بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أنطولوجيا الهيمنة الرقمية: الإنسان كمعطى والدولة كوظيفة داخل إمبراطورية رأس المال

2026-03-17 255 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أنطولوجيا الهيمنة الرقمية: الإنسان كمعطى والدولة كوظيفة داخل إمبراطورية رأس المال
نحن لا نعيش اليوم حرباً بالمعنى الكلاسيكي الذي درسه كلاوزفيتز أو خطط له بيسمارك بل نحن أمام عملية جرد حساب كوني تُدار بعقول باردة في غرف مظلمة لا تدخلها الشمس حيث تسقط الأقنعة السياسية لتبدو الحقيقة العارية. العالم ليس إلا شركة مساهمة كبرى والدماء ليست سوى حبر أحمر يُكتب به في دفاتر الحسابات السنوية.
حين أتأمل مشهد الحرب في إيران وعليها في عام 2026 لا أرى طائرات إف35 أو صواريخ فاتح فحسب بل أرى أرقاماً تتراقص في بورصة وول ستريت وأرى الديناصورات العابرة للقارات تلتهم السيادات الوطنية وتفتت الجغرافيا لتعيد بناءها على مقاس أرباحها.
ما يحدث الآن هو انفجار المجمع الصناعي العسكري الرقمي البيولوجي وهو غول لم يشهد التاريخ له مثيلاً حيث تزاوج السلاح مع الخوارزمية والطلقة مع المصل لتصبح الشعوب مجرد بيانات أو فئران تجارب في مختبر الجيوسياسة الكبير.

دعونا نتحدث بلغة الأرقام الصادمة التي يخشاها الساسة إن شركة لوكهيد مارتن (Lockheed Martin) التي تتربع على عرش القتل المنظم.
لم تعد تكتفي ببيع الطائرات بل إن عقودها لعام 2026 تجاوزت 120 مليار دولار حيث ارتفعت أسهمها بنسبة 35% بمجرد سماع أول دوي انفجار في منشأة نطنز.
والمفارقة هنا أن هذه الشركة ليست وحدها بل يشاركها الفرسان الأربعة في نادي الموت ريثيون (RTX) نورثروب غرومان و جنرال دايناميكس.
هؤلاء هم أباطرة الخراب الذين ضمنوا أن ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2026 ستتجاوز تريليون دولار لأول مرة في تاريخ البشرية.
لكن الصدمة الحقيقية ليست في السلاح التقليدي بل في خصخصة القتل عبر شركات مثل أندوريل (Anduril Industries) التي يقودها بالمر لوكي والتي أدخلت الذكاء الاصطناعي الانتحاري إلى الميدان حيث يتم تصفية الأهداف بخوارزميات لا تملك قلباً ولا ضميراً بل تملك فقط أوامر برمجية لرفع كفاءة القتل وخفض تكلفة الجندي البشري.

وإذا انتقلنا إلى جبهة الأمن السيبراني فإننا نكتشف أن الحرب في إيران هي المعرض العالمي الأول لشركات مثل بالانتير (Palantir Technologies) التي يرأسها أليكس كارب. هذه الشركة التي يملك فيها بيتر ثيل اليد الطولى ليست مجرد شركة برمجيات بل هي العين التي ترى كل شيء حيث تقوم معالجاتها بتحليل تريليونات البيانات في الثانية الواحدة للتنبؤ بتحركات الحرس الثوري قبل وقوعها.
إننا نتحدث عن سوق للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري قفز من 200 مليار دولار في 2024 إلى ما يقارب 600 مليار دولار في هذا العام الملعون 2026. الشركات مثل كراود سترايك (CrowdStrike) و سنتينل وان لا تبيع حماية، بل تبيع منع سقوط الدول وهي تتقاضى أثماناً لا تقوى على دفعها إلا الميزانيات السيادية.
الحرب اليوم تُربح في السيليكون فالي قبل أن تُربح في تلال كردستان أو صحاري خوزستان.
ولكن انتظروا فاللعبة أعمق من الرصاص والشيفرات.
هل سألتم أنفسكم لماذا ترتفع أسهم شركات الأدوية الكبرى Big Pharma بالتزامن مع سقوط الصواريخ إن شركة روتش (Roche) و بايير و فايزر ليست مجرد شركات لعلاج المرضى بل هي صمام الأمان للاقتصاد الحربي.
في عام 2026 وصلت قيمة عقود الأمن البيولوجي التي وقعتها وزارة الدفاع الأمريكية مع هذه الشركات إلى 45 مليار دولار لتأمين مضادات للسموم الكيميائية واللقاحات الطارئة.
الحرب تخلق الأوبئة والأوبئة تخلق الحاجة والحاجة تخلق المليارات.
إدارة الإصابة هي التجارة الأكثر ربحاً في التاريخ حيث يتم تحويل الجريح إلى زبون دائم لشركات الأجهزة الطبية مثل ميدترونيك (Medtronic) التي سجلت أرباحاً خيالية من بيع الأطراف الصناعية الذكية وأجهزة العناية المركزة الميدانية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي.
هذه الحرب يا سادة هي حرب الطاقة الكبرى بغطاء أيديولوجي .
بينما تحترق الناقلات في مضيق هرمز تجلس شركات مثل إكسون موبيل و توتال و غازبروم خلف الستائر لتعيد اقتسام الحصص.
المستفيد الأكبر هو النفط الصخري الأمريكي والغاز القطري والغاز النرويجي الذين وجدوا في غياب النفط الإيراني فرصة لرفع الأسعار بنسبة 40% مما ضخ ما يقارب 500 مليار دولار إضافية في جيوب هذه الشركات والدول خلال الربع الأول من 2026 فقط.
الصين التي تبدو كأنها الخاسر من غلاء الطاقة هي في الحقيقة التمساح الذي ينتظر جثة الضحية ليلتهمها فهي توقع الآن عقوداً سرية مع إيران المنهكة للاستحواذ على حقول الغاز والنفط لمدة 50 عاماً مقابل فتات من العملة الصينية (اليوان) وبنية تحتية ستبنيها الشركات الصينية مثل سينوبك و شركة هندسة الموانئ الصينية. إنها عملية استعمار بالديون مغلفة بوعود إعادة الإعمار.
والأنكى من ذلك كله هو دور الصناديق السيادية وشركات إدارة الأصول الكبرى مثل بلاك روك (BlackRock) التي تدير أكثر من 10 تريليونات دولار.
هذه الصناديق هي التي تملك حصصاً حاكمة في شركات الأسلحة وفي شركات الأدوية وفي شركات الطاقة وحتى في الشركات التي ستقوم بإعادة بناء ما دمره السلاح الذي تملكه هي نفسها إنها الدورة الكاملة للربح من الدم.
لاري فينك رئيس بلاك روك هو الجنرال الحقيقي لهذه الحرب فهو الذي يقرر عبر ضغطة زر في نيويورك أي الدول ستحصل على قروض إعادة الإعمار وأيها ستغرق في التضخم والفقر. إننا نتحدث عن إعادة هندسة للخريطة المالية للشرق الأوسط حيث يتم سحق السيادات الوطنية لصالح شركات عابرة للحدود لا تعترف بعلم ولا بنشيد وطني.
عندما تصبح السيادة الدوائية بيد ثلاث شركات غريبة
و السيادة العسكرية تعتمد على سحابة إلكترونية تملكها أمازون أو مايكروسوفت وعندما يكون قرار الحرب والسلم مرهوناً بمزاج المضاربين في بورصة لندن للسلع
فإننا نكون قد دخلنا عصر الإقطاعية الكونية الجديدة.
الحرب في إيران ليست إلا فصلاً واحداً من كتاب ضخم عنوانه الاستحواذ الكلي حيث يتم تجريد الشعوب من مواردها مقابل أوهام الأمن التي تبيعها شركات الحماية الخاصة مثل كونستيليس (Constellis) التي ورثت إرث بلاك ووتر الملعون.
يا شعوب المنطقة ويا سادة السياسة النائمين في عسل الشعارات استفيقوا إن العدو ليس فقط الصاروخ الذي يسقط من السماء بل هو العقد الذي يوقع في الخفاء.
إن صناعة الموت في 2026 أصبحت ذكية لدرجة أنها تجعل الضحية تمول جلادها عبر القروض الدولية وفوائد الديون. هل تعلمون أن تكلفة إعادة إعمار ما دمر في الأسبوع الأول من الحرب الإيرانية تُقدر بـ 300 مليار دولار هذا المبلغ لن يدفعه المعتدي بل ستدفعه أجيال إيرانية وعربية قادمة من قوت يومها وكرامتها ليصب في النهاية في حسابات شركات المقاولات الكونية التي تتبع نفس الصناديق السيادية التي مولت الصاروخ الذي دمر البناء أول مرة.
الذكاء الاصطناعي ليس إلا سوطاً جديداً في يد الجلاد القديم و شركات الأدوية ليست إلا مخدرات قانونية لإبقاء الشعوب تحت السيطرة و الأسلحة هي أدوات الهدم الضرورية لفتح أسواق جديدة.
من يملك الشجاعة اليوم ليقول لا لهذا الغول العالمي ومن يملك الإرادة ليبني سيادة حقيقية لا ترتهن لشريحة إلكترونية أو حبة دواء أو برميل نفط يتحكم في سعره مقامرون وراء البحار التاريخ لن يرحم الغافلين والمستقبل ملك لمن يفهم شيفرة المال والدم التي تحكم هذا القرن المجنون.
هل تدركون الآن حجم اللعبة إننا أمام مشهد يتجاوز حدود العقل التقليدي حيث يتم دمج البيولوجيا بالتكنولوجيا
بالجيوبوليتيك لإنتاج إنسان جديد تابع ومستلب
ودول كرتونية تؤدي دور الكومبارس في مسرحية الرعب الكونية.
إنها حرب الكل ضد الكل من أجل ربح القلة وهي مأساة إنسانية تُرسم فصولها ببراعة الشيطان الذي يسكن في التفاصيل الرقمية لعام 2026.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال