هناك خطأ كبير في الطريقة التي ننظر بها الى ما يحدث حول ايران والخليج فنقول أن الحرب بعيدة عن تونس والنفط التونسي لا يمر بالضرورة من مضيق هرمز فلماذا نقلق؟
لكن الاقتصاد لا يعمل بهذه الطريقة فالحرب قد تكون بعيدة عن حدودنا لكنها قريبة جدا من فاتورة مشترياتنا.
لا تحتاج القذائف الى الوصول الى تونس حتى نشعر بها يكفي ان يرتفع سعر النفط والغاز والنقل والتامين والغذاء حتى تبدأ الصدمة في الوصول الى الميناء ثم الى المصنع ثم الى السوق ثم الى جيب المواطن.
هرمز لا يحتاج الى ان يمر منه النفط التونسي حتى يؤثر في تونس بل يكفي ان يرفع سعر النفط الذي تشتريه تونس.
خلال الاشهر الثمانية الاولى من 2026 صدرت تونس ما قيمته 44 مليار دينار لكنها استوردت 62 مليار دينار اي ان العجز التجاري بلغ 17 مليار دينار.
صادراتنا زادت بنسبة 8 % لكن وارداتنا زادت بنسبة
11.6 % بمعنى ابسط نحن نبيع للخارج اكثر لكننا نشتري من الخارج بوتيرة اسرع.
وفي قلب هذه المشكلة توجد الطاقة فخلال الفترة نفسها بلغ العجز الطاقي 8.930 مليار دينار مقابل 7.148 مليار خلال الفترة نفسها من 2025 اي ان الطاقة وحدها تمثل جزءا ضخما من العجز الذي تدفعه تونس للخارج.
وهنا يجب ان نكون دقيقين فتونس لا تعتمد فقط على النفط القادم من منطقة الخليج وقد اصبحت اذربيجان موردا مهما للخام التونسي وخلال الاشهر الثمانية الاولى من 2026 صدرت اذربيجان الى تونس نحو 429.4 الف طن من الخام بقيمة تقارب 266.3 مليون دولار وهذا الخام لا يحتاج الى المرور بمضيق هرمز حتى يصل الى تونس.
لكن هناك فرق كبير بين طريق البرميل وسعر البرميل.
قد يأتي البرميل من اذربيجان ولا يمر من هرمز لكن سعره يتحدد في سوق عالمية تتأثر بما يحدث في هرمز.
ومضيق هرمز يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية اي قرابة ربع التجارة البحرية العالمية للنفط وعندما يتعرض هذا الممر للخطر تخاف الاسواق من نقص المعروض فيرتفع السعر العالمي وهنا يصل هرمز الى تونس ، ليس على متن ناقلة نفط تمر من المضيق بل داخل السعر.
قد يكون البرميل الذي يصل الى تونس اذربيجانيا وقد لا يرى هرمز طوال رحلته الى المتوسط لكن سعره يمكن ان يكون قد تأثر بما يحدث في هرمز.
وهذه هي الحلقة التي يجب ان يفهمها الجميع فهرمز يضطرب و سعر النفط يرتفع و فاتورة الاستيراد التونسية ترتفع و دولارات اكثر تخرج من البلاد والضغط ينتقل بعد ذلك الى الاسعار والميزانية والقدرة الشرائية.
و هنا نصل الى الاحتياطي من العملة الصعبة.
الاحتياطي ليس مالا نضعه في الخزنة وننساه بل هو مثل خزان امان يدخل اليه المال من الصادرات والسياحة وتحويلات التونسيين بالخارج والاستثمار وغيرها ويخرج منه المال عندما ندفع ثمن النفط والقمح والدواء والتجهيزات وكل ما نشتريه من الخارج.
لذلك فان المهم ليس فقط كم يوجد داخل الخزان بل كم بسرعة يدخل اليه وكم بسرعة يخرج منه.
اذا بقي الاحتياطي كما هو وارتفع سعر النفط فان تونس ستدفع دولارات اكثر للحصول على الكمية نفسها من الطاقة. اي ان الخزان سيبدأ في الانخفاض بسرعة اكبر واذا ارتفعت في الوقت نفسه كلفة الغذاء والنقل والتامين تصبح سرعة الاستنزاف اكبر.
وهذا هو السبب في ان الحديث عن عدد ايام التوريد وحده لا يكفي.
اذا كانت الواردات رخيصة يغطي الخزان عددا اكبر من الايام واذا ارتفعت اسعار الواردات فان الايام نفسها تصبح اكثر كلفة. الخزان هو نفسه لكن الماء يخرج منه اسرع.
وتونس تدخل هذه الصدمة وهي ليست في وضع مالي مريح. قانون مالية 2026 يقدر الدين العمومي بنحو 156.704 مليار دينار اي 83.4 % من الناتج المحلي فيما يبلغ عجز الميزانية نحو 11.365 مليار دينار وتبلغ خدمة الدين حوالي 23.057 مليار دينار.
وهنا توجد نقطة مهمة جدا لان الدولة تستطيع ان تقترض بالدينار لتمويل جزء من عجز الميزانية لكنها لا تستطيع طباعة الدولار او اليورو عندما يحين موعد دفع فاتورة النفط او القمح او الدواء.
وهذا هو الفرق بين مشكلة الميزانية ومشكلة العملة الصعبة.
فالميزانية يمكن ان تعاني من نقص بالدينار اما الواردات الخارجية فتحتاج الى عملة اجنبية.
لذلك عندما يرتفع النفط لا ترتفع فاتورة الطاقة فقط بل يرتفع معها الضغط على العملة الصعبة ثم على الاسعار ثم على الميزانية وتصبح الصدمة الواحدة قادرة على ضرب اكثر من مكان في الوقت نفسه.
والارقام تقول ان المشكلة ليست في النفط وحده.
فخلال الاشهر الثمانية الاولى من 2026 ارتفعت الواردات الغذائية بنسبة 17.1 % و واردات الطاقة بنسبة 28.5 % والمواد الاولية ونصف المصنعة بنسبة 7.9 % ومعدات التجهيز بنسبة 6.2 % والسلع الاستهلاكية بنسبة 8.2 %.
معنى ذلك ببساطة ان تونس تحتاج الى الخارج في اكثر من باب في الوقت نفسه.
وهذا ما يجعل الطاقة قضية مالية وليست مجرد قضية كهرباء وبترول.
كل برميل نستطيع انتاجه محليا يقلل ما نشتريه من الخارج. وكل كيلوواط من الكهرباء ننتجه من الشمس بدلا من حرق وقود مستورد يوفر جزءا من العملة الصعبة وكل سيارة او مصنع يستهلك طاقة اقل يعني اموالا اقل تخرج من البلاد.
لهذا يجب ان تصبح الطاقة الشمسية والنجاعة الطاقية جزءا من سياسة حماية العملة الصعبة لا مجرد ملف بيئي.
وفي الوقت نفسه يجب تنويع مصادر النفط والغاز لا بهدف تغيير اسم المورد فقط بل حتى لا تصبح تونس رهينة لمصدر واحد او طريق واحد او عقد واحد.
اذربيجان مهمة والانتاج المحلي مهم والمصادر الاقليمية مهمة والمخزون الاستراتيجي مهم والعقود الطويلة يمكن ان تكون مهمة ايضا.
لكن كل ذلك لا يحل المشكلة بالكامل اذا ظل سعر النفط العالمي قادرا على القفز فجأة.
الحل الحقيقي هو ان تصبح تونس اقل احتياجا الى الخارج في الطاقة والغذاء واكثر قدرة على جلب العملة الصعبة من الخارج.
وهنا يجب ان ننظر ايضا الى الجانب الاخر من الخزان
فليس المطلوب فقط ان نبطئ خروج المال بل ان نسرع دخوله.
الصادرات هي واحدة من اهم الابواب وخلال الاشهر الثمانية الاولى من 2026 ارتفعت صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 8.5 % والصناعات الغذائية بنسبة
20.8 % والمنتجات المكررة بنسبة 44.3 %.
هذه القطاعات وغيرها يجب ان تتحول الى آلات حقيقية لجلب العملة الصعبة لا مجرد ارقام جميلة في التقارير.
والسياحة ايضا يجب ان تتجاوز منطق الموسم القصير فتونس تستطيع ان تجلب العملة من السياحة الطبية والاستشفائية والثقافية والصحراوية والرياضية والمؤتمرات وليس فقط من السائح الذي يأتي في الصيف اسبوعا الى الفندق.
وتحويلات التونسيين بالخارج يمكن كذلك ان تصبح جزءا من الاستثمار المنتج عبر ادوات واضحة تسمح للتونسي في الخارج بأن يضع امواله في مشروع للطاقة او الصناعة او المياه او التصدير بدل ان يبقى دوره محصورا في ارسال المال للاستهلاك.
اما الاقتراض فيجب ان نسأل قبل كل قرض سؤالا بسيطا ماذا سيصنع هذا القرض؟
اذا كان سيمول محطة طاقة تقلل استيراد الوقود او مشروعا صناعيا يزيد التصدير او شبكة مياه تقلل الخسائر او بنية تحتية تساعد على الانتاج فهذا قرض يمكن ان يخلق قدرة مستقبلية على السداد.
اما اذا كان القرض يستخدم فقط لدفع نفقات متكررة فنحن لا نحل المشكلة بل نؤجلها.
ويجب ايضا ان تتوقف الدولة عن انتظار الصدمة حتى تبدأ في الحساب.
يجب ان يكون على مكتب الحكومة منذ الان جدول بسيط ماذا يحدث لتونس اذا وصل النفط الى 90 دولارا؟
ماذا يحدث اذا وصل الى 110؟
وماذا يحدث اذا وصل الى 130 او 150؟
كم ستكلف الطاقة؟ كم سترتفع فاتورة الاستيراد؟
ماذا يحدث للاسعار؟ ماذا يحدث للدعم؟
ماذا يحدث للاحتياطي؟ وماذا يحدث للدين؟
الاجابة عن هذه الاسئلة قبل الصدمة ارخص بكثير من البحث عنها بعدها لان الامن الاقتصادي في النهاية ليس مصطلحا معقدا.
هو ببساطة ان نخرج من خزان العملة الصعبة اقل مما ندخل اليه او على الاقل ان نضمن ان التدفقات الداخلة قادرة على تعويض التدفقات الخارجة.
ننتج طاقة محلية و نستهلك اقل و ننتج غذاء اكثر و نصدر اكثر و نجلب سياحا اكثر و نستقطب استثمارات اكثر ونحول جزءا اكبر من اموال التونسيين بالخارج الى مشاريع منتجة.
هكذا نحمي الخزان.
اما اذا ظل اقتصادنا يحتاج الى شراء الطاقة والغذاء والدواء والتجهيزات من الخارج بينما لا ترتفع صادراته وتدفقاته من العملة بالسرعة نفسها فسوف تصبح كل ازمة عالمية اكثر كلفة من سابقتها.
وهنا لا تعود المسألة مسألة ايران وحدها ولا هرمز وحده ولا اذربيجان وحدها.
المسألة هي قدرة تونس على تمويل نفسها عندما يصبح العالم اغلى.
قد لا تمر قطرة النفط التي تصل الى تونس عبر هرمز لكن سعر تلك القطرة يمكن ان يكون قد مر عبر هرمز قبل ان تصل الى الميناء التونسي وقد لا تصل الحرب الى تونس لكن فاتورتها تستطيع وهذه هي الحقيقة التي يجب ان نفهمها قبل فوات الاوان.
المشكلة ليست فقط ان سعر النفط قد يصل الى 150 دولارا.
المشكلة ان برميلا واحدا في سوق عالمية يستطيع ان يجعل خزان اقتصاد كامل يفرغ بسرعة اكبر.
والسؤال الحقيقي ليس ماذا سيفعل النفط بتونس؟
بل ماذا فعلنا باقتصاد تونس حتى اصبح سعر برميل النفط قادرا على تغيير حساباتها كلها؟
تونس و الحرب التي لا تحتاج ان تصلها
2026-09-26
9 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال