تقديم:
قد يبدو «الهامش» داخل المؤسسة التربوية مجرد موقع ثانوي، أو نتيجة عرضية لسوء التنظيم، أو انعكاسًا طبيعيًا لاختلاف الأدوار والمواقع. لكن الحفر في طبقات المدرسة يكشف أن الهامش قد لا يكون مجرد مكان يوجد فيه بعض الفاعلين، بل قد يكون وضعًا مؤسسيًا يُنتج ويُوزَّع ويُبرَّر، ثم يتحول تدريجيًا إلى طريقة في العيش والعمل.
فمن يوجد في المركز؟ ومن يُدفع إلى الأطراف؟ ومن يملك القدرة على اقتراح القرار؟ ومن يملك فقط القدرة على تنفيذه؟ ومن تتحول خبرته إلى رأسمال مهني معترف به، ومن تبقى خبرته حبيسة الممارسة اليومية؟ ومن يُسمع صوته حين تُناقش قضايا المدرسة، ومن يحضر دون أن يكون له تأثير حقيقي؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بالمدرس وحده. فالتهميش يمكن أن يطال المتفقد، والمدير، والتلميذ، والأسرة، والمعرفة المدرسية، والتكوين، والموارد، والتجهيزات، والزمن المدرسي، بل ويمكن أن يصل إلى المدرسة العمومية نفسها.
وهنا تتغير زاوية النظر.
لم يعد السؤال فقط: لماذا يُهمَّش بعض الفاعلين داخل المدرسة؟
بل يصبح السؤال: ماذا يحدث عندما يتحول التهميش من وضع يطال بعض الفاعلين إلى منطق يمس مختلف مدخلات المؤسسة وفواعلها وشروط اشتغالها؟
والأخطر من ذلك: ماذا يحدث عندما تصبح المدرسة العمومية نفسها أقل حضورًا في مركز المشهد التربوي، بينما تتوسع تدريجيًا خدمات وبدائل خارجها؟
هنا لا يعود «الهامش» مجرد موقع، بل يصبح بنية.
وهو ما يسمح بقراءة المدرسة من خلال مفهوم «نظام التفاهة» عند آلان دونو (Alain Deneault, 2015)، لا بمعنى وصف كل فاعلي المدرسة أو كل ممارساتها بالتفاهة، وإنما من زاوية نظام يمكن أن يعيد ترتيب القيمة، بحيث تصبح المعايير الإجرائية والامتثال والقدرة على التكيف مع النظام أكثر حضورًا من المعرفة والخبرة والنقد والمبادرة.
في هذا السياق، لا أبحث عن فاعل خفيّ يقف خلف الستار، ولا عن مؤامرة تربوية شاملة، بقدر ما أحاول تفكيك الآليات التي تُنتج هذا الواقع وتعيد إنتاجه. ولا أقدّم حلولًا جاهزة؛ إنني أحاول فقط أن أفتح بعض الأدراج المغلقة، وأن أضيء بعض الزوايا التي اعتدنا المرور بجانبها دون أن نتوقف لنسأل: كيف صارت كذلك؟
فهذا المقال لا يطمح إلى إغلاق الأسئلة، بل إلى اجتراحها؛ ولا يركن إلى الأجوبة الجاهزة، بقدر ما يضعنا أمام قلق السؤال نفسه. إنّه قلق السؤال المفضي إلى مأزق الجواب؛ ذلك المأزق الذي يبدأ حين نكتشف أن بعض الأجوبة التي اعتدنا الاطمئنان إليها ليست سوى جزء من المشكلة، وأن بعض ما نعدّه «طبيعيًا» لم يكن طبيعيًا دائمًا، وأن ما يبدو ثابتًا قد يكون مجرد أثرٍ لآلياتٍ اشتغلنا داخلها طويلًا دون أن نراها.
ولعلّ قيمة السؤال، في النهاية، ليست في أن يقودنا سريعًا إلى جواب، بل في أن يزعزع راحة الجواب حين يصبح الجواب نفسه بحاجة إلى مساءلة.
1. من تهميش الفاعل إلى تهميش المؤسسة: الهامش بوصفه بنية
لا يُولد الهامش دائمًا من خارج المؤسسة؛ فقد تنتجه المؤسسة نفسها من خلال الطريقة التي توزع بها الاعتراف والموارد والفرص ومواقع التأثير. يصبح الفاعل مهمشًا حين يكون حاضرًا في المؤسسة، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على التأثير في القرارات التي تخص عمله. وقد يكون حاضرًا في الاجتماعات، وفي الملفات، وفي الإجراءات، لكنه يظل بعيدًا عن مركز إنتاج المعنى.
وهنا يمكن الاستفادة من تصور بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1980) للرأسمال الرمزي: فامتلاك المعرفة أو الخبرة لا يكفي وحده كي يتحول إلى قوة داخل الحقل؛ إذ يحتاج صاحبه إلى اعتراف اجتماعي ومؤسسي بقيمة ما يمتلكه.
وهذا ما يجعل التهميش أكثر تعقيدًا من مجرد الإقصاء. فقد لا يُقال للمدرس: أنت مهمش، ولا يُقال للمتفقد: خبرتك غير مهمة، ولا يُقال للمدير: دورك ثانوي، ولا يُقال للتلميذ: صوتك لا قيمة له. لكن يمكن للمؤسسة أن تنتج هذه الرسائل بصورة غير مباشرة من خلال ترتيب الأدوار، وتوزيع فرص التأثير، ومنح الاعتراف، وتحديد من يملك حق الكلام ومن يملك فقط واجب التنفيذ.
وبذلك يصبح الهامش علاقة بالمركز أكثر منه مكانًا جغرافيًا. لكن عندما تتكرر هذه العملية وتطال أكثر من فاعل، فإننا لا نعود أمام تهميش أفراد، بل أمام احتمال تشكل بنية تهميش.
2. المحتوى والمعرفة: ماذا يدخل إلى مركز المدرسة، وماذا يبقى خارجه؟
ليست المدرسة فضاءً لتوزيع المعرفة فقط، بل هي أيضًا فضاء لتحديد ما يُعتبر معرفة ذات قيمة. وهنا يبرز سؤال أساسي: من ينتج المعرفة التي تعمل بها المدرسة؟
حين تصبح المعرفة المهنية التي تتولد من التجربة اليومية للمدرس أقل قيمة من المعرفة القادمة من خارج المؤسسة، وحين يُنظر إلى الخبرة الميدانية باعتبارها معرفة من الدرجة الثانية، فإن المدرسة تخسر جزءًا من قدرتها على إنتاج المعرفة من داخلها.
وهذا يطرح إشكالية العلاقة بين النظرية والممارسة. فدونالد شون (Donald A. Schn, 1983) يبين أن الممارسة المهنية ليست مجرد تطبيق آلي لمعارف جاهزة، بل هي مجال لإنتاج معرفة ضمنية تتشكل في الفعل والتأمل فيه.
لكن ماذا يحدث عندما لا يُعترف بهذه المعرفة؟ يستمر المدرس في إنتاج خبرة يومية واسعة، لكنها قد تبقى غير مرئية مؤسسيًا. ويستمر المتفقد في مراكمة خبرة ميدانية، لكنها قد تختزل في التقارير. ويواصل المدير إدارة حالات معقدة، لكن خبرته قد لا تتحول إلى معرفة مؤسسية قابلة للتداول. ويعيش التلميذ تجربة تعليمية كاملة، لكن صوته قد لا يدخل أصلًا في تعريف ما يحتاج إليه.
هكذا يمكن أن تصبح المدرسة منتجة للمعرفة، لكنها غير معترفة بما تنتجه. وهذه إحدى صور الهامش الأكثر خفاءً.
3. التكوين والخبرة والتخصص: حين تتحول السيرة المهنية إلى رأسمال غير متكافئ
ليست كل الشهادات والخبرات متساوية في قيمتها داخل المؤسسة، حتى وإن كانت متساوية في قيمتها القانونية أو المهنية. فقد يحمل فاعل خبرة طويلة، لكنه يجد أن هذه الخبرة لا تمنحه بالضرورة موقعًا مؤثرًا. وقد يمتلك آخر تكوينًا أكاديميًا أو تخصصيًا، لكن المؤسسة لا تعرف كيف تحول هذا الرأسمال إلى مورد جماعي. وقد يمتلك ثالث قدرة على التجديد، لكنه يجد نفسه خارج مساحات القرار.
هنا يتحول المسار المهني نفسه إلى مجال لإنتاج التفاوت. وبلغة بورديو وباسرون (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970)، لا تعمل المؤسسة التعليمية فقط على نقل المعرفة، بل يمكنها أيضًا أن تعيد إنتاج تفاوتات في الاعتراف والقيمة والمواقع.
والمفارقة أن المدرسة التي يفترض أن تكون فضاءً لتثمين الكفاءة قد تتحول، في بعض الحالات، إلى فضاء تتفاوت فيه قيمة الكفاءات بحسب موقع أصحابها داخل البنية.
وهكذا قد يصبح السؤال ليس: من هو الأكثر كفاءة؟ بل: من تملك المؤسسة القدرة على الاعتراف بكفاءته؟
4. حين لا يُهمَّش الفاعل وحده: المدرسة العمومية بوصفها منظومة يجري دفعها إلى الهامش
حين تُدفع المدرسة العمومية نحو الهامش، لا يكون التهميش بالضرورة مقتصرًا على المؤسسة بوصفها بناية أو جهازًا إداريًا، وإنما يمكن أن يمتد إلى مختلف مدخلاتها وفواعلها وشروط اشتغالها. فالمدرسة ليست جدرانًا وبرامج فقط؛ إنها منظومة من البشر والمعارف والموارد والعلاقات والرموز والانتظارات.
ولذلك فإن تهميشها قد يظهر في تهميش كل عنصر من العناصر التي تمنحها قدرتها على الفعل.
يُهمَّش المعلم حين تتسع الفجوة بين حجم المسؤولية المهنية والاجتماعية وبين الاعتراف المادي والمعنوي الذي تحظى به المهنة. ولا يتعلق الأمر بالأجر وحده، وإنما بالمكانة الاجتماعية، وبالاعتراف بالخبرة، وبالقدرة على المشاركة في القرار، وبإمكانات التكوين والتجديد، وبالاعتراف بالمدرس بوصفه منتجًا للمعرفة المهنية لا مجرد منفذ للتوجيهات.
فالتهميش المادي لا يختزل في مقدار الدخل، وإنما يتعلق أيضًا بقدرة الدخل المهني على توفير شروط حياة تتناسب مع المسؤوليات الملقاة على عاتق المدرس، وبقدرته على الاستثمار في تكوينه وتطوير أدواته وتحسين شروط ممارسته.
أما التهميش المعنوي والرمزي، فقد يكون أكثر خفاءً. إنه يظهر عندما تتراجع صورة المدرس في المخيال الاجتماعي، أو عندما تُختزل مهنته في تنفيذ التعليمات، أو عندما تُقرأ أخطاؤه بصورة أكثر حضورًا من إنجازاته، أو عندما تصبح خبرته اليومية أقل وزنًا من الخطاب الخبير القادم من خارج المدرسة. وهنا لا يعود المدرس مهمشًا لأنه لا يملك المعرفة، وإنما لأنه لا يملك دائمًا الموقع الرمزي الذي يجعل معرفته مسموعة وذات قيمة.
ويُهمَّش المتفقد حين يُختزل دوره في المتابعة الإجرائية أو مراقبة مدى الالتزام، بدل أن يكون فاعلًا في إنتاج المعرفة المهنية، ومرافقًا للتجديد، ووسيطًا بين البحث والممارسة. وعندما تنفصل الوظيفة الرقابية عن وظيفتها المعرفية، يمكن أن يفقد التفقد جزءًا من قدرته على أن يكون أحد مراكز إنتاج الجودة داخل المدرسة.
ويُهمَّش المدير حين تتحول وظيفته تدريجيًا إلى إدارة النقص: نقص الموارد، ونقص الإطار، وضغط المطالب، وتدبير الأزمات اليومية، بدل أن يكون قائدًا تربويًا قادرًا على بناء مشروع المؤسسة وتنمية الكفاءات وتنظيم التعاون بين الفاعلين.
ويُهمَّش التلميذ حين يصبح موضوعًا للإدارة أكثر مما يكون شريكًا في العملية التربوية، وحين تُقاس تجربته بالأعداد والنتائج والانضباط أكثر مما تُقرأ حاجاته وقدرته على التعلم والمبادرة وبناء المعنى. وقد يكون تهميش التلميذ أكثر خطورة لأنه يحدث أحيانًا داخل مؤسسة أُنشئت أصلًا من أجل توسيع إمكاناته.
وتُهمَّش المعرفة المدرسية حين تصبح المعرفة التي تُنتج داخل المدرسة أقل قيمة رمزية من المعرفة التي تأتيها من الخارج، أو حين تنفصل البرامج عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المتعلمون، أو حين يصبح المدرس مستهلكًا للمعرفة الجاهزة أكثر مما يكون شريكًا في إنتاجها وتكييفها.
وتُهمَّش الموارد والتجهيزات والفضاءات المدرسية حين يصبح النقص مزمنًا إلى درجة يتحول معها التدبير الاستثنائي إلى ممارسة عادية. فالمشكلة لا تكمن فق في وجود نقص هنا أو هناك، وإنما في اللحظة التي يتعلم فيها الفاعلون كيف يعملون رغم النقص، فيصبح النقص نفسه جزءًا من النظام بدل أن يبقى وضعًا مؤقتًا يحتاج إلى معالجة.
ويُهمَّش التكوين المستمر حين يتحول من حق مهني ومن آلية لتجديد المدرسة إلى نشاط ثانوي أو إجراء شكلي. وعندما لا تُمنح المدرسة القدرة على تحديث معارف فاعليها، فإنها تخاطر بأن تصبح مطالبة بتعليم عالم جديد بأدوات معرفية ومهنية لا تتجدد بالقدر نفسه.
ويُهمَّش الزمن المدرسي حين تتراكم داخله المهام الإدارية والإجراءات والالتزامات على حساب الزمن المخصص للتعلم والتفاعل والتجريب والتأمل. فالزمن ليس مجرد ساعات في جدول؛ إنه مورد تربوي، وطريقة لتوزيع إمكانات الفعل داخل المؤسسة.
وتُهمَّش العلاقة مع الأسرة والمجتمع حين تصبح المدرسة فضاءً مغلقًا لا ينجح في بناء الثقة المتبادلة مع محيطه، أو حين تتحول العلاقة إلى تبادل للمطالب والاتهامات بدل أن تكون شراكة في بناء المسار التعليمي للطفل.
بل يمكن أن يصل التهميش إلى الصورة الرمزية للمدرسة العمومية نفسها. فعندما يصبح الحديث عنها مرتبطًا بصورة النقص والبطء والعجز، بينما تُقدَّم الخدمات الخاصة بوصفها فضاءً للكفاءة والسرعة والنجاعة، فإننا لا نكون أمام تفاوت في الموارد فقط، بل أمام تفاوت في الرأسمال الرمزي.
وهنا تصبح المسألة أكثر عمقًا. لا يعود السؤال عن مدرسة تفتقر إلى بعض الموارد، وإنما عن منظومة يمكن أن تفقد تدريجيًا قدرتها على إقناع المجتمع بأن لديها من المعرفة والكفاءة والموارد ما يجعلها قادرة على إنتاج تعليم ذي قيمة.
إن أخطر أشكال التهميش ربما لا يكون أن نفتقد شيئًا، وإنما أن نتعلم كيف نعمل كما لو أن افتقاده أمر طبيعي.
فالمدرس الذي اعتاد نقص الوسائل، والمتفقد الذي اعتاد اختزال دوره، والمدير الذي اعتاد إدارة الأزمات، والتلميذ الذي اعتاد محدودية صوته، والأسرة التي اعتادت البحث عن جزء من التعليم خارج المدرسة، والمؤسسة التي اعتادت العمل بموارد أقل من حاجاتها، جميعهم قد يصبحون، من مواقع مختلفة، جزءًا من منظومة تتكيف مع الهامش بدل أن تسأل عن شروط إنتاجه.
وهنا لا نتحدث عن مسؤولية فردية لكل فاعل، ولا عن مؤامرة موحدة، وإنما عن آلية بنيوية يمكن أن تجعل التكيف مع النقص أسهل من مساءلة النقص، وتجعل البحث عن حلول فردية أكثر سهولة من إعادة بناء شروط الفعل الجماعي.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تهميش المدرسة العمومية باعتباره، في بعض السياقات، أحد المسارات الممكنة التي تهيئ لشروط الخوصصة. فالخوصصة لا تبدأ بالضرورة ببيع المدرسة أو نقل ملكيتها. قد تبدأ، في بعض الحالات، من إضعاف ما يجعل المدرسة العمومية قادرة على أن تكون مركزًا: مدرسها، ومعرفتها، ومكانتها، ومواردها، وثقة المجتمع فيها.
وعندما تُضعف عناصر المنظومة من الداخل، يصبح الخارج أكثر قدرة على تقديم نفسه بوصفه ضرورة. وحين يصبح الخارج ضرورة، يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى سوق. وحين يصبح السوق مألوفًا، يصبح حضوره أقل إثارة للسؤال.
ولا يعني ذلك أن كل تهميش مادي أو معنوي للمدرس، أو كل نقص في الموارد، أو كل خدمة خارج المدرسة، يؤدي حتمًا إلى الخوصصة. وإنما يتعلق الأمر بمسار يمكن أن تتقاطع فيه عوامل متعددة، بحيث يصبح تراجع مكانة الفاعل جزءًا من تراجع مكانة المؤسسة نفسها.
وهنا تتشكل إحدى الحلقات الممكنة: تهميش الفاعلين، ثم تهميش الموارد والمعرفة والشروط، ثم تآكل مركزية المدرسة، ثم تراجع الثقة فيها، ثم البحث عن البديل، ثم تطبيع البديل، ثم قابلية أكبر للخوصصة.
5. توزيع الأقسام والمهام: حين يصبح التنظيم توزيعًا لفرص النجاح
قد يبدو توزيع الأقسام والمهام إجراءً إداريًا محايدًا. لكن التنظيم ليس محايدًا دائمًا، فكل قرار يتعلق بمن يدرس ماذا، ومن يتولى أي مهمة، ومن يحصل على الظروف الأفضل للعمل، يمكن أن يكون في الوقت نفسه قرارًا يتعلق بتوزيع فرص النجاح والصعوبة والظهور والاختفاء.
وهنا تظهر أهمية التنظيم بوصفه ممارسة للسلطة. فإذا أصبح توزيع الأقسام مرتبطًا بمن يملك حضورًا أقوى، أو قدرة أكبر على التأثير، أو موقعًا مؤسسيًا أفضل، فقد يتحول التنظيم من أداة لتحقيق التوازن إلى وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت.
وعندما يذهب «الباقي» دائمًا إلى الجدد أو الأقل قدرة على الدفاع عن اختياراتهم، يصبح الهامش نفسه موزعًا وفق منطق مؤسسي.
ولا يعود السؤال: من يختار القسم؟ بل: من يملك حق الاختيار أصلًا؟
6. الحوار ومركز القرار: أن تكون حاضرًا دون أن تكون مؤثرًا
يمكن للفاعل أن يكون حاضرًا في المؤسسة دون أن يكون حاضرًا في القرار. وهذه إحدى أكثر صور التهميش التباسًا.
فالاجتماع قد يكون مفتوحًا، لكن ليس كل صوت متساويًا. والحوار قد يكون قائمًا، لكن ليس كل رأي يمتلك الوزن نفسه. والمشاركة قد تكون موجودة شكليًا، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى تأثير.
هنا يمكن الاستفادة من ماكس فيبر (Max Weber, 1971) في فهم العلاقة بين السلطة والشرعية، فوجود قواعد وإجراءات لا يكفي وحده لفهم كيفية اشتغال السلطة داخل التنظيم؛ إذ تظل مسألة من يملك القدرة الفعلية على التأثير جزءًا أساسيًا من تحليلها.
وقد يجد الفاعل نفسه داخل المؤسسة، لكنه على هامش القرار. يحضر، ويصغي، وينفذ، لكنه لا يشارك بالقدر نفسه في صناعة ما سينفذه.
وهنا يصبح الحضور بلا تأثير أحد أشكال الهامش.
7. الكفاءة والمبادرة: حين تصبح القيمة المهنية مصدرًا للقلق
يفترض الخطاب التربوي عادة أن الكفاءة قيمة مرغوبة. لكن المؤسسة لا تتعامل دائمًا مع الكفاءة بصورة مجردة.
فالكفاءة قد تصبح مصدرًا للقلق عندما ترتبط بالمبادرة، والاستقلالية، والقدرة على السؤال، واقتراح البدائل، ومراجعة المألوف.
وهنا قد تظهر مفارقة: المؤسسة تحتاج إلى الكفاءة، لكنها قد لا تكون مرتاحة دائمًا إلى آثارها.
فالفاعل الكفء لا يكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه، بل قد يسأل عن سبب الطلب، وعن نجاعته، وعن البدائل الممكنة. ومن هنا قد تتحول المبادرة من قيمة إلى مصدر إزعاج.
وهذا لا يعني أن كل مؤسسة تعاقب الكفاءة، ولا أن كل مقاومة للمبادرة مقصودة، بل يعني أن بعض البنى التنظيمية قد تكون أكثر ارتياحًا إلى الامتثال من ارتياحها إلى النقد.
وفي ضوء آلان دونو (Alain Deneault, 2015)، يمكن فهم «نظام التفاهة» بوصفه نظامًا يجعل النجاح مرتبطًا أحيانًا بالقدرة على الانسجام مع قواعد اللعبة أكثر من ارتباطه بإعادة مساءلة اللعبة نفسها.
وهنا يصبح السؤال: هل تخشى بعض المؤسسات الفاعل غير الكفء، أم الفاعل الذي يمتلك الكفاءة والاستقلالية معًا؟
8. من الكفاءة إلى القابلية للتحكم: حين تصبح المهنة ملفًا
كلما ازدادت المؤسسة اعتمادًا على المؤشرات والوثائق والتقارير، أصبح من السهل تحويل المهنة إلى ملف.
يصبح المدرس مجموعة من الوثائق، وتصبح الكفاءة أرقامًا، ويصبح النشاط أثرًا على ورقة، وتصبح التجربة المهنية سلسلة من الخانات.
لا يعني ذلك أن الوثيقة غير ضرورية. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الوثيقة من أداة لتوثيق العمل إلى بديل عن فهم العمل.
هنا يمكن استحضار ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975) في تحليله للعلاقة بين المراقبة والمعرفة والانضباط. فما يُقاس يصبح قابلًا للمقارنة، وما يصبح قابلًا للمقارنة يصبح قابلًا للتصنيف، وما يصنف يمكن أن يتحول إلى أداة للضبط.
وهكذا يمكن أن تنتقل المؤسسة تدريجيًا من سؤال: ماذا يفعل الفاعل؟ إلى سؤال: ماذا يمكن إثبات أنه فعله؟
وبين السؤالين مسافة سوسيولوجية كبيرة.
9. حين يتعلم الهامش كيف يكون هامشًا:
الهامش لا يستمر فقط لأن هناك من يفرضه. قد يستمر أيضًا لأن من يوجدون فيه يتعلمون قواعد البقاء داخله.
يتعلم المدرس متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يقترح، ومتى يكتفي بالتنفيذ. ويتعلم المدير كيف يدير النقص. ويتعلم المتفقد كيف يوازن بين دوره الرقابي ودوره التربوي. ويتعلم التلميذ كيف ينجح داخل قواعد اللعبة. وتتعلم الأسرة كيف تبحث عن حلول خارج المدرسة عندما لا تجد داخلها ما يكفي.
وهنا نقترب من مفهوم «المشهدية» عند إرفينغ غوفمان (Erving Goffman, 1973): فالمؤسسة ليست فقط ما يحدث فيها، بل أيضًا ما يتعلم الفاعلون إظهاره، وما يتعلمون إخفاءه، وما يعتبرونه مناسبًا للمشهد.
فيصبح التكيف مع النظام جزءًا من النظام.
والأخطر أن الإنسان قد يبدأ في الدفاع عن الهامش الذي اعتاد العيش فيه، لا لأنه يريده، بل لأنه أصبح يعرف قواعده.
وهكذا يتحول الهامش من وضع مفروض إلى كفاءة بقاء.
10. من التهميش إلى التطبيع: حين يصبح الاستثناء قاعدة ويصبح البديل طبيعيًا
ربما يكون أخطر ما يفعله التهميش أنه لا يبقى استثناءً. ففي البداية يظهر بوصفه خللًا، ثم يتكرر، ثم يتكيف معه الفاعلون، ثم يصبح مألوفًا، ثم يفقد قدرته على إثارة السؤال.
وهنا تبدأ عملية التطبيع.
نقص الموارد يصبح طبيعيًا، والاعتماد على الحلول الفردية يصبح طبيعيًا، واللجوء إلى خدمات خارج المدرسة يصبح طبيعيًا، ووجود فجوات بين الفاعلين يصبح طبيعيًا، وضعف صوت بعض الفاعلين يصبح طبيعيًا.
والنتيجة أن ما كان يحتاج إلى تفسير ومساءلة يصبح جزءًا من «طبيعة الأشياء».
وهنا يصبح مفهوم الخوصصة أكثر تعقيدًا. فهي لا تعني فقط انتقال الملكية أو الإدارة من العام إلى الخاص. قد تكون هناك خوصصة قانونية وإدارية واضحة، لكن يمكن أيضًا التفكير في خوصصة تدريجية للوظائف والاحتياجات، عندما يصبح المجتمع مضطرًا إلى البحث خارج المدرسة عن ما كان يفترض أن توفره المدرسة العمومية.
فالدرس الإضافي، والخدمة التربوية، والمرافقة، والتكوين، والوساطة، والمعلومة، وحتى الاعتراف بالكفاءة قد تصبح قابلة للشراء من الخارج.
وهنا قد تتحول الخوصصة من حدث إلى مسار، ومن قرار إلى تراكم، ومن استثناء إلى عادة.
ولا يعني هذا أن كل خدمة خارج المدرسة دليل على خوصصة، ولا أن كل مدرسة عمومية تعاني من النقص تسير بالضرورة نحو الخوصصة.
لكن السؤال السوسيولوجي يبقى مشروعًا: ماذا يحدث عندما يصبح البديل الخارجي أكثر حضورًا من قدرة المؤسسة العمومية على إنتاج بدائلها من الداخل؟
11. من تعليم الهامش إلى تفكيك بنية التهميش:
إذا كان الهامش يُنتج، فإنه ليس قدرًا أبديًا. لكن تفكيكه لا يبدأ بوصفة جاهزة، وإنما يبدأ أولًا بتغيير السؤال.
بدل أن نسأل: لماذا لا ينجح هذا الفاعل؟ يمكن أن نسأل: ما الشروط التي جعلت موقعه أقل قدرة على الفعل؟
وبدل أن نسأل: لماذا لا يبادر المدرس؟ يمكن أن نسأل: ما الذي يحدث للمبادرة حين تصبح مصدرًا للمخاطرة؟
وبدل أن نسأل: لماذا يبحث التلميذ عن الدعم خارج المدرسة؟ يمكن أن نسأل: ما الذي يجعل المدرسة غير قادرة دائمًا على تلبية حاجته من داخلها؟
وبدل أن نسأل: لماذا لا يثق المجتمع في المدرسة العمومية؟ يمكن أن نسأل: كيف تآكلت هذه الثقة؟ ومن أي طبقات متراكمة من التجارب؟
إن تفكيك التهميش يقتضي، قبل كل شيء، إعادة الاعتبار إلى المدرسة بوصفها فضاءً لإنتاج المعرفة والاعتراف والاندماج، لا مجرد فضاء لتنفيذ البرامج.
فالمدرسة العمومية لا تحتاج فقط إلى موارد أكثر، وإنما تحتاج أيضًا إلى استعادة قدرتها على جعل فاعليها منتجين للمعنى والمعرفة.
تحتاج إلى مدرس لا يكون مجرد منفذ، ومتفقد لا يكون مجرد مراقب، ومدير لا يكون مجرد مدبر للأزمات، وتلميذ لا يكون مجرد رقم في جدول النتائج، وتكوين لا يكون مجرد إجراء، ومعرفة لا تكون مجرد وثيقة، ومؤسسة لا تكون مجرد بناية.
خاتمة: حين يصبح الظل مكانًا نتعلم العيش فيه
قد لا يكون أخطر ما يمكن أن يحدث للمدرسة أن يفشل بعض فاعليها. الأخطر أن يصبح الفشل منظمًا، والتهميش مألوفًا، والنقص طبيعيًا، والبديل ضروريًا.
فحين يُهمَّش المدرس ماديًا ومعنويًا ورمزيًا، ويُختزل المتفقد في وظيفة إجرائية، ويُدفع المدير إلى إدارة النقص، ويصبح التلميذ موضوعًا أكثر منه شريكًا، وتضعف المعرفة المهنية، ويتراجع التكوين، وتصبح الموارد أقل من الحاجات، ويتآكل الزمن المدرسي، وتضعف علاقة المدرسة بمحيطها، فإننا لا نكون أمام مجموعة من الاختلالات المنفصلة. قد نكون أمام منطق واحد يتوزع على مستويات مختلفة.
وهنا يصبح تهميش الفاعل طريقًا محتملًا إلى تهميش المؤسسة، ويصبح تهميش المؤسسة طريقًا محتملًا إلى تراجع الثقة فيها، ويصبح تراجع الثقة أرضًا خصبة للبحث عن البدائل، ويصبح البديل، بعد كثرة استعماله، طبيعيًا.
وهكذا يمكن أن تتحول الخوصصة، في بعض السياقات، من قرار مفاجئ إلى مسار تراكمي تسبقه عملية طويلة من إضعاف المركزية الرمزية والاجتماعية للمدرسة العمومية. لكن المسألة لا تختزل في معادلة ميكانيكية. فليس كل نقص خوصصة، وليس كل خدمة خاصة بديلًا عن المدرسة، وليس كل تهميش نتيجة قصد واعٍ، وليس كل فاعل في المؤسسة جزءًا من الخلل.
السوسيولوجيا لا تبحث عن متهم واحد. إنها تحاول أن تكشف كيف يمكن لبنية كاملة أن تنتج نتائج لا يقصدها أي فاعل منفرد بالضرورة، لكنها تصبح مع الزمن قابلة للاستمرار والتطبيع.
ولهذا، لم يقدّم هذا المقال أجوبة جاهزة بقدر ما حاول اجتراح الأسئلة. إنّه قلق السؤال المفضي إلى مأزق الجواب؛ ذلك القلق الذي يبدأ حين لا تعود الأجوبة التي اعتدنا الاطمئنان إليها كافية، وحين يصبح ما نعدّه طبيعيًا جديرًا بأن يُسأل: كيف صار كذلك؟
ومن هنا يصبح السؤال الأعمق:
هل نحن أمام مدرسة تُعلّم أبناءها كيف يتعلمون، أم أمام منظومة بدأت، في بعض مستوياتها، تعلّم فاعليها كيف يعيشون في الهامش؟
ربما لا يكون الخطر في أن نكون في الهامش. الخطر أن نتعلم كيف نعيش فيه، ثم نتوقف عن السؤال: من وضعنا هنا؟ ولماذا؟
فقد تبدأ المدرسة بتهميش فاعل. ثم تُهمِّش معرفة. ثم موردًا. ثم علاقة. ثم وظيفة. ثم مؤسسة.
وفي النهاية، قد يصبح الهامش نفسه هو المركز الجديد الذي تعلّم الجميع كيف يعيشون داخله.
وهنا لا أقدّم حلًا جاهزًا.
أضع فقط المكشاف على الطبقات التي اعتدنا ألا نراها.
فالحفر لم ينتهِ… بل ربما بدأ للتو...
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre. Le Sens pratique. Paris: Les ditions de Minuit, 1980.
2. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les ditions de Minuit, 1970.
3. Deneault, Alain. La Médio
بين هامش التعليم… وتعليم الهامش: حين تُعلِّم المدرسة العمومية فاعليها كيف يعيشون في الظل! حفريات سوسيولوجية في إنتاج التهميش التربوي وتهميش المدرسة العمومية في ضوء «نظام التفاهة» عند آلان دونو
2026-09-19
7 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال