخطاب، أصبح من الضروري أن نعيد النظر في الإنسان الذي يقف خلفها. فقد تمنح المؤسسة المعلم صورة عالية جدًا، لكنها قد تنسى أن الإنسان لا يعيش داخل الصور، وأن الاعتراف الحقيقي لا يقتضي فقط أن نرفع صورته، بل أن نترك له أيضًا حقه في التعقيد والاختلاف والحدود والشكوى والتطور.

4. رسالة المعلم: عندما تتحول القيمة الأخلاقية إلى التزام لا ينتهي

تحتل عبارة رسالة المعلم موقعًا مركزيًا في الخطاب المتعلق بالمهنة، وهي عبارة تحمل دلالة إيجابية لأنها ترفع التعليم من مستوى العمل الوظيفي إلى مستوى الفعل الإنساني. لكن المفاهيم التي نكررها كثيرًا تحتاج، أحيانًا، إلى أن نعيد وضعها تحت المكشاف، لا لرفضها، وإنما لفحص ما يمكن أن تنتجه عندما تتحول من قيمة أخلاقية إلى معيار دائم للحكم على صاحب المهنة.

فحين تُقدَّم المهنة باعتبارها رسالة، يصبح المعلم حاملًا لمسؤولية أخلاقية تتجاوز أحيانًا حدود الوظيفة، ويُنتظر منه أن يعطي أكثر وأن يصبر أكثر وأن يتحمل أكثر، لأن الرسالة تُقدَّم بطبيعتها باعتبارها مجالًا للتضحية. وهنا يمكن الاستفادة من ماكس فيبر (Max Weber, 1919) في التمييز بين أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية؛ فالممارسة المهنية لا يمكن أن تقوم فقط على النية الحسنة والاستعداد للتضحية، وإنما تحتاج إلى شروط مؤسسية تجعل المسؤولية ممكنة وقابلة للاستمرار.

فالقول إن التعليم رسالة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة تجعل التضحية واجبًا دائمًا، أو تجعل المطالبة بشروط العمل العادلة تبدو وكأنها انتقاص من قيمة الرسالة. فالمعلم، مثل غيره من أصحاب المهن، يحتاج إلى شروط تجعل أداء مسؤوليته ممكنًا، وإلى مساحة تسمح له بأن يختلف ويناقش ويعترض دون أن يتحول اعتراضه إلى دليل على ضعف التزامه الأخلاقي.

وعندما يصبح المعلم مطالبًا بأن يكون صبورًا إلى ما لا نهاية، ومتفانيًا إلى ما لا نهاية، ومتحملًا إلى ما لا نهاية، فإن الخطاب الأخلاقي قد يتحول، دون قصد، إلى شكل من أشكال الضبط الرمزي. وليس لأن «رسالة المعلم» خاطئة، وإنما لأن المسألة تتعلق بما يمكن أن يحدث عندما تُستخدم الرسالة لتفسير كل شيء، حتى ما ينبغي أن تفسره المؤسسة نفسها من شروط العمل ومسؤولياتها تجاه العاملين فيها.

5. التكريم بوصفه رأسمالًا رمزيًا: عندما لا يكفي الاعتراف اللفظي

يمنح الاحتفال المعلم شيئًا مهمًا: الظهور. ففي لحظة الاحتفاء يصبح عمله مرئيًا، وتصبح قيمته موضوعًا عامًا، وتتحول مهنته من ممارسة يومية مألوفة إلى موضوع للخطاب الجماعي. وهذه الوظيفة ليست هامشية؛ فالمجتمعات تحتاج إلى الطقوس حتى تعيد إنتاج بعض قيمها المشتركة، كما تحتاج إلى لحظات جماعية تستعيد فيها المهن والأدوار التي قد تصبح مألوفة إلى درجة أنها تفقد حضورها في الوعي اليومي.

لكن الرأسمال الرمزي لا يحل محل بقية أشكال الاعتراف. فالقول للمعلم إنه «ركيزة المدرسة» شيء، والتعامل مع خبرته بوصفها معرفة مهنية شيء آخر. والقول إنه «صانع المستقبل» شيء، وإشراكه في التفكير في المستقبل التربوي شيء آخر. فالكلمات تمنح المعنى، لكن المؤسسات تمنح الموقع، والفارق بين الاثنين قد يكون هو بالضبط المنطقة التي تستحق الحفر.

وهنا تصبح المسافة بين الرمز والمؤسسة أكثر وضوحًا؛ فالرمز يرفع القيمة في الخطاب، بينما المؤسسة تختبر القيمة في الممارسة. وقد يكون الخطر في أن يشعر المجتمع بأنه أدى واجبه بمجرد أن قال للمعلم «شكرًا»، لأن الكلمة قد تمنح شعورًا بالوفاء حتى لو بقيت الأسئلة المهنية الكبرى خارج دائرة المعالجة.

ولا يعني ذلك أن كل احتفال تعويض رمزي، ولا أن كل كلمة شكر محاولة لإخفاء شيء، لكن علم الاجتماع لا يتوقف عند النوايا؛ إنه ينظر أيضًا إلى الوظائف الاجتماعية التي يؤديها الفعل. ومن هذه الزاوية يمكن أن يصبح الاحتفال لحظة لإنتاج الاعتراف، لكنه قد يصبح أيضًا لحظة تُغلق مؤقتًا الحاجة إلى المطالبة باعتراف أعمق.

6. عندما لا يكفي أن نقول للمعلم شكرًا: التهميش المادي والأمني والمعنوي

هنا ينبغي أن يتوقف الحفر عند مستوى أكثر خشونة؛ لأن تهميش المعلم لا يحدث فقط في اللغة أو في دوائر القرار، وإنما يمكن أن يظهر أيضًا في شروط وجوده المادي والأمني داخل المهنة. فالاعتراف بمهنة ما لا يُقاس فقط بعدد الكلمات الجميلة التي تُقال عنها، وإنما كذلك بالقيمة التي تمنحها المؤسسة لمن يمارسها، وبمدى قدرتها على توفير شروط تجعل أداء هذه المهنة ممكنًا وآمنًا ومحترمًا.

في المستوى المادي، تظهر المفارقة في المسافة بين الصورة الرمزية للمهنة وبين الشروط الفعلية التي يمارس فيها المعلم عمله. فالمعلم قد يوصف بأنه «صانع الأجيال» و«باني المستقبل» و«ركيزة المدرسة»، بينما تظل جوانب من مكانته المادية والاجتماعية موضع سؤال. ولا تكمن الدلالة السوسيولوجية في مؤشرات مادية منفردة، وإنما في المفارقة التي قد تكشفها: كيف يمكن أن ترتفع القيمة الرمزية لمهنة التعليم في الخطاب، بينما لا ترتفع بالضرورة المكانة الفعلية لمن يمارسها بالقدر نفسه؟

إن الاعتراف المادي ليس مجرد مسألة مالية؛ إنه رسالة اجتماعية عن قيمة العمل. فالمجتمع لا يعبّر عن تقديره للمهن بالكلمات وحدها، وإنما يعبّر عنه أيضًا عبر ما يخصصه لها من موارد، وما يوفره لأصحابها من شروط عيش واستقرار ومسار مهني. ولذلك فإن الفجوة بين «المعلم صانع المستقبل» وبين بعض أشكال الهشاشة التي قد تحيط بمساره المهني ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هي أيضًا مفارقة رمزية؛ إذ قد يجد صاحب المهنة نفسه أمام خطاب يرفعه معنويًا، وشروط مادية ومهنية لا تمنحه دائمًا المكانة نفسها.

أما المستوى الأمني، فهو أكثر قسوة؛ لأن الاعتراف بالمهنة يفترض، قبل كل شيء، الاعتراف بحق صاحبها في أن يؤدي عمله داخل فضاء آمن ومحمي. وتكرار الاعتداءات داخل المؤسسات التربوية جعل حماية الإطار التربوي موضوعًا حاضرًا في النقاش العمومي والتشريعي. وقد أودع مجلس نواب الشعب في ماي 2025 مقترح القانون عدد 46/2025 المتعلق بزجر الاعتداء على الإطار التربوي، وظل الملف محل نظر لجنة التشريع العام، التي عقدت بشأنه جلسات استماع ومواصلة للنظر خلال 2025 و2026. وفي المقابل، أعلنت وزارة التربية في فيفري 2026 عن خطة وطنية لتحصين المؤسسات التربوية من العنف وتعزيز مناخ مدرسي آمن للتلاميذ والإطار التربوي.

وهنا لا يكون السؤال في صيغة اتهام مبسط من قبيل «لماذا لم تُسنّ القوانين؟»، لأن الواقع التشريعي والمؤسسي أكثر تعقيدًا من ذلك. السؤال الأعمق هو: لماذا احتاجت حماية المعلم إلى أن تتحول إلى موضوع تشريعي مستقل ومطروح للنقاش، بينما يفترض أن تكون سلامته المهنية من أبسط شروط الاعتراف بوظيفته؟ إن مجرد انتقال حماية الإطار التربوي إلى دائرة الاقتراحات التشريعية والخطط الوطنية يكشف أن العنف لم يعد حادثًا هامشيًا يمكن التعامل معه باعتباره استثناءً، وإنما أصبح مشكلة مؤسسية تستدعي أدوات حماية أكثر وضوحًا وفعالية.

ولا يقل التهميش المعنوي خطورة عن التهميش المادي والأمني. فقد يُحمى جسد المعلم دون أن تُستعاد مكانته، وقد تتحسن بعض شروطه دون أن يُعترف بخبرته، وقد يُحتفى به في مناسبة دون أن يُسمع صوته. فالمكانة المهنية لا تُختزل في الجوانب المادية ولا في الحماية القانونية؛ إنها تتشكل كذلك من مقدار الاحترام الذي تحظى به الخبرة، ومن قدرة المعلم على التعبير والاختلاف، ومن موقعه داخل هرم القرار، ومن الطريقة التي يُنظر بها إلى مهنته في المجتمع.

وهكذا تتقاطع ثلاثة أشكال من الاعتراف: اعتراف مادي يقول للمعلم إن عمله ذو قيمة، واعتراف أمني يقول له إن جسده وكرامته مصونان داخل فضاء العمل، واعتراف معنوي ومؤسسي يقول له إن خبرته وصوته ومكانته المهنية لها وزن حقيقي. وعندما يختل أحد هذه المستويات، يصبح الاحتفال أكثر حاجة إلى أن يخضع للمساءلة السوسيولوجية، لا لأن الاحتفال سيئ في ذاته، وإنما لأن كثافة الخطاب الرمزي قد تبدو أحيانًا أكبر من كثافة الاعتراف الفعلي.

7. المشهدية التربوية: عندما يصبح الاحتفال دليلًا على أن المؤسسة تعترف

يمكن لخطاب اليوم العالمي للمعلم أن ينتج ما يمكن تسميته بـ«المشهدية التربوية». والمقصود بذلك ليس الخداع، وإنما إنتاج مشهد رمزي يختزل علاقة معقدة في صورة قابلة للعرض والتداول. ففي المشهد الاحتفالي تصبح الصورة جزءًا من الاعتراف، والكلمة جزءًا من الإنجاز، والاحتفال جزءًا من البرهان على أن المعلم يحظى بمكانته.

وقد أتاح رولان بارت (Roland Barthes, 1957) فهمًا مهمًا للطريقة التي تتحول بها العلامات المتكررة إلى معانٍ تبدو طبيعية. فالعبارات التي تتكرر باستمرار قد تفقد قدرتها على إثارة السؤال، وتتحول من خطاب يحتاج إلى إثبات إلى حقيقة تبدو مكتفية بذاتها. وعندما تتكرر عبارات مثل «المعلم صانع الأجيال» و«التعليم رسالة» و«المعلم أساس النهضة» و«المعلم مستقبل الوطن»، فإن قوة التكرار قد تجعل هذه العبارات تبدو وكأنها تحقق الاعتراف بمجرد إعلانها.

غير أن قوة الرمز لا ينبغي أن تعفينا من النظر إلى الواقع الذي يفترض أن يمنحه المصداقية. فالمشهدية تبدأ عندما يصبح إظهار الاعتراف أكثر وضوحًا من ممارسة الاعتراف، وعندما تصبح الصورة دليلًا على وجود العلاقة بدل أن تكون تعبيرًا عنها. عندها يصبح الاحتفال صورة عن الاعتراف أكثر مما يكون اعترافًا في ذاته، ويصبح المشهد قادرًا على إقناع المتلقي بأن المشكلة قد عولجت لمجرد أنها ظهرت في صورة جميلة أو خطاب مؤثر.

8. المعلم الحاضر في القسم: والبعيد عن صناعة القرار

ربما تكمن إحدى المفارقات الكبرى في وضع المعلم في أنه شديد الحضور في الممارسة، لكنه قد يكون أقل حضورًا في صناعة القرار. فهو الذي يتعامل يوميًا مع التلميذ، ويختبر البرنامج، ويكتشف مواطن التعثر، ويلاحظ التحولات الاجتماعية والثقافية داخل القسم، ويعرف الفارق بين ما يبدو ممكنًا على الورق وما يمكن إنجازه فعليًا في الميدان. ولذلك فإن خبرته ليست مجرد خبرة تنفيذية، وإنما هي أيضًا معرفة ميدانية تتشكل من الاحتكاك اليومي بالتعليم وبالأطفال وبالواقع الاجتماعي.

ومع ذلك، يمكن أن تظل المسافة قائمة بين من يضع القرار ومن يحوله إلى ممارسة. وهنا يصبح استدعاء ميشال كروزييه (Michel Crozier, 1970) مفيدًا لفهم بعض آليات التنظيم البيروقراطي؛ فالمشكلة لا تكمن دائمًا في أشخاص بعينهم، بل قد تكون كامنة في بنية تسمح بوجود مسافة بين مستويات القرار والتنفيذ، وتجعل المؤسسة أكثر قدرة على إنتاج الإجراءات من قدرتها على إنتاج التغيير.

ومن هذه الزاوية، قد يكون الاعتراف الحقيقي بالمعلم أعمق من الشهادة أو الهدية أو الخطاب؛ إنه الاعتراف بخبرته بوصفها معرفة مهنية. فالمعلم ليس فقط يدًا تنفذ السياسة التربوية، وإنما هو أيضًا عين ترى نتائجها، وذاكرة تختزن آثارها، وخبرة تختبر قابليتها للحياة. وحين لا تُسمع هذه المعرفة إلا في المناسبات، فإن الاحتفال نفسه يكشف شيئًا عن حدود المشاركة.

9. من تمجيد المعلم إلى تدجينه: الصورة المثالية كآلية ضبط ناعم

قد يبدو تمجيد المعلم نقيضًا لتدجينه، لكن العلاقة بينهما ليست دائمًا بهذه البساطة. فالمعلم الذي يُقدَّم باستمرار بوصفه صبورًا، ومتفانيًا، ورساليًا، ومضحيًا، قد يجد نفسه محاصرًا بصورة أخلاقية لا تسمح له بسهولة بأن يقول: «لقد تعبت»، أو «هذا كثير»، أو «هذه السياسة غير قابلة للتطبيق»، أو «أحتاج إلى شروط مختلفة». فكل صورة مثالية تحمل معها معيارًا ضمنيًا لما ينبغي أن يكون عليه صاحبها، وكلما ارتفع المعيار الأخلاقي ازدادت صعوبة الخروج عنه دون دفع ثمن رمزي.

وعندما يصبح الاعتراض خروجًا عن الصورة، تتحول اللغة الأخلاقية إلى أداة ضبط ناعم. ولا تحتاج المؤسسة هنا إلى المنع المباشر؛ فقد يكفي أن تجعل بعض المواقف تبدو أقل أخلاقية من غيرها، وأن يتحول طلب الحقوق أو المطالبة بالتغيير إلى سلوك يُقرأ باعتباره تناقضًا مع صورة المعلم «الرسالي» و«المضحي».

وهنا تقترب المسألة مما يمكن تسميته بـ«الشعوذة البيداغوجية»: استخدام لغة تربوية جميلة لإنتاج واقع رمزي يجعل التناقض أقل وضوحًا. فالمعلم «رسالة»، و«قدوة»، و«صانع أجيال»، لكن الإنسان الذي يحمل هذه الأوصاف يظل بحاجة إلى أن يكون قادرًا على الاختلاف، وعلى النقد، وعلى المطالبة، وعلى الاعتراف بحدوده. وإلا تحول التمجيد إلى قفص رمزي؛ قفص لا يبدو في البداية قفصًا، لأنه مبني من كلمات إيجابية، لكنه قد يضيق على صاحبه كلما ارتفعت توقعات التضحية وكلما أصبح الخروج عن الصورة المثالية مكلفًا من الناحية الأخلاقية والاجتماعية.

10. الاحتفال وذاكرة النسيان: ما الذي يسمح لنا الطقس بأن ننساه؟

لا تعمل الطقوس فقط على إنتاج الذاكرة؛ إنها تحدد أيضًا ما الذي ينبغي أن نتذكره ومتى. واليوم العالمي للمعلم يعيد المعلم إلى الذاكرة العامة، لكنه قد يؤدي، على نحو مفارق، إلى تحديد الاعتراف به في لحظة زمنية بعينها. وهنا تكمن إحدى المفارقات الدقيقة: أن نخصص يومًا لتذكر شخص ما قد يعني، من حيث لا نقصد، أن وجوده خارج هذا اليوم يصبح أقل حضورًا في الوعي العام.

ولا يتعلق الأمر بنسيان متعمد؛ فالنسيان الاجتماعي لا يحتاج دائمًا إلى إرادة واعية. يكفي أن يصبح الشيء مألوفًا حتى يتراجع حضوره من مجال الانتباه، والمعلم من أكثر الأشخاص عرضة لهذا النوع من الاعتياد؛ فهو موجود كل صباح، يدخل القسم، يشرح، يصحح، يتابع، يقوّم، يتعامل مع الأطفال، وينهي يومه ليعود في اليوم التالي. إن استمرارية وجوده قد تجعل المجتمع يتعامل معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من المشهد، فلا يُرى إلا عندما يُستدعى إلى الواجهة.

ولعل وظيفة يوم المعلم، في أفضل حالاته، أن يكسر هذا الاعتياد لحظة واحدة، وأن يجعل المجتمع ينظر من جديد إلى مهنة اعتاد وجودها حتى كاد لا يراها. لكنه يصبح أكثر إثارة للتفكير عندما لا نكتفي باللحظة، بل نعود منها إلى بقية السنة؛ فهناك، في الزمن العادي، يوجد المعلم الحقيقي، وهناك تُختبر قيمة الخطاب الذي قيل عنه في يوم الاحتفال.

11. مفارقة الاحتفال والتهميش: عندما يصبح الاعتراف الرمزي طريقةً لإدارة الغياب

هنا تصل الحفرية إلى إحدى أكثر مفارقاتها إزعاجًا: يمكن للمؤسسة أن ترفع من قيمة المعلم في لحظة الاحتفال، وفي الوقت نفسه أن يبقى حضوره محدودًا في بعض دوائر القرار والتأثير وصناعة المعنى، وأن تظل بعض جوانب موقعه المادي والأمني والمعنوي دون مستوى الصورة التي يرسمها الخطاب عنه. فيظهر المعلم في المشهد أكثر مما يظهر في البنية، ويصبح حضوره الرمزي أوسع من حضوره الفعلي، وتصبح المسافة بين ما يقال عنه وما يُمنح له أكثر وضوحًا.

ولا ينبغي تفسير هذه المفارقة دائمًا باعتبارها نتيجة قرار واعٍ أو نية معلنة لتهميش المعلم. فالمؤسسات لا تعمل بالضرورة وفق إرادة فاعل واحد يقرر أن يُقصي هذا الطرف أو ذاك، وقد يكون التهميش أحيانًا أثرًا بنيويًا ينتج عن طريقة توزيع الأدوار، وعن تراتبية المعرفة، وعن ضعف المشاركة في صناعة القرار، وعن اختلال العلاقة بين القيمة الرمزية والقيمة الفعلية، وعن عجز المؤسسة عن توفير الحماية المهنية الكافية، أو عن بطء تحويل المطالب المهنية إلى ضمانات مؤسسية مستقرة.

وهنا تصبح صورة المعلم المحتفى به أكثر تعقيدًا؛ فهو قد يكون «صانع الأجيال» في الخطاب، لكنه يجد نفسه أمام شروط مادية لا تعكس بالضرورة هذه المكانة الرمزية، وقد يكون «ركيزة المدرسة» في الكلمات، بينما تصبح سلامته المهنية موضوعًا لاقتراحات تشريعية وخطط وطنية لمواجهة العنف، وقد يكون «صوت الميدان» في الخطاب، بينما تظل المسافة قائمة بين خبرته وبين دوائر صناعة القرار.

إن هذه المفارقة لا تعني أن الاحتفال زائف، ولا أن كل كلمة شكر تخفي قصدًا معاكسًا، وإنما تكشف احتمالًا أكثر تعقيدًا: أن تستطيع المؤسسة إنتاج اعتراف رمزي كثيف في الوقت الذي تظل فيه بعض أشكال الاعتراف المادي والأمني والمؤسسي أقل كثافة. وهنا يمكن أن يصبح الاحتفال، من حيث لا يقصد، وسيلة لإدارة التوتر بين الصورة والممارسة؛ فهو يمنح المعلم مكانة في الخطاب، ويعيد تثبيت صورة المجتمع عن تقديره له، لكنه لا يحسم بالضرورة الأسئلة المتعلقة بالحماية والمشاركة والقرار والكرامة المهنية.

فالاحتفال يعلن الحضور، بينما يكشف التهميش الغياب؛ والصورة تقول للمعلم إنه في المركز، بينما قد تقول له بعض البنى، في مواقع معينة، إنه ليس في مركز كل شيء. وبين القولين تتشكل المنطقة الرمادية التي تستحق أن تكون موضوعًا للحفر، لأن الاعتراف لا يصبح كاملًا بمجرد أن يظهر في الخطاب، وإنما عندما تتقاطع أبعاده الرمزية والمادية والأمنية والمؤسسية.

وهنا تصبح عبارة «إدارة الغياب» في عنوان هذه الحفرية إحالة إلى آلية اجتماعية أكثر تعقيدًا من الاتهام بنية خفية؛ فهي تشير إلى إمكانية أن يُعوَّض بعض النقص في الاعتراف العملي بكثافة الاعتراف الرمزي، وأن يصبح الاحتفال قادرًا على تخفيف التوتر دون أن يزيل أسبابه. وعندها لا يعود السؤال مجرد: هل احتفلنا بالمعلم؟ وإنما يصبح أكثر عمقًا: ماذا يحدث لموقع المعلم عندما ينتهي الاحتفال؟

خاتمة: عندما ينتهي الاحتفال ويبدأ السؤال

ليس في الاحتفال بالمعلم ما يستحق الرفض، وليس في كلمة الشكر ما ينبغي الاستهانة به. فالمجتمعات تحتاج إلى طقوس تعترف بمن يحملون أدوارًا أساسية في حياتها، والتعليم من أكثر هذه الأدوار اتصالًا بالمستقبل. لكن الحفر لا يتوقف عند ما يظهر؛ إنه يبدأ مما يظل في الظل، من تلك المسافة الدقيقة بين الصورة التي تُنتجها المناسبة وبين الحياة اليومية التي يعود إليها المعلم بمجرد انتهاء الطقس.

فالخامس من أكتوبر يمكن أن يكون مناسبة جميلة للاحتفاء بالمعلم، لكنه يمكن أيضًا أن يكون مرآة تكشف المسافة بين قيمة المهنة في الخطاب وموقع صاحبها في الواقع. وهذه المسافة لا تختصرها الهدايا، ولا الكلمات، ولا الاحتفالات، ولا الحماية من الاعتداءات وحدها؛ إنها تتعلق بصورة أعمق عن مكانة المعلم داخل المنظومة: هل هو منفذ للقرار أم شريك في إنتاجه؟ هل خبرته معرفة يعترف بها النظام أم مجرد تجربة يُستدعى صاحبها للحديث عنها في المناسبات؟ وهل يشعر داخل المؤسسة أن كرامته وسلامته المهنية ليستا موضوعًا طارئًا، بل جزءًا أصيلًا من حقوقه؟
وهنا تتضح المفارقة أكثر؛ فالمعلم لا يحتاج فقط إلى أن يُقال له إنه مهم، وإنما يحتاج إلى أن يرى هذه الأهمية مجسدة في تفاصيل حياته المهنية. فالاعتراف المادي يقول إن عمله ذو قيمة، والاعتراف الأمني يقول إن كرامته وسلامته ليستا قابلتين للتفاوض، والاعتراف المعنوي يقول إن خبرته وصوته ومكانته المهنية لها وزن، والاعتراف المؤسسي يقول إن من يقف في قلب الممارسة ينبغي ألا يكون بعيدًا عن صناعة القرار الذي يحدد شروطها.

وربما تكون المفارقة الأشد أن المؤسسة قد تحتاج إلى يوم كي تعلن أنها تتذكر من يوجد أمامها كل يوم. فالمعلم لا يعيش في الخامس من أكتوبر، وإنما يعيش في السادس والسابع والثامن، وفي كل الأيام التي لا توجد فيها كاميرات ولا شهادات ولا خطب ولا عبارات جاهزة. هناك، داخل الزمن العادي، تتحدد حقيقة الاعتراف؛ وهناك، في القسم، بين دفتر وآخر، وبين حصة وأخرى، وبين برنامج وما يستطيع المعلم إنجازه، وبين خطاب الإصلاح وما تسمح به شروطه، وبين صورة «صانع الأجيال» وحقيقة الحماية والكرامة، يصبح المعلم بعيدًا عن المشهد، لكنه أقرب إلى الحقيقة.
ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: لماذا نحتفل بالمعلم؟ بل يتقدم خطوة أخرى: ماذا يبقى من هذا الاحتفال عندما يعود المعلم إلى موقعه اليومي؟ ماذا يبقى من عبارة «المعلم ركيزة المدرسة» عندما تصبح كرامته المهنية موضع اختبار؟ وماذا يبقى من «المعلم صانع المستقبل» عندما تكون مكانته الفعلية أقل من المكانة التي يمنحها له الخطاب؟ وماذا يبقى من «المعلم رسالة» عندما يضطر صاحب الرسالة إلى البحث عن حماية لفضائه المهني وحقه في أن يعمل دون خوف؟

فبين الاحتفال والتهميش، وبين الصورة والممارسة، وبين الاعتراف الرمزي والاعتراف المادي والأمني والمؤسسي، تتشكل منطقة رمادية لا يمكن اختزالها في النوايا الحسنة أو الاتهامات الجاهزة. إنها منطقة تكشف أن المشكلة ليست في وجود يوم للمعلم، وإنما في احتمال أن يصبح اليوم البديل الرمزي عن السنة كلها؛ وأن تصبح كثافة الاحتفال قادرة على حجب الأسئلة التي لا تستطيع المناسبة وحدها الإجابة عنها.

فالحفر لا يطالب بإلغاء الاحتفال، بل يرفض أن يكون الاحتفال نهاية الاعتراف. ولا يرفض كلمة «شكرًا»، بل يسأل عما إذا كانت هذه الكلمة تستطيع أن تعيش بعد انتهاء التصفيق، وأن تتحول من خطاب إلى موقع، ومن صورة إلى حماية، ومن تكريم إلى كرامة، ومن استحضار رمزي للمعلم إلى اعتراف فعلي بالإنسان الذي يقف كل صباح داخل القسم.

وهنا، في المسافة بين الخامس من أكتوبر وبقية أيام السنة، تتكشف الحفرية كلها: المعلم الذي نحتفي به يومًا، والمعلم الذي نتركه يواجه وحده بقية الأيام.
فهل يكفي أن نستعيد المعلم في يوم الاحتفال، إذا كان موقعه في بقية الأيام لا يعكس المكانة التي يمنحها له الخطاب؟

فالحفر لم ينته…

بل ربما بدأ للتو...



المراجع:

1. Barthes, R. (1957). Mythologies. Paris : Seuil.

2. Bourdieu, P. (1982). Ce que parler veut dire. L’économie des échanges linguistiques. Paris : Fayard.

3. Bourdieu, P. (1990). La domination symbolique. Paris : Seuil.

4. Crozier, M. (1970). La société bloquée. Paris : Seuil.

5. Goffman, E. (1959). The Presentation of Self in Everyday Life. New York : Doubleday.

6. Van Gennep, A. (1909). Les rites de passage. Paris : mile Nourry.

7. Weber, M. (1919). Le savant et le politique. München : Duncker & Humblot.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال