السؤال الذي يجب أن يصفع الوجوه اليوم ليس كيف سقطت سوريا بل كيف جرى تحويلها إلى مشرحة جيوسياسية مفتوحة حيث يمارس الجراحون الدوليون هواية التشريح البطيء لجثة كانت تسمى دولة.
نحن لا نتحدث هنا عن دمار خلفته نيران الحرب التقليدية بل عن عملية تدمير منهجي صُممت لتكون نهائية وبلا رجعة حيث تقتل فكرة المؤسسة في وعي الناس قبل أن تقتل الأجساد بالرصاص لكي تتحول الجغرافيا من وطن إلى مختبر بائس لاختبار نظريات الفشل وتعدد السيادات واقتصاد الدم القائم على تجارة الكبتاغون والآثار والولاءات المشتراة.
في هذا المشهد الموبوء يبرز أحمد الشرع المعروف
بالجولاني كابن شرعي لعصر الانهيار العربي الكبير.
ليس ثائرا ولا هو رجل دين بل هو مقاول حرب في سوق النخاسة السياسية.
الجولاني لا يحكم إدلب بل يديرها كصمام أمان للمصالح الإقليمية و يتحول من إرهابي إلى رجل دولة بقرار خارجي ليس لأنه تغير بل لأن البيئة الدولية تحتاج إلى أداة لضبط إيقاع الفوضى المنظمة.
هو يدرك كما يدرك كل أمراء الطوائف الجدد أن وجوده مرتبط بالبقاء داخل الهوامش المرسومة له بدقة فإذا تجرأ على الخروج عن النص خرجت السكاكين من الجيوب الدولية لتنهي دوره في لحظة ليحل محله وكيل آخر بمواصفات جديدة.
المجتمع الدولي هو تلك العائلة المتناحرة التي تركت الجثة السورية في الثلاجة لأنها لم تتفق بعد على توزيع الميراث. الولايات المتحدة لا تبالي بمن يذبح من طالما أن أمن إسرائيل هو المعيار الوحيد والنهائي للشرعية والقبول.
وروسيا لا تريد سوريا قوية أو مزدهرة بل تريدها
دولة كسيحة وتابعة بما يكفي لتبقى مجرد قاعدة عسكرية أبدية على مياه المتوسط.
أما إيران فقد حولت المقدسات إلى شبكة ميليشيات عابرة للحدود تمارس الابتزاز والتهريب لحماية مشروع إقليمي متهالك بينما يقتات النظام في دمشق على بارونات الحرب الذين يجنون المليارات من تحت الأنقاض ويقدسون اقتصاد العتمة والجوع كضمانة وحيدة لاستمرار نفوذهم.
من يحكم سوريا اليوم؟
الحقيقة المرة هي أن لا أحد يحكمها بالمعنى السياسي للكلمة. هناك فقط تجار أزمات يديرون مناطق رمادية يجمعون الأتاوات من أفواه الجياع ويبيعون السيادة في المزاد العلني لكل من يدفع أكثر.
لقد جرى استبدال الدولة الوطنية بكيانات هجينة مسلوبة الإرادة تعيش على فتات الموائد الدولية وتنتظر الأوامر من وراء الحدود.
الجريمة الكبرى التي ارتكبت في سوريا ليست سقوط نظام أو بقاءه بل هي تأميم اللادولة وتفكيك فكرة المواطنة لحساب القبيلة والطائفة والميليشيا.
استعادة سوريا لن تبدأ بترميم الحجر أو رصف الطرقات بل باستعادة المعنى المسروق من تحت ركام الخيانة الدولية والمحلية فالتاريخ لن يحفل بالأسماء العابرة التي تصدرت المشهد بالدم بل سيذكر كيف تواطأ العالم بأسره لتحويل قلعة العروبة إلى مقبرة جماعية للأحلام وكيف تحولت السيادة الوطنية إلى مجرد خرقة يمسح بها الكبار طاولات مفاوضاتهم القذرة.
لقد انتهى زمن الأوطان في هذه الجغرافيا وبدأ زمن الوكالات الحصرية للخراب.
ما يحدث في سوريا ليس حربا بالمعنى الكلاسيكي بل هو احتفالية انتحار جماعية حيث يرقص القتلة على إيقاع انهيار الدولة كفكرة قبل سقوطها كجغرافيا.
نحن أمام مشهد سريالي يتلخص في معادلة قذرة
جنرال أنقاض في دمشق يحكم ببروتوكول البراميل و مقاول أنفار في الشمال يبيع الوهم بالوكالة.
الحقيقة التي يرفض الجميع شمّ رائحتها العفنة هي أن بشار الأسد وأحمد الشرع (الجولاني) ليسا خصمين بل هما شريكان في صناعة العدم السوري كلاهما يقتات على الجثة وكلاهما لا يملك من أمره إلا ما تمليه عليه غرف المخابرات الدولية.
بشار الأسد الوريث الذي حوّل الجمهورية إلى مسلخ عائلي أثبت للعالم أن الكرسي أغلى من الوطن وأن بقاء السيادة الوهمية يستحق إبادة الشعب.
نظامه لم يكن دولة بل ميليشيا ببدلة رسمية تحميها طائرات الغريب وحراب المرتزقة.
البرميل المتفجر لم يكن سلاحا عسكريا بل كان رسالة سياسية واضحة إما أن تسجدوا للصنم أو ندفنكم تحت ركام بيوتكم.
ذلك النظام الذي يدّعي الممانعة سقط في وحل الكبتاغون وصار يموّل بقاءه بتدمير عقول شباب المنطقة محولا سوريا من قلعة للعروبة إلى ثقب أسود يصدّر الخراب واللاجئين بينما يقف هو فوق الرماد ليعلن انتصارا أجوف لا يصدقه حتى شبيحته.
ولكن لا يظننّ أحد أن السقوط ينتهي عند عتبة القصر ففي الضفة الأخرى يطل علينا عصر الوكالة بوجهه القبيح.
أحمد الشرع أو الجولاني ليس سوى ترجمة محلية لأطماع إقليمية وضيعة.
هذا الرجل الذي يحاول اليوم تسويق نفسه ببزة مدنية وخطاب ناعم ليس إلا موديل جديد صممه المشغلون لضبط إيقاع الفوضى في الشمال.
لا يبني دولة بل يقيم إقطاعية أمنية تقتات على ضرائب الجوع ومعابر الذل بانتظار اللحظة التي يتم فيها التضحية به ككرت محروق.
الجولاني ليس خيارا ثوريا بل هو وكيل حصري للخراب القادم يؤدي دوره في مسرحية تأليب الطوائف لضمان بقاء سوريا مقسمة ذليلة ومسلوبة الإرادة.
إنها الوقاحة السياسية في أبهى تجلياتها.
ديكتاتور يقتل باسم الدولة التي باعها لإيران وروسيا ومعارضة مرتهنة تقتل باسم الثورة التي قبضت ثمنها في عواصم التآمر.
الطرفان يتنافسان على لقب الجلاد الأكثر وفاء للخارج
فلا الأسد يملك ذرة من الكرامة وهو الذي أذلّ شعبه بالكيماوي والجوع ولا الشرع وأتباعه يملكون حق الحديث عن الحرية وهم الذين حوّلوا مناطق نفوذهم إلى ثكنات للفتاوى المعلبة والظلامية الممنهجة.
سوريا اليوم تقع بين مطرقة إرهاب الدولة المنظم وسندان دولة الإرهاب الناشئة والعالم كله يجلس في مقاعد المتفرجين يراقب المشرحة الجيوسياسية وهي تلتهم الأخضر واليابس.
سقطت الأقنعة فلا البرميل يحمي ديارا ولا الوكالة تبني أوطانا وما يتبقى لنا هو مشهد جنائزي لوطن تم تفكيك سيادته بدم بارد ليبقى العرب مجرد أرقام في طوابير اللجوء أو جثث مجهولة الهوية في سجلات التاريخ التي لن ترحم أحدا.
سوريا ...مشرحة سياسية مفتوحة
2026-09-25
61 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال