بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

إفريقيا: من الاعتراف بحجمها إلى اغتراف ثرواتها وكفاءاتها - ما أخفته الخريطة… تكشفه الحفريات - قراءة في تصحيح صورة إفريقيا وإبقاء تاريخ نهبها خارج الخريطة

2026-09-07 100 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تمهيد:

ليست إفريقيا التي صغرت؛ بل الصورة التي قُدّمت لنا عن حجمها هي التي كانت مضللة. فخريطة ميركاتور لم تُصمَّم أصلًا لتصغير إفريقيا، وإنما لأغراض الملاحة، لكنها تشوّه المساحات كلما اقتربنا من القطبين. لذلك تبدو غرينلاند، مثلًا، أكبر بكثير مما هي عليه، بينما تبدو إفريقيا أصغر من حجمها الحقيقي. وقد جاءت إسقاطات حديثة، مثل Equal Earth، لتقدم تمثيلًا أكثر إنصافًا للمساحات (avri, Patterson et Jenny, 2019).

لكن الخريطة لا تعكس الجغرافيا فقط؛ إنها تمثيل للعالم يمكن أن يتأثر أيضًا بتاريخ القوة. فاختيار الشمال بوصفه «أعلى» والجنوب بوصفه «أسفل» ليس له أساس طبيعي مطلق؛ فالأرض، في الفضاء، لا تملك أعلى ولا أسفل. وقد اكتسب هذا الترتيب دلالاته الرمزية داخل تاريخ أصبحت فيه أوروبا الشمالية والغربية مركزًا للقوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ثم مركزًا لإنتاج المعرفة وتمثيل العالم. وهكذا تداخل التمثيل الجغرافي مع ما يمكن تسميته بالمركزية الأوروبية، فأصبح الشمال في المخيال البصري أقرب إلى المركز، والجنوب أقرب إلى الهامش.

ولا يعني ذلك أن واضعي الخرائط تعمدوا، في كل حالة، إنتاج صورة استعمارية للعالم، ولا أن اعتماد الشمال في أعلى الخريطة كان مؤامرة سياسية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اختيار خرائطي تاريخي إلى صورة بصرية متكررة، ثم إلى حقيقة تبدو طبيعية، فيُنظر إلى أوروبا بوصفها «فوق» وإلى إفريقيا والجنوب العالمي بوصفهما «تحت»، ليس جغرافيًا فحسب، بل ضمنيًا في سلم القوة والتقدم والحداثة.

وهنا يصبح السؤال السوسيولوجي أكثر أهمية من السؤال الخرائطي: كيف يمكن لتمثيل بصري للعالم أن يتحول، مع كثرة تكراره، إلى تمثيل للعالم الاجتماعي نفسه؟ وكيف يمكن أن يبدو المركز أكثر مركزية، والهامش أكثر هامشية، حتى عندما لا تقول الجغرافيا ذلك؟
لكن السؤال الأهم ليس: كيف نرى إفريقيا على الخريطة؟
بل: كيف نراها في خريطة الثروة والقوة؟

فإذا كانت الخريطة التقليدية قد جعلت إفريقيا تبدو أصغر مما هي عليه جغرافيًا، فإن خريطة الاقتصاد العالمي قد تفعل شيئًا أكثر خطورة: تجعل القارة تبدو أقل وزنًا مما هي عليه فعليًا في إنتاج الثروة العالمية.
قارة شاسعة، غنية بالمعادن والطاقة والأراضي والمياه والتنوع البيولوجي، وتملك ثروة بشرية هائلة، لكنها كثيرًا ما تظهر في النظام الاقتصادي العالمي بوصفها مصدرًا للمواد الأولية وسوقًا للسلع، أكثر مما تظهر بوصفها مركزًا لإنتاج التكنولوجيا والمعرفة والقيمة المضافة.

وهنا لا تعود المسألة مجرد خطأ في الإسقاط الخرائطي.
إنها مسألة موقع.
موقع إفريقيا في تقسيم العمل العالمي، وفي سلاسل القيمة، وفي صناعة القرار، وفي إنتاج المعرفة، وفي التحكم في مواردها وثرواتها.
لقد جرى الاعتراف تدريجيًا بأن إفريقيا أكبر مما صورتها بعض الخرائط، لكن هل رافق هذا الاعتراف تصحيحٌ مماثل لموقعها في خريطة القوة والثروة؟

وهنا تحديدًا تبدأ الحفريات...

لأن ما أخفته الخريطة لا تكشفه خريطة أخرى فقط؛ تكشفه الحفريات في التاريخ والاقتصاد والسياسة والاستعمار والعلاقات الدولية.
فالحفر في التاريخ الاستعماري يكشف أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال للأرض، بل كان أيضًا إعادة تنظيم للموارد والطرق والموانئ والأسواق بما يخدم مصالح القوة المستعمِرة. والحفر في مرحلة ما بعد الاستقلال يكشف أن خروج الجندي الاستعماري من الباب لم يكن دائمًا يعني خروج النفوذ من المشهد.

ثم يأتي الحفر في الاقتصاد المعاصر ليكشف مفارقة أكثر إيلامًا: الثروة قد تكون في باطن الأرض الإفريقية، لكن جزءًا كبيرًا من القيمة المتولدة عنها يُصنع خارجها؛ والتكنولوجيا والتمويل والتكرير والتصنيع والتسويق قد توجد في أماكن أخرى، بينما تبقى إفريقيا في الطرف الأول من سلسلة القيمة.

ثم نصل إلى الإنسان نفسه.
فإذا كانت إفريقيا تُستنزف من باطن أرضها، فإنها قد تُستنزف أيضًا من باطن مجتمعها: من أطبائها ومهندسيها وباحثيها ومبرمجيها وكفاءاتها.
وهنا تتقاطع خريطتان: خريطة الثروات وخريطة الكفاءات.
الأولى تكشف عن موارد تُستخرج من الأرض، والثانية عن عقول تُستخرج من المجتمع؛ وفي الحالتين يطرح السؤال نفسه: من يملك شروط تحويل الثروة إلى قيمة؟ ومن يحدد أين تُنتج القيمة، ومن يحصد الجزء الأكبر منها؟

من هنا يأتي مفهوم «الاعتراف/الاغتراف» الذي يقترحه هذا المقال.
اعترافٌ بحجم القارة، يقابله اغترافٌ بثرواتها.
اعترافٌ بكفاءاتها، يقابله اغترافٌ بعقولها.
اعترافٌ باستقلال دولها، بينما يستمر، بأشكال مختلفة، نفوذ القوى التي كانت تستعمرها.
ولذلك فالمسألة ليست في أن نكتشف فجأة أن إفريقيا كبيرة.
إفريقيا كانت كبيرة دائمًا.
المسألة هي أن نسأل: لماذا لم تتحول هذه المساحة، وهذه الموارد، وهذه الكفاءات، إلى وزن مماثل في خريطة القوة؟

وهنا تبدأ الحفريات الحقيقية...


1. الاستعمار لم يكن احتلالًا للأرض فقط:

لم يكن الاستعمار الأوروبي مجرد احتلال عسكري للأرض ورفع راية أجنبية فوقها، بل كان إعادة هندسة كاملة للمجال الإفريقي بما يخدم مصالح القوة الاستعمارية. كانت الطرق تُرسم، والسكك الحديدية تُمد، والموانئ تُنشأ، والمناجم تُستغل، والأسواق تُنظم وفق حاجات اقتصاد استعماري يريد الوصول إلى المادة الخام بأسرع وأقل تكلفة ممكنة. ولذلك فإن قراءة الاستعمار من خلال الخرائط السياسية وحدها تظل قراءة ناقصة؛ إذ ينبغي فتح الخرائط الاقتصادية التي رافقت السيطرة الاستعمارية: أين توجد المناجم؟ كيف ترتبط بالموانئ؟ إلى أين تتجه السكك الحديدية؟ ومن يملك الشركات التي تستخرج الثروة؟ ومن يحدد شروط تداولها؟

وتونس تقدم مثالًا قريبًا على ذلك. فبعد اكتشاف الفوسفاط في منطقة قفصة سنة 1885، تأسست سنة 1897 شركة فرنسية لاستغلال الفوسفاط وربط المناجم بالسكك الحديدية نحو صفاقس، بما جعل استخراج الفوسفاط ونقله وتصديره جزءًا من منظومة اقتصادية استعمارية. وقد درست الأدبيات التاريخية نشأة شركة الفوسفاط والسكك الحديدية بقفصة بوصفها إحدى الشركات الاستعمارية الكبرى التي ارتبطت باقتصاد الاستخراج والتصدير (Dougui, 1982).

ولا يعني ذلك أن كل بنية تحتية أنشئت في الفترة الاستعمارية كانت عديمة الفائدة للسكان، أو أن كل أثر اقتصادي للاستعمار يمكن اختزاله في النهب وحده، وإنما يطرح سؤالًا أكثر جوهرية: لمن صُممت المنظومة الاقتصادية أساسًا؟ ومن كان يملك المورد؟ ومن كان يملك وسيلة نقله؟ ومن كان يملك قرار تسويقه؟ ومن كان يحتفظ بالقيمة الناتجة عنه؟ فالقصة الاستعمارية لا تتعلق فقط بمن امتلك الأرض، وإنما بمن امتلك القدرة على تحويل ما تحت الأرض إلى ثروة، ثم تحديد الجهة التي تستفيد من هذه الثروة.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك المورد وامتلاك القيمة. فقد تكون الثروة موجودة تحت أرض بلد ما، لكن هندسة استخراجها ونقلها وتسويقها يمكن أن تكون مصممة أساسًا لخدمة مصالح خارجية. والاستعمار، بهذا المعنى، لم يكن سيطرة على الأرض فحسب، بل كان أيضًا سيطرة على مسارات الثروة.

2. من الاستعمار المسلح إلى الاستعمار بالنفوذ:

انتهى الاستعمار الرسمي في معظم إفريقيا، لكن نهاية الاحتلال المباشر لم تعنِ بالضرورة نهاية النفوذ. فالقوى الاستعمارية السابقة لم تخرج من القارة تاركة وراءها فراغًا كاملًا، بل أعادت صياغة علاقاتها مع الدول المستقلة من خلال شبكات سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية. وفي الحالة الفرنسية تحديدًا، ظهر ذلك بوضوح في منظومة العلاقات التي أصبحت تُعرف باسم Françafrique، حيث استمرت فرنسا في بناء علاقات وثيقة مع أنظمة سياسية إفريقية حليفة، وحافظت على حضور اقتصادي وعسكري وسياسي قوي في عدد من مستعمراتها السابقة (Schmidt, 2013).

وهنا يمكن القول إن فرنسا انتقلت، في حالات عديدة، من الاستعمار المسلح إلى الاستعمار بالنفوذ. ففي المرحلة الاستعمارية كان الجندي والحاكم الاستعماري أداتي السيطرة، أما بعد الاستقلال فقد أصبحت الأدوات أكثر تعقيدًا: اتفاقيات دفاع، تدخلات عسكرية، شركات، علاقات دبلوماسية، شبكات مصالح، نخب سياسية، ومستشارون قادرون على التأثير في صناعة القرار. لم يعد مطلوبًا بالضرورة أن تحتل فرنسا بلدًا إفريقيًا كي تحافظ على مصالحها؛ يكفي أن تظل قادرة على التأثير في المجال السياسي والاقتصادي الذي تتحرك داخله تلك الدولة.

وقد استمر الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا بعد الاستقلال، كما شهدت دول إفريقية متعددة تدخلات عسكرية فرنسية خلال العقود اللاحقة. وفي بعض الحالات جاءت هذه التدخلات تحت عناوين الأمن أو حماية المصالح أو تنفيذ اتفاقيات دفاع، لكنها ظلت جزءًا من تاريخ علاقة غير متكافئة بين فرنسا وعدد من مستعمراتها السابقة. ولذلك فإن الاستقلال السياسي، رغم أهميته التاريخية، لم يكن كافيًا وحده لتفكيك كل شبكات القوة التي تشكلت خلال الحقبة الاستعمارية.

والمسألة هنا ليست إنكار استقلال الدول الإفريقية أو اختزال تاريخها في الإرادة الفرنسية، بل الكشف عن حقيقة أكثر تعقيدًا: يمكن لدولة أن تصبح مستقلة قانونيًا، بينما تستمر قوة أجنبية في امتلاك أدوات مؤثرة داخل مجالها السياسي والاقتصادي. وهنا يبدأ مفهوم الاستعمار الجديد في اكتساب معناه.

3. فرنسا: من الجندي إلى الرئيس

إذا كان الاستعمار القديم يعتمد على احتلال الأرض، فإن الاستعمار الجديد يستطيع أن يعمل من خلال التأثير في من يحكم الأرض. ولهذا فإن أخطر أشكال النفوذ ليست دائمًا تلك التي تظهر في صورة جندي أجنبي، بل تلك التي تتسلل إلى بنية السلطة نفسها. وقد اتُّهمت فرنسا، على امتداد تاريخ ما بعد الاستقلال، بالتدخل في الحياة السياسية لعدد من الدول الإفريقية، ودعم أنظمة وشخصيات سياسية حليفة، والتأثير في موازين السلطة بما يحافظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال فقط: ماذا تفعل فرنسا في إفريقيا؟ بل أصبح: من تدعم فرنسا في إفريقيا؟ ومن تحمي؟ ومن تستطيع التأثير في بقائه؟ فحين تتحول العلقة بين الدولة المستعمِرة سابقًا والنخب المحلية إلى شبكة مصالح متبادلة، يصبح الاستقلال السياسي هشًا أمام النفوذ الخارجي.

وقد ارتبط تاريخ Françafrique بعلاقات وثيقة بين الإليزيه وعدد من الرؤساء الأفارقة، وبقنوات سياسية واقتصادية وأمنية لم تكن دائمًا شفافة أو خاضعة للمساءلة العامة (Schmidt, 2013). وفي هذا السياق، يرى منتقدو السياسة الفرنسية أن باريس لم تكتفِ بالتعامل مع الحكومات القائمة، بل تدخلت في صراعات السلطة، ودعمت شخصيات وأنظمة، وساهمت في تثبيت حلفاء، وفي إضعاف خصومهم، بل واستخدمت القوة العسكرية في حالات مختلفة عندما أصبحت مصالحها أو مصالح حلفائها مهددة.

وهنا يصبح الحديث عن الحروب الأهلية أكثر تعقيدًا. فلا يمكن القول إن فرنسا صنعت كل حرب أهلية إفريقية، فالحروب لها جذورها المحلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لكن يمكن القول إن فرنسا كانت في حالات متعددة طرفًا متدخلًا في بيئة الصراعات الإفريقية، وأن تدخلها لم يكن دائمًا محايدًا، وأنها دعمت أطرافًا وأنظمة على حساب أطراف أخرى عندما اقتضت مصالحها ذلك.

والأهم أن النفوذ لا يحتاج دائمًا إلى إصدار أمر مباشر. فقد يكون كافيًا أن تعرف النخب المحلية أن قوة خارجية تستطيع دعمها أو عزلها أو حمايتها أو الضغط عليها. وهنا يصبح الاستعمار الجديد أقل وضوحًا من الاحتلال العسكري، لكن قد يكون أكثر قدرة على الاستمرار لأنه يعمل من داخل بنية الدولة نفسها.
فإذا كان الاستعمار القديم يقول: نحن نحتل أرضك، فإن الاستعمار الجديد يمكن أن يقول بصورة غير مباشرة: نحن لا نحتل أرضك، لكننا نريد أن نضمن أن من يحكمها لن يهدد مصالحنا.
وهنا ينتقل النفوذ من الأرض إلى السلطة.

4. فرنسا والموارد: عندما تتحول الثروة إلى نفوذ

لم تكن الموارد الإفريقية بالنسبة إلى القوى الاستعمارية مجرد مواد خام، بل كانت دائمًا جزءًا من حسابات القوة. النفط والغاز واليورانيوم والذهب والفوسفاط والمعادن الاستراتيجية ليست مجرد ثروات اقتصادية؛ إنها موارد ترتبط بالطاقة والصناعة والأمن والقدرة الجيوسياسية. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتقاطع المصالح الفرنسية في إفريقيا مع قطاعات استراتيجية مثل النفط واليورانيوم.

في النيجر، مثلًا، ظلت الشركات الفرنسية لاعبًا أساسيًا في قطاع اليورانيوم لعقود، وأصبحت علاقة فرنسا بالبلاد مرتبطة، في الوعي السياسي الإفريقي، بمسألة الموارد الاستراتيجية ومصالح الطاقة الفرنسية. وفي قطاع النفط الإفريقي، ارتبط تاريخ الشركات الفرنسية الكبرى، ومنها Elf قبل اندماجها في Total، بشبكات من المصالح السياسية والاقتصادية في إفريقيا.

وهنا تظهر المفارقة: فرنسا التي كانت تستخرج الثروة في زمن الاستعمار، أصبحت بعد الاستقلال تدير جزءًا من مصالحها عبر الشركات والعقود والشبكات السياسية. لقد تغيرت الأدوات، لكن منتقدي السياسة الفرنسية يرون أن جوهر العلاقة لم يتغير بما يكفي؛ فما كان يُؤخذ سابقًا بالقوة المباشرة أصبح يمكن الحصول عليه عبر الامتيازات والعقود والنفوذ السياسي.

لكن المشكلة لا تتعلق بفرنسا وحدها. فالموارد الإفريقية أصبحت اليوم مجال تنافس دولي واسع. ولذلك فإن الحديث عن «الاغتراف» ينبغي ألا يتحول إلى حكاية ثنائية بين إفريقيا وفرنسا، بل إلى تحليل للاقتصاد العالمي الذي يجعل القارة غنية بالموارد، لكنها لا تحصل دائمًا على الجزء الأكبر من القيمة التي تنتجها.

ويشير "مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "CNUCED إلى أن المعادن تزداد قيمتها بدرجة كبيرة بعد المعالجة، وهو ما يكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في استخراج المورد، بل في موقع إفريقيا داخل سلسلة القيمة العالمية (CNUCED, 2024). وهكذا تتحول الثروة الطبيعية إلى نفوذ اقتصادي، ويصبح التحكم في مراحل التكرير والتصنيع والتمويل والتسويق أكثر أهمية من مجرد امتلاك المنجم.

5. من فرنسا إلى الشركات متعددة الجنسيات:

اليوم لم تعد المسألة فرنسية فقط. فقد أصبحت إفريقيا ساحة لنشاط شركات كندية وأسترالية وبريطانية وصينية وأمريكية وفرنسية وغيرها، في قطاعات التعدين والطاقة والذهب والنفط والمعادن الاستراتيجية. ولذلك فإن اختزال مشكلة استغلال الموارد الإفريقية في علاقة ثنائية بين إفريقيا وفرنسا سيكون قراءة ناقصة لطبيعة الاقتصاد العالمي المعاصر.

الصين موجودة، وروسيا موجودة، والولايات المتحدة موجودة، وأوروبا موجودة، والشركات متعددة الجنسيات موجودة. لكن هذا التعدد لا يمحو المسؤولية التاريخية للقوى الاستعمارية السابقة. ففرنسا ليست شركة أجنبية عابرة دخلت إفريقيا في القرن الحادي والعشرين، وإنما قوة استعمارية سابقة بنت خلال عقود طويلة شبكات سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية داخل القارة، ثم أعادت توظيف هذه الشبكات بعد الاستقلال.
لذلك فإن نقد الدور الفرنسي لا يعني تجاهل الآخرين، وإنما يعني دراسة حالة تاريخية واضحة من استمرار النفوذ بعد انتهاء الاحتلال المباشر.

لقد تغيرت الأسماء، وتعددت الجنسيات، وتطورت الأدوات، لكن السؤال الاقتصادي الأساسي ظل حاضرًا: من يملك الجزء الأكثر ربحية من سلسلة القيمة؟
فالمشكلة ليست فقط من يستخرج المادة الخام، وإنما من يمتلك التكنولوجيا والتمويل والتكرير والتصنيع والتسويق والسوق. وهنا يتجاوز مفهوم «الاغتراف» الاستعمار القديم ليصبح مفهومًا أوسع: قدرة منظومات اقتصادية مختلفة على استخراج القيمة من إفريقيا دون أن تتحول هذه القيمة بالضرورة إلى قوة إنتاجية وتنموية داخل القارة.

6. ومن يوقّع العقود؟

لكن الحفريات الجادة لا تتوقف عند الخارج. فهناك حفرة أخرى ينبغي النزول إليها: الداخل نفسه. فالعقود توقعها حكومات ومؤسسات ونخب محلية، والامتيازات تمنحها دول إفريقية، وبعض الأنظمة قد تقبل شروطًا لا تحقق أفضل مصلحة للمجتمع. ولذلك لا يمكن فهم الاستغلال الخارجي من دون فهم البنى السياسية المحلية التي تسمح له بالعمل. فالاستغلال الخارجي لا يعمل دائمًا من دون شركاء محليين، كما أن الفساد المحلي لا يفسر وحده اختلالات نشأت داخل نظام اقتصادي عالمي غير متكافئ.

وهنا تتقاطع المصالح الخارجية مع نقاط الضعف الداخلية، فتتشكل علاقة مركبة: قوة خارجية تبحث عن الموارد والنفوذ، ونخب محلية تبحث عن الدعم السياسي والاقتصادي واستمرار السلطة.
ومن هنا يمكن أن تنشأ علاقة تبادل غير متكافئة: الثروة في الداخل، والنفوذ في الخارج، والسلطة في الوسط.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط: من جاء ليستخرج؟ بل أيضًا: من فاوض؟ ومن وقّع؟ ومن استفاد؟ ومن حُمي؟ ومن أُقصي؟ ومن دفع الثمن؟
إن اختزال المشكلة في الخارج وحده يعفي الفاعلين المحليين من مسؤوليتهم، واختزالها في الداخل وحده يمحو اختلال موازين القوة في الاقتصاد العالمي والتاريخ الاستعماري. أما التحليل السوسيولوجي فيبحث عن نقطة الالتقاء بين الاثنين، لأن العلاقات غير المتكافئة لا تُنتجها قوة واحدة منفردة، وإنما تتشكل عندما تلتقي المصالح الخارجية مع هشاشة بعض البنى السياسية والاقتصادية الداخلية.

7. من خريطة الأرض إلى خريطة القيمة:

وهنا نصل إلى جوهر المسألة. قد يكون المعدن في إفريقيا، والمنجم في إفريقيا، والعامل في إفريقيا، لكن التكنولوجيا والتمويل والتكرير والتصنيع والعلامة التجارية والسوق توجد في أماكن أخرى. فتكون إفريقيا حاضرة بقوة في بداية سلسلة القيمة، لكنها غائبة نسبيًا عن نهايتها الأكثر ربحية.

ولهذا فإن القارة التي تملك المادة لا تملك بالضرورة القيمة.
فالقيمة الاقتصادية الكبرى لا تتحدد فقط بمكان وجود المادة الخام، وإنما بالمراحل التي تحولها إلى منتج ذي قيمة أعلى: البحث والتطوير، التكنولوجيا، التكرير، التصنيع، العلامة التجارية، التمويل، التسويق والخدمات المرتبطة بالإنتاج.
وهكذا يمكن أن تكون إفريقيا غنية بالموارد، لكنها فقيرة نسبيًا في القيمة التي تُستخرج من تلك الموارد. وهذه ليست مفارقة طبيعية، بل نتيجة لمسار تاريخي واقتصادي جعل معظم الاقتصادات الإفريقية مرتبطة بتصدير المواد الأولية، مع ضعف التصنيع ونقص الاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي.

وتكشف تقارير CNUCED أن الانتقال من المادة الخام إلى المنتجات المعالجة والمصنعة يرفع القيمة الاقتصادية بصورة كبيرة (CNUCED, 2024). ولذلك فإن معركة إفريقيا الحقيقية ليست فقط حول امتلاك المنجم، بل حول امتلاك ما يأتي بعد المنجم.
وهنا تتضح المفارقة التي تكشفها الحفريات: قد يتم تصحيح الخريطة الجغرافية، بينما تبقى خريطة القيمة مختلة.

8. من اغتراف الثروات إلى اغتراف الكفاءات:

لكن «الاغتراف» لا يتوقف عند الثروات الموجودة في باطن الأرض. فإفريقيا لا تصدر فقط الذهب والفوسفاط والكوبالت والنفط؛ بل تصدر أيضًا الكفاءات. طبيب يتلقى تكوينه في إفريقيا ثم يمارس في أوروبا، ومهندس يغادر إلى أمريكا الشمالية، وباحث ينتقل إلى مختبرات خارج القارة، ومبرمج يعمل لصالح شركات في أسواق بعيدة. وفي كل حالة، لا يغادر الفرد وحده، بل تنتقل معه سنوات من الاستثمار في التعليم والتكوين والخبرة والمهارات.

ولا يعني ذلك أن الهجرة في حد ذاتها مشكلة، أو أن الكفاءات يجب أن تُمنع من الانتقال. فالهجرة حق، والكفاءات الإفريقية قادرة على النجاح في كل مكان. لكن السؤال التنموي يبقى مشروعًا: لماذا لا تتحول نسبة أكبر من هذه الكفاءات إلى قيمة تُنتج داخل إفريقيا؟
فالخسارة لا تكمن فقط في مغادرة الفرد، بل في فقدان جزء من القدرة على بناء المؤسسات والمعرفة والإنتاج محليًا. وعندما تصبح القارة منتجة للكفاءة ومستقبلة محدودة لعوائدها، فإننا أمام صورة أخرى من صور اختلال توزيع القيمة.

وهنا يصبح «الاغتراف» مفهومًا مركبًا: اغتراف الثروة من باطن الأرض، واغتراف الكفاءة من باطن المجتمع. ثروات تخرج من المناجم، وكفاءات تخرج من الجامعات، وفي الحالتين يمكن أن تستفيد الاقتصادات الأقوى من الجزء الأكبر من القيمة.

إن مواجهة هذا الاختلال لا تعني رفض الاستثمار الأجنبي، ولا إغلاق المناجم، ولا منع الكفاءات من الهجرة، وإنما تعني بناء قدرة إفريقية على تحويل مواردها الطبيعية والبشرية إلى قيمة داخل القارة نفسها، من خلال التكرير والتصنيع ونقل التكنولوجيا، وتحسين شروط العقود، ودعم البحث العلمي، وبناء مؤسسات قادرة على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة.

9. الاعتراف… والاغتراف:

وهنا ربما نصل إلى المفارقة الأكثر كثافة في المقال كله: الاعتراف / الاغتراف.
هناك اليوم اعتراف متزايد بأن إفريقيا صُوّرت على الخرائط بأحجام لا تعكس مساحتها الحقيقية. إنه اعتراف جغرافي متأخر. لكن التاريخ يضع أمامنا سؤالًا آخر: هل الاعتراف بحجم إفريقيا يعني الاعتراف بحقها في ثروتها؟ وهل الاعتراف بمساحتها يعني الاعتراف بقدرتها على تحديد شروط استغلال مواردها؟ وهل الاعتراف بكفاءاتها يعني الاعتراف بحقها في الاحتفاظ بقيمة تلك الكفاءات؟

لقد عانت إفريقيا طويلًا من مفارقة تاريخية: اعتراف جغرافي متأخر بحجمها، واغتراف اقتصادي مستمر بثرواتها. بل يمكن أن نضيف إليها اعترافًا بالكفاءة يقابله اغتراف بالكفاءة.
اعتراف بحجم القارة، واغتراف بثروتها. اعتراف بكفاءاتها، واغتراف بعقولها. اعتراف باستقلال دولها، واستمرار نفوذ القوى التي كانت تستعمرها.
وهنا تصبح الكلمة نفسها أداة تحليل: الاعتراف لا يكفي إذا لم يتحول إلى سيادة، والسيادة لا تكتمل إذا لم تتحول إلى قدرة على الاحتفاظ بالقيمة.
قد يُقال لإفريقيا: لقد اعترفنا أخيرًا بأنك أكبر مما كنا نظهرك على الخريطة. لكن إفريقيا تستطيع أن تجيب: وماذا عن الثروة التي ما زالت تخرج من أرضي؟ وماذا عن الكفاءات التي تغادر جامعاتي؟ وماذا عن القيمة التي تُنتج من مواردي خارج حدودي؟
فالمشكلة ليست في حجم القارة على الورق فقط، بل في حجمها داخل منظومة القوة العالمية.

10. من الاستعمار إلى الاستعمار الجديد:

لذلك فإن القول بانتهاء الاستعمار يحتاج إلى قدر من الحذر. نعم، انتهى الاستعمار المباشر في صورته الكلاسيكية، وانتهى الحكم الرسمي للقوى الأوروبية على معظم البلدان الإفريقية. لكن الاستعمار لا يُقاس فقط بمن يرفع العلم فوق المبنى الحكومي، بل أيضًا بمن يملك القدرة على التأثير في القرار، ومن يملك الشركات ورأس المال والتكنولوجيا، ومن يملك القدرة على التدخل السياسي والعسكري، ومن يستطيع بناء تحالفات مع النخب التي تمسك بمفاصل الدولة.

وهنا يمكن فهم الانتقال من الاستعمار المسلح إلى الاستعمار الاقتصادي والسياسي. في المرحلة الأولى كان الجندي هو الأداة، ثم أصبح الدبلوماسي، والشركة، والبنك، والاتفاقية، والمستشار، وشبكة العلاقات، والنفوذ الذي لا يحتاج إلى إعلان نفسه.
وفي الحالة الفرنسية تحديدًا، تبدو هذه الاستمرارية أكثر وضوحًا بسبب التاريخ الطويل للعلاقات بين فرنسا ومستعمراتها السابقة. ففرنسا لم تعد تحتاج إلى احتلال بلد إفريقي عسكريًا كي تحافظ على مصالحها؛ يمكنها أن تستخدم النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري والدبلوماسي، وأن تعتمد على شبكات من النخب والشركات والاتفاقيات للحفاظ على حضورها.

وهذا هو الوجه الأكثر حداثة للاستعمار: أن لا تحتاج إلى احتلال البلد كي تؤثر في مستقبله.

لكن الاستعمار الجديد لا يعني أن الدول الإفريقية مجرد دمى بلا إرادة، ولا أن كل قرار تتخذه حكوماتها يصدر من باريس. فهذا التفسير يسلب الأفارقة فاعليتهم السياسية، ويحولهم إلى مجرد ضحايا للتاريخ. بل يعني أن السيادة القانونية قد تتعايش مع علاقات قوة غير متكافئة، وأن استقلال الدولة لا يلغي تلقائيًا كل شبكات التبعية الاقتصادية والسياسية التي تشكلت عبر عقود.

ومن هنا يصبح التحرر الحقيقي أوسع من مجرد رحيل الجيش الأجنبي. إنه يتطلب امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الاقتصادي، والتحكم في الموارد، وبناء التكنولوجيا، وإنتاج المعرفة، وتحديد شروط التبادل، وحماية المؤسسات من التدخلات الخارجية، ومنع النخب المحلية من تحويل الدولة إلى وسيط لمصالح القوى الأجنبية.

الخاتمة: ما أخفته الخريطة… تكشفه الحفريات

تصحيح خريطة إفريقيا خطوة رمزية مهمة، لكن لا يكفي أن تظهر إفريقيا بحجمها الحقيقي على الورق إذا بقي موقعها في خريطة الاقتصاد العالمي أصغر مما تسمح به ثروتها. فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول مساحة القارة، بل حول حصتها من القيمة التي تنتجها، وحول قدرتها على تحويل مواردها إلى صناعة، والثروة إلى معرفة، والكفاءة إلى إنتاج، والاستقلال السياسي إلى سيادة فعلية.

وربما لا يكون أخطر ما ورثته إفريقيا من الاستعمار فقط ما أخذه المستعمر معه، بل أيضًا نظام العلاقات الذي جعل استخراج القيمة من إفريقيا أسهل من بناء القيمة داخلها. لقد تغير الاستعمار من استعمار عسكري مباشر إلى نفوذ سياسي واقتصادي، ومن احتلال الأرض إلى التأثير في القرار، ومن الحاكم الاستعماري إلى الحليف المحلي، ومن الجندي إلى الشركة، ومن الإدارة الاستعمارية إلى شبكات النفوذ.

وفي الحالة الفرنسية خصوصًا، لم يكن الانتقال من الاستعمار إلى الاستقلال انتقالًا كاملًا من القطيعة إلى الفراغ، بل كان، في نظر منتقدي السياسة الفرنسية، انتقالًا من السيطرة المباشرة إلى النفوذ المستدام. فرنسا لم تعد تحتاج إلى احتلال إفريقيا عسكريًا كي تحافظ على مصالحها؛ يكفيها، في بعض السياقات، أن يكون لها نفوذ في القرار، وعلاقات مع النخب، وحضور اقتصادي، وقدرة على التدخل السياسي أو العسكري، وشركات قادرة على الوصول إلى الموارد.

أما إفريقيا، فقد تتغير حكوماتها، وتتغير تحالفاتها، وتخرج فرنسا من بلد وتدخل الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة أو غيرها، لكن الخطر الأكبر يبقى قائمًا إذا ظل النموذج نفسه: تخرج المادة الخام، وتبقى القيمة خارج القارة؛ وتخرج الكفاءة، وتبقى المؤسسات عاجزة عن استثمارها؛ ويُعلن الاستقلال السياسي، بينما تظل التبعية الاقتصادية قائمة.

لذلك فالقضية ليست طرد فرنسا وحدها، وليست استبدال قوة أجنبية بأخرى، وليست إغلاق إفريقيا أمام العالم، وإنما بناء إفريقيا التي لا تسمح لأي قوة، فرنسية كانت أو غير فرنسية، بأن تحدد لها وحدها شروط استغلال ثروتها، أو أن تختار لها من يحكمها، أو أن تجعل استقلالها السياسي غطاءً لاستمرار تبعيتها الاقتصادية.
فالقضية في النهاية ليست فقط: من استعمر إفريقيا؟ بل: هل تحررت إفريقيا فعلًا من النظام الذي يجعل ثروتها قابلة للاغتراف؟

وهنا يعود السؤال إلى الخريطة.
قد نصحح حجم إفريقيا على الورق، لكن هل سنصحح موقعها في خريطة القوة؟
قد نعترف بمساحتها، لكن هل سنعترف بحقها في القيمة؟
قد نعترف بكفاءاتها، لكن هل سنمنحها شروط إنتاج المعرفة داخلها؟
فليس المطلوب مجرد الاعتراف بأن إفريقيا أكبر مما صورتها الخريطة، بل أن يُعترف بأنها أكبر من أن تكون مجرد مصدر للمواد الخام، أو خزّانًا للثروات، أو خزانًا للكفاءات البشرية.
فالخريطة هي السطح.
أما الحفريات فتبدأ عندما نسأل:
من يملك المورد؟
من يملك القيمة؟
من يملك الكفاءة؟
ومن يملك القوة التي تحدد شروط تحويل أحدها إلى الآخر؟

ومن هنا تتضح المفارقة:
اعترافٌ متأخر بحجم إفريقيا… واغترافٌ مستمر لثرواتها وكفاءاتها.
فما أخفته الخريطة…
تكشفه الحفريات...

المراجع:

1. Dougui, Noureddine, « La naissance d’une grande entreprise coloniale : la Compagnie des phosphates et du chemin de fer de Gafsa », Les Cahiers de Tunisie, 1982.

2. CNUCED, Minéraux critiques, décisions critiques : politique industrielle pour la transition énergétique, Genève, 2024.

3. Berman, Nicolas, Couttenier, Mathieu, Rohner, Dominic et Thoenig, Mathias, « This Mine Is Mine! How Minerals Fuel Conflicts in Africa », American Economic Review, 2017.

4. Schmidt, Elizabeth, « France’s Private African Domain, 1947–1991 », in Foreign Intervention in Africa, Cambridge University Press, 2013.

5. avri, Bojan, Patterson, Tom et Jenny, Bernhard, « The Equal Earth map projection », International Journal of Geographical Information Science, 2019.

6. United States Geological Survey (USGS), Map Projections, 2020.

7. Organisation des Nations Unies, Assemblée générale, Résolution visant à corriger la carte du monde et à améliorer la représentation des superficies des continents, 2026
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال