ليست أهمية مبادرة «نَفَس» في عدد الذين حضروا، ولا في الأرقام التي يجري تداولها حولها، بقدر ما تكمن في نوعية الأسئلة التي بدأت تطرحها، وفي بعض الأصوات التي اختارت أن تتكلم في لحظة سياسية تونسية يخيّم عليها الخوف، والصمت، والتعب، وانحسار القدرة على الفعل الجماعي.
ولذلك، فإن اختزال المبادرة في مسألة الحضور الجماهيري قد يكون قراءة سطحية لحدث سياسي واجتماعي أكثر تعقيدًا.
قد يكون الحضور محدودًا، وقد يكون تجاوز بضع مئات، وقد يختلف الناس حول توصيف حجمه الحقيقي. لكن السياسة لا تُقاس دائمًا بالعدد وحده. أحيانًا تكون قيمة التجمع في الرسالة التي يحملها، وفي الفئات التي يبدأ باستقطابها، وفي الأسئلة التي ينجح في إخراجها من دائرة الهمس إلى المجال العام.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تستحق كلمتا عبد المجيد بوعجيلة، خال الشاب المتوفى، ورحاب الحوات، زميلة محمد اليوسفي، قراءة تتجاوز حدود المناسبة.
من مأساة فردية إلى قضية مواطنية
كلمة عبد المجيد بوعجيلة تضع قضية السجون أمام بعدها الإنساني قبل السياسي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فمن الخطأ أن تُختزل قضية الحقوق داخل السجون في ملف «السجناء السياسيين» وحدهم. صحيح أن الاعتقال على خلفية الرأي أو النشاط السياسي يطرح أسئلة خطيرة تتعلق بالحريات العامة ودولة القانون، لكن حماية حياة السجين وصحته وكرامته لا ينبغي أن تكون مرتبطة بانتمائه السياسي من عدمه.
السجين، قبل أن يكون سياسيًا أو ناشطًا أو معارضًا أو متهمًا في قضية حق عام، هو إنسان تحت مسؤولية الدولة.
وحين تصبح حياة إنسان داخل مؤسسة سجنية معرضة للخطر، فإن المسألة لا تعود شأنًا عائليًا أو حزبيًا أو سياسيًا ضيقًا، بل تصبح قضية دولة ومجتمع.
وهنا بالضبط يمكن أن يتغير المزاج المواطني.
فالانتقال من منطق «الدفاع عن فلان لأنه من جماعتنا» إلى منطق «الدفاع عن حق الإنسان لأنه إنسان» هو أحد أهم التحولات التي تحتاجها المجتمعات عندما تتراجع فيها ضمانات الحقوق والحريات.
ذلك أن الحقوق التي لا نحميها إلا عندما يكون الضحية قريبًا منا سياسيًا، لا تكون حقوقًا بالمعنى الكامل للكلمة؛ إنها امتيازات مؤقتة قابلة للسحب.
أما حين يصبح المواطن قادرًا على الدفاع عن حق شخص يختلف معه سياسيًا، فهو لا يدافع عن خصمه، وإنما يدافع عن القاعدة التي ستحميه هو غدًا.
الخطر لا يحمل بطاقة حزبية
ثمة وهم خطير ينبغي التخلص منه: الاعتقاد بأن المخاطر المرتبطة بالسجون والاحتجاز لا تعني إلا الناشطين والسياسيين.
الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: الموت والمرض والإهمال داخل السجن لا يسألان السجين عن انتمائه السياسي.
ولهذا فإن الدفاع عن شروط إنسانية داخل السجون، وعن الحق في العلاج، وعن الكرامة، وعن احترام الإجراءات القانونية، يجب ألا يتحول إلى معركة نخبوية أو حزبية.
هذه قضايا دولة.
والدولة التي تريد أن تُحترم مؤسساتها مطالبة بأن تجعل كرامة الإنسان معيارًا ثابتًا لا يتغير بتغير اسم السجين أو طبيعة القضية التي دخل بسببها السجن.
من هنا يمكن أن تكون كلمة بوعجيلة أبعد أثرًا مما يبدو لأول وهلة، لأنها تضع المواطن أمام سؤال شخصي ومباشر:
ماذا لو كان السجين ابنك؟ أخاك؟ والدك؟ أو شخصًا لا تعرفه أصلًا، لكنه يستحق أن تبقى حياته وكرامته مصانتين؟
عند هذه النقطة تتغير زاوية النظر من السياسة إلى المواطنة.
ورسالة رحاب الحوات تفتح جبهة أخرى: الإعلام
إذا كانت كلمة بوعجيلة تتوجه أساسًا إلى الضمير الإنساني والمواطني، فإن كلمة رحاب الحوات تفتح الباب على مؤسسة يفترض أن تكون إحدى أهم أدوات حماية المجتمع من الانحراف السياسي: الصحافة.
الرسالة التي نقلتها عن محمد اليوسفي إلى الصحافيين والإعلاميين، والمتعلقة بمواصلة كشف الحقيقة وإبرازها للمواطن، ليست مجرد رسالة مهنية.
إنها، في جوهرها، سؤال سياسي وأخلاقي عن وظيفة الإعلام في مرحلة تتراجع فيها مساحة الحقيقة العامة.
فالصحفي الذي يكتفي بنقل ما تقوله السلطة، أو بإعادة تدوير البيانات الرسمية، أو بتحويل المنبر الإعلامي إلى مساحة للإعلانات والاستهلاك، قد يمارس نشاطًا إعلاميًا، لكنه لا يؤدي بالضرورة الوظيفة التي نشأت الصحافة الحديثة من أجلها.
الصحافة ليست مجرد كاميرا في مكان الحدث.
وليست ميكروفونًا أمام مسؤول.
وليست شاشة لعرض التصريحات.
الصحافة، قبل كل شيء، هي حق المواطن في أن يعرف.
وهذا الحق لا يتحقق عندما تنقل المؤسسات الإعلامية ما يُسمح لها بنقله فقط، وإنما عندما تبحث، وتتحقق، وتقارن، وتسأل، وتكشف، وتضع السلطة والمجتمع أمام الوقائع التي قد لا يرغب أصحاب النفوذ في ظهورها.
هل شرعت الصحافة التونسية أصلًا في كشف الحقيقة؟
هنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر قسوة.
ليس من الدقة القول إن الإعلام التونسي كله غائب أو متواطئ. فهناك صحفيون ومؤسسات ووسائل إعلام حاولت، ولا تزال تحاول، الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقلالية والمهنية.
لكن وجود هذه الاستثناءات لا ينبغي أن يحجب الصورة الأوسع.
لقد تحوّل جزء مهم من الإعلام التونسي إلى فضاء تجاري يلاحق نسب المشاهدة، والإعلانات، والمحتوى السهل، والجدل السريع، بينما تراجعت الصحافة الاستقصائية والتحقيقات الجادة والمساحات التي تمنح المواطن القدرة على فهم ما يجري خلف التصريحات والصور اليومية.
وفي بعض الحالات، أصبح الإعلام يبيع للمواطن كل شيء تقريبًا: من الطناجر إلى معدات المنزل وجهاز العروس، لكنه يعجز عن بيع أهم شيء يمكن أن تقدمه الصحافة: الحقيقة.
المشكلة ليست في الإعلانات بحد ذاتها؛ فالصحافة مؤسسة تحتاج إلى موارد اقتصادية حتى تستمر.
المشكلة تبدأ عندما يصبح النموذج الاقتصادي هو الذي يحدد سقف الحقيقة.
عندما يخاف الصحفي من خسارة المعلن أكثر مما يخاف من خسارة مصداقيته.
وعندما يصبح السؤال: «هل يمكن نشر هذا؟» أهم من السؤال: «هل هذا صحيح؟».
وعندما تتحول الرقابة الذاتية إلى عادة مهنية، يصبح الاستبداد في غنى عن ممارسة الرقابة بنفسه.
أخطر ما يفعله الاستبداد ليس إسكات الجميع
الاستبداد لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق كل الصحف وسجن كل الصحفيين حتى ينجح.
يكفي أحيانًا أن يجعل الصحفي يخاف قبل أن يكتب.
وأن يجعل المؤسسة الإعلامية تفكر في العواقب الاقتصادية قبل الحقيقة.
وأن يجعل المواطن يعتاد غياب المعلومات.
وأن يجعل المجتمع ينقسم إلى مجموعات، كل مجموعة تدافع عن حقوقها فقط عندما يكون الضحية واحدًا منها.
عندها يصبح الصمت نظامًا اجتماعيًا قبل أن يكون قرارًا سياسيًا.
ولهذا فإن مقاومة الاستبداد ليست مسؤولية الأحزاب وحدها، ولا المنظمات الحقوقية وحدها، ولا الشارع وحده.
إنها أيضًا مسؤولية الصحافة.
بل ربما تكون الصحافة واحدة من آخر المساحات التي تستطيع أن تمنع الحقيقة من الاختفاء بالكامل.
«نَفَس» أمام امتحان أصعب من تنظيم تجمع
لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي بالنسبة إلى مبادرة «نَفَس».
هل تستطيع أن تتحول من مناسبة احتجاجية إلى مشروع مواطني؟
هذا هو الامتحان.
فالمبادرات المدنية والسياسية كثيرة، لكن عددًا محدودًا منها ينجح في بناء خطاب يتجاوز الدائرة التي ولد داخلها.
إذا بقيت «نَفَس» محصورة في جمهور سياسي متقارب، فإن قدرتها على التوسع ستظل محدودة.
أما إذا استطاعت أن تجعل من قضية السجون والحرية والحق في الحياة والحق في الإعلام قضايا مواطنية عامة، لا ملكية حزبية، فقد تكون أمام فرصة حقيقية لصناعة مساحة جديدة في المجتمع.
والشرط الأساسي لذلك هو عدم الوقوع في الخطأ القديم نفسه: احتكار الحقيقة.
المجتمع الذي يريد مقاومة الاستبداد لا يمكنه أن يبني ديمقراطية صغيرة داخل حركة، ثم يطالب بديمقراطية كبيرة خارجها.
المطلوب هو الاعتراف بالاختلاف، وتعدد الآراء، واحترام المواطن الذي قد يرفض السلطة لكنه يرفض أيضًا بعض أطروحات المعارضة.
فالمواطنة لا تعني أن نتفق جميعًا.
بل تعني أن نختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى مبرر لسلب بعضنا حقوقنا.
من «التضامن مع السجين» إلى «الدفاع عن دولة القانون»
وهنا يمكن لـ«نَفَس» أن تقدم شيئًا أكثر أهمية من الاحتجاج.
يمكنها أن تنقل النقاش من الأشخاص إلى المبادئ.
بدل أن يكون السؤال: لماذا سُجن فلان؟
يصبح السؤال: ما هي ضمانات المحاكمة العادلة؟
وبدل أن يكون السؤال: لماذا يعاني فلان؟
يصبح السؤال: ما هي مسؤولية الدولة تجاه صحة وحياة كل سجين؟
وبدل أن يكون السؤال: لماذا مُنع هذا الصحفي؟
يصبح السؤال: ما هي الضمانات التي تحمي الصحافة من السلطة والمال معًا؟
وبدل أن يكون السؤال: من معنا ومن ضدنا؟
يصبح السؤال الأكثر أهمية:
أي دولة نريد؟
هذه هي النقلة التي يمكن أن تجعل من المبادرة أكثر من مجرد تحرك ظرفي.
الصحافة أمام لحظة اختبار
أما الصحفيون، فإن الرسالة التي وصلت إليهم عبر رحاب الحوات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد نداء تضامن.
إنها دعوة إلى استعادة الدور.
وفي هذه اللحظة بالذات، تحتاج الصحافة التونسية إلى مراجعة ذاتية شجاعة.
ما الذي تنشره؟
ما الذي لا تنشره؟
لماذا؟
من يحدد أجندتها؟
هل تخدم المواطن أم تخدم من يملك المال والنفوذ؟
هل تكتفي بتغطية الحدث أم تبحث عما وراء الحدث؟
هل تسأل السلطة الأسئلة الصعبة؟
هل تمنح المواطن المعلومة التي يحتاجها حتى يكون قادرًا على تكوين رأي مستقل؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا مهنيًا.
إنها أسئلة تتعلق بمستقبل المجتمع نفسه.
فحين يغيب الإعلام المهني، لا تختفي الحقيقة؛ الذي يحدث هو أن الحقيقة تُترك للشائعات، وللدعاية، وللصفحات المجهولة، وللمعلومات غير الموثوقة.
وهنا يخسر الجميع.
ربما لا يكون العدد هو الخبر
لذلك، فإن محاولة اختزال «نَفَس» في عدد الحاضرين قد تكون إضاعة للخبر الحقيقي.
الخبر الحقيقي ربما يكون أن عائلات وأفرادًا بدأوا يتحدثون في فضاء عام عن السجن والموت والحرية والإعلام.
الخبر الحقيقي هو أن بعض الكلمات بدأت تتجاوز أصحابها.
والأهم: هل تستطيع هذه الكلمات أن تصل إلى المواطن الذي لم يحضر؟
إلى الأم التي لا تهتم بالسياسة لكنها تخاف على ابنها؟
إلى العامل الذي يرى السياسة بعيدة عن حياته اليومية؟
إلى الصحفي الذي يشعر أن هامش حركته يضيق؟
إلى المواطن الذي يقول: «أنا لا علاقة لي بالسياسة»؟
هؤلاء هم الجمهور الذي ينبغي أن تخاطبه أي مبادرة تريد أن تتحول إلى قوة مواطنية حقيقية.
هل بدأ كسر جدار الخوف؟
ربما من المبكر جدًا الحديث عن تغير جذري في المزاج العام.
ولا يجوز أن نخلط بين تجمع محدود وبين موجة شعبية واسعة.
لكن السياسة تبدأ أحيانًا من إشارات صغيرة.
كلمة في الوقت المناسب.
عائلة تقرر أن تتحدث.
صحفي يقرر ألا يصمت.
مواطن يقرر أن يدافع عن شخص يختلف معه.
وهنا تبدأ معادلة الخوف في الاختلال.
لأن الاستبداد يحتاج إلى مواطن مقتنع بأن لا جدوى من الكلام.
أما أول خطوة في مقاومته فهي أن يكتشف المواطن أن الكلام ممكن، وأن التضامن ممكن، وأن الحقيقة يمكن أن تجد طريقها إلى الناس.
لهذا قد تكون قيمة «نَفَس» الحقيقية في قدرتها على تحويل الخوف الفردي إلى شجاعة جماعية، والغضب إلى وعي، والوعي إلى فعل مواطني منظم.
لكن ذلك لن يحدث بالشعارات وحدها.
سيحتاج إلى نفس طويل، وإلى استقلالية، وإلى خطاب جامع، وإلى قدرة على استيعاب المختلف، وإلى عمل ميداني، وإلى إعلام يرافق هذا المسار بدل أن يكتفي بتغطيته.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل كانت «نَفَس» مجرد وقفة أخرى في زمن سياسي مضطرب، أم أنها يمكن أن تكون بداية لتحول أعمق في علاقة المواطن بالحرية، والسجين بالمجتمع، والصحفي بالحقيقة، والدولة بمواطنيها؟
الجواب لن تحدده الكلمات التي قيلت في المناسبة.
ستحدده قدرة هذه الكلمات على مغادرة المنصة والوصول إلى الشارع، وإلى غرف الأخبار، وإلى ضمير المواطن.
وهناك، تحديدًا، يبدأ الامتحان الحقيقي.
«نَفَس»... هل بدأت تتغير معادلة الخوف؟
2026-09-05
305 قراءة
مقالات رأي
حسام سعايدية
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
امتدادات معرفية ذات صلة
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال