بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

قرصنة الذاكرة الوطنية: كيف تُستنزف السيادة الثقافية التونسية تحت أقدام المافيات؟

2026-09-22 22 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
قرصنة الذاكرة الوطنية: كيف تُستنزف السيادة الثقافية التونسية تحت أقدام المافيات؟
حين تقف في قلب المدينة العتيقة في تونس أو تطأ أزقة سوسة والقصبة وجربة والحمامات لا يساورك الشك في أنك أمام جثة وطن يجري تفكيك مفاصله على المباشر، جثة تسل منها الروح ببطء وتُغرس في أحشائها قطع البلاستيك الرخيص والخردة الهجين القادمة من أقاليم التصنيع القسري في أقاصي الشرق.
ما يسمى زورا وبهتانا كساد سياحي أو اختلال في ميزان التبادل التجاري هو في جوهره عهر استراتيجي وجريمة إبادة حضارية مكتملة الأركان تقودها شبكات الظل وتتغطى بجبن الدولة وعجز قوانينها .
نحن لا نواجه منافسة غير شريفة بل نخوض حربا جيوسياسية غير متكافئة تستهدف تجريف البصمة الوراثية الثقافية لإفريقية القديمة وإفراغ السيادة الوطنية من آخر معاقل معناها.
مهزلة التاريخ أن تتحول مدن قرطاج إلى مجرد معارض مفتوحة لتصريف النفايات الصناعية الآسيوية ليقف السائح والمواطن على حد سواء في وسط سوق نخاسة جديد يشتري زورا بلا ذاكرة ورمزا بلا أصل فيما تمارس السلطة طقوس التعامي الممنهج وتتغذى عصابات الحاويات على لحم الحرفيين المتروكين في العراء.

تخرج علينا المنظومة الرسمية كل يوم بتقارير معطرة ومزوقة تطفح بالدجل الإداري حيث يتبجح القائمون على الديوان الوطني للصناعات التقليدية بأرقام جوفاء تدعي أن هذا القطاع يساهم بنسبة تتراوح بين 4% و5% من الناتج المحلي الإجمالي ويحشد تحت مظلته قوة عاملة تتراوح بين 300 ألف و 350 ألف حرفي وحرفية يشكلون زهاء 11% من النشاط الاقتصادي العام و تسيطر النساء فيه على نسبة 85% من إجمالي الأيدي العاملة مع ادعاء توفير بين 5000 و 6000 موطن شغل جديد سنويا والمساهمة بنسبة 2.5% من الصادرات الإجمالية.
غير أن الصدمة الحقيقية التي تفضح هذا الهراء تنكشف حين نفتح دفاتر المعهد الوطني للإحصاء ومتابعات الشفافية الجبائية لنكتشف أن من بين أكثر من 156 ألف حرفي مسجل رسميا لا يوجد في أرض الواقع سوى 10000 إلى 30000 حرفي فقط يملكون معرفا جبائيا مفعلا وينشطون في الضوء بينما يغرق الباقون في مستنقع الهشاشة والاقتصاد الموازي المظلم.
المأساة التونسية البشعة تكمن في معادلة اقتصادية مشوهة تجلب فيها السياحة العملة الصعبة باليد اليمنى لتعيد ضخها باليد اليسرى في شرايين المصانع الأجنبية عبر تجار الظل ولوبيات الاستيراد العشوائي مما يسبب نزيفا ماليا سنويا قدره 600 مليون دينار يهرب نحو مسالك الموازاة لشراء خردة بلا روح في حين تتجاوز نسبة المنتجات المقلدة والمغشوشة في الأسواق السياحية التونسية حاجز 80% من إجمالي المعروض لتتحول القصبة والمدينة العتيقة إلى مستودعات لبيع الزيف في جريمة اقتصادية ترتكب بدم بارد.

الهندسة الإجرامية لتزييف التراث التونسي لا تعتمد على الصدفة بل تدار عبر آليات تقنية خبيثة تعمد إلى تفكيك الجماليات الوطنية وإعادة تركيبها بخامات اصطناعية مسرطنة ورخيصة لتدمير أربعة قطاعات استراتيجية تشكل عمود الذاكرة الوطنية.
ففي قطاع المنسوجات والسجاد يجري ذبح الصوف التونسي الخالص المصبوغ بالمواد الطبيعية كالكركم والحناء وقشور الرمان ويُستبدل بالبوليستر والألياف الاصطناعية المعالجة كيميائيا لتقتصر الزربية القيروانية المعقدة والمرقوم والكليم على مخرجات ميكانيكية باردة تفتقر إلى الأنفاس البشرية والحرارة الروحية.
وفي قطاع الخزف والفخار يجري اغتيال الطين التونسي المعالج وطلي نابل الأصيل وإعدام فخار سجنان المسجل بامتياز لدى منظمة UNESCO كتراث لا مادي للإنسانية ليحل محله سيراميك مصبوب في قوالب جاهزة لم تشم نار الأفران ولا جهد الدولاب والتنور.
أما في قطاع الحلي والرموز السيادية فقد أصبحت الشاشية التونسية وقفص سيدي بوسعيد و حلي الخمسة والريحانة تصنع من سبائك معدنية رخيصة قادمة في حاويات الموت لتباع داخل البلاد بأسعار تقل عن كلفة المادة الخام للمنتج الأصلي مما أدى إلى خنق المعلمين الحرفيين الأصليين وإجبارهم على إغلاق دكاكينهم التراثية أو التحول إلى سماسرة يبيعون القمامة المستوردة للسياح الباحثين عن وهم الأصالة.

الكارثة الكبرى لا تكمن في الجهل التشريعي بل في وجود منظومة قانونية مائعة وكسولة تخلق الفراغ لتتسرب منه المافيات فالدولة التي تتغنى بصدور القانون عدد 68 لسنة 2007 المتعلق بتسميات المنشأ والمؤشرات الجغرافية لمنتجات الصناعات التقليدية وتتباهى بالمصادقة على وثيقة جنيف لاتفاق لشبونة عبر المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية INNORPI وتتزين بمشاريع التعاون الدولي كبرنامج TUSIP الذي أطلق تسمية المنشأ لفخار سجنان هي نفسها الدولة التي تكبل أجهزتها الجمركية والرقابية بنصوص عاجزة.
الفصل 40 من مجلة الديوانة والقانون عدد 36 لسنة 2001 المعدل بالقانون عدد 33 لسنة 2009 يشترط لحجز البضائع المقلدة عند التوريد تقديم مطلب كتابي مسبق من صاحب الحق أو العلامة التجارية المسجلة مصحوبا بضمان مالي وكأن التراث الوطني ملكية خاصة لشركة مجهولة النسب.

كيف لحرفي فقير يعيش على هامش الكفاف في سجنان أو نابل أو القيروان أن يلاحق لصوص الحاويات أمام المحاكم ويقدم ضمانات مالية للديوانة؟
هذا النص الفاسد هو الذي يمنح الجمارك التغطية الإدارية لغض الطرف عن الشحنات المقلدة لتمر عبر الموانئ والمنافذ الحدودية بسلام بينما يساق الحرفي الأصلي إلى الفلس والاندثار.
حين ننظر إلى التجارب المقارنة في الجوار الإقليمي والدولي تنكشف بؤرة العورة التونسية كاملة فالمملكة المغربية لم تنتظر هبات الإعانة لتبني استراتيجية حماية هويتها بل أرست ترسانة صلبة بالقانون رقم 133-12 المتعلق بالشارات المميزة لمنتجات الصناعات التقليدية وربطت المؤشرات الجغرافية بـ 69 علامة جماعية تحمي سجاد أيت ووزكيت وخشبيات الصويرة وأطلقت العلامة الوطنية الجامعة Maroc Handmade إلى جانب علامات الجودة القاطعة مثل Qualité Premium وMadmoun وصانع مسؤول لتفرض احترام المنتج المحلي في الداخل وتؤمن مسالكه نحو الخارج.
أما في الاتحاد الأوروبي فقد أحدث صدور اللائحة الأوروبية EU 2023/2411 زلزالا تشريعيا حقيقيا بنقل حماية المؤشرات الجغرافية إلى المنتجات الحرفية والصناعية غير الفلاحية كالسيراميك والزجاج والنسيج مع بناء سجل موحد لدى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية EUIPO والأهم من ذلك تفعيل نظام المراقبة والتصدي التلقائي Ex-officio للجمارك والسلطات الأمنية لمصادرة أي بضائع تستغل الأسماء أو المؤشرات الجغرافية المحمية دون الحاجة لتظلم مسبق أو شكوى من صانع مغدور.

أمام هذا الانحدار الخطير فإن أوهام الإصلاح النادي والدبلوماسية الناعمة لم تعد سوى مشاركة في الجريمة والمطلوب اليوم هو الانتقال الفوري إلى عقيدة الصدمة والردع القومي الشامل من خلال حزمة قرارات سيادية قبضة حديدية لا ترحم.
يكمن القرار الأول في إصدار مرسوم رئاسي استثنائي يصنف القرصنة وتزييف التراث الحرفي الوطني واستيراد تقليده في مرتبة الخيانة العظمى والمساس المباشر بالأمن القومي الثقافي مع تعديل مجلة الديوانة لإحداث آلية الحظر الحدودية المطلقة والتدخل التلقائي المباشر Ex-officio دون حاجة لأي عريضة أو ضمان مالي مقترنة بالإتلاف الفوري والعلني المباشر للشحنات الضخمة فور وصولها للموانئ على المباشر أمام وسائل الإعلام لإرهاب مافيات الاستيراد والتوزيع وذلك بالاستناد الصريح إلى بند الاستثناءات السيادية العامة الوارد في المادة 20 فقرة f من اتفاقية GATT في إطار المنظمة العالمية للتجارة WTO.

أما القرار الثاني فيتمثل في إعلان تأميم الموارد الأولية للقطاع وتفكيك احتكارات الفساد عبر فرض رسم حماية جمركي رادع بنسبة 300% على كافة الواردات الصناعية الشبيهة بالمنتوج الحرفي المحلي وتوجيه عائدات هذا رسم الحماية لتأسيس صندوق السيادة الحرفية وبنك المواد الأساسية تحت إشراف مباشر من الدولة لتوفير الصوف الخالص والطين والنحاس والمواد الصباغية مجانا أو بأسعار تفضيلية رمزية للحرفيين المسجلين مع مصادرة كامل أملاك ولوبيات التهريب واستخدامها في تمويل هذا البنك.
ويأتي القرار الثالث ليفرض التطهير الشامل للأسواق والمدن العتيقة عبر حملات مداهمة أمنية وجمركية مشتركة وإصدار قانون يقضي بالشمع الأحمر والإغلاق النهائي وسحب رخصة النشاط التجاري والسياحي من أي محل أو نزل أو بازار يعرض بضائع تراثية مقلدة مع التحرير الفوري لشرط تخصيص أجنحة سيادة قسرية بنسبة لا تقل عن 50% داخل الفنادق والقرى السياحية والمطارات للمنتج الوطني الحرفي الحامل للوسم الذكي فقط وربط التصنيف السياحي الفندقي بسحب رخص التشغيل فور ثبوت الترويج للسلع الهجينة.

ويتكامل هذا الهجوم عبر إقرار نظام التتبع الرقمي الإجباري الشامل بواسطة الشريحة الذكية القائمة على QR Code المرتبط بقاعدة بيانات سيادية مشتركة بين INNORPI والديوان الوطني للصناعات التقليدية حيث تُمنح كل قطعة حرفية بصمة رقمية غير قابلة للتزوير تكشف اسم الحرفي ومصدر المادة الخيرة وسجله الوطني.
وفي الخارج ينبغي تحويل السفارات والقنصليات إلى رأس حربة في حرب قضائية عابرة للحدود ترفع دعاوى جنائية وتطالب بتعويضات مدنية بمليارات الدولارات أمام محاكم الدول المصنعة ومكاتب الملكية الفكرية الدولية كـ WIPO وEUIPO ضد الشركات العالمية والمصانع الأجنبية التي تستنسخ الشاشية والزربية وفخار سجنان مع وضع قائمة سوداء تحظر تعامل الدولة مع أي شريك أجنبي يثبت تورطه في قرصنة الذاكرة الوطنية.

تتوزع خريطة الطريق لفرض هذه العقيدة على ثلاث محطات حاسمة:
المدى القصير بالصدور الفوري لمرسوم الخيانة العظمى والتدمير الجمركي التلقائي Ex-officio وتطهير الموانئ والأسواق العتيقة بالقوة العامة.
المدى المتوسط بتدشين بنك المواد الأساسية وتأميم مسالك التوزيع وإجبارية الوسم الرقمي QR Code وتفتيش كافة المؤسسات السياحية.
المدى الطويل بالمقاضاة الدولية العابرة للحدود عبر WIPO وEUIPO واقتطاع التعويضات الدولية للوصول بمساهمة القطاع إلى أكثر من 8% من الناتج المحلي الإجمالي وإعادة فرض الهيبة الكاملة للصانع التونسي الأصيل.
الدولة التي تفرط في صوفها وطينها ونحاسها هي دولة تسلم رقبتها للغزاة بلا قتال وحين يتحول التاريخ إلى سلعة رخيصة في أيدي المهربين فإن الكلام عن السيادة يصبح مجرد ثرثرة خائبة على أطلال وطن مات أهله وهم يتفرجون.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال