تقديم:
قد يبدو المشهد المدرسي، للوهلة الأولى، طبيعيًا تمامًا: برنامج ينبغي إنجازه، دروس تتوالى، تمارين تُنجز، فروض تُبرمج، نتائج تُسجّل، ومعدلات تُحتسب، وأطفال ينتقلون من مادة إلى أخرى، ومن حصة إلى أخرى، ومن اختبار إلى آخر. كل شيء يبدو وكأنه يتحرك وفق منطق واضح: المدرسة تُعلّم، والطفل يتعلم، والمدرس ينفذ، والتقييم يقيس.
لكن ماذا يحدث حين يخفي هذا الانتظام الظاهري منظومةً أكثر تعقيدًا؟
ماذا يحدث حين يصبح البرنامج أكبر من الزمن المتاح له، والتعلم أضيق من أن يحتضن فضول الطفل، والتقييم أكثر حضورًا من المعرفة نفسها، والمعدل أكثر قدرة على وصف التلميذ من تجربته الفعلية، والزمن المدرسي ممتدًا إلى درجة لا تترك للطفولة إلا فتات الوقت؟
وماذا لو لم تكن المشكلة في أن المدرسة تعلّم الطفل كثيرًا، وإنما في الكيفية التي تجعل بها هذا التعلم متقطعًا، مستعجلًا، مقاسًا باستمرار، ومفصولًا أحيانًا عن المعنى؟
فالأمر لا يتعلق هنا بالقول إن المدرسة «تدمّر الذكاء» بمعناه الحرفي، ولا بوضع المدرسين في قفص الاتهام. يتعلق الأمر بشروط أعمق: كيف تُنظَّم المعرفة؟ كيف يُبنى الزمن؟ كيف تُصمَّم الوضعيات التعليمية؟ ماذا يستطيع التقييم أن يقيس؟ وما الذي يعجز عن قياسه؟ وماذا يحدث عندما يتحول المعدل من مؤشر جزئي إلى صورة تكاد تختزل المتعلم كله؟
هنا تبدأ الحفريات.
1. البرامج المهترئة: من كثافة المحتوى إلى ضيق الفهم
يدخل المدرس إلى القسم وفي ذهنه دائمًا سؤال غير معلن: كم بقي من البرنامج؟ لا يكفي أن يفهم الطفل الفكرة؛ ينبغي أن نمر إلى الفكرة التالية. ولا يكفي أن نمنحه وقتًا إضافيًا ليربط بين المفاهيم؛ فهناك درس آخر ينتظر. وهكذا يتحول البرنامج، شيئًا فشيئًا، من خريطة تساعد على بناء التعلم إلى ساعة تضغط على الجميع.
المشكلة ليست في كثرة المعرفة في حد ذاتها. فالطفل يحتاج إلى معرفة واسعة ومتنوعة. لكن المعرفة تصبح عبئًا عندما تتراكم دون أن تمنح المتعلم الوقت الكافي لكي يربط بينها، ويعيد تنظيمها، ويسأل عن معناها، ويضعها في سياق تجربته. عندها يصبح النجاح في «إنهاء البرنامج» منفصلًا عن النجاح في بناء الفهم.
وهنا يبدو نقد إدغار موران (Edgar Morin، 1999) للمعرفة المجزأة بالغ الدلالة؛ فالمشكلة التربوية ليست فقط في مقدار ما نُعلّم، وإنما في قدرتنا على جعل المتعلم يرى العلاقات بين ما يتعلمه. فالذكاء لا يعمل بمجرد تكديس المعلومات، بل في القدرة على تنظيمها وربطها ووضعها في سياقها.
وعندما يصبح السؤال اليومي للمدرس: «هل أنهيت البرنامج؟» أكثر إلحاحًا من سؤال: «هل فهم الطفل؟»، فإننا نكون أمام انقلاب هادئ في الأولويات.
2. التعلّمات المجزأة: معرفة بلا خيط ناظم
قد يعرف الطفل معلومة في درس العلوم، وقاعدة في اللغة، ومفهومًا في الرياضيات، وتاريخًا في مادة أخرى، ثم يخرج من المدرسة دون أن يدرك أن هذه المعارف يمكن أن تتنافذ وتتحاور فيما بينها. كل مادة لها لغتها، وكل درس له عنوانه، وكل تمرين له طريقته، وكل اختبار ينتظر إجابته.
هكذا تتشظى المعرفة أمام الطفل، لا لأن التخصص في حد ذاته مشكلة، وإنما لأن الروابط التي تمنح هذه الوحدات معنى قد تختفي خلف هندسة مدرسية شديدة التقسيم.
والطفل لا يتعلم بالطريقة نفسها التي تُرتَّب بها الكتب المدرسية. إنه يتعلم من خلال العلاقات، والمقارنة، والدهشة، والخطأ، والسؤال، والملاحظة، والتجريب. ولذلك فإن المعرفة التي تصل إليه في صورة جزر منفصلة قد تجعله قادرًا على استظهار أجزاء كثيرة، دون أن تمنحه بالضرورة القدرة على بناء صورة كلية.
وهنا يعود موران (Edgar Morin، 1999) ليضع الإصبع على إحدى مشكلات المعرفة الحديثة: المعرفة التي لا تُربط قد تتحول إلى معلومات، والمعلومات التي لا تدخل في شبكة من العلاقات قد تفقد قدرتها على إنتاج الفهم.
ولعل السؤال الأكثر إزعاجًا هنا ليس: ماذا تعلّم الطفل؟ بل: هل تعلّم كيف يربط ما تعلّمه؟
3. التقييم: وهم الموضوعية وحدود الرقم
ثم يأتي التقييم.
في المدرسة، تبدو العلامة وكأنها حقيقة رقمية: 12، 15، 17، 19. رقم محدد، قابل للجمع والقسمة والمقارنة والترتيب. وهذه القدرة على تحويل الأداء إلى أرقام تمنح التقييم مظهرًا قويًا من الموضوعية.
لكن هل الرقم موضوعي بالكامل؟
لا شك أن التقييم يحتاج إلى قدر من الموضوعية؛ فالمتعلم يحتاج إلى معايير واضحة، والمدرس يحتاج إلى أدوات تساعده على معرفة مستوى التقدم، والمؤسسة تحتاج إلى مؤشرات تسمح لها بمتابعة المسارات التعليمية. غير أن موضوعية التقييم تظل نسبية؛ لأنها تمر عبر اختيار ما سيتم تقييمه، وطريقة صياغة السؤال، ونوع المهمة، وشروط الإنجاز، ومعايير التصحيح، وتقدير المصحح، وحتى اللحظة التي يُجرى فيها الاختبار.
فالاختبار لا يقيس «التلميذ» في كليته، وإنما يقيس أداءه في مهمة محددة، وفي زمن محدد، وضمن شروط محددة.
ومن هنا يمكن الاستفادة من أعمال شارل حدجي (Charles Hadji، 1997)، الذي يبرز أن التقييم ليس مجرد عملية تقنية لقراءة حقيقة جاهزة، بل هو بناء لحكم يستند إلى معايير ومؤشرات وأدوات. فالعلامة لا تنزل من السماء؛ إنها نتيجة سلسلة من الاختيارات التربوية والتقويمية.
ولهذا فإن القول بأن التقييم «موضوعي» يحتاج إلى تمييز مهم: قد يكون منظمًا، معلن المعايير، قابلًا للتبرير، وأكثر اتساقًا، دون أن يصبح بذلك موضوعيًا بصورة مطلقة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات: كلما ازداد اعتمادنا على الرقم، ازداد خطر نسيان أن وراء الرقم حكمًا تربويًا.
4. المعدلات: عندما يتحول المؤشر إلى صورة عن الطفل
المعدل أكثر من مجرد رقم في دفتر النتائج. إنه في كثير من السياقات المدرسية يصبح لغة اجتماعية كاملة.
يقال: هذا تلميذ «متفوق»، ذاك «متوسط»، وهذا «ضعيف». وقد ينتقل المعدل من كونه مؤشرًا على أداء محدد إلى وصف شامل لشخصية المتعلم وقدراته وآفاقه.
لكن ماذا يعني أن يكون الطفل صاحب معدل 15 أو 12 أو 9؟
إن المعدل، مهما بلغت دقة طريقة احتسابه، يظل اختزالًا. فهو يجمع أداءات مختلفة، في أزمنة مختلفة، وفي مهام مختلفة، ثم يحولها إلى رقم واحد. وقد يكون لهذا الرقم وظيفة إدارية أو إخبارية أو توجيهية، لكنه لا يستطيع أن يحمل وحده كل تعقيد المسار التعلمي.
طفل قد يكون ممتازًا في الفهم وأقل نجاحًا في التعبير الكتابي. وآخر قد يكون بطيئًا في الاختبارات لكنه يمتلك قدرة عالية على الربط والاستدلال. وثالث قد يتحسن باستمرار، لكن معدلًا واحدًا لا يكشف بالضرورة عن مسار التحسن هذا.
وهنا تكتسب أعمال ديلان ويليام (Dylan Wiliam، 2011) حول التقويم من أجل التعلم أهمية خاصة؛ إذ يميز بين استخدام التقويم للحكم النهائي وبين استخدام الأدلة المتاحة أثناء التعلم لفهم ما يحتاج إليه المتعلم فعلًا.
المشكلة إذن ليست في المعدل ذاته، بل في الوزن الذي نمنحه له.
عندما يصبح المعدل مؤشرًا من بين مؤشرات أخرى، يمكن أن يؤدي وظيفة مفيدة.
أما عندما يتحول إلى اختصار للطفل نفسه، فإن الرقم يبدأ في احتلال مساحة أكبر مما يستطيع أن يحتمل.
5. التقييم في موقع القيادة: القياس حين يحدد معنى التعلّم
ما إن يقترب الفرض حتى يتغير إيقاع القسم. ما ينبغي فهمه يصبح شيئًا ينبغي توقعه في الاختبار. وما كان يمكن أن يكون مجالًا للسؤال والتجريب يتحول إلى بحث عن الإجابة المنتظرة.
شيئًا فشيئًا، قد يتعلم الطفل ليس فقط كيف يجيب، وإنما كيف يتعامل مع ما يُكافأ عليه وما يُعاقب عليه.
عندما يصبح النجاح المدرسي مرتبطًا بصورة ضيقة بالأداء في الاختبارات، قد يبدأ التعلم في الانكماش حول ما يمكن قياسه بسهولة. تصبح الإجابة الصحيحة أكثر قيمة من السؤال الجيد، واستعادة النموذج أكثر أمانًا من المغامرة بفكرة جديدة، وتجنب الخطأ أكثر أهمية من التعلم منه.
وهنا يمكن استحضار بيار بورديو وجان-كلود باسرون (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron، 1970)، لفهم الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المدرسة إلى فضاء لإعادة إنتاج معايير النجاح التي تبدو محايدة، بينما ترتبط في الواقع بأشكال مختلفة من رأس المال الثقافي واللغوي.
المشكلة ليست في وجود التقييم. فالمدرسة تحتاج إلى أن تعرف أين وصل المتعلم. المشكلة تبدأ عندما ينتقل التقييم من وظيفة الكشف عن التعلم إلى وظيفة تحديد ما يستحق أن يُتعلّم أصلًا.
عندها لا يعود الطفل يتعلم من أجل أن يفهم، بل قد يتعلم من أجل أن ينجح في القياس.
6. الزمن المدرسي: إيقاع يلتهم زمن الطفل
الطفل المعاصر لا يعيش المدرسة داخل ساعات المؤسسة فقط. هناك الحصة، والواجب، والمراجعة، والتدارك، والدروس الإضافية، والاختبارات، والاستعداد للاختبارات، ثم العودة إلى البيت مثقلًا بما لم ينته بعد.
يصبح اليوم ممتدًا على نحو يجعل المدرسة حاضرة حتى خارج أسوارها.
وهنا لا يعود الزمن مجرد عدد من الساعات. الزمن المدرسي تجربة يعيشها الطفل بجسده ووجدانه. أن تكون الحصة طويلة ليس مجرد مسألة توقيت؛ وأن تتوالى الأنشطة دون فسحة ليس مجرد مسألة تنظيم؛ وأن ينتقل الطفل من مهمة إلى أخرى دون فرصة للتنفس أو اللعب أو الحديث ليس مجرد تفصيل ثانوي.
لقد كان جون ديوي (John Dewey، 1938) ينظر إلى التربية باعتبارها خبرة، لا مجرد نقل لمحتوى. والخبرة تحتاج إلى زمن لكي تُعاش وتُفهم ويُعاد تنظيمها.
أما الزمن الذي يتحول إلى سلسلة متواصلة من المطلوبات، فقد يجعل الطفل يعيش المدرسة باعتبارها إيقاعًا ينبغي احتماله أكثر من كونها تجربة ينبغي أن يعيشها.
7. الهندسة البيداغوجية: من تلقين المعرفة إلى البحث عن المعنى
قد يجلس الطفل أمام درس كامل، يكتب، يكرر، يحفظ، يجيب، ثم ينصرف دون أن يجد جوابًا عن السؤال الأبسط: لماذا أتعلم هذا؟
ليس المقصود أن يكون لكل معرفة منفعة مباشرة أو فورية. فالمدرسة لا تُختزل في المنفعة. لكن المعرفة التي تنفصل بصورة متكررة عن التجربة، وعن السؤال، وعن العالم الذي يعيش فيه الطفل، قد تتحول إلى مادة مدرسية باردة، لا إلى معرفة حية.
وهنا تصبح الهندسة البيداغوجية نفسها موضوعًا للحفر: كيف صُممت الوضعية التعليمية؟ من أين يبدأ التعلم؟ من سؤال الطفل أم من محتوى الدرس؟ هل الخطأ فرصة أم عطب؟ هل السؤال جزء من التعلم أم عائق أمام السير في البرنامج؟ هل يسمح النشاط بالاستكشاف، أم أن مساره محدد منذ البداية؟
ينتقد باولو فريري (Paulo Freire، 1974) نموذج التعليم الذي يتحول فيه التعلم إلى «إيداع» للمعارف في المتعلم، حيث يصبح المتعلم مستقبلًا أكثر منه شريكًا في إنتاج المعنى.
وعندما تُلقَّن الأشياء لأنها موجودة في البرنامج، لا لأنها دخلت في مسار معرفي قادر على إثارة السؤال، فإن المدرسة تخاطر بتحويل المعرفة إلى واجب ثقيل بدل أن تكون مغامرة فكرية.
8. المدرّس تحت الضغط: تقلّص الرؤية واتساع التنفيذ
من السهل أن يُقال: «المدرسون يفتقرون إلى الرؤية». لكن السؤال الأعمق هو: أي مساحة تتركها المنظومة أصلًا للمدرس كي يبني رؤية؟
مدرس ينتقل من حصة إلى أخرى، ويلاحق البرنامج، ويملأ الوثائق، ويصحح، ويقيّم، ويتعامل مع الفروق الفردية ومشكلات القسم، ثم يُطلب منه في الوقت نفسه أن يكون مبدعًا، باحثًا، متأملًا، ومصممًا لتجارب تعليمية مبتكرة.
قد تكون المشكلة أحيانًا أقل ارتباطًا بإرادة المدرس وأكثر ارتباطًا بشروط العمل التي تحيط به.
وهنا يصبح مفهوم «الممارس المتأمل» عند دونالد شون (Donald Schn، 1983) مهمًا؛ لأن الممارسة المهنية لا تتطور بمجرد تنفيذ التعليمات، بل تحتاج إلى مساحة للتأمل في الفعل، ومراجعة الاختيارات، وفهم ما يحدث داخل الممارسة نفسها.
فالمدرس الذي لا يجد وقتًا للتفكير في ممارسته قد يتحول تدريجيًا إلى منفذ ماهر، لكنه محروم من المسافة الضرورية التي تسمح له بأن يسأل: لماذا أفعل ما أفعل؟ وهل ما أفعله يحقق فعلًا ما أريده؟
9. الضبط المدرسي: من شرط للتعلّم إلى غاية في ذاته
كلما تراجع معنى التعلم، يصبح الحفاظ على النظام أكثر صعوبة. وعندما لا يجد الطفل في النشاط ما يستدعي انتباهه، تصبح القواعد أكثر حضورًا، ويزداد الاعتماد على الصمت، والحركة المحددة، والتعليمات المتكررة، والمراقبة.
ليس الضبط في ذاته مشكلة. لا يمكن أن يحدث التعلم في فوضى مطلقة. لكن السؤال يبدأ عندما يتحول الضبط من شرط للتعلم إلى غاية تنافس التعلم نفسه.
وهنا يمكن استحضار ميشال فوكو (Michel Foucault، 1975)، لا باعتباره يقدم وصفًا حرفيًا للمدرسة المعاصرة، وإنما بوصف تحليله للمؤسسات الانضباطية عدسة تساعد على فهم كيف يمكن لتنظيم الجسد والزمن والحركة والنظرة أن يصبح جزءًا من بنية المؤسسة.
والخطر يبدأ عندما يصبح الطفل الجيد هو الطفل الذي لا يزعج النظام، بدل أن يكون الطفل الذي يجد داخل النظام مساحة ليتعلم ويفكر ويسأل.
10. الذكاء المستنزَف: تضييق شروط التفكير
الذكاء المدرسي ليس مجرد الحصول على علامة مرتفعة. الطفل الذي نريد تكوينه هو الذي يستطيع أن يربط، ويسأل، ويشك، ويتخيل، ويجرب، ويغير زاوية النظر، ويعيد بناء الفكرة عندما يكتشف خطأها.
لكن هذه القدرات تحتاج إلى بيئة تسمح بها.
عندما يصبح المطلوب هو الحفظ السريع، والإجابة الصحيحة، وإنجاز العدد الأكبر من الأنشطة، والالتزام بالنموذج، قد تبقى بعض أشكال الذكاء حاضرة، لكن شروط ممارسة الذكاء بوصفه تفكيرًا حرًا ومنظمًا قد تضيق.
ولهذا فإن القول إن المدرسة «تدمر الذكاء» يحتاج إلى تدقيق. المدرسة لا تدمر الذكاء البيولوجي للطفل، وإنما قد تستنزف، إذا اختلت شروطها، بعض البيئات التي ينمو فيها الذكاء ويُمارس.
وهنا يكتسب نقد إيفان إيليتش (Ivan Illich، 1971) للمأسسة التعليمية دلالته: عندما تصبح المؤسسة والمسار الرسمي أكثر أهمية من التعلم نفسه، يمكن أن تنفصل العملية التعليمية تدريجيًا عن قدرتها على إنتاج علاقة حية بالمعرفة.
السؤال إذن ليس: هل يتعلم الطفل؟ بل: أي نوع من التفكير يتعلم أن يمارسه؟
11. الطفولة المؤجلة: تآكل اللعب والدهشة والتجريب
ثم هناك ما هو أبعد من الذكاء: الطفولة نفسها.
فالطفولة ليست مرحلة انتظار حتى يصبح الإنسان «جادًا». إنها زمن اللعب، والخيال، والحركة، والصداقة، والدهشة، والفضول، والخطأ، والتجريب، والوقت غير المنتج بالمعنى المدرسي الصارم.
لكن عندما يمتد اليوم المدرسي إلى ما بعد المدرسة، وتصبح ساعات الفراغ امتدادًا للواجبات والمراجعة والدروس الإضافية، قد يتحول الطفل إلى مشروع تعليمي دائم، كأنه لا يغادر المدرسة حتى عندما يغادر مبناها.
وقد كتب جورج سنيـدرز (Georges Snyders، 1986) عن فرح المدرسة بوصفه عنصرًا ليس هامشيًا في التجربة التعليمية. فالفرح هنا ليس تسلية عابرة، ولا تحويل المدرسة إلى فضاء للترفيه، وإنما هو ذلك الشعور الذي يجعل المعرفة نفسها قابلة لأن تُعاش باعتبارها اكتشافًا ومغامرة وانفتاحًا.
وعندما تضيق مساحة اللعب، ويصبح الخطأ مصدر خوف، والسؤال مصدر تعطيل، والحركة مصدر إزعاج، والدهشة ترفًا لا وقت له، فإن المدرسة لا تخسر فقط بعض شروط التعلم؛ إنها تخاطر بأن تجعل الطفل يكبر داخل المؤسسة قبل أن يعيش طفولته كاملة.
12. تشابك الخيوط: المشكلة في العناصر أم في هندستها؟
ربما لا تكمن المشكلة في البرنامج وحده، ولا في التقييم وحده، ولا في الزمن وحده، ولا في المدرس وحده.
المشكلة الأعمق قد تظهر عندما تدخل هذه العناصر في دائرة واحدة.
برنامج كثيف يضغط على الزمن. وضغط الزمن يدفع إلى الإسراع. والإسراع يضيّق مجال التجريب والنقاش. وضيق التجريب يجعل الدرس أكثر اعتمادًا على التلقين. والتلقين يجعل التقييم أكثر اعتمادًا على استعادة الإجابة. والتقييم يعيد تشكيل ما يعتبره الطفل «تعلمًا». وعندما يتراجع المعنى، يصبح الضبط أكثر حضورًا. وعندما يزداد الضبط، تضيق مساحة المبادرة. وعندما تضيق المبادرة، تصبح المدرسة أقل قدرة على استدعاء ذلك الذكاء الذي تقول إنها جاءت لتنميته.
ثم يدخل المعدل على الخط، فيضغط كل هذه التجارب المتعددة داخل رقم واحد؛ فيصبح الطفل مطالبًا ليس فقط بالتعلم، وإنما بإنتاج رقم يمكن مقارنته بالأرقام الأخرى.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر عمقًا:
هل نحن نُعدّ الطفل للحياة، أم نُعدّه لكي ينجح في إنتاج الأعداد التي تقيس مدى نجاحه في المدرسة؟
فالطفل الذي يتعلم منذ سنوات أن المعرفة تنتهي إلى علامة، وأن العلامات تنتهي إلى معدل، وأن المعدل يحدد موقعه بين الآخرين، قد يجد نفسه داخل مسار تعليمي طويل يتعلم فيه كيف يُنتج الأعداد، ويحسن ترتيبها، ويرفعها… دون أن يُمنح بالقدر نفسه من الوقت والمساحة ليتعلم كيف يعيش، وكيف يختار، وكيف يخطئ، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يحل مشكلة لا توجد لها إجابة نموذجية، وكيف يتعامل مع الاختلاف، وكيف يبني معنى لحياته.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
ماذا لو كنا، من حيث لا نقصد، قد أعددنا الطفل لكي يُختزل في أعداد… لا لكي يُعدّ للحياة؟
نطلب منه أن يكون مبدعًا داخل نظام يكافئ الإجابة المنتظرة.
نطلب منه أن يكون ناقدًا داخل زمن لا يترك دائمًا وقتًا للسؤال.
نطلب منه أن يحب المعرفة داخل تجربة قد تجعل المعرفة مرتبطة بالاختبار والواجب والعلامة.
نطلب منه أن يكون حاضرًا وجدانيًا، بينما قد يكون الحضور المدرسي في بعض لحظاته حضورًا جسديًا أكثر منه حضورًا في التجربة.
ونطلب منه أن يتقبل رقمًا واحدًا بوصفه مؤشرًا على مساره، رغم أن هذا الرقم لا يستطيع، مهما بلغت دقة بنائه، أن يستوعب كل تعقيدات التعلم.
وهكذا قد لا يكون أمامنا «خلل واحد»، وإنما هندسة كاملة تنتج بعضها بعضًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من كل الإجابات الجاهزة:
هل صُممت المدرسة لكي يتعلم الطفل كيف يعيش ويتعلم ويفكر… أم لكي ينجح النظام في إدارة عملية التعلم وقياس نتائجها؟
خاتمة: ماذا يبقى من الطفل بعد أن ينتهي الدرس؟
ربما لا تحتاج المدرسة إلى أن تتخلى عن البرامج، ولا عن التقييم، ولا عن المعدلات، ولا عن التنظيم، ولا عن الضبط، ولا أن تتحول إلى فضاء ترفيهي.
لكنها تحتاج إلى أن تسأل نفسها سؤالًا أكثر عمقًا:
ماذا يبقى في الطفل بعد انتهاء الدرس؟
هل تبقى معلومة فقط، أم قدرة على الربط؟
هل تبقى إجابة، أم رغبة في طرح سؤال آخر؟
هل تبقى علامة، أم أثر معرفة؟
هل يبقى معدل يصف أداءً في لحظة، أم صورة أكثر عمقًا لمسار التعلم؟
هل يبقى خوف من الخطأ، أم استعداد لتجربة جديدة؟
وهل يخرج الطفل من المدرسة أكثر قدرة على التفكير، أم أكثر قدرة على التكيف مع ما يُطلب منه؟
فربما تكمن المفارقة الكبرى في أننا قد ننشغل طويلًا بإعداد الطفل للأعداد، بدل إعداد الأعداد في خدمة الطفل.
نعلّمه أن يحسب معدله، وأن يرفع علامته، وأن يقارن نتيجته بغيره، وأن يصعد في سلم الأعداد؛ لكن هل نمنحه بالقدر نفسه ما يحتاجه عندما تنتهي المدرسة وتبدأ الحياة بما فيها من أسئلة لا تحمل أربعة اختيارات، ومشكلات لا يأتي معها نموذج إجابة، وقرارات لا يصححها مدرس، وعلاقات لا تختزلها علامة، وفشل لا يمكن محوه بمعدل جديد؟
فالمدرسة لا ينبغي أن تكون مصنعًا لإنتاج المتعلمين القادرين على الحصول على الأعداد، بل فضاءً لبناء الإنسان القادر على فهم العالم والتصرف فيه والتعايش معه وتغييره حين يحتاج إلى التغيير.
ولعل المشكلة ليست في الأعداد نفسها؛ فالعدد أداة مفيدة حين يعرف حدوده. المشكلة تبدأ عندما يصبح العدد لغةً وحيدةً لقراءة الطفل، وعندما تتحول المدرسة من فضاء لإعداد الإنسان للحياة إلى فضاء لإعداده لكي يكون قابلًا للقياس.
وعندها يصبح السؤال الذي يستحق أن يطارد المدرسة:
هل نُعدّ أطفالنا للحياة… أم نُعدّهم لكي ينجحوا في المدرسة؟
لعل أخطر ما يمكن أن يحدث للمدرسة ليس أن تفشل في تعليم الطفل، بل أن تنجح في تعليمه… وتفشل في إبقاء رغبته في المعرفة حيّة، وقدرته على الحياة ممكنة.
عندها لا يكون الخطر في أن المدرسة علّمت كثيرًا، وإنما في أنها ربما أرهقت الذكاء حين فصلت المعرفة عن معناها، واستنزفت الطفولة حين جعلت التعلم يبتلع الزمن الذي كان ينبغي أن تُعاش فيه، واختزلت الإنسان في أعداد كان يفترض أن تكون مجرد أدات لقياس بعض جوانب تعلمه.
فالحفر لم ينته… بل ربما بدأ للتو...
المراجع:
1. BOURDIEU, Pierre & PASSERON, Jean-Claude (1970), La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement, Paris, Les ditions de Minuit.
2. DEWEY, John (1938), Experience and Education, New York, The Macmillan Company.
3. FOUCAULT, Michel (1975), Surveiller et punir. Naissance de la prison, Paris, Gallimard.
4. FREIRE, Paulo (1974), Pédagogie des opprimés, Paris, Maspero.
5. HADJI, Charles (1997), L’évaluation démystifiée, Paris, ESF éditeur.
6. ILLICH, Ivan (1971), Deschooling Society, New York, Harper & Row.
7. MORIN, Edgar (1999), Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, Paris, UNESCO.
8. SCHN, Donald A. (1983), The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action, New York, Basic Books.
9. SNYDERS, Georges (1986), La joie à l’école, Paris, Presses Universitaires de France.
10. WILIAM, Dylan (2011), Embedded Formative Assessment, Bloomington, Solution Tree Press.
حين تُرهق المدرسةُ الذكاءَ… وتستنزف الطفولة _ حفريات في هندسة المدرسة: من إرهاق التعلّم إلى تآكل الطفولة
2026-09-28
64 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال