ملاحظة اصطلاحية:
أستعمل في هذا المقال عبارة «كراس المعلم» بمعناها الرمزي الواسع، لا للدلالة على دفتر بعينه، وإنما على مجموع الآثار والوثائق التي تُختزل فيها الممارسة المهنية وتصبح قابلة للعرض والتفقد والمساءلة: من دفتر إعداد الدروس والتخطيط إلى الجداول وكراسات القسم وشبكات التقييم والوثائق المتكررة. فالمقصود ليس مهاجمة الوثيقة في ذاتها، وإنما مساءلة اللحظة التي يصبح فيها الأثر الورقي للممارسة أهم من الممارسة نفسها.
من حذف الفلسفة إلى عبادة الوثيقة: أطروحة المقالين
هذا المقال امتداد مباشر للمقال السابق حول حذف تدريس الفلسفة من الإجازة الوطنية في التربية والتعليم. وإذا كان المقال الأول قد تناول تضييق مساحة التفكير في مرحلة تكوين المعلم، فإن هذا المقال ينتقل إلى مرحلة الممارسة، ليتساءل عما يحدث عندما تضيق مساحة التفكير المهني داخل القسم تحت ضغط الوثيقة والإجراء والامتثال.
ومن هنا تتحدد أطروحة المقالين معًا: «من حذف الفلسفة... إلى عبادة الوثيقة: كيف تُضيَّق مساحة التفكير في تكوين المعلم وممارسته؟»
في المقال السابق، توقفت عند قرار حذف تدريس الفلسفة من مسار الإجازة الوطنية في التربية والتعليم، وتساءلت عن الدلالة التي يحملها إبعاد التفكير الفلسفي عن تكوين من سيقودون الفعل التربوي داخل القسم. لم يكن السؤال متعلقًا بمادة دراسية تُحذف من جدول، بقدر ما كان متعلقًا بمساحة من التفكير تُنتزع من تكوين المعلم: التفكير في الإنسان، والمعرفة، والقيم، والسلطة، والغاية من التعليم، ومعنى أن نمارس التربية أصلًا.
لكن ماذا يحدث عندما نضع هذا السؤال إلى جانب سؤال آخر يبدو، للوهلة الأولى، بعيدًا عنه: لماذا يُطلب من المعلم أن يكرر كتابة التخطيط نفسه في أكثر من وثيقة؟ ولماذا تستمر بعض الطقوس المهنية رغم ضعف جدواها؟ ولماذا يمكن أحيانًا أن يصبح كراس المعلم أكثر قابلية للمساءلة من الدرس نفسه؟
ربما لا يكون الأمران منفصلين كما يبدو.
فالأطروحة التي أقترحها هنا هي أن حذف مساحة التفكير من تكوين المعلم، ثم توسيع مساحة الامتثال في ممارسته المهنية، قد يكونان وجهين لمسار واحد: الانتقال من معلم يُنتظر منه أن يفكر في مهنته إلى معلم يُنتظر منه أساسًا أن يطبق ما هو مقرر وأن يثبت، بالوثائق، أنه طبقه.
هنا يصبح سؤال الفلسفة أكثر من سؤال مادة دراسية، ويصبح سؤال الوثيقة أكثر من سؤال كراس أو جدول. كلاهما يقودنا إلى السؤال نفسه: أي نوع من المعلم تريد المنظومة التربوية أن تصنع؟
معلمًا قادرًا على السؤال، والمساءلة، والتأويل، واتخاذ القرار في وضعيات معقدة؟ أم معلمًا يجيد تنفيذ التعليمات، واستكمال الجداول، وإنتاج الوثائق التي تثبت حسن امتثاله؟
إذا كان المقال السابق قد سأل عمّا يحدث عندما نُخرج الفلسفة من تكوين المعلم، فإن هذا المقال يسأل عمّا يحدث عندما نُبقي المعلم داخل منظومة لا تكف عن تذكيره بأن المطلوب منه ليس أن يسأل كثيرًا، وإنما أن يوثّق ما يفعل.
وبهذا المعنى، لا أتعامل مع كثرة الوثائق بوصفها مجرد عبء إداري، كما لا أتعامل مع حذف الفلسفة بوصفه مجرد تغيير في محتوى برنامج تكويني. إن ما يهمني هو العلاقة بين الظاهرتين: ماذا يحدث لمساحة التفكير عندما نُضعف أدواته النظرية في التكوين، ثم نُحاصر ممارسته اليومية بشبكة من الإجراءات والوثائق القابلة للمراقبة؟
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين إقصاء التفكير ووفرة الوثائق: كلما ضاقت مساحة السؤال، اتسعت مساحة الطقس؛ وكلما تراجع التفكير في الغاية، ازداد الاهتمام بالشكل الذي يثبت احترام الإجراء.
تمهيد: حين تتحول الوسيلة إلى غاية
المعلم يعدّ تخطيطًا ثلاثيًا على قاعدة «اليوم ومذكرة»، ثم يعيد نسخ ذلك في دفتر إعداد الدروس يوميًا. وهنا لا يتعلق السؤال برفض التخطيط أو التقليل من قيمة الإعداد المسبق للحصة، وإنما يتعلق بالسؤال عن الجدوى التربوية لإعادة إنتاج المعلومة نفسها في أكثر من وثيقة. فإذا كان التخطيط قد أثبت برمجة النشاط، فما الذي تضيفه إعادة نسخه؟ وهل نحن أمام حاجة تربوية حقيقية، أم أمام ممارسة إدارية استمرت بفعل العادة حتى فقدت قدرتها على تبرير وجودها؟
المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، وعندما يصبح إنتاج الوثيقة جزءًا من إثبات القيام بالعمل أكثر من كونه أداة لتحسين العمل نفسه. فالوقت الذي يمكن أن يستثمره المعلم في قراءة أعمال تلاميذه، أو إعداد وضعيات تعليمية، أو البحث عن طرائق جديدة، أو التفكير في الفروق الفردية داخل القسم، قد يستهلك في إعادة كتابة ما هو موجود أصلًا. وهنا تظهر مفارقة لا تخلو من دلالة: نريد من المعلم أن يكون مبدعًا، مبادرًا، قادرًا على التفكير النقدي واتخاذ القرار، ثم نضع ممارسته اليومية داخل منظومة قد تكافئ قدرته على الامتثال أكثر مما تكافئ قدرته على التفكير.
لقد بيّن ماكس فيبر أن التنظيم البيروقراطي يقوم إلى حد كبير على القواعد المكتوبة، والملفات، والتوثيق، وتقسيم المسؤوليات، وهي عناصر كان لها دور تاريخي في عقلنة الإدارة الحديثة (Max Weber, 1978). غير أن عقلنة الإجراء لا تعني بالضرورة عقلنة الغاية؛ إذ يمكن للإجراء، عندما يستقل عن الهدف الذي أنشئ من أجله، أن يتحول إلى غاية في ذاته. وهنا تبدأ المشكلة التربوية: عندما يصبح السؤال ليس «هل ساعدت هذه الوثيقة المعلم على تحسين عمله؟»، وإنما «هل توجد الوثيقة؟ وهل تم ملؤها؟».
إننا بذلك لا نلغي البيروقراطية، وإنما نكشف لحظة انحرافها: اللحظة التي يصبح فيها احترام الشكل أكثر أهمية من تحقيق الوظيفة.
1. حين يتحوّل المتفقد من مُيسّرٍ للتربية إلى حارسٍ لمعبد الوثائق:
في التصور المهني للتفقد، يفترض أن يكون المتفقد قارئًا للفعل التربوي، لا مجرد مفتش عن الوثائق. فهو يدخل القسم لكي يفهم ما يحدث بين المعلم والمتعلمين، وكيف تُبنى المعرفة، وكيف تُدار الاختلافات، وكيف يتعامل المعلم مع الخطأ، وكيف يعدّل ممارسته عندما يكتشف أن ما خطط له لا ينسجم تمامًا مع ما يحدث في الواقع. فالتربية ليست نشاطًا ميكانيكيًا يمكن ضمان نتائجه بمجرد احترام سلسلة من التعليمات، وإنما هي ممارسة مركبة تتطلب من الفاعل التربوي القدرة على التقدير والتعديل واتخاذ القرار.
وهذا ما يجعل مفهوم «الممارس التأملي» عند دونالد شون مهمًا في هذا السياق؛ فالمهني الحقيقي لا يكتفي بتطبيق قواعد جاهزة، بل يفكر في ممارسته ويعيد بناء قراراته انطلاقًا من الوضعيات التي يواجهها. المهنية، بهذا المعنى، ليست مجرد امتلاك تقنيات، وإنما هي قدرة على التفكير «في الفعل» و«أثناء الفعل» (Donald Schn, 1983). وإذا أسقطنا هذا التصور على مهنة التعليم، فإن قيمة المعلم لا يمكن أن تختزل في مدى مطابقته لنموذج ورقي مسبق، لأن جزءًا أساسيًا من مهنيته يكمن في قدرته على قراءة القسم والاستجابة لما يحدث فيه.
لكن عندما يتحول التفقد إلى عملية بحث أساسية عن اكتمال الوثائق، تتغير طبيعة العلاقة بين المتفقد والمعلم. يصبح الدرس نفسه موضوعًا ثانويًا أمام آثاره الورقية. وقد يدخل المتفقد القسم وهو يحمل، ضمنيًا أو صراحة، قائمة بما يجب أن يجده: كراس، تخطيط، جدول، وثيقة، ملصق، توقيع، ترتيب معين... وإذا وجد هذه الأشياء، شعر أن جزءًا أساسيًا من المهمة قد تحقق، حتى وإن كانت قيمة الممارسة التي أنتجتها محل سؤال.
وهنا يمكن استعارة صورة «حارس المعبد»: ليس لأن كل متفقد يمارس دوره بهذه الطريقة، وإنما لأن بعض أنماط التفقد تجعل الشكليات تبدو كأنها طقوس يجب احترامها قبل أن يصبح ممكنًا الحديث عن التربية نفسها. عندها لا يعود المتفقد يبحث فقط عن جودة الدرس، بل يبحث عن «علامات» تثبت أن الدرس تم وفق الطقس المطلوب.
2. حين يبحث المتفقد عن شرعية وجوده في كراس المعلم:
المتفقد الجيد لا يحتاج، في الحقيقة، إلى أن يقرأ عشرات الصفحات كي يكتشف ما إذا كان المعلم قادرًا على إدارة قسمه. يستطيع أن يقرأ ذلك في الأسئلة التي يطرحها، وفي طبيعة التفاعل، وفي حضور المتعلمين، وفي الطريقة التي يستثمر بها المعلم الخطأ، وفي قدرته على تعديل النشاط عندما لا تسير الحصة وفق السيناريو المتوقع. الدرس، في نهاية المطاف، ليس وثيقة؛ الدرس علاقة حية بين أشخاص ومعرفة وسياق.
لكن عندما يصبح الكراس هو المجال الأساسي لإثبات الكفاءة، ينشأ وضع غريب: لا يكفي أن يقوم المعلم بعمله، بل عليه أن ينتج باستمرار وثائق تثبت أنه قام به. هنا تتحول الوثيقة إلى نوع من «شهادة حسن سلوك مهني»، ويصبح المعلم مطالبًا بأن يبرهن على مهنيته بدل أن يمارسها فقط.
ويمكن فهم هذا التحول من خلال تحليل ميشال فوكو للسلطة الانضباطية. فالسلطة الحديثة، وفق فوكو، لا تعمل فقط من خلال الأوامر والعقوبات المباشرة، وإنما أيضًا من خلال المراقبة المستمرة، والتصنيف، والتسجيل، وجعل الفرد يشعر بأنه قابل للملاحظة والتقييم في كل لحظة (Michel Foucault, 1975).
في هذه الحالة لا يعود التفقد مجرد لحظة تقع عندما يدخل المتفقد القسم، بل يصبح حاضرًا في ذهن المعلم قبل دخوله، فيبدأ المعلم في إنتاج ممارسته وهو يتخيل مسبقًا عين المراقب.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تتكاثر الوثائق أحيانًا حتى عندما تكون قيمتها التربوية محدودة. فالمعلم لا ينتجها فقط لأنه يحتاج إليها، وإنما لأنه يحتاج إلى حماية نفسه من السؤال عنها لاحقًا. وهكذا تتحول الوثيقة من أداة للتفكير في الممارسة إلى أداة للدفاع عن الممارسة.
وفي أسوأ صور هذا المنطق، يصبح المتفقد شبيهًا بـ«شرطي» يبحث في القسم عن المخالفة الشكلية، أو «حارس معبد» يبحث عن الطقوس التي تمنح وجوده شرعيته. وهذه الصورة، رغم حدتها، تكشف سؤالًا أكثر عمقًا: هل التفقد موجود لكي يثبت أن المعلم يحترم الطقوس، أم لكي يساعده على تطوير ما يفعله؟
3. المتفقد أم حارس المعبد؟ حين تصبح الوثيقة أهم من الدرس:
المشكلة ليست في الوثيقة نفسها، وإنما في ترتيب الأولويات. فالوثيقة قد تكون مفيدة عندما تساعد على التخطيط، أو المتابعة، أو التقييم، أو التواصل بن الفاعلين التربويين. لكن قيمتها تنتهي عندما تتحول إلى غاية مستقلة عن الوظيفة التي أنشئت من أجلها.
وهنا يمكن أن يحدث انقلاب صامت: يصبح الدرس وسيلة لإنتاج الوثيقة، بدل أن تكون الوثيقة وسيلة لتحسين الدرس. يخطط المعلم لكي يملأ الجدول، ويقيّم لكي يستكمل الخانات، ويكتب لكي يكون كراسه جاهزًا للتفقد. عندها يصبح النجاح المهني مرتبطًا بسلامة الأثر الورقي أكثر من ارتباطه بالأثر الذي يتركه التعلم في المتعلم.
ومن المفارقات اللافتة أن المعلم قد يجد نفسه مطالبًا بإنتاج أغلبية الوثائق التي سيُستدل بها لاحقًا على جودة عمله. أي أن الفاعل نفسه الذي ستُقاس ممارسته من خلال الوثائق هو الذي يُنتج هذه الوثائق ويرتبها ويهيئها لتكون قابلة للقراءة والتفقد. وهنا ينبغي أن نسأل: هل نحن أمام «دليل» مستقل على جودة الممارسة، أم أمام تمثيل ورقي للممارسة أنتجه صاحبها نفسه؟
فوجود الوثيقة لا يعني، في حد ذاته، نجاح الدرس. بل قد تكون الوثيقة أحيانًا مضللة؛ لأنها تستطيع أن تمنحنا صورة شديدة التنظيم عن درس لم يكن ناجحًا، أو أن تخفي وراء دقة التخطيط وامتلاء الجداول فجوةً بين ما كُتب وما حدث فعليًا داخل القسم.
قد يكون التخطيط ممتازًا والدرس ضعيفًا، وقد يكون الكراس مكتملًا والنتيجة التعليمية محدودة، وقد تكون الجداول كلها مضبوطة بينما لا يستطيع المتعلمون توظيف ما يفترض أنهم تعلموه. فالورقة تخبرنا بما كُتب، لكنها لا تخبرنا بالضرورة بما حدث.
بل إن الوثيقة قد تصبح مضللة تحديدًا عندما نخلط بين «أثر العمل» و«العمل نفسه». فالخطة ليست الدرس، والجدول ليس التعلم، والكراس ليس الممارسة، والملصق على الجدار ليس الدليل على أن القسم قد تعلم.
وهذا يذكرنا بما يسميه بيير بورديو «العنف الرمزي»، أي تلك الأشكال من السلطة التي لا تحتاج إلى الإكراه المباشر لأنها تجعل تصورات معينة تبدو طبيعية وبديهية إلى درجة أن الخاضعين لها يشاركون في إعادة إنتاجها دون أن يشعروا بذلك (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970). وعندما يصبح وجود كراس معين أو جدول معين أمرًا «طبيعيًا» إلى درجة لا يعود معها أحد يسأل عن فائدته، فإننا لا نكون أمام مجرد إجراء إداري، وإنما أمام ثقافة مهنية أصبحت الشكليات جزءًا من بديهياتها.
ولهذا فإن المتفقد الذي لا يولي هذه الشكليات أهمية كبيرة عندما ينجح الدرس ويفهم المتعلمون ويتفاعلون، لا يتخلى عن دوره؛ بل قد يكون أقرب إلى جوهر دوره. أما حين يصبح البحث عن الوثيقة أهم من قراءة الدرس، فإننا ننتقل من تفقد التربية إلى تفتيش الدفاتر.
4. من تفقد الدرس إلى تفتيش الدفاتر:
التفقد التربوي يفترض قراءة الممارسة في سياقها، بينما تفتيش الدفاتر يميل إلى البحث عن مؤشرات ثابتة يمكن مطابقتها مع نموذج محدد. وهذه النقلة تبدو تقنية، لكنها تحمل في داخلها تصورًا مختلفًا للمعلم.
في الحالة الأولى، المعلم مهني قادر على التقدير واتخاذ القرار. وفي الحالة الثانية، المعلم منفذ ينبغي التأكد من مطابقته للتعليمات.
وهنا تظهر إحدى المشكلات الأساسية في الثقافة البيروقراطية: الواقع التربوي متغير ومعقد، بينما الوثيقة ثابتة وقابلة للفحص. الواقع مليء بالمفارقات والاستثناءات، أما الجدول فيحتاج إلى خانات محددة. القسم حي ومتحرك، أما الورقة فتحتاج إلى إجابات يمكن تثبيتها.
وقد شدد فيليب بيرنو على أن الكفاية المهنية لا تعني مجرد امتلاك مجموعة من التقنيات، وإنما القدرة على تعبئة موارد متعددة واتخاذ قرارات مناسبة في وضعيات معقدة ومتغيرة (Philippe Perrenoud, 1999). ومن ثم فإن المعلم الذي يغير طريقة شرحه لأن تلاميذه لم يفهموا، أو الذي يتخلى عن نشاط خطط له لأنه اكتشف أنه غير مناسب، لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه «منحرفًا» عن التخطيط، بل بوصفه يمارس قدرته المهنية على التكيف.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الالتزام بالخطة المكتوبة أهم من القدرة على الاستجابة للواقع.
فقد يكون المعلم قد خطط لحصة ممتازة على الورق، لكنه يفشل في القسم. وقد يخطط معلم آخر بطريقة أقل أناقة في الوثيقة، لكنه ينجح في خلق وضعية تعلم حقيقية. وإذا كان نظام التفقد لا يستطيع رؤية الفرق بين الاثنين إلا من خلال الورق، فإن المشكلة ليست في المعلم وحده، وإنما في أداة القياس نفسها.
5. لاهوت الشكليات التربوية: أنثروبولوجيا الطقس المهني
جزء كبير من ممارساتنا التربوية أصبح أشبه بـ«لاهوت مهني»: أشياء ينبغي تنفيذها لأنها مقررة، لا لأنها ما تزال قادرة على تقديم جواب مقنع عن سؤال الجدوى. ومع الزمن تتحول الممارسة القديمة إلى عادة، ثم تتحول العادة إلى قاعدة، ثم تتحول القاعدة إلى ما يشبه الحقيقة التي لا تحتاج إلى إثبات.
وهنا يصبح السؤال عن جدوى الإجراء أكثر إزعاجًا من الإجراء نفسه.
لماذا نكتب هذا؟ لماذا نعيد كتابته؟ لماذا نملأ هذا الجدول؟ لماذا نعلق هذه الوثيقة؟ لماذا نستمر في استعمال هذه الأداة؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تمس بنية كاملة من الممارسات التي اكتسبت شرعيتها من طول بقائها.
ويمكن قراءة هذه الظاهرة أيضًا من زاوية أنثروبولوجية؛ فالمؤسسة التربوية لا تنتج إجراءات ووثائق فقط، وإنما تنتج طقوسًا مهنية ورموزًا وعادات وتمثلات لما يُعدّ «عملًا جيدًا». ومع الزمن، قد تتحول بعض هذه الطقوس من وسائل لخدمة الممارسة إلى علامات على الانتماء المهني وحسن الامتثال. عندها لا يعود السؤال: ماذا تفعل الوثيقة للدرس؟ بل: ماذا تعني الوثيقة داخل الثقافة المهنية؟ ومن يملك حق تعريف ما هو «صحيح» و«سليم» و«مهني» داخل القسم؟
من هذه الزاوية، يصبح كراس المعلم أكثر من دفتر؛ يصبح أثرًا ماديًا لثقافة مهنية كاملة، وتصبح بعض الجداول والملصقات والوثائق أشبه بطقوس يومية يعاد من خلالها إنتاج صورة المعلم «الجيد»، وصورة القسم «الجيد»، وصورة الممارسة «الصحيحة».
وهنا يمكن الاستفادة من بورديو، لأن السلطة الرمزية تعمل تحديدًا عندما تصبح قواعد اللعبة مألوفة إلى درجة أنها لا تعود تُرى بوصفها قواعد، وإنما بوصفها «الطريقة الطبيعية للأشياء» (Pierre Bourdieu, 1980). وبذلك قد لا يحتاج النظام إلى إجبار المعلم في كل مرة؛ يكفي أن يكون المعلم قد تعلم أن هذه الأشياء «هكذا تكون».
المشكلة إذن ليست فقط في كثرة الوثائق، وإنما في غياب السؤال عن جدواها.
فالمؤسسة التربوية التي لا تسمح بمراجعة أدواتها هي مؤسسة يمكن أن تستمر في إعادة إنتاج الماضي وهي تتحدث في الوقت نفسه عن تحديث التعليم.
6. عبادة الورق داخل القسم:
هناك أدوات وممارسات تحتاج، في رأيي، إلى مراجعة جادة، من بينها كراس التناوب، وبعض جداول التقييمات، وبعض الوثائق المتكررة، وبعض ما يُلصق على حيطان قاعة التدريس. وليس المقصود القول إن كل هذه الأشياء عديمة القيمة، وإنما السؤال: هل ما زالت تؤدي الوظيفة التي يفترض أن تؤديها؟
فالجدول الذي يساعد المعلم على فهم تقدم المتعلم يمكن أن يكون أداة نافعة. لكن الجدول الذي يُملأ فقط لأن وجوده مطلوب يصبح شيئًا آخر. والوثيقة التي تساعد المتعلم على التعلم تختلف جذريًا عن الوثيقة التي توضع على الجدار فقط حتى يبدو القسم مطابقًا لما ينبغي أن يكون عليه.
وهنا يمكن أن نتحدث عن «سينوغرافيا تربوية»: أي أن يصبح القسم مطالبًا بأن يبدو تربويًا بقدر ما هو مطالب بأن يكون فضاءً فعليًا للتعلم.
وهذا الفصل بين المظهر والوظيفة خطير؛ لأنه يسمح للمؤسسة بأن تشعر بأنها أصلحت شيئًا بمجرد تغيير مظهره.
فيصبح لدينا قسم مليء بالوثائق، وجداول مكتملة، وملصقات منظمة، وكراسات محينة، لكن السؤال الذي يظل خارج الصورة هو: ماذا تعلم الطفل؟
إنها لحظة يتحول فيها الورق إلى غاية، ويصبح المعلم منتجًا للأثر الإداري أكثر من كونه منتجًا للأثر التربوي.
7. نترك اللُّب ونرعى القشور:
يمكن اختزال جزء كبير من هذه المشكلة في عبارة شديدة البساطة: نترك اللُّب ونرعى القشور.
نراقب ما يمكن رؤيته بسهولة، ونهمش ما يحتاج إلى قراءة أعمق. نراقب اكتمال الكراس، لأن الكراس موجود أمام العين. نراقب الجدول، لأنه يمكن عده. نراقب الوثيقة، لأنها يمكن أن تحمل توقيعًا أو تاريخًا.
أما التفكير، والفضول، والحوار، والقدرة على بناء المعنى، والتعلم الحقيقي، والقدرة على استعمال المعرفة في وضعية جديدة، فكلها أكثر تعقيدًا.
وهنا تظهر مشكلة ما يمكن تسميته انحياز القابلية للقياس: ما نستطيع قياسه بسهولة يصبح تدريجيًا أكثر أهمية مما يصعب قياسه، لا لأنه أهم فعلًا، وإنما لأنه أكثر قابلية للإثبات.
وقد نبه جون ديوي إلى أن التربية لا تختزل في نقل إجراءات أو معلومات، وإنما ترتبط بالخبرة وبناء القدرة على التفكير والعمل داخل وضعيات حقيقية (John Dewey, 1916). ومن هذا المنظور، فإن كل أداة تربوية يجب أن تُقاس بقيمتها في بناء الخبرة التعليمية، لا بمجرد وجودها.
إذا كانت الوثيقة لا تساعد على تحسين التعلم، فما الذي نفعله بها؟ وإذا كان الجدول لا يغير قرارًا تربويًا، فلماذا نملؤه؟ وإذا كان الملصق لا يدخل في عملية التعلم، فلماذا يصبح وجوده معيارًا للجودة؟
هذه ليست أسئلة ضد التنظيم.
إنها أسئلة ضد تحول التنظيم إلى غاية.
8. حين تصبح سلامة الدفتر أهم من سلامة التفكير:
المفارقة الأكثر إيلامًا أن المدرسة التي تطلب من الطفل أن يسأل «لماذا؟» قد لا تمنح المعلم دائمًا الحق نفسه في طرح السؤال.
نطلب من المتعلم أن يكون ناقدًا.
لكن ماذا يحدث عندما يسأل المعلم: لماذا أكتب هذا مرتين؟ ما القيمة المضافة لهذا الجدول؟ هل ما زالت هذه الأداة مناسبة؟ هل يمكن الاستغناء عنها؟ هل توجد طريقة أكثر نجاعة؟
هذه ليست أسئلة تمرد.
إنها أسئلة مهنية.
فالمعلم الذي لا يستطيع مساءلة أدوات مهنته يتحول تدريجيًا إلى منفذ لها، مهما كانت قدرته النظرية على الحديث عن التفكير النقدي.
وهنا يصبح مفهوم «الممارسة التأملية» عند دونالد شون حاسمًا مرة أخرى؛ لأن الممارسة المهنية الحقيقية لا تقوم على التطبيق الآلي لقواعد ثابتة، وإنما على قدرة الممارس على إعادة النظر في قراراته أثناء العمل وبعده (Donald Schn, 1983).
إن إعطاء المعلم مساحة للتفكير في أدواته لا يعني إطلاقًا إلغاء المسؤولية أو التنظيم. على العكس، إنه يرفع المسؤولية إلى مستوى أعلى: بدل أن يكون المعلم مسؤولًا فقط عن تنفيذ الإجراء، يصبح مسؤولًا عن تبرير اختياراته المهنية.
وهذا هو الفارق بين معلم يطيع، ومعلم يمارس مهنته.
9. من عبادة الوثيقة إلى عبادة الامتثال:
المشكلة الأعمق في كثرة الوثائق ليست الورق في حد ذاته، وإنما الثقافة التي يمكن أن ينتجها.
إذا اكتشف المعلم أن سلامة الوثيقة تحميه أكثر من جودة الممارسة، فمن الطبيعي أن يبدأ في إعطاء الأولوية للوثيقة. وإذا اكتشف أن ما يراه المتفقد بسهولة هو ما يمكن إثباته على الورق، فسوف يتعلم أن ينتج ما يمكن رؤيته.
وهنا لا ينبغي أن نحمّل المعلم وحده مسؤولية هذه الثقافة؛ لأن المؤسسة نفسها تصنع الحوافز التي توجه سلوكه.
إذا كان المعلم الذي ينجح في القسم لكنه لا يستوفي بعض الشكليات معرضًا للمساءلة، بينما المعلم الذي يستوفي الوثائق يحظى بالاعتراف حتى لو كان أثر ممارسته محدودًا، فإن الرسالة تصبح واضحة: الامتثال أهم من الأثر.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي إصلاح المناهج أو تغيير البرامج إذا بقيت ثقافة الإدارة والتفقد والمراقبة على حالها.
فقد نضع أكثر المناهج حداثة، ثم نعيد إنتاج المعلم نفسه داخل ثقافة مهنية تكافئ الامتثال أكثر مما تكافئ التفكير.
وعندها تصبح عملية الإصلاح أشبه بمحاولة تحديث محتوى المدرسة دون تحديث العقل الإداري الذي يديرها.
10. أي تفقد نريد؟
السؤال في النهاية ليس: هل نلغي التفقد؟ ولا: هل نلغي التخطيط؟ ولا: هل نتخلى عن التقييم؟
السؤال الحقيقي هو: أي تفقد نريد؟ وأي تخطيط نريد؟ وأي تقييم نريد؟
نريد تفقدًا يقرأ الدرس قبل أن يقرأ الدفتر، ويقرأ المتعلم قبل أن يقرأ الجدول، ويبحث عن معنى الممارسة قبل أن يبحث عن آثارها الورقية.
نريد تخطيطًا يساعد المعلم على التفكير في الدرس، لا وثيقة إضافية تثبت أنه خطط.
نريد تقييمًا يساعد على فهم مسار التعلم، لا جدولًا مكتمل الخانات لا يغير شيئًا في الممارسة.
ونريد تفقدًا يعترف بأن المعلم ليس آلة لتنفيذ التعليمات، وإنما فاعل مهني يملك خبرة ويواجه وضعيات لا يمكن اختزالها كلها في نماذج جاهزة.
إن المتفقد الجيد ليس من يكتشف أكبر عدد من الوثائق الناقصة، وإنما من يستطيع أن يطرح السؤال الذي يجعل المعلم يعيد النظر في ممارسته.
والمتفقد الأكثر نجاعة ليس الذي يخيف المعلم من دفتره، بل الذي يجعله أكثر قدرة على التفكير في قسمه.
بهذا المعنى، لا يكون التفقد سلطة فوق المعلم، بل وساطة مهنية تساعده على أن يصبح أكثر استقلالية وكفاءة.
خاتمة: هل نريد معلمًا يفكر أم معلمًا يمتثل؟
هنا تعود أطروحة المقالين إلى الواجهة: «من حذف الفلسفة... إلى عبادة الوثيقة: كيف تُضيَّق مساحة التفكير في تكوين المعلم وممارسته؟»
في المقال السابق كان السؤال: ماذا يعني أن نحذف الفلسفة من تكوين المعلم؟
أما هنا فقد انتقل السؤال إلى الوجه الآخر: ماذا يعني أن نُبقي المعلم داخل منظومة مهنية قد تجعل الوثيقة والامتثال أكثر حضورًا من التفكير والمساءلة؟
قد تبدو القضيتان منفصلتين: مادة تُحذف من برنامج جامعي، ووثائق تتكاثر داخل القسم. لكنهما، في هذه القراءة، تلتقيان عند سؤال واحد: ما المساحة التي نتركها للمعلم كي يفكر؟
فالمعلم الذي نُضيّق عليه مساحة السؤال في مرحلة التكوين، ثم نطالبه لاحقًا بالامتثال داخل القسم، قد يجد نفسه محاصرًا بين تكوين لا يمنحه ما يكفي من أدوات المساءلة، وممارسة مهنية لا تمنحه دائمًا ما يكفي من هامش المبادرة.
المسألة ليست فقط: هل يحتاج المعلم إلى الفلسفة بوصفها مادة دراسية؟
المسألة الأعمق هي: هل نريد لمعلم المستقبل أن يمتلك أدوات التفكير في ما يفعل، أم نريد منه أن يكون بارعًا في تنفيذ ما يُطلب منه وتوثيقه؟
وعندما نصل بين المستويين، يصبح حذف الفلسفة وعبادة الوثيقة وجهين محتملين لمنطق واحد: تقليص مساحة السؤال، وتوسيع مساحة الامتثال.
عندما نحذف التفكير الفلسفي من التكوين، ثم نُبقي المعلم داخل منظومة مهنية تجعل الوثيقة معيارًا للامتثال، فإننا لا نحذف مادة فحسب، ولا نُكثر من الأوراق فحسب؛ نحن نعيد، بهدوء، تعريف معنى المهنية التربوية نفسها.
وحينها يصبح الربط بين الأمرين أكثر وضوحًا: فالمعلم الذي لا يُدرَّب بما يكفي على مساءلة الغايات قد ينتهي به الأمر إلى الانشغال بإتقان الوسائل، والمعلم الذي تضيق أمامه مساحة السؤال قد يجد نفسه محاصرًا في فضاء الإجابة الجاهزة.
لهذا فإن معركة التربية ليست فقط حول البرامج والمناهج والوثائق. إنها، في العمق، معركة حول نوع الإنسان المهني الذي تريد المدرسة أن تصنعه.
هل نريد معلمًا يسأل: لماذا؟
أم معلمًا يكتفي بأن يجيب: أين أضعها في الكراس؟
ولذلك فإن الدفاع عن الفلسفة في تكوين المعلم لا ينفصل عن الدفاع عن حقه في التفكير داخل الممارسة نفسها. كما أن نقد عبادة الوثيقة لا يعني رفض التنظيم، بل رفض أن يصبح التنظيم بديلًا عن التفكير.
فالمعلم الذي يفكر في غاية ما يفعل، ويستطيع مساءلة أدواته، وتعديل ممارساته، ومناقشة ما لم يعد صالحًا، هو نفسه المعلم الذي نحتاج إليه إذا كنا جادين في الحديث عن مدرسة تعلم أبناءنا التفكير.
أما إذا أخرجنا الفلسفة من التكوين، وأبقينا الوثيقة في قلب الممارسة، فقد ننجح في إنتاج معلم شديد الانضباط في الأوراق، لكننا قد نخسر شيئًا أكثر أهمية: معلمًا يملك شجاعة السؤال.
وهنا يصبح السؤال الذي يتجاوز المقالين معًا: هل نريد إصلاحًا يوسّع قدرة المعلم على التفكير، أم إصلاحًا يوسّع فقط قدرته على الامتثال والتوثيق؟
فالتربية التي تطلب من المتعلم أن يسأل «لماذا؟» لا يمكن أن تبني مهنيتها على معلم يُطلب منه أن يتوقف عن طرح السؤال نفسه.
لأن التربية لا تُقاس بعدد الصفحات التي كُتبت، ولا بعدد الجداول التي مُلئت، ولا بعدد الوثائق التي عُلقت على الجدران.
التربية تُقاس بما يحدث للإنسان عندما يغادر القسم.
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre (1980). Le Sens pratique. Paris : Les ditions de Minuit.
2. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1970). La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
3. Dewey, John (1916). Democracy and Education. New York : Macmillan.
4. Foucault, Michel (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris : Gallimard.
5. Perrenoud, Philippe (1999). Dix nouvelles compétences pour enseigner. Paris : ESF éditeur.
6. Schn, Donald A. (1983). The Reflective Practitioner. How Professionals Think in Action. New York : Basic Books.
7. Weber, Max (1978). Economy and Society. An Outline of Interpretive Sociology. Berkeley : University of California Press.
حين يصبح كراس المعلم أهمَّ من الدرس - المتفقد بين تفقد التربية وحراسة معبد الوثائق: قراءة في لاهوت الشكليات التربوية
2026-09-04
203 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال