بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تصبح الكفاءة تهمة: حفريات سوسيولوجية في تحييد الكفاءة وإعادة إنتاج الرداءة - من حماية المواقع إلى إقصاء الكفاءات: كيف تتحول مقاومة التميز إلى آلية لإعادة إنتاج التخلف المؤسسي؟

2026-09-15 68 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم:

تبدو الكفاءة، في الخطاب المؤسسي الحديث، قيمة لا يختلف حولها أحد. فالمؤسسات تتحدث عن الجودة والتميز والجدارة والابتكار، وتعلن حاجتها إلى أصحاب الكفاءة باعتبارهم موردًا ضروريًا للتطور. غير أن الممارسة تكشف مفارقة أكثر تعقيدًا: فقد تصبح الكفاءة نفسها مصدرًا للقلق حين تتجاوز حدودًا غير مكتوبة رسمتها المؤسسة، أو حين تكشف الفجوة بين ما تعلنه المؤسسة عن نفسها وما تنتجه فعليًا.

فالمشكلة لا تبدأ عندما يكون الشخص الكفء غير كفء، بل عندما تصبح كفاءته قادرة على إعادة ترتيب مواقع الاعتراف والسلطة والشرعية داخل المجال الذي يتحرك فيه. عندها لا تعود الكفاءة مجرد قدرة مهنية، وإنما تتحول إلى رأسمال رمزي يمكن أن يزعزع توازنات قائمة.

وهنا يطرح السؤال السوسيولوجي نفسه: ماذا يحدث عندما تتحول الكفاءة من مورد للمؤسسة إلى مصدر لتهديد التراتبات والشرعيات القائمة؟

إن هذا المقال لا يبحث عن أشخاص سيئين أو نوايا خفية، ولا يحاول تفسير الظاهرة انطلاقًا من الخصائص النفسية للأفراد، وإنما يحاول تفكيك الآليات التي تجعل المؤسسة قادرة على تحييد الكفاءة، ونزع الشرعية عنها، وإعادة ضبط حدود الاعتراف بها، حتى عندما تعلن في خطابها الرسمي أنها تشجع التميز.

1. حين تصبح الكفاءة مصدر تهديد بدل أن تكون موردًا للمؤسسة:

ليست الكفاءة مجرد امتلاك معرفة أو مهارة تقنية. إنها، في معناها الأعمق، قدرة على التشخيص، والمقارنة، والاقتراح، والكشف عن مواطن الخلل، وربط النتائج بالشروط التي أنتجتها. ولذلك يمكن للكفاءة أن تصبح مرآة للمؤسسة: فهي لا تُظهر فقط ما يستطيع الفرد القيام به، بل قد تكشف أيضًا ما تعجز المؤسسة عن القيام به.

ومن هنا يمكن فهم ما يسميه بيير بورديو الرأسمال الرمزي (Pierre Bourdieu, 1980): فالكفاءة لا تصبح مؤثرة بمجرد وجودها، وإنما عندما تتحول إلى اعتراف اجتماعي ومؤسسي يمنح صاحبها قدرة أكبر على الكلام والتأثير والمقارنة وطرح الأسئلة.

لكن الاعتراف بالكفاءة ليس آليًا. فقد توجد كفاءة فعلية لا تتحول إلى كفاءة معترف بها. وقد يمتلك الفرد معرفة وتجربة وقدرة على الإنجاز، بينما تظل شرعيته محدودة لأن المؤسسة لا تمنحه المكانة الرمزية التي تتناسب مع ما يمتلكه من رأسمال مهني.

وهنا يظهر أحد التناقضات الأساسية: المؤسسة قد تحتاج إلى الكفاءة لكي تتطور، لكنها قد تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على توازنات تجعل الاعتراف بالكفاءة مضبوطًا بحدود معينة.

فحين تصبح الكفاءة قادرة على مساءلة القواعد غير المكتوبة، أو كشف الفجوات بين الخطاب والممارسة، أو تقديم نموذج أداء يصعب تجاهله، فإنها قد تتحول من مورد مهني إلى تهديد رمزي.

والمؤسسة التي تتوتر أمام الكفاءة لا تتوتر من الشخص الكفء فقط؛ إنها تتوتر من المرآة التي تضعها الكفاءة أمامها.

2. من التهديد الرمزي إلى حماية المواقع: كيف تتحول مقاومة التميز إلى آلية مؤسسية؟

من السهل تفسير إقصاء الكفاءة باعتباره موقفًا فرديًا ناتجًا عن الشعور بالتهديد. لكن هذا التفسير لا يكفي لفهم ظاهرة تتكرر داخل مؤسسات مختلفة، ومع أشخاص مختلفين، وفي مواقع مختلفة.

فالتحليل السوسيولوجي لا يسأل فقط: لماذا يشعر فرد بالتهديد من شخص أكثر كفاءة؟

بل يسأل سؤالًا أعمق: كيف يتحول الشعور بالتهديد الرمزي إلى استراتيجية لحماية الموقع؟ وكيف تتحول حماية الموقع إلى آلية مؤسسية لإقصاء الكفاءة؟

هنا يصبح مفهوم صراع المواقع أكثر تفسيرًا من التفسير النفسي. فالمؤسسة ليست فضاءً محايدًا تتحرك داخله الكفاءات بحرية، وإنما هي أيضًا مجال تتوزع داخله المكانة والسلطة والموارد والاعتراف.

وقد بيّن ميشال كروزييه وإرهارد فريدبرغ (Michel Crozier & Erhard Friedberg, 1977) أن التنظيمات لا تعمل فقط وفق القواعد الرسمية، بل تتشكل داخلها استراتيجيات فاعلين يسعون إلى حماية مواقعهم والتحكم في مناطق عدم اليقين.

لذلك قد لا يظهر إقصاء الكفاءة في قرار معلن يقول: «نحن نقصي الكفاءات». إنه غالبًا أكثر نعومة وأقل وضوحًا: تجاهل الإنجاز، التقليل من قيمة المبادرة، التشكيك في الدوافع، تأجيل الاعتراف، تضييق فرص المشاركة، تحويل النقاش من جودة الفكرة إلى شخصية صاحبها، أو وضع الكفاءة داخل قوالب تحد من قدرتها على التأثير.

هنا لا يجري إلغاء الكفاءة مباشرة، وإنما تحييدها.

وهذه نقطة أساسية: فالمؤسسة لا تحتاج دائمًا إلى منع الشخص الكفء من العمل؛ يكفي أحيانًا أن تمنعه من تحويل كفاءته إلى رأسمال رمزي مؤثر.

وبهذا تنتقل المسألة من مجرد علاقة بين أفراد إلى آلية مرتبطة ببنية الحقل نفسه.

3. حين تصبح الشرعية أهم من الكفاءة:

لا تعمل المؤسسات دائمًا وفق منطق «من هو الأكفأ؟»، وإنما قد تعمل وفق سؤال أكثر تعقيدًا: من يملك الشرعية المعترف بها؟

وهنا يظهر الفرق بين الكفاءة والشرعية.

فقد يكون شخص ما أكثر قدرة على الإنجاز، لكنه لا يمتلك الموقع الذي يسمح له بأن تتحول كفاءته إلى سلطة رمزية. وقد يكون آخر أقل كفاءة من الناحية المهنية، لكنه يمتلك رصيدًا أكبر من الشرعية التنظيمية أو الاجتماعية.

يشرح بورديو (Pierre Bourdieu, 1984) هذه الظاهرة من خلال مفهوم الحقل، حيث لا تتحدد مواقع الفاعلين بامتلاك المعرفة وحدها، وإنما بحجم ونوع رؤوس الأموال التي يمتلكونها ومقدار الاعتراف بها.

ومن هنا يمكن أن تصبح الكفاءة الميدانية غير كافية. فالمؤسسة لا تعترف دائمًا بمن ينتج أكثر، وإنما قد تعترف بمن يمتلك الموقع الأكثر قابلية لإنتاج الاعتراف.

وهكذا تنشأ مفارقة خطيرة: قد يصبح صاحب الكفاءة في حاجة إلى إثبات شرعيته باستمرار، بينما تُعامل مواقع معينة باعتبارها شرعية في ذاتها.

وهنا لا يعود السؤال: من يستطيع أن ينجز؟

بل يصبح: من يحق له أن يُعترف بإنجازه؟

وهذه النقلة هي التي تجعل إقصاء الكفاءة ظاهرة سوسيولوجية، لا مجرد خلاف مهني.

4. من نزع الشرعية إلى التسطيح المؤسسي:

حين تعجز المؤسسة عن استيعاب الفروق الكبيرة في الكفاءة، قد لا تعمل دائمًا على رفع مستوى الأداء العام، بل قد تعمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على خفض القيمة الرمزية للفروق.

وهنا يظهر مفهوم يمكن تسميته بـ التسطيح المؤسسي: أي ميل المؤسسة إلى جعل الفروق في الأداء والقدرة والمبادرة أقل ظهورًا وأقل تأثيرًا، بدل أن تجعل الكفاءة الأعلى معيارًا لرفع مستوى الجميع.

في هذه الحالة لا يكون الهدف بالضرورة إسقاط الكفء، وإنما منع تفوقه من التحول إلى معيار مؤسسي جديد.

فالتميز يخلق مقارنة، والمقارنة تكشف الفروق، والفروق تطرح سؤال العدالة في الاعتراف، وهذا السؤال قد يصبح مزعجًا عندما يكشف أن المواقع والمكافآت والفرص لا تتوزع دائمًا وفق الكفاءة وحدها.

وهنا يمكن استحضار مفهوم العنف الرمزي لدى بورديو (Pierre Bourdieu, 1991): فالمؤسسة لا تحتاج إلى ممارسة الإقصاء بصورة قسرية لكي تنتج أثره؛ يكفي أن تجعل تصنيفات معينة تبدو طبيعية، وأن تجعل أسئلة أخرى تبدو غير مشروعة أو غير ضرورية.

فتصبح المبادرة «مبالغة»، والنقد «تشكيكًا»، والاستقلالية «صعوبة في الانضباط»، والقدرة العالية «خروجًا عن المألوف».

وهكذا لا يجري ضرب الكفاءة في صورتها الصريحة، وإنما يجري إعادة تعريفها بطريقة تجعلها أقل إزعاجًا للنظام القائم.

5. حين يصبح الامتثال أكثر عقلانية من التميز:

إذا أدرك الفاعل داخل المؤسسة أن المبادرة لا تنتج بالضرورة اعترافًا، وأن التميز قد يجلب مزيدًا من المسؤوليات دون مقابل رمزي أو مهني، وأن النقد قد يتحول إلى مصدر للمساءلة، فإن تقليص الجهد يصبح سلوكًا عقلانيًا. فكلما ارتفعت كفاءة الفاعل، قد يجد نفسه أمام مسؤوليات إضافية بدل أن يحصل على اعتراف يتناسب مع هذه الكفاءة، وكلما ارتفعت قدرته على المبادرة، زادت احتمالات تعرضه للمخاطر والاحتكاك، وكلما أصبح أكثر قدرة على النقد والتشخيص، اتسعت دائرة المساءلة التي قد تحيط به. وفي المقابل، قد يبدو الامتثال أقل كلفة وأكثر أمانًا، لأنه لا يفرض على صاحبه أن يدخل في مناطق التوتر أو أن يعيد طرح الأسئلة التي قد تزعج التوازنات القائمة.

هنا لا يعود ضعف الأداء مجرد مشكلة أخلاقية أو فردية. إنه يصبح نتيجة محتملة لبنية الحوافز والاعتراف.

وقد أظهر روبرت ميرتون (Robert K. Merton, 1968) من خلال مفهوم تأثير متّى أن الاعتراف السابق يمكن أن ينتج اعترافًا لاحقًا، وأن أصحاب المكانة المرتفعة يحصلون على فرص أكبر لتراكم المكانة والموارد. كما يوضح مبدأ بيتر (Laurence J. Peter & Raymond Hull, 1969) كيف يمكن للترقي داخل التنظيمات ألا يتبع دائمًا منطق الكفاءة الفعلية.

وعندما تصبح المؤسسة غير قادرة على مكافأة الكفاءة بصورة عادلة، فإنها قد تنتج عكس ما تعلنه: ثقافة يتعلم فيها الأفراد أن النجاح لا يحتاج دائمًا إلى التميز، وأن الاستمرار قد يكون أكثر عقلانية من المبادرة.

وهنا تبدأ الكفاءة في الانسحاب من المشهد، ليس لأنها اختفت، وإنما لأنها تعلمت أن المؤسسة لا تحتاجها إلا بقدر ما تبقى داخل حدودها الآمنة.

6. من إقصاء الأفراد إلى إعادة إنتاج الرداءة:

تكمن خطورة إقصاء الكفاءة في أن أثره لا يتوقف عند الفرد الذي جرى تحييده.

فحين تتكرر آليات نزع الشرعية عن المتميزين، يصبح الأمر جزءًا من الثقافة التنظيمية. ومع مرور الوقت، لا تعود المؤسسة بحاجة إلى إقصاء كل كفء على حدة؛ إذ يتعلم الفاعلون أنفسهم الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزوها.

وهنا تتحول آلية الإقصاء إلى آلية لإعادة الإنتاج.

وقد بيّن بورديو وباسرون (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970) أن المؤسسات لا تكتفي بإنتاج المعرفة، وإنما يمكنها أيضًا إعادة إنتاج علاقات القوة والتراتبات القائمة من خلال آليات تبدو طبيعية ومحايدة.

وفي السياق المهني، قد تصبح المؤسسة قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى عندما تكون نتائجها ضعيفة، لأن معيار البقاء فيها لا يعود هو القدرة على تغيير الواقع، وإنما القدرة على الاندماج في منطق الواقع القائم.

وهنا لا تعود الرداءة مجرد غياب للكفاءة.

إنها تصبح نتاجًا مؤسسيًا عندما تتراكم آليات تحييد التميز، وتهميش المبادرة، ونزع الشرعية عن النقد، ومكافأة الامتثال، وحماية المواقع القائمة.

وهكذا يمكن أن تنتقل المؤسسة من مجرد إقصاء الكفاءات إلى مرحلة أكثر خطورة: التعلم المؤسسي على الاستغناء عنها.

وهذه هي لحظة التحول الحقيقية.

فالمؤسسة التي كانت في البداية تستبعد بعض الكفاءات، قد تنتهي إلى بناء بيئة لا تشجع أصلًا على إنتاج الكفاءة.

7. المفارقة التربوية: كيف نربي على السؤال ثم نخشى السائل؟
تظهر المفارقة بأوضح صورها في المؤسسة التربوية.

فالمدرسة الحديثة تقول للمتعلم: اسأل، ناقش، فكر، شكك، جرب، ابتكر، ولا تقبل الحقيقة لمجرد أنها قُدمت إليك باعتبارها حقيقة.

لكن ماذا يحدث عندما يعود السؤال إلى المؤسسة نفسها؟

ماذا يحدث عندما يسأل المدرس عن جدوى ممارسة ما؟ أو يقارن بين الخطاب والنتائج؟ أو يقترح تغييرًا؟ أو يرفض أن تتحول العادة إلى قاعدة لمجرد أنها استمرت طويلًا؟

هنا تظهر المفارقة:

لا يمكن أن نربي على السؤال ونخشى السائل.

ولا يمكن أن نربي على الإبداع ثم نجعل الامتثال هو معيار النجاح الوحيد.

ولا يمكن أن نطالب المتعلم بالتفكير النقدي بينما لا نحتمل التفكير النقدي داخل المؤسسة التي يفترض أن تعلّمه ذلك.

إن المدرسة التي لا تستطيع أن تتعلم من نقد مدرسيها تواجه تناقضًا في صميم رسالتها. فهي تطلب من المتعلم امتلاك الاستقلالية، بينما قد تعمل بنيتها التنظيمية على تقليص استقلالية الفاعلين الذين يعلّمونه.

وهنا يصبح السؤال التربوي أعمق من سؤال طرق التدريس:

هل تستطيع المؤسسة التربوية أن تطبق على نفسها القيم النقدية التي تقول إنها تريد تعليمها للأجيال؟

8. من حماية المواقع إلى حماية المؤسسة:

لا يمكن كسر هذه الحلقة بمجرد مطالبة الأفراد بأن يكونوا أكثر تسامحًا مع الكفاءة. فالمشكلة ليست أخلاقية فقط، وإنما مرتبطة بطريقة توزيع الاعتراف والسلطة والفرص.

المؤسسة التي تريد حماية كفاءاتها تحتاج إلى أن تجعل الاعتراف أكثر شفافية، وأن تفصل بين الكفاءة والولاء الشخصي، وأن تجعل تقييم الأداء قائمًا على معايير قابلة للفحص، وأن تضمن أن الاختلاف لا يتحول إلى تهمة.

فالمؤسسة القوية ليست التي تخلو من النقد، وإنما التي تستطيع تحويل النقد إلى معرفة تنظيمية.

وليست المؤسسة التي تحافظ على مواقعها مهما كانت الظروف، وإنما التي تستطيع إعادة ترتيب مواقعها عندما تتغير الحاجات والكفاءات.

وليست التي تخاف من الفروق، وإنما التي تستخدم الفروق في الكفاءة لرفع المستوى العام.

وهنا يمكن الانتقال من منطق حماية المواقع إلى منطق حماية المؤسسة نفسها.

فالتمسك بمواقع ثابتة قد يحمي أفرادًا لفترة، لكنه قد يضعف المؤسسة على المدى الطويل. أما الاعتراف بالكفاءة، حتى عندما تكون مزعجة، فإنه يسمح للمؤسسة بالتعلم والتصحيح والتطور.

خاتمة: حين يصبح التميز فعل مقاومة

تكشف هذه الحفريات أن مشكلة الكفاءة لا تكمن دائمًا في غيابها، وإنما قد تكمن في الطريقة التي تستقبل بها المؤسسة حضورها.

فالكفاءة حين لا تتجاوز حدودًا معينة تكون مقبولة، لكنها عندما تصبح قادرة على المقارنة والتشخيص وكشف التناقضات، قد تتحول إلى مصدر لإعادة ترتيب الاعتراف والمواقع.

ومن هنا يبدأ المسار: الكفاءة، ثم التهديد الرمزي، فصراع المواقع، فنزع الشرعية، فتحييد الكفاءة، فالتسطيح المؤسسي، ثم إعادة إنتاج الرداءة.

لكن أخطر ما في هذه السلسلة ليس إقصاء شخص كفء.

الأخطر هو أن تتحول المؤسسة، مع مرور الوقت، إلى فضاء يتعلم فيه الجميع كيف يتجنبون الكفاءة التي قد تزعج توازناته.

عندها لا يعود الإقصاء قرارًا فرديًا، بل يصبح ثقافة.

ولا تعود الرداءة مجرد نتيجة عرضية، بل تصبح احتمالًا مؤسسيًا قابلًا لإعادة الإنتاج.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المؤسسة قد تعلن أنها تبحث عن التميز، لكنها إذا كانت تعاقب ضمنيًا على المبادرة، وتشكك في النقد، وتضيق بالاستقلالية، وتحمي المواقع أكثر مما تحمي الكفاءة، فإنها ستنتج شيئًا مختلفًا تمامًا عما تعلن.

إنها ستنتج التسطيح بدل التميز، والامتثال بدل المبادرة، وإعادة الإنتاج بدل التحول.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

لماذا يُقصى الكفء؟

بل:

ما نوع المؤسسة التي تحتاج إلى إقصاء الكفاءة حتى تحافظ على توازناتها؟

فحين تصبح الكفاءة تهمة، لا يكون الخطر أن يُقصى الكفء وحده؛ بل أن تتعلم المؤسسة كلها كيف تعيش من دونه.

المراجع:

1. Bourdieu, Pierre (1980), Le Sens pratique, Paris, Les ditions de Minuit.

2. Bourdieu, Pierre (1984), Homo Academicus, Paris, Les ditions de Minuit.

3. Bourdieu, Pierre (1991), Language and Symbolic Power, Cambridge, Polity Press.

4. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1970), La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement, Paris, Les ditions de Minuit.

5. Crozier, Michel & Friedberg, Erhard (1977), L’acteur et le système. Les contraintes de l’action collective, Paris, Seuil.

6. Merton, Robert K. (1968), «The Matthew Effect in Science», Science, vol. 159, n° 3810, pp. 56-63.

7. Peter, Laurence J. & Hull, Raymond (1969), The Peter Principle, New York, William Morrow.

8. Weber, Max (1922), Wirtschaft und Gesellschaft, Tübingen, Mohr.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال