تقديم:
لم تعد علاقة الطفل بالمدرسة قابلة للفهم من خلال ثنائية بسيطة تفصل بين «تلميذ منضبط» و«تلميذ غير منضبط». فهذه الثنائية، رغم حضورها القوي في الخطاب التربوي اليومي، تخفي وراءها تحولات اجتماعية أوسع مست بنية الأسرة، وأشكال السلطة، وأنماط التواصل، ومصادر التنشئة، وطريقة عيش الأطفال للزمن وللفضاء. لقد تغير المجتمع الذي تستقبله المدرسة، وتغيرت معه أشكال الضبط الاجتماعي التي كانت تؤطر سلوك الطفل قبل أن يدخل القسم، أو بالتوازي مع وجوده فيه.
في هذا السياق، تجد المدرسة نفسها أمام مهمة مزدوجة. فهي مطالبة من جهة بتعليم الطفل، وتنمية قدراته، وبناء علاقته بالمعرفة، وهي مطالبة من جهة أخرى بالحفاظ على قدر من النظام الجماعي يسمح بعمل القسم. وكلما تراجعت بعض أشكال الضبط خارج المؤسسة، ازدادت الحاجة إلى إنتاجه داخلها. وهنا قد تتحول المدرسة تدريجيًا من فضاء ينظم التعلم إلى فضاء ينظم السلوك أيضًا، ومن مؤسسة تستقبل الطفل كما هو إلى مؤسسة تبذل جهدًا متزايدًا لجعله «قابلًا للتدريس».
غير أن المشكلة لا تكمن في وجود القواعد في حد ذاتها، فالمدرسة تحتاج إلى تنظيم وإلى حدود وإلى قواعد مشتركة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الضبط غاية تتوسع على حساب الغاية التي يفترض أن تخدمها القواعد، أي تمكين الطفل من التعلم والعيش الجماعي. عندها يمكن أن يتحول الهدوء إلى قيمة مستقلة عن التعلم، ويصبح الامتثال أكثر وضوحًا من الفهم، ويصبح التلميذ الناجح هو من يستطيع التكيف مع إيقاع المؤسسة قبل أن يكون هو من اكتشف متعة المعرفة.
وتتعمق المفارقة حين ننظر إلى اليوم الكامل للطفل. فالمؤسسة المدرسية لم تعد دائمًا تنتهي عند باب المدرسة. هناك الحضانة، والتدارك، والدروس الإضافية، والواجبات، والمراجعة، والتنقل، وربما أنشطة أخرى يفترض أن تمنحه فرصًا إضافية للتعلم. وفي الوقت الذي يبدو فيه كل عنصر منفردًا مبررًا، قد ينتج مجموعها يومًا طويلًا ومبرمجًا إلى درجة لا تترك للطفل إلا مساحة محدودة للعب، والحركة، والراحة، والصداقة، والخيال، وحتى للملل الذي يمثل بدوره جزءًا من التجربة الإنسانية.
ومن هنا تصبح مسألة شغف الطفل بالمدرسة أكثر تعقيدًا. فالشغف لا يصنعه الترفيه وحده، ولا يمكن استعادته بمجرد إضافة نشاط أو تقنية جديدة. إنه يتشكل من علاقة الطفل بالزمن المدرسي، وبالمعرفة، وبالمعلم، وبأقرانه، وبصورته عن نفسه داخل المؤسسة. وحين يصبح التعلم مرتبطًا في وعيه بالتعب والضغط والاختبار والواجب والمقارنة، فإن المشكلة لا تعود في «دافعيته» وحدها، بل في البيئة التي يُطلب منه أن يكون متحمسًا داخلها.
لهذا تحاول هذه الحفرية أن تنتقل من التلميذ إلى النظام الذي يحيط به، ومن السلوك الظاهر إلى الشروط التي تنتجه، ومن سؤال «لماذا لا يحب الطفل المدرسة؟» إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بما تفعله المدرسة في زمن الطفل، وفي جسده، وفي علاقته بالمعرفة، وفي إحساسه بالفرح. فربما لا تكون المدرسة الطاردة هي تلك التي تطرد التلميذ من بابها، وإنما تلك التي تجعله حاضرًا بجسده، بينما يبدأ انسحابه منها من الداخل.
1. من التلميذ غير المنضبط إلى المجتمع الذي تآكل فيه الضبط:
يميل الخطاب التربوي إلى النظر إلى تغير سلوك الأطفال باعتباره تغيرًا في الأطفال أنفسهم. وحين يقال إن التلميذ أصبح أقل انضباطًا، فإن العبارة تبدو وكأنها تقدم تفسيرًا جاهزًا للظاهرة. لكن السوسيولوجيا تدفعنا إلى التوقف عند ما يبدو بديهيًا، لأن السلوك الفردي لا ينفصل عن السياق الاجتماعي الذي يتشكل داخله. فالطفل الذي يدخل المدرسة اليوم ليس الطفل نفسه الذي كان يدخلها قبل عقود، ليس لأن «الأجيال الجديدة أسوأ»، وإنما لأن عالم التنشئة نفسه تغير.
لقد تغيرت أشكال السلطة داخل الأسرة، وتعددت مصادر التأثير، وأصبحت الشاشة حاضرة في الحياة اليومية، وتراجعت بعض أشكال الجماعة التقليدية، وتغيرت علاقة الطفل بالكبار وبالمعلومة وبالفضاء العام. بل إن الطفل نفسه أصبح يعيش داخل بيئة ثقافية وتكنولوجية تختلف جذريًا عن البيئة التي صيغت فيها بعض الأشكال المدرسية التي ما تزال تؤطر تجربته. وهذا يعني أن المدرسة تستقبل طفلًا يعيش داخل نظام اجتماعي مختلف، بينما قد تستمر بعض آلياتها في افتراض وجود نمط قديم من الطاعة والامتثال.
ومن هنا يمكن فهم جزء من التوتر الذي ينشأ داخل القسم باعتباره توترًا بين مؤسسة ما زالت تحتاج إلى قواعد واضحة، ومجتمع تغيرت فيه الطريقة التي تُكتسب بها الشرعية وتُمارس بها السلطة.
فطفل اليوم يكبر داخل عالم رقمي سريع الإيقاع، متعدد الشاشات، غني بالصورة والصوت والتفاعل الفوري، ينتقل فيه من معلومة إلى أخرى، ومن فضاء إلى آخر، في ثوانٍ معدودة. إنه يعيش زمنًا مختلفًا في إيقاعه، وفي طرائق انتباهه، وفي أشكال تواصله، وفي علاقته بالمعلومة. وفي المقابل، قد يجد نفسه داخل مدرسة ما تزال بعض بنياتها وممارساتها تُقدَّم بإيقاع بطيء، وفضاءات مغلقة، ومقاعد ثابتة، وسبورات، ودفاتر، وتسلسل خطي للمعرفة. هنا تبرز مفارقة تستحق الحفر: طفل يعيش في عالم رقمي شديد السيولة، ومدرسة قد تبدو له أحيانًا وكأنها قادمة من عالم خشبي متكلّس.
فهذا الطفل لا يعيش فقط بين الكتب والدفاتر والسبورة، بل بين «الترند» و«تيك توك»، و«الريلز» و«الستوري»، والإشعارات والتنبيهات، والمحتوى القصير والخوارزميات، و«اللايك» و«الفولو» و«الشير». ينتقل من فيديو إلى آخر، ومن صورة إلى تعليق، ومن «ترند» إلى آخر، في بيئة رقمية تكافئ السرعة والاستجابة والتفاعل الفوري. وقد أصبح «الانتظار» نفسه تجربة مختلفة: انتظار تحميل المحتوى، ثم انتظار أقل، ثم انتقال أسرع إلى شيء آخر.
إنه عالم لا تأتيه المعرفة فيه دائمًا في شكل درس مكتمل، بل قد تظهر في فيديو مدته ثوانٍ، أو في صورة، أو في «ميم»، أو في مقطع ينتشر على نحو فيروسي، أو في سؤال يطرحه أحد المؤثرين. لا يعني ذلك أن هذه الأشكال تعادل المعرفة المدرسية أو تحل محلها، وإنما يعني أن الطفل أصبح يعيش داخل اقتصاد جديد للانتباه، تتنافس فيه مئات الصور والأصوات والمحتويات على جزء صغير من تركيزه.
وهنا تتضاعف المفارقة: يدخل الطفل إلى القسم بعد أن اعتاد عالمًا رقميًا سريعًا، تفاعليًا، بصريًا، قابلًا للتخصيص، حيث يستطيع أن يختار ما يشاهد، ومتى ينتقل، وما الذي يتابعه؛ ثم يجد نفسه أمام فضاء لا يزال يطلب منه في كثير من الأحيان أن يجلس في المكان نفسه، أمام المحتوى نفسه، بالإيقاع نفسه، وبالمسار نفسه. ليس الصراع إذن بين المدرسة وتيك توك، بل بين نمطين مختلفين في تنظيم الانتباه والزمن والعلاقة بالمعرفة.
ومن هنا يصبح «الترند» أكثر من كلمة دخيلة من عالم الشباب؛ إنه علامة على ثقافة تتغير بسرعة. فما هو «ترند» اليوم قد يصبح قديمًا غدًا، بينما تحتاج المعرفة المدرسية إلى زمن أطول كي تُبنى وتترسخ. وبين سرعة الترند وبطء التعلّم تنفتح إحدى أكثر المفارقات إثارة في المدرسة المعاصرة: كيف نربي على الصبر المعرفي في عالم رقمي يكافئ الانتقال السريع؟ وكيف نعلّم الطفل أن يبقى مع السؤال، بينما تدفعه البيئة الرقمية باستمرار إلى السؤال التالي؟
ولا يعني ذلك أن المدرسة مطالبة بأن تتحول إلى شاشة، أو أن التكنولوجيا قادرة وحدها على استعادة شغف الطفل. فالمشكلة أعمق من ثنائية «رقمي/تقليدي». إنها تتعلق بالفجوة بين عالم يتغير بسرعة في أنماط الانتباه والتفاعل واكتساب المعرفة، ومؤسسة قد تستمر بعض آلياتها في العمل وفق تصورات أكثر ثباتًا للزمن، وللمعرفة، وللسلطة، ولطريقة جلوس الطفل واستماعه وتعلمه. ولذلك قد لا يكون نفور الطفل من المدرسة نفورًا من التعلم، بقدر ما يكون أحيانًا تعبيرًا عن احتكاك بين عالم تعلّم فيه الطفل أن يتفاعل، ويختار، ويبحث، ويبدّل، ومدرسة تطلب منه في كثير من الأحيان أن يجلس، وينتظر، ويصغي، ويتبع المسار المحدد سلفًا.
إنها، في جانب منها، فجوة في التزامن التربوي: الطفل يعيش في زمن، بينما قد تعمل بعض آليات المدرسة في زمن آخر. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد إدخال جهاز رقمي إلى القسم أو تحويل السبورة التقليدية إلى سبورة تفاعلية. فقد تستعمل المدرسة التكنولوجيا دون أن تصبح بالضرورة أكثر حداثة؛ وقد تتحول الشاشة نفسها إلى مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الدرس القديم. فالمسألة ليست في إدخال الجهاز إلى القسم، وإنما في مساءلة النموذج الذي يستخدمه: هل تغيرت علاقتنا بالمعرفة فعلًا، أم أننا وضعنا المعرفة القديمة على شاشة جديدة؟
يقدم ماكس فيبر (Max Weber, 1971) مدخلًا مهمًا لفهم هذه المسألة من خلال تحليله لأشكال السلطة والشرعية. فالسلطة لا تستمد فاعليتها من وجودها المادي فقط، وإنما من الاعتراف بها ومن قبول قواعدها. وحين تتغير علاقة الأفراد بالسلطة، لا يكفي أن نضاعف الأوامر حتى تستعيد المؤسسة تأثيرها. قد يحدث العكس أحيانًا، فتتحول كثافة الأوامر إلى مصدر إضافي للمقاومة.
من هنا يمكن فهم «الضبط» باعتباره مسألة اجتماعية أوسع من مجرد الانضباط الفردي. فحين يتراجع الضبط في المحيط الاجتماعي، قد تحاول المدرسة تعويض ذلك بمزيد من الضبط الداخلي، فتزداد المراقبة والتنظيم والتعليمات والتصنيفات. وبذلك تجد المؤسسة نفسها أمام مفارقة: كلما أصبح المجتمع أكثر تعقيدًا، احتاجت المدرسة إلى مزيد من التنظيم؛ وكلما ازداد التنظيم، ازداد احتمال شعور الطفل بأن المدرسة مكان يطلب منه الامتثال قبل أن يطلب منه الاكتشاف.
المسألة إذن ليست في إلغاء الضبط، وإنما في السؤال عن حدوده ووظيفته. فالضبط الذي يحمي التعلم ويضمن حق الجميع في العمل المشترك شيء، والضبط الذي يصبح هو الهدف النهائي للمؤسسة شيء آخر. وعندما يتقدم الثاني على الأول، يبدأ التحول من مدرسة تربي إلى مدرسة تدير السلوك.
2. ضغط البرامج: حين يصبح الزمن عدوًا للتعلم
البرنامج المدرسي ليس مجرد محتوى معرفي ينبغي نقله من الكتاب إلى ذهن الطفل، وإنما هو أيضًا طريقة في توزيع الزمن. وكلما ازدادت كثافة البرنامج، أصبحت المدرسة أمام معادلة صعبة: عدد كبير من المعارف والمهارات ينبغي إنجازها خلال زمن محدد، بينما يحتاج الأطفال في الواقع إلى إيقاعات مختلفة في الفهم والاستيعاب والتعبير والتدرب.
وهنا يظهر التوتر بين زمن البرنامج وزمن التعلم. فالبرنامج يمكن تقسيمه إلى وحدات ومراحل ومواعيد، أما التعلم فلا يخضع دائمًا لهذا الإيقاع الهندسي. هناك فكرة تحتاج إلى وقت كي تنضج، وخطأ يحتاج إلى وقت كي يُفهم، وسؤال قد يفتح مسارًا غير متوقع داخل الدرس. وقد يكون التلميذ في حاجة إلى إعادة المحاولة أكثر من مرة قبل أن يتحول التعثر إلى فهم.
عندما يصبح إنهاء البرنامج قيمة مركزية، قد تتحول الحصة تدريجيًا إلى سباق مع الزمن. يصبح السؤال الضمني: «أين وصلنا؟» أكثر حضورًا من السؤال: «ماذا فهم التلميذ؟». ومع مرور الوقت، يمكن أن يصبح الطفل مطالبًا بمجاراة إيقاع المؤسسة حتى عندما لا يكون هذا الإيقاع هو الإيقاع الذي يحتاج إليه تعلمه.
وهنا يستعيد إدغار موران (Edgar Morin, 1999) أهمية التفكير في التعلم باعتباره بناءً للعلاقات والروابط، لا مجرد تراكم للمعلومات. فالتفكير المعقد يحتاج إلى سياق، وإلى قدرة على الربط، وإلى تجاوز التجزئة. وهذه العملية لا تنسجم دائمًا مع منطق السرعة والإنجاز المتواصل.
لذلك فإن ضغط البرنامج لا يرهق التلميذ فقط، بل يمكن أن يغير معنى التعلم نفسه. حين يصبح المطلوب هو الوصول إلى نهاية البرنامج، قد تتحول المعرفة من مجال للاكتشاف إلى سلسلة من المحطات التي يجب اجتيازها. وعندها يبدأ الطفل في ربط المدرسة بالسباق، لا بالفضول، وبالإنجاز، لا بالمتعة.
3. حين يصبح اللعب هامشًا في حياة الطفل:
يحتل اللعب موقعًا ملتبسًا داخل المدرسة. فهو حاضر، لكنه غالبًا لا يحظى بالمكانة نفسها التي تحظى بها الأنشطة التي تحمل عنوانًا تعليميًا واضحًا. وقد يبدو اللعب وكأنه ما يحدث بين الدروس، أو بعد إنجاز العمل، أو خلال الاستراحة، أي باعتباره مساحة تقع خارج «التعلم الحقيقي».
غير أن هذا الفصل بين اللعب والتعلم يكشف عن تصور معين للطفولة. فالطفل لا يتعلم فقط عندما يجلس أمام ورقة أو كتاب، وإنما يتعلم أيضًا من خلال الحركة والتجريب والتفاعل والخيال والتفاوض مع الآخرين. واللعب يسمح له بأن يعيش هذه العمليات بطريقة أقل مباشرة وأقل خضوعًا لمنطق التقييم.
وقد جعل جورج سنيـدرز (Georges Snyders, 1986) من «الفرح في المدرسة» قضية تربوية، لأن المدرسة التي تفصل المعرفة عن الفرح قد تجعل التعلم يبدو كواجب ثقيل. والفرح هنا لا يعني تحويل المدرسة إلى فضاء للترفيه الدائم، بل يعني أن تكون المعرفة نفسها قابلة لأن تولد شيئًا من المتعة والفضول والدهشة.
ومن هذه الزاوية يصبح إدغار موران (Edgar Morin, 2014) حاضرًا في قلب المسألة. فالسعادة عند موران ليست تقنية تربوية يمكن إضافتها إلى البرنامج، وإنما جزء من سؤال الإنسان عن معنى الحياة والمعرفة والعلاقات. ولذلك فإن التربية التي تتحدث عن الإنسان وتنسى بعده الوجداني والإنساني تخاطر بتحويله إلى مجرد كائن قابل للقياس والتحصيل.
إن الطفل الذي لا يجد في يومه المدرسي سوى الواجب والاختبار والانتظار قد لا يفقد قدرته على التعلم، لكنه قد يفقد تدريجيًا العلاقة الوجدانية التي تجعل التعلم مرغوبًا. وهنا لا يعود السؤال عن مقدار ما تعلمه، وإنما عن الكيفية التي عاش بها هذا التعلم.
4. من المدرسة إلى الحضانة والتدارك: حين يتمدد التمدرس داخل اليوم كله
لم يعد من الممكن فهم زمن التلميذ من خلال ساعات وجوده داخل القسم فقط. فاليوم المدرسي يمتد في كثير من الحالات إلى فضاءات أخرى: الحضانة قبل المدرسة أو بعدها، حصص التدارك، الدروس الخصوصية، الواجبات المنزلية، المراجعة، التحضير، والتنقل المستمر بين هذه الأنشطة. وكل واحدة من هذه الممارسات يمكن أن تكون مفهومة ومبررة في سياقها، لكن اجتماعها يرسم صورة مختلفة تمامًا عن يوم الطفل.
المشكلة هنا ليست في وجود التدارك أو الدعم أو الحضانة في حد ذاتها، وإنما في مجموع الزمن الذي تستحوذ عليه منظومة التمدرس. فالطفل قد يغادر المدرسة جسديًا، لكنه لا يغادر منطق المدرسة. يظل مرتبطًا بواجب أو مراجعة أو درس أو استعداد لاختبار. وهكذا تصبح المدرسة، بمعناها الواسع، حاضرة في البيت، وفي المساء، وفي عطلة نهاية الأسبوع أحيانًا.
هذه الظاهرة تجعل الحدود بين وقت التعلم ووقت الحياة أكثر غموضًا. وعندما تتقلص المساحة الواقعة خارج التمدرس، يصبح من الصعب على الطفل أن يعيش لحظات لا يُطلب منه فيها شيء. وهذا الفراغ الذي يبدو في نظر الكبار وقتًا ضائعًا، قد يكون في نظر الطفل وقتًا ضروريًا لاستعادة التوازن.
لقد أصبح من المعتاد أن نتعامل مع الوقت وكأنه مورد ينبغي استثماره إلى أقصى حد. لكن الطفولة لا يمكن اختزالها في منطق الاستثمار. فالإنسان يحتاج إلى وقت غير منتج، وإلى لحظات لا يكون فيها مطالبًا بإظهار نتيجة.
ومن هنا يصبح تمدد التمدرس داخل اليوم سؤالًا سوسيولوجيًا حول حدود المؤسسة، وحول علاقتها بالأسرة، وحول تصور المجتمع للنجاح، وحول الضغط الذي يمارس على الطفل باسم مستقبله.
5. حين لا يبقى للطفل وقت ليكون طفلًا:
حين ننظر إلى يوم الطفل من الخارج، قد يبدو مليئًا بالنشاط والحركة والتعلم. لكن النظر من الداخل يكشف سؤالًا آخر يتعلق بالوقت الذي لا يخضع لأي هدف محدد. فالطفل يحتاج إلى اللعب، والحركة، والصداقة، والخيال، والحديث، والتجول، وربما إلى الجلوس دون أن يفعل شيئًا.
هذا الزمن غير المبرمج لا يعني بالضرورة الكسل أو الهدر. إنه جزء من تكوين الشخصية، لأن الطفل يتعلم فيه أن يختار، وأن يبتكر، وأن يتعامل مع الملل، وأن ينظم وقته دون أن تكون هناك دائمًا تعليمات جاهزة. وعندما يصبح كل وقت في يومه محكومًا بهدف، يمكن أن يفقد تدريجيًا القدرة على إنتاج المعنى من تلقاء نفسه.
هنا يمكن أن نستحضر نقد بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1980) للطريقة التي تتوزع بها الموارد والفرص بين الفئات الاجتماعية. فليس كل الأطفال يملكون الوقت نفسه، ولا الفضاء نفسه، ولا الموارد نفسها. وقد يتحول الضغط على الطفل من أجل النجاح إلى آلية أخرى لإعادة إنتاج الفوارق، لأن بعض الأسر تستطيع توفير الدعم والأنشطة والموارد، بينما لا تستطيع أسر أخرى ذلك.
لكن القضية لا تتوقف عند التفاوت الاجتماعي. إنها تمس صورة الطفولة ذاتها. فحين نعامل الطفل باستمرار باعتباره مشروعًا للمستقبل، قد ننسى أنه إنسان يعيش الحاضر. وكلما أصبح المستقبل أكثر حضورًا في خطاب التربية، أصبح الحاضر أكثر هشاشة.
وهنا يظهر سؤال السعادة مرة أخرى. فالطفل لا يحتاج فقط إلى أن نعده بحياة أفضل في المستقبل، وإنما يحتاج أيضًا إلى أن يعيش حاضرًا يمكن احتماله، وربما حبه.
6. أمكنة مغلقة وطفولة محاصرة:
تنظم المدرسة جسد الطفل قبل أن تنظم معارفه. فهي تحدد له أين يجلس، ومتى يقف، ومتى يتحدث، ومتى ينتقل، ومتى يصمت. وهذه التنظيمات ليست بلا وظيفة، لأن الجماعة تحتاج إلى قدر من التنسيق حتى يمكن للعمل المشترك أن يستمر. لكن التنظيم حين يصبح دائمًا يمكن أن يتحول إلى تجربة يشعر فيها الطفل بأن جسده نفسه موضوع للمراقبة.
وقد بيّن ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975) كيف تعتمد المؤسسات الحديثة على تقنيات تنظيم الزمن والفضاء والجسد والمراقبة. ولا يعني هذا اختزال المدرسة في صورة السجن، لأن المدرسة تؤدي وظائف معرفية واجتماعية مختلفة، وإنما يعني أن المؤسسة التربوية تشارك، مثل غيرها من المؤسسات الحديثة، في إنتاج أنماط معينة من السلوك.
الطفولة، في المقابل، مرتبطة بالحركة. والطفل يكتشف العالم من خلال جسده، لا من خلال عقله المجرد فقط. ولذلك فإن التوتر بين حاجة المؤسسة إلى تنظيم الحركة وحاجة الطفل إلى الحركة ليس تفصيلًا صغيرًا، بل هو جزء من بنية العلاقة المدرسية نفسها.
كلما ازداد الوقت الذي يقضيه الطفل في فضاءات مغلقة ومقاعد ثابتة، ازدادت أهمية السؤال حول كيفية إعادة إدخال الجسد والحركة والفضاء المفتوح إلى التجربة التعليمية. فالمدرسة التي تتعامل مع الجسد باعتباره شيئًا يجب تهدئته باستمرار قد تجد نفسها في صراع دائم مع طبيعة الطفل نفسها.
7. مدرسة جماعية تُنتج الفردانية:
تجمع المدرسة الأطفال في فضاء واحد، لكنها في الوقت نفسه تضع كل واحد منهم أمام مسار فردي من التقييم والمقارنة. لكل تلميذ علامة، ومعدل، ونتيجة، وترتيب، ونجاح أو تعثر. وهكذا يمكن أن تتحول الجماعة المدرسية إلى فضاء يعيش فيه الأطفال معًا، لكنهم يقيسون أنفسهم باستمرار بالآخرين.
هذه المفارقة لا تعني أن المدرسة تتعمد إنتاج الفردانية، وإنما تكشف عن آثار جانبية لبعض آلياتها. فحين يصبح النجاح قيمة فردية قابلة للقياس، يصبح الطفل أكثر حساسية لموقعه مقارنة بزملائه. وقد يصبح الآخر في بعض الحالات منافسًا أكثر منه شريكًا.
وقد أظهر بورديو وباسرون (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970) أن المدرسة لا تعمل فقط على نقل المعرفة، وإنما تساهم أيضًا في إنتاج التصنيفات والشرعيات الاجتماعية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التقييم المدرسي بوصفه آلية تمنح الأفراد مواقع رمزية داخل الجماعة.
وهنا يظهر تناقض آخر: نطلب من الطفل أن يتعاون، لكننا نقيس نجاحه فرديًا. نعلمه قيمة الجماعة، لكننا نضعه باستمرار أمام مرآة المقارنة. نريده أن يشعر بأنه جزء من جماعة، ثم نعيده في نهاية كل مرحلة إلى سؤال: «كم حصلت أنت؟».
وهذا التوتر قد يكون أحد العوامل التي تجعل المدرسة أقل قدرة على إنتاج شعور جماعي بالفرح.
8. التلميذ الذي يصبح موضوعًا للإدارة أكثر من كونه فاعلًا:
كل مؤسسة تحتاج إلى أدوات للتنظيم والمتابعة. لكن كلما توسعت أدوات القياس، ظهر خطر اختزال الإنسان في المؤشرات التي تقيسه. والتلميذ يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى مجموعة من البيانات: معدل، حضور، غياب، سلوك، نتيجة، مستوى.
هذه البيانات مفيدة من الناحية الإدارية والتربوية، لكنها لا تكفي لفهم الطفل. فالإنسان، كما يذكّرنا إدغار موران (Edgar Morin, 1999)، كائن معقد لا يمكن اختزاله إلى أبعاد منفصلة. والطفل الذي يحصل على علامة ضعيفة لا تختصره علامته، كما أن الطفل المتفوق لا تختصره نتيجته.
يصبح الخطر أكبر حين تتحول المؤشرات إلى هوية. فإذا صار الطفل في نظر المؤسسة «المتعثر»، أو «المشاغب»، أو «المتفوق»، فقد يبدأ هو نفسه في بناء صورته الذاتية انطلاقًا من هذه التصنيفات.
وهنا لا يعود التقييم مجرد أداة لمعرفة ما تعلمه الطفل، وإنما يصبح جزءًا من الطريقة التي يرى بها الطفل نفسه.
إن المدرسة تحتاج إلى أن تقيس، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تتذكر أن ما لا يمكن قياسه ليس بالضرورة أقل أهمية. الفضول، والفرح، والثقة، والشعور بالأمان، والرغبة في السؤال، والعلاقة بالآخر… كلها أبعاد يصعب اختزالها في جدول.
9. حين يصبح التلميذ المشاغب مشكلة بدل أن يصبح سؤالًا:
يبدو «التلميذ المشاغب» في الخطاب المدرسي شخصية واضحة: طفل يعطل الدرس، يتحدث كثيرًا، يتحرك، يرفض، أو لا يحترم القواعد. لكن هذا الوصف، مهما كان صحيحًا في بعض الحالات، لا يفسر وحده ما يحدث. فالسلوك المدرسي لا ينفصل عن علاقة الطفل بالمؤسسة وبالمعلم وبالزملاء وبالمحتوى وبالزمن.
ليس المطلوب أن نبرر السلوك المزعج، ولا أن نلغي مسؤولية الطفل عن أفعاله، وإنما أن نرفض تحويل السلوك إلى حكم نهائي على الشخص. فقد يكون السلوك في بعض الأحيان طريقة للتعبير عن الملل أو الضغط أو الإحباط أو الحاجة إلى الاعتراف أو رفض نمط معين من التعلم.
ومن هذه الزاوية يصبح «التلميذ المشاغب» سؤالًا مؤسسيًا أيضًا. فالمؤسسة التي تنتج إيقاعًا واحدًا للجميع قد تجد دائمًا أطفالًا لا يستطيعون أو لا يريدون الدخول في هذا الإيقاع.
وهنا يمكن أن يتحول السلوك الذي نريد إسكاتَه إلى مكشاف يكشف لنا شيئًا عن المدرسة نفسها. ليس كل اضطراب في القسم مصدره الطفل، كما أن ليس كل مشكلة سببها المؤسسة. لكن السوسيولوجيا ترفض أن تبدأ البحث من الإدانة، وتفضّل أن تبدأ من السؤال عن العلاقات التي أنتجت السلوك.
10. المدرسة الطاردة: حين يغادر التلميذ من الداخل
الطرد المدرسي لا يحدث دائمًا بقرار رسمي. هناك شكل أكثر هدوءًا، وأكثر صعوبة في القياس، يتمثل في بقاء الطفل داخل المؤسسة مع فقدان علاقته الوجدانية بها. يدخل القسم، يجلس، يكتب، يجيب، وربما ينجح، لكنه لا يشعر بأن المدرسة مكان ينتمي إليه.
وهنا تصبح عبارة «الحضور الجسدي والغياب الوجداني» مفتاحًا لفهم جانب من المشكلة. فالمدرسة يمكن أن تنجح في إبقاء الطفل داخل فضائها، لكنها لا تستطيع أن تفرض عليه علاقة إيجابية بالمعرفة. يمكنها أن تفرض الحضور، لكنها لا تستطيع أن تأمر بالفضول. يمكنها أن تطلب الصمت، لكنها لا تستطيع أن تأمر بالإنصات الحقيقي.
ولهذا فإن المدرسة الطاردة ليست بالضرورة مدرسة قاسية أو مدرسة فاشلة. قد تكون مدرسة تعمل بجدية وتلتزم بالبرامج وتطبق القواعد، لكنها لا تنتبه إلى أن بعض الأطفال يغادرونها من الداخل قبل أن يغادروها جسديًا.
وهذا الانسحاب الداخلي قد يبدأ بأشياء صغيرة: فقدان الرغبة في السؤال، الخوف من الخطأ، الشعور بأن المدرسة لا تشبهه، الملل المتكرر، أو الإحساس بأن النجاح لا يمنحه سوى مزيد من الواجبات.
عند هذه النقطة يصبح الشغف مسألة بنيوية، لا مجرد مسألة تحفيز.
11. هل تكفي الأنشطة لجعل المدرسة جاذبة؟
حين يشعر المربون بأن المدرسة أصبحت أقل جاذبية، يكون الحل السريع غالبًا هو إضافة أنشطة جديدة. الرحلات، الألعاب، التكنولوجيا، النوادي، المشاريع، الموسيقى، الرياضة وغيرها يمكن أن تثري التجربة المدرسية فعلًا. لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه الأنشطة إلى طبقة إضافية فوق بنية مدرسية ما زالت ثقيلة.
فقد يصبح النشاط نفسه واجبًا، والمشروع نفسه مجالًا للتقييم، والتكنولوجيا نفسها وسيلة أخرى للإنجاز. وهكذا نضيف الجاذبية إلى المدرسة دون أن نعيد النظر في أسباب النفور منها.
الجاذبية الحقيقية لا تتعلق بعدد الأنشطة، وإنما بنوعية التجربة التي يعيشها الطفل داخل المؤسسة. هل يشعر أن الوقت يمر بطريقة معقولة؟ هل يستطيع أن يسأل؟ هل يسمح له أن يخطئ؟ هل يشعر أن المعلم يراه كشخص لا كمجرد تلميذ؟ هل يجد مساحة للحركة؟ هل يشعر أن المعرفة مرتبطة بالعالم الذي يعيش فيه؟
بهذا المعنى، لا تكون المدرسة السعيدة مدرسة بلا قواعد ولا مدرسة تحول كل درس إلى لعبة. إنها مدرسة لا تجعل التعلم عدوًا للحياة، ولا تجعل الجدية مرادفًا للكآبة.
12. ماذا لو كان الإصلاح هو تقليص ما نضيفه إلى الطفل؟
يميل التفكير الإصلاحي إلى الإضافة. حين تظهر مشكلة، نضيف إجراءً. وحين يظهر تعثر، نضيف دعمًا. وحين يزداد الضغط، نضيف برنامجًا للمساندة. وحين يقل الحماس، نضيف نشاطًا.
لكن المدرسة قد تحتاج أحيانًا إلى سؤال معاكس: ما الذي يمكن أن نزيل؟
إزالة فائض الواجبات لا تعني إلغاء المسؤولية. وتقليص ضغط البرنامج لا يعني التخلي عن المعرفة. وتخفيف كثافة اليوم لا يعني إهمال الطفل. إنما يعني الاعتراف بأن الإنسان له قدرة محدودة على التحمل والانتباه والاستيعاب، وأن التربية لا تتحسن دائمًا بمجرد زيادة ما نطلبه.
وقد كان إيفان إيليتش (Ivan Illich, 1971) من أبرز من دعوا إلى مساءلة الحدود التي تفصل بين التعلم والتمدرس، وإلى التفكير في ما يحدث عندما تصبح المؤسسة التعليمية معيارًا وحيدًا لاكتساب المعرفة.
ليس المطلوب استنساخ أطروحة إيليتش أو الدعوة إلى إلغاء المدرسة، وإنما استخدام سؤاله النقدي: متى تتحول الوسيلة إلى غاية؟ ومتى يصبح التمدرس أكبر من التعلم نفسه؟
ربما يكون بعض الإصلاح إذن في تحرير الطفل من فائض ما نضعه على كتفيه، لا في إضافة المزيد إليه.
13. من إصلاح المدرسة إلى إصلاح يوم الطفل:
في النهاية، لا يمكن أن نفهم علاقة الطفل بالمدرسة دون أن ننظر إلى اليوم كله. فالتلميذ لا يدخل المدرسة فارغًا ويخرج منها فارغًا؛ إنه يأتي إليها حاملًا نومه، وعلاقاته، وأسرته، وشاشته، وتعبه، ومخاوفه، وفضوله، وما حدث معه قبل الوصول إليها.
ولهذا فإن إصلاح المدرسة لا يمكن أن يكون منفصلًا تمامًا عن إصلاح الزمن الذي يعيش فيه الطفل. حين نضغط المدرسة داخل يوم طويل، ثم نضيف الحضانة والتدارك والدروس والواجبات، فإننا لا نتعامل مع أوقات منفصلة، بل مع حياة واحدة.
وهنا يعود إدغار موران (Edgar Morin, 2014) ليضع أمامنا الإنسان في كليته. فالتربية لا تتعلق فقط بتكوين عقل قادر على الإجابة، وإنما بإنسان قادر على أن يعيش، وأن يقيم علاقات، وأن يفهم ذاته والعالم، وأن يجد معنى في وجوده. ومن الصعب تصور تربية إنسانية إذا كان الزمن نفسه قد أصبح مكتظًا إلى درجة لا تترك للطفل مجالًا للحياة خارج الأهداف المحددة مسبقًا.
لذلك ربما ينبغي أن يصبح «يوم الطفل» نفسه موضوعًا للتفكير التربوي. ليس فقط ماذا يحدث داخل المدرسة، بل ماذا يحدث قبلها وبعدها. ليس فقط كم تعلم، بل كم تعب. ليس فقط كم أنجز، بل كم لعب. ليس فقط كم حصل على علامة، بل كم احتفظ بفضوله.
وعند هذه النقطة، تصبح السعادة المدرسية أقل ارتباطًا بفكرة الترفيه وأكثر ارتباطًا بفكرة التوازن. أن يكون هناك مكان للتعلم، ومكان للعب، ومكان للراحة، ومكان للصداقة، ومكان للصمت، ومكان للخيال، ومكان حتى لعدم فعل شيء.
خاتمة: هل فقد التلميذ شغفه بالمدرسة… أم فقدت المدرسة قدرتها على إيقاظ الشغف؟
ربما لا يكون التلميذ قد فقد شغفه بالمدرسة بالمعنى البسيط الذي يوحي به الخطاب اليومي. وربما لا تكون المشكلة في «جيل لا يحب الدراسة» كما قد يبدو من بعض الانطباعات. فالعلاقة بالمدرسة أكثر تعقيدًا من ذلك، لأنها تتشكل داخل مجتمع تغيرت فيه السلطة، والزمن، والأسرة، والإعلام، والتكنولوجيا، وأنماط التنشئة، وصورة النجاح نفسها.
لكن الحفر في هذه الطبقات يكشف مفارقة يصعب تجاهلها: نريد طفلًا سعيدًا، بينما نملأ يومه بالالتزامات؛ نريده محبًا للمعرفة، بينما نربط المعرفة أحيانًا بالضغط والإنجاز؛ نريده مبدعًا، بينما نقلص مساحة الخطأ واللعب؛ نريده اجتماعيًا، بينما ندفعه إلى المقارنة الفردية؛ ونريده أن يحب المدرسة، بينما قد نجعل جزءًا كبيرًا من حياته امتدادًا لها.
ويضاف إلى ذلك سؤال آخر لا يقل إلحاحًا: كيف نطلب من طفل يعيش في عالم رقمي سريع، تفاعلي، متعدد الوسائط، أن يجد نفسه بسهولة داخل مؤسسة قد تستمر بعض أشكالها في العمل بإيقاع خطي، وفضاءات مغلقة، وممارسات تشبه عالمًا خشبيًا متكلسًا؟ ليست المسألة أن نستبدل المدرسة بالشاشة، ولا أن نُخضع التربية لمنطق السرعة الرقمية، وإنما أن نسأل عن قدرة المؤسسة على إعادة التفكير في علاقتها بالزمن، والمعرفة، والجسد، والفضاء، والانتباه، والسلطة.
فبين اقتصاد الانتباه الرقمي واقتصاد الانتباه المدرسي، وبين سرعة الترند وبطء التعلم، وبين الطفل الذي اعتاد الانتقال والاختيار والتفاعل، والمؤسسة التي ما تزال تطلب منه أحيانًا الجلوس والانتظار والإصغاء، تظهر مسافة لا يمكن اختزالها في مجرد صراع بين «القديم» و«الجديد». إنها مسافة في طرائق عيش الزمن، وفي معنى المعرفة، وفي أشكال الحضور نفسها.
وليست المشكلة إذن في القواعد وحدها، ولا في البرامج وحدها، ولا في المعلم وحده، ولا في الأسرة وحدها، ولا في التكنولوجيا وحدها. إنها في شبكة كاملة من الانتظارات الاجتماعية والمؤسساتية التي تحيط بالطفل وتعيد تنظيم يومه وصورته عن التعلم بصورة متزايدة.
ومن هنا تصبح السعادة، في الأفق الذي يفتحه إدغار موران، أكثر من لحظة فرح داخل القسم. إنها سؤال عن الإنسان الذي نريد أن نربيه، وعن الحياة التي نسمح له بأن يعيشها وهو يتعلم. فالتربية التي تنشغل ببناء المستقبل لا ينبغي أن تنسى أن الطفل يعيش الآن، وأن الحاضر ليس مجرد غرفة انتظار للمستقبل.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم: كيف نجعل المدرسة أكثر جاذبية؟
بل كيف نجعلها أقل طردًا؟
كيف نعيد إلى الطفل بعضًا من زمنه؟
كيف نترك للعب مكانه؟
كيف نخفف من فائض التمدرس؟
كيف نجعل المعرفة تجربة يمكن أن تُعاش، لا مجرد مسار يجب اجتيازه؟
وكيف نردم، دون أن نهدم المدرسة، تلك المسافة المتزايدة بين العالم الذي يعيش فيه الطفل والمؤسسة التي نطلب منه أن يتعلم داخلها؟
أنا لا أقدّم حلولًا جاهزة، لأن الحفر هنا لا يقود إلى وصفة واحدة. إنه يقود فقط إلى طبقة أكثر عمقًا من السؤال: هل نريد أن نصلح المدرسة لكي يحبها الطفل، أم نريد أولًا أن نعيد للطفل حقه في أن يعيش يومًا يمكن أن يحبّه؟
فالحفر لم ينتهِ…
بل ربما بدأ للتو...
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre. (1980). Le Sens pratique. Paris: Les ditions de Minuit.
2. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. (1970). La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les ditions de Minuit.
3. Foucault, Michel. (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris: Gallimard.
4. Goffman, Erving. (1973). La Mise en scène de la vie quotidienne. Tome 1 : La présentation de soi. Paris: Les ditions de Minuit.
5. Illich, Ivan. (1971). Une société sans école. Paris: ditions du Seuil.
6. Morin, Edgar. (1999). La Tête bien faite. Repenser la réforme, réformer la pensée. Paris: ditions du Seuil.
7. Morin, Edgar. (2014). Enseigner à vivre. Manifeste pour changer l’éducation. Paris: Actes Sud / Play Bac.
8. Snyders, Georges. (1986). La Joie à l’école. Paris: Presses Universitaires de France.
9. Snyders, Georges. (1991). Des élèves heureux. Réflexion sur la joie à l’école à partir de quelques textes littéraires. Paris: Presses Universitaires de France.
10. Weber, Max. (1971). conomie et société. Paris: Plon.
حين تُطفئ المدرسةُ شغفَ التلميذ باسم الضبط: حفريات في صناعة المدرسة الطاردة _ من تآكل الضبط الاجتماعي إلى كآبة المدرسة: كيف تتحول المؤسسة التربوية من فضاءٍ للابتهاج إلى فضاءٍ للنفور؟
2026-09-23
85 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال