رشا عوض والوحش الذي صنعه الخطاب ثم ظل يطارده
يا رشا عوض
ليس الإسلام هو الكيزان وليس كل إسلامي كوزا وليس كل صاحب لحية عضوا في تنظيم سياسي وليس كل امرأة محجبة واجهة لمشروع أمني وليس كل من اختلف معك في تفسير السودان عميلا متخفيا ينتظر لحظة الانقضاض.
هذه بديهيات كان يفترض أن يعرفها من يتحدث عن الديمقراطية.
لكن مشكلتك أن الإسلاميين في خطابك لم يعودوا تيارا سياسيا يمكن نقده ومحاسبة أفراده، وإنما تحولوا إلى كائن ميتافيزيقي يختبئ وراء كل ستار ويتسلل إلى كل مؤسسة، ويتقمص كل شخص حتى أصبح من الممكن عندك أن يكون مجرد قول الإنسان إن الكيزان انتهوا سببا لوضعه بين قوسين وفحصه.
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام تحليل سياسي أم أمام عقلية أمنية تعمل في الاتجاه المعاكس؟
جهاز الأمن كان يقول للناس انتبهوا هذا معارضا.
وأنت تقولين: انتبهوا هذا كوزا وهو نفس المنطق
والنتيجة واحدة:
إلغاء الإنسان قبل محاكمته على فكرته وموقفه
أما الإسلام نفسه فلا أعرف بأي حق تريدين تحميله جرائم افراد.
الإسلام الذي جاء بالتوحيد والعدل والرحمة وحفظ الدماء والأموال والأعراض لا يصبح مسؤولا عن أخطاء من رفعوا اسمه ثم ظلموا باسمه.
والمسيحية لا تصبح مسؤولة عن جرائم من ارتكبوا الفظائع باسمها
والليبرالية مسؤولة عن فساد كل ليبرالي
والشيوعية مسؤولة عن كل جريمة ارتكبها حزب شيوعي.
فلماذا يصبح الإسلام وحده متهما كلما أخطأ مسلم أو فشل إسلامي في السياسة؟
أما أن يتحول نقد تجربة سياسية إلى عداء للإسلام في مظهره العام النقاب واللحية فهذه ليست ديمقراطية وإنما مصادرة لفكرة التعدد نفسها ومصادرة للحريات.
والإسلاميون ليسوا كتلة صماء كما تحاولين تصويرهم.
فيهم من أخطأ وفيهم من أجرم وفيهم من اختلف وفيهم من عارض وفيهم من انسحب وفيهم من راجع تجربته وفيهم من لا علاقة له أصلا بالتنظيمات التي حكمت السودان.
فمنطق العدالة يقول:
المسؤولية شخصية.
والذي ارتكب جريمة يحاسب عليها.
والذي سرق يحاسب.
والذي عذب يحاسب.
والذي انقلب على النظام الدستوري يحاسب.
لكن لا يجوز أن يتحول الانتماء الفكري أو التدين أو الموقف الإسلامي إلى جريمة بالوكالة.
إذا كان الإسلاميون قد مارسوا التمكين فهل العلاج أن يمارس خصومهم التمكين المضاد
وإذا كانوا قد احتكروا الدولة فهل العلاج أن يحتكرها خصومهم.
وإذا كانوا قد خلطوا بين الحزب والدولة فهل من حق خصومهم أن يخلطوا بين الدولة وخصومتهم مع الإسلاميين.
الاستبداد لا يصبح ديمقراطية عندما يغير القميص.
ثم إن عبارتك عن الوحش الكيزان المتصور في عقليتك الهشه ونواحك تكشف مشكلة أكبر.
أنت لا تريدين فقط أن يحاسب الإسلاميون على ما فعلوا بل تريدين أن يبقى الإسلامي ون فزاعة ووحشا سياسيا دائما حتى بعد تغير الظروف لأن وجود الوحش ضروري لكي يستمر خطاب التعبئة.
فإذا انتهى الوحش سقط جزء كبير من مبررات خطابك ونواحك.
ولهذا يصبح من الضروري عندك أن يبقى الكوز مختبئا تحت السرير وفي المكتب وفي النقابة وفي الإعلام وفي الشارع وفي المجتمع بل وربما في رأس كل من يجرؤ على مخالفة رائيك .
وهذه طريقة خطرة في التفكير.
فالسودان لا يمكن أن يبنى على قاعدة:
فتش عن الكوز.
كما لم يكن يمكن أن يبنى بالأمس على قاعدة:
فتش عن الشيوعي.
ولا يمكن أن يبنى غدا على:
فتش البعثي أو الليبرالي أو الطائفي.
الفكر الذى يجعل المواطنيين ملفات أمنية لا يصنع ديمقراطية.
والفكر الذي يجعل الخصومة السياسية شبهة أخلاقية لا يصنع حرية.
والفكر الذي يعاقب الإنسان على هويته الفكرية قبل فعله يعيد إنتاج الاستبداد ولو رفعت فوق مؤسساته ألف لافتة عن الديمقراطية.
ثم هناك سؤال لا تستطيع هذه اللغة الهروب منه:
إذا كان الإسلاميون هم أكبر مصيبة في السودان فهل يعني ذلك أن كل مصائب السودان الأخرى تصبح ثانوية؟
هل أخطاء القوى المدنية والحركات المسلحة والقوى الإقليمية والقبلية لا تستحق الحساب إلا بعد الانتهاء من الوحش؟
هذا ليس تحليلا.
هذا اختزال للسودان في خصم واحد.
والأخطر أن هذا الاختزال يمنح الآخرين رخصة مجانية.
فإذا كان الكوز هو الشر المطلق يصبح خصمه تلقائيا الخير المطلق
وهذه واحدة من أكثر الأفكار خطرا في السياسة.
لأن التاريخ السوداني نفسه أثبت أن الخصومة مع الإسلاميين لا تمنح أحدا شهادة براءة.
يمكن للإنسان أن يكون ضد الإسلاميين ويخطئ ويسرق ويكذب .
ويمكن أن يكون ضد النظام السابق ويكذب.
ويمكن أن يكون مدنيا ويرتكب الاستبداد.
ويمكن أن يكون ليبراليا ويحتقر خصومه.
ويمكن أن يكون يساريا ويمارس الإقصاء.
ويمكن أن يكون إسلاميا ويرتكب الجريمة.
الإنسان يحاسب على فعله لا على اللافتة التي يحملها.
وهذا هو الفارق بين دولة القانون وبين دولة الأيديولوجيا.
وأقول لك شيئا آخر:
لا تخافوا من الإسلاميين إلى هذه الدرجة.
إذا كنتم تؤمنون حقا بالديمقراطية فدعوا الإسلاميين يتحدثون.
دعوا المسلم المحافظ يتحدث.
دعوا المحجبة تتحدث.
دعوا صاحب اللحية يتحدث.
دعوا الإسلاميين يدخلون الانتخابات ثم واجهوهم بالفكرة.
فإن أقنعوا الناس فهذه إرادة الناس.
وإن فشلوا فهذه أيضا إرادة الناس.
أما أن تخافوا من مجرد وجودهم في المجال العام ثم تسموا ذلك تحريرا للسودان فهذه ليست ثقة بالديمقراطية.
هذه ثقة ضعيفة بالديمقراطيين وخوف من الشعب نفسه.
والأدهى من ذلك أن بعض من يرفعون راية الديمقراطية يريدون ديمقراطية بلا إسلاميين.
وهذه ليست ديمقراطية.
إنها ديمقراطية انتقائية حرية لمن نتفق معهم وتسامح مشروط لمن نحتملهم وحظر معنوي لمن نكرههم.
أما الديمقراطية الحقيقية فتختبر نفسها مع الخصم الذي لا تحبه.
فإذا كنت لا تستطيع قبول وجود إسلامي سلمي ينافسك بالقانون فأنت لم تنتصر على الاستبداد أنت فقط تنتظر دورك في إدارة الإقصاء وممارسة الاستبداد.
نحن لا نطالب بتبرئة أحد.
ولا نقول إن الإسلاميين فوق القانون.
بل نقول شيئا بسيطا جدا:
افصلوا التنظيمات عن أفرادها وافصلوا المسؤولية السياسية عن المسؤولية الجنائية وافصلوا التاريخ عن الحاضر وافصلوا نقد الفكرة عن اضطهاد أصحابها.
ثم حاسبوا كل إنسان بما اقترف.
أما أن تجعلوا الإسلام كله متهما لأن جماعة سياسية رفعت رايته، ثم تجعلوا كل إسلامي مشروعا أمنيا حتى يثبت العكس فهذه ليست معركة من أجل الديمقراطية.
إنها معركة أيديولوجية ضد الإسلام متخفية في ثوب الديمقراطية.
ولعل أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بإدانة الإسلاميين على أفعالهم بل يريد أن يجعل هويتهم نفسها دليلا على الجريمة.
وهنا نقول:
لا.
الإسلام ليس جريمة.
والتدين ليس جريمة.
والدعوة إلى دولة ذات مرجعية إسلامية ليست جريمة.
والإسلامي ليس مواطنا من الدرجة الثانية.
ومن ارتكب جريمة فليحاسب.
ومن لم يرتكب جريمة فليس لأحد أن يصنع له ملفا من لحيته أو حجاب زوجته أو صلاته أو موقفه من الدين.
نريد دولة يكون فيها الإسلام محترما والإسلامي مواطنا كاملا والليبرالي مواطنا كاملا واليساري مواطنا كاملا وغير المسلم مواطنا كاملا والجميع تحت القانون لا فوقه.
فإن كانت هذه هي الديمقراطية التي تنادين بها فمرحبا بها.
أما إذا كانت الديمقراطية عندك تعني أن نختلف معك فنصبح بين قوسين وأن ندافع عن حق الإسلاميين في الوجود السياسي فنصبح موضع شبهة وأن نرفض اختزال السودان في خصم واحد فنصبح متواطئين معه، فالمشكلة عندئذ ليست في الكوز الذي تبحثين عنه.
المشكلة في النظارة التي تبحث عن الكوز حتى إذا لم تجده صنعت واحدا.
واخيرا لنقل جدلا ان الإسلاميين اسوء ملة فما رائيك بالاسلام نفسه هو خطا ام صواب
رشا عوض والوحش الذي صنعه الخطاب
2026-09-23
14 قراءة
مقالات رأي
ابراهيم عباس البشرى
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال