تمهيد: حين يصبح حذف مادة سؤالًا عن معنى المهنة
يندرج هذا المقال في سياق النقاش الدائر حول مشروع إصلاح برنامج الإجازة الوطنية في التربية والتعليم، وما يُتداول بشأن حذف مادتي الفلسفة العامة وفلسفة العلوم، مع الإبقاء على فلسفة التربية. ومن الضروري، قبل الخوض في هذا النقاش، التنبيه إلى أن غياب الوثيقة الرسمية الكاملة والمتاحة للعموم يجعل بعض المعطيات المتداولة بحاجة إلى التثبت. فالإصلاحات الكبرى في التربية لا ينبغي أن تُناقش استنادًا إلى التخمينات والتسريبات وحدها، وإنما من خلال الوثائق التي تحدد بنيتها ومقاصدها وفلسفتها التكوينية.
ومع ذلك، فإن انتظار الوثيقة الرسمية لا يعني تعليق السؤال. لأن القضية، في العمق، لا تتعلق فقط بما حُذف وما أُبقي عليه، ولا بعدد الساعات المخصصة لهذه المادة أو تلك. إنها تتعلق بالسؤال الأكثر عمقًا: أي نوع من المعلمين نريد أن نكوّن؟
إن الاعتراض على تقليص حضور الفلسفة في الإجازة الوطنية في التربية والتعليم لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع قطاعي عن مادة جامعية أو عن اختصاص أكاديمي يريد الحفاظ على نصيبه من الساعات. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بمكانة التفكير نفسه في تكوين المعلّم، وبمكانة السؤال والنقد والممارسة التأملية في مهنة يفترض أنها تُعد الإنسان لتربية الإنسان.
فالسؤال الذي ينبغي طرحه على مصممي الإصلاح ليس فقط: هل اختفت الفلسفة تمامًا؟ وإنما: لماذا لم تعد الفلسفة، بمعنى التفكير الإشكالي والمفاهيمي والنقدي والحجاجي، معرفة أساسية ترافق تكوين المعلّم في مختلف مجالات التربية والتعليم والتقييم وهندسة البرامج والتكوين؟
فالبرنامج الدراسي ليس جدولًا محايدًا للساعات. إنه، في مستوى أعمق، تصور للمعرفة التي نعتبرها جديرة بأن يمتلكها المهني، وتصوّر للإنسان الذي نريد تكوينه.
ولهذا فإن حذف مادة يمكن أن يبدو قرارًا إداريًا وتقنيًا، لكنه يصبح قرارًا فلسفيًا عندما يتعلق الأمر بتكوين شخص سيتولى هو نفسه تربية أجيال على التفكير والاستقلالية والنقد.
ومن هنا يأتي السؤال الذي سيقود هذا المقال كله:
هل حذفنا الفلسفة من البرنامج، أم أننا نغامر بإخراج السؤال من المهنة؟
1. سقراط: ماذا يبقى من المعلّم إذا مات السؤال؟
لنبدأ من سقراط، لا لأنه اسم شهير يمكن أن يزيّن مقالًا، وإنما لأن سقراط جعل من السؤال قلب الفعل الفلسفي. لم يترك كتابًا، ولم يضع دليلًا بيداغوجيًا، ولم يؤسس برنامجًا دراسيًا، لكنه ترك نموذجًا مختلفًا تمامًا للعلاقة بين المعرفة والتربية. كان السؤال عنده ليس مجرد وسيلة للحصول على إجابة، بل ممارسة لتفكيك الوهم المعرفي وكشف حدود ما نظنه معرفة.
وكما يظهر في المحاورات السقراطية، فإن الإنسان لا يصبح عارفًا بمجرد امتلاك الإجابات، وإنما عندما يصبح قادرًا على فحص ما يعتقد أنه يعرفه (Platon, 1997). وإذا نقلنا هذا المعنى إلى المجال التربوي، فإن الممارسة المهنية التي لا تخضع للفحص يمكن أن تتحول بسهولة إلى عادة، والمهنة التي لا تسائل غاياتها يمكن أن تتحول إلى تقنية، والتكوين الذي لا يمنح المعلّم فرصة مساءلة ممارسته قد ينتج منفذًا جيدًا، لكنه لا ينتج بالضرورة مهنيًا قادرًا على الحكم.
فالمعلّم يتخذ يوميًا قرارات تتعلق بالمعرفة والسلطة والتقييم والعقاب والإنصاف والاختلاف والتعلم. إنه يقرر ماذا يعلّم، وكيف يعلّم، وكيف يقيّم، ومتى يتدخل، وكيف يفسر الفشل، وكيف يفهم الطفل الذي يرفض التعلم أو يعجز عنه. وكل قرار من هذه القرارات يتضمن تصورًا للإنسان والمعرفة والعدالة.
ولهذا فإن السؤال الفلسفي ليس شيئًا يأتي من خارج المهنة، بل هو موجود داخلها أصلًا، حتى عندما لا نسميه فلسفة.
إن الدفاع عن الفلسفة في تكوين المعلّم لا يعني إذن أن نحفظ له أقوال سقراط، وإنما أن نضمن له مساحة يتعلم فيها أن يفحص ما يفعله. فالمشكلة لا تبدأ عندما يجهل المعلّم اسم فيلسوف، بل عندما يفقد القدرة على تحويل الممارسة إلى موضوع للتفكير.
وهنا يكون سقراط حاضرًا في غيابه: لأن ما يجعل التربية تربية ليس فقط أنها تنقل معرفة، بل أنها توقظ في الإنسان القدرة على مساءلة ما يعتقد أنه يعرفه.
2. أفلاطون: التربية خروج من الكهف
إذا كان سقراط قد جعل السؤال نقطة الانطلاق، فإن أفلاطون منح التربية بعدًا تحويليًا عميقًا من خلال استعارة الكهف. فالمشكلة في الكهف ليست أن السجين يفتقر إلى المعلومات، وإنما أنه يعيش داخل عالم من الصور والتمثلات ويعتقد أنها الحقيقة. ولذلك فإن التحرر لا يتم بمجرد إضافة معلومات جديدة إلى ذهنه، بل بتحويل علاقته بما يراه حقيقة (Platon, 1993).
ومن هنا يمكن أن نسأل عن تكوين المعلّم: هل نكوّنه لكي يعرف ما ينبغي أن يطبقه فقط، أم لكي يستطيع أن يفكر في الشروط التي جعلت هذا التطبيق مطلوبًا؟ هل نريده أن يرى الدليل البيداغوجي باعتباره أداة، أم باعتباره حقيقة نهائية لا تحتاج إلى مساءلة؟
لا مشكلة في وجود الأدلة والمذكرات والأطر المرجعية. فهي ضرورية لتنظيم العمل وضمان قدر من الانسجام. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى بديل عن الحكم المهني، وعندما يصبح المعلّم أسيرًا لما هو مكتوب بدل أن يكون قادرًا على تفسيره وتكييفه ونقده.
في هذا المعنى، لا تكون الفلسفة دليلًا بيداغوجيًا جديدًا. إنها تفعل شيئًا أكثر إزعاجًا: تجعل الدليل نفسه موضوعًا للسؤال. إنها تدفع المعلّم إلى أن يسأل عن المفاهيم التي يقوم عليها، وعن الإنسان الذي يفترضه، وعن النتائج التي ينتظرها، وعن الحالات التي قد يفشل فيها.
وهكذا تصبح الفلسفة، بالمعنى الأفلاطوني، فعل خروج من الكهف، لا بإلغاء المعرفة القائمة، بل بإعادة النظر في الطريقة التي نرى بها المعرفة نفسها (Platon, 1993).
3. أرسطو: المعلّم يحتاج إلى الحكمة العملية
يقدم أرسطو مفهومًا بالغ الأهمية لفهم طبيعة المهنة التعليمية، هو مفهوم الفرونيزيس أو الحكمة العملية. فالفعل الإنساني لا يمكن دائمًا اختزاله في قاعدة عامة أو وصفة جاهزة، لأن الواقع العملي يفرض حالات مختلفة تتطلب تقديرًا وموازنة وحكمًا. وكما يرى أرسطو، فإن الحكمة العملية تتعلق بالقدرة على المداولة الجيدة بشأن ما ينبغي فعله في الظروف الملموسة (Aristote, 1990).
وهذا المبدأ يكتسب في التربية أهمية خاصة، لأن الفصل ليس مصنعًا تتحرك فيه المتغيرات وفق شروط ثابتة، والتلميذ ليس موضوعًا تقنيًا يمكن إخضاعه دائمًا للإجراء نفسه. قد تنجح الطريقة مع تلميذ وتفشل مع آخر، وقد يكون القرار مناسبًا في وضعية وغير مناسب في أخرى.
لذلك فإن المعلّم يحتاج إلى ما هو أكثر من امتلاك الكفايات التقنية؛ يحتاج إلى القدرة على الحكم في المواقف المعقدة، وإلى التمييز بين القاعدة وتطبيقها، وبين الإجراء والسياق، وبين ما هو قانوني وما هو عادل، وبين ما هو فعال وما هو تربوي.
ومن هنا لا تكون الفلسفة معرفة إضافية فوق المعرفة المهنية، بل إحدى الوسائل التي تسمح بتكوين العقل القادر على الحكم. فالمعلّم الذي لا يمتلك إلا الوصفة قد يكون قادرًا على التطبيق في الوضعيات المتوقعة، لكنه قد يعجز أمام الوضعيات التي لم ترد في الدليل.
أما المعلّم الذي امتلك أدوات التفكير والحكم، فإنه يستطيع أن يتعامل مع التعقيد لا باعتباره عائقًا، بل باعتباره جزءًا من طبيعة المهنة.
وهذا هو معنى الفرونيزيس في المجال التربوي: أن تعرف ليس فقط ماذا تفعل، بل لماذا، ومتى، وكيف، ومع من، وتحت أي شروط (Aristote, 1990).
4. ديكارت: الشك بوصفه شرطًا للمهنية
يبدو الشك، في بعض الثقافات المهنية، وكأنه نوع من التمرد أو عدم الانضباط. لكن ديكارت جعله جزءًا من المنهج. فالشك المنهجي ليس رفضًا لكل شيء، وإنما تعليقًا مؤقتًا للتسليم من أجل فحص الأفكار واختبارها. وكما يرى ديكارت، ينبغي للعقل ألا يقبل ما لم يتضح له، وأن يميز بين ما يبدو صحيحًا وما يمكن تبريره (Descartes, 1999).
وليس من الصعب إدراك أهمية هذا المبدأ في تكوين المعلّم. فالمعلّم يحتاج إلى أن يشك في بعض البداهات المهنية: هل الطريقة التي أستعملها ناجعة فعلًا؟ هل هذا التقييم عادل؟ هل هذا المفهوم واضح؟ هل كل ما يمكن قياسه مهم؟ وهل كل ما هو مهم قابل للقياس؟
وهل فشل التلميذ دائمًا فشلًا فرديًا، أم أن جزءًا من المشكلة قد يكون في الوضعية التعليمية نفسها؟
وهل الطريقة التي نطلق عليها «حديثة» حديثة فعلًا، أم أنها مجرد شعار جديد لممارسة قديمة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن المعلّم يرفض كل شيء. بالعكس، إنها تجعله أكثر مهنية، لأن المهنية لا تعني الطاعة العمياء، كما أن الاستقلالية لا تعني الفوضى.
المهنية الحقيقية تعني القدرة على تبرير الفعل. ولذلك فإن تكوين المعلّم الذي لا يدربه على الشك المنهجي قد يمنحه كثيرًا من الإجراءات، لكنه قد يحرمه من إحدى أهم أدوات تطوير ممارسته: القدرة على اكتشاف أن ما يفعله يحتاج إلى مراجعة (Descartes, 1999).
5. كانط: التربية على الاستقلالية لا تُنتج بالامتثال
يضع كانط العلاقة بين التربية والاستقلالية العقلية في قلب مشروعه الفلسفي. فالتنوير، كما يرى، هو خروج الإنسان من حالة القصور التي يعجز فيها عن استعمال عقله دون وصاية (Kant, 1991).
وإذا أخذنا هذا المبدأ بجدية، فإن التربية لا يمكن أن يكون هدفها النهائي إنتاج إنسان يعرف كيف يطيع فقط، وإنما إنسان قادر على استعمال عقله.
وهنا تظهر مفارقة عميقة في تكوين المعلّم.
كيف نطلب من المدرسة أن تربي الطفل على التفكير النقدي والاستقلالية، إذا كان المعلّم نفسه لا يتلقى تكوينًا يمارس فيه هذه الاستقلالية؟
كيف نطلب من المعلّم أن يحرر العقل إذا كانت مهنته تختزل في تنفيذ وصفات؟
وكيف نطلب منه أن يعلّم الطفل السؤال، بينما يتعلم هو أن السؤال قد يكون خروجًا عن المسار؟
الاستقلالية لا تُدرّس بالشعارات، بل تُمارس. والمعلّم الذي لم يتدرب على مساءلة المفاهيم والممارسات والقرارات لن يكون من السهل أن يجعل من القسم فضاءً للاستقلالية الفكرية.
لذلك فإن الفلسفة، بهذا المعنى، لا تضيف إلى تكوين المعلّم «ثقافة عامة» فقط، بل تساهم في بناء الذات المهنية القادرة على التفكير بنفسها (Kant, 1991).
6. هوركهايمر وأدورنو: حين يتحول العقل إلى أداة
يقدم هوركهايمر أحد المفاتيح الأكثر قدرة على قراءة التحولات التي يمكن أن تصيب التربية عندما تهيمن عليها الأداتية. فهو يميز بين عقل يسأل عن الغايات وعقل أداتي يركز على فعالية الوسائل، ويحذر من اختزال العقل في مجرد القدرة على اختيار الوسيلة الأكثر نجاعة لتحقيق غاية لم تعد هي نفسها موضوعًا للنقاش (Horkheimer, 1974).
وإذا نقلنا هذا التحليل إلى المجال التربوي، فإن الخطر يصبح واضحًا: قد نتحول إلى منظومة شديدة الكفاءة في الإجابة عن سؤال «كيف نعلّم؟»، لكنها فقيرة في الإجابة عن سؤال «لماذا نعلّم؟».
نقيس الأداء، ونبني المؤشرات، ونطور الكفايات، ونستعمل التكنولوجيا، وننتج الشبكات، ونحسن هندسة الوضعيات، لكننا قد ننسى أن السؤال عن الغاية هو السؤال الذي يعطي لهذه الوسائل معناها.
ليست المشكلة في الكفايات التقنية، ولا في التكنولوجيا، ولا في التقييم، ولا في الأدلة. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الوسائل غايات في ذاتها، وعندما تتحول التربية من مشروع إنساني إلى نظام لتحسين المؤشرات.
وهنا تصبح الفلسفة مزعجة لأنها تعيد الغايات إلى النقاش.
العقل الأداتي يريد معلّمًا يعرف كيف يفعل، بينما العقل النقدي يريد معلّمًا يسأل أيضًا لماذا يفعل، ولصالح من، وبأي نتائج، وتحت أي شروط.
ويعمق أدورنو هذا النقد عندما يجعل التربية مرتبطة بمقاومة الامتثال والعمى الأخلاقي، مؤكدًا أن التربية ينبغي أن تعمل ضد الشروط التي تسمح بإعادة إنتاج البربرية (Adorno, 1999).
وفي السياق التعليمي، يعني ذلك أن المدرسة لا تحتاج فقط إلى أفراد قادرين على تنفيذ الأوامر، بل إلى أفراد قادرين على الحكم الأخلاقي، وعلى التمييز بين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله.
ولذلك فإن التفكير الفلسفي لا يعلّم المعلّم العصيان، بل يعلّمه التمييز.
7. هابرماس: من تنفيذ القرار إلى تبريره
إذا كان هوركهايمر قد كشف حدود العقل الأداتي، فإن هابرماس يفتح إمكانًا آخر من خلال العقل التواصلي. فالعقل لا يظهر فقط في السيطرة على الأشياء وتحقيق النجاعة، وإنما أيضًا في القدرة على التواصل والحجاج وبناء التفاهم (Habermas, 1987).
وهذا يكتسب أهمية خاصة في المهنة التعليمية لأن المعلّم لا يعمل فقط داخل علاقة تقنية بينه وبين محتوى معرفي، بل داخل شبكة من العلاقات الإنسانية التي تتطلب تفسيرًا وتبريرًا وتفاوضًا.
إن المعلّم الذي يقرر أن هذا السلوك خاطئ أو أن هذه الطريقة أفضل أو أن هذا التقييم عادل، يحتاج إلى أكثر من سلطة الموقع. يحتاج إلى القدرة على تبرير قراره.
ومن هنا فإن الفلسفة لا تدربه على المعارضة من أجل المعارضة، وإنما على بناء الحجة. ليست القيمة في أن يقول المعلّم «لا» بدل «نعم»، بل في أن يعرف لماذا قال «لا» ولماذا يستطيع الدفاع عن موقفه أمام الآخرين.
وهذا مهم أيضًا في الإصلاح التربوي نفسه. فالبرامج الجديدة لا تحتاج فقط إلى أن تكون موجودة، بل إلى أن تكون قابلة للتفسير والتبرير أمام أهل المهنة والجامعة والمجتمع.
الإصلاح الذي لا يشرح فلسفته يترك فراغًا تملؤه التخمينات، أما الإصلاح الذي يفتح نفسه للنقاش فيحول الاختلاف إلى مورد معرفي بدل أن يحوله إلى صراع (Habermas, 1987).
8. فوكو: من يقرر ما المعرفة الضرورية؟
مع فوكو ينتقل السؤال إلى مستوى أكثر جذرية: من يملك سلطة تحديد ما يعتبر معرفة؟ ومن يقرر أن معرفة ما أصبحت «قديمة» أو «غير ذات جدوى»، وأن معرفة أخرى أصبحت حديثة وضرورية؟
فالمعرفة، كما يبين فوكو، لا تنفصل عن أنظمة السلطة التي تحدد ما يمكن قوله وما يُعترف به بوصفه خطابًا مشروعًا (Foucault, 1975).
ومن هذه الزاوية، لا يكون البرنامج الدراسي مجرد جدول ساعات. إنه خريطة للمعرفة، وكل خريطة للمعرفة تتضمن مركزًا وهامشًا.
حين نضع المعرفة التقنية والإجرائية في المركز، ونقلص مساحة المعرفة النقدية والتأملية، فإننا لا نعيد ترتيب الوحدات فقط، بل نعيد تعريف صورة المهنة نفسها. يصبح المعلّم أقرب إلى منفذ للإجراءات، بينما تتراجع صورته بوصفه فاعلًا معرفيًا وأخلاقيًا قادرًا على الحكم.
والسؤال هنا ليس هل يجب أن تبقى كل مادة إلى الأبد. لا توجد معرفة محصنة من المراجعة. لكن المراجعة نفسها تحتاج إلى تبرير إبستمولوجي.
لماذا هذه المعرفة؟ لماذا الآن؟ ما الذي أضيف؟ ما الذي فقدناه؟ ما تصور الإنسان والمهنة الذي يتضمنه هذا الاختيار؟
وإذا لم نطرح هذه الأسئلة، فقد نكون قد غيرنا البرنامج دون أن نفهم تمامًا التحول الذي أحدثناه في فلسفة التكوين (Foucault, 1975).
9. بورديو: ما الذي تخفيه التصنيفات؟
يعلمنا بورديو أن المدرسة ليست مؤسسة لنقل المعرفة فقط، وإنما فضاء لإعادة إنتاج أنماط من الشرعية الثقافية والرمزية والاجتماعية (Bourdieu & Passeron, 1970).
ولذلك فإن كل تصنيف تربوي يحتاج إلى مساءلة: لماذا نعتبر معرفة ما أساسية وأخرى ثانوية؟ لماذا نعتبر كفاية ما معيارًا للنجاح؟ لماذا نعتبر هذا السلوك دليلًا على التعلم بينما نعتبر سلوكًا آخر فشلًا؟
إن المعلّم الذي لا يمتلك أدوات نقد هذه التصنيفات قد يجد نفسه يعيد إنتاجها دون وعي.
والفلسفة لا تلغي التقييم، وإنما تسأل عن فلسفة التقييم؛ ولا تلغي السلطة، وإنما تسأل عن مشروعيتها؛ ولا ترفض المعرفة، وإنما تفحص شروط شرعنتها.
وهذا مهم لأن الطفل الذي يدخل الفصل لا يدخل مجرد وضعية تعليمية. إنه يدخل فضاءً يتم فيه تصنيف أدائه ولغته وقدراته وسلوكه.
وكل تصنيف يحمل أثرًا رمزيًا. ولذلك يحتاج المعلّم إلى عقل قادر على رؤية ما وراء التصنيف، حتى لا تتحول الأدوات التي صممت لتنظيم التعلم إلى أدوات لإنتاج أحكام ثابتة على المتعلمين (Bourdieu & Passeron, 1970).
10. ديوي: التفكير يبدأ عندما تصبح الخبرة مشكلة
عند جون ديوي، لا يبدأ التفكير الحقيقي عندما تكون الأمور واضحة، بل عندما يجد الإنسان نفسه أمام وضعية إشكالية تدفعه إلى البحث والفحص والتجريب (Dewey, 1933).
وهذا يجعل فلسفته شديدة الصلة بالمهنة التعليمية، لأن الفصل الدراسي ليس فضاءً من الوضعيات المتوقعة وحدها.
المعلّم يواجه تلميذًا يرفض التعلم، وفصلًا غير متجانس، وتفاوتًا اجتماعيًا ومعرفيًا، وتعثرًا دراسيًا، وصراعًا بين التلاميذ، ومشكلة سلوكية، وتكنولوجيا جديدة، ومعلومة زائفة، وأزمة قيم، وتحولات اجتماعية وبيئية.
وهذه ليست استثناءات من العمل التربوي، بل هي العمل التربوي نفسه.
ولهذا فإن تكوين المعلّم ينبغي أن يمنحه القدرة على تحويل المشكلة إلى سؤال، والسؤال إلى فرضية، والفرضية إلى بحث، والبحث إلى حكم.
وهنا تلتقي الفلسفة مع الممارسة: ليست الفلسفة هروبًا من الواقع، بل إحدى الطرق الأكثر صرامة لجعل الواقع قابلًا للتفكير (Dewey, 1933).
11. حنّة أرندت: المعلّم بين عالمين
تضع حنّة أرندت التربية في منطقة شديدة الحساسية بين عالم الكبار وعالم الأطفال. فالمربي مسؤول عن تقديم العالم إلى الجيل الجديد، لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن ألا يغلق أمام هذا الجيل إمكانية البدء من جديد (Arendt, 2006).
وهذا يعني أن المعلّم ليس مجرد ناقل للماضي، ولا موظفًا في الحاضر. إنه يقف بين عالم موجود وجيل سيعيد بناء العالم.
ولذلك فإن تكوينه يحتاج إلى أكثر من تقنيات التدريس؛ يحتاج إلى التفكير في نوع العالم الذي يقدمه للأطفال، وفي نوع العالم الذي يريد أن يترك لهم إمكانية بنائه.
إذا أصبحت المدرسة مجرد مؤسسة لتكييف الطفل مع الواقع القائم، فإنها تفقد شيئًا من معناها السياسي والإنساني. أما إذا كانت تهيئه لفهم العالم والحكم عليه والمشاركة في تغييره، فإن تكوين المعلّم يصبح بالضرورة تكوينًا يتجاوز التقنية إلى الفلسفة (Arendt, 2006).
12. ليفيناس: التلميذ ليس «حالة» ولا «رقمًا»
يمنحنا ليفيناس مدخلًا آخر هو المدخل الأخلاقي. فالآخر، كما يرى، لا يمكن اختزاله إلى موضوع أمتلكه وأصنفه وأقيسه، وإنما هو حضور يضعني أمام مسؤولية أخلاقية (Lévinas, 1974).
وهذا المبدأ بالغ الأهمية في التربية لأن التلميذ قد يتحول بسهولة، داخل اللغة الإدارية والتقنية، إلى رقم تسجيل أو معدل أو نتيجة أو مستوى أو «حالة».
لكن الطفل ليس حالة.
إنه إنسان.
والمدرسة التي تنظر إليه من خلال مؤشرات الأداء فقط يمكن أن تفقد شيئًا جوهريًا من بعدها الأخلاقي.
لذلك فإن التفكير الفلسفي لا يمنح المعلّم مجرد ثقافة نظرية، بل يساعده على إدراك أن كل قرار تربوي يتضمن علاقة بالآخر، وأن كل تصنيف قد يترك أثرًا في حياة إنسان.
ومن هنا لا ينبغي أن تكون أخلاقيات المهنة فصلًا هامشيًا يضاف إلى التكوين، بل ينبغي أن تكون حاضرة في بنيته كلها، لأن التعليم في جوهره علاقة بالآخر قبل أن يكون تقنية لنقل المعرفة (Lévinas, 1974).
13. ريكور: الممارسة بين العلم والحكمة
يتيح لنا بول ريكور تجاوز الثنائية الزائفة بين المعرفة العلمية والفلسفة. فالفعل الإنساني يحتاج إلى المعرفة، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحكم، لأن الإنسان لا يعيش داخل عالم من القواعد المكتملة التي يمكن تطبيقها دون تأويل (Ricoeur, 1990).
ومن هنا فإن الفلسفة لا ينبغي أن تقدم بوصفها بديلًا عن علوم التربية، ولا بوصفها خصمًا للمعرفة التجريبية، وإنما بوصفها مجالًا يسمح بفحص معنى استخدام هذه المعرفة.
فالمشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في تصورنا للإنسان الذي نستخدم التكنولوجيا من أجله. وليست المشكلة في التقييم، بل في تصورنا للعدالة الذي يجعلنا نختار طريقة تقييم معينة.
وهنا تصبح الفلسفة شرطًا لتحقيق التوازن بين المعرفة والفعل، وبين الكفاءة والحكمة، وبين القدرة على الإنجاز والقدرة على الحكم (Ricoeur, 1990).
14. باشلار: مقاومة البداهة
يعلمنا غاستون باشلار أن المعرفة العلمية لا تتقدم بمجرد تراكم المعلومات، بل بمقاومة العوائق الإبستمولوجية التي تجعل بعض الأفكار تبدو بديهية ومسلّمًا بها (Bachelard, 1938).
وهذا الدرس مهم جدًا في المجال التربوي الذي تكثر فيه المفاهيم والشعارات التي تتحول مع كثرة التكرار إلى حقائق غير قابلة للنقاش.
كم من «حقيقة بيداغوجية» نرددها لأنها شائعة؟ وكم من مفهوم نستعمله دون أن نسأل عن أصله؟ وكم من مقاربة نعتبرها حديثة لمجرد أنها تحمل اسمًا جديدًا؟ وكم من شعار يتحول إلى وصفة بمجرد أن يتكرر في الوثائق والتكوينات؟
الفلسفة والتفكير النقدي يتيحان للمعلّم أن يقاوم هذه البداهات.
وهذا لا يعني رفض كل جديد، بل يعني أن الجديد نفسه يحتاج إلى سؤال.
فقد يكون القديم صالحًا، وقد يكون الجديد قديمًا في ثوب جديد.
والعقل المهني لا يميز بينهما بالاسم، بل بالتحليل والحجة والدليل (Bachelard, 1938).
15. فلسفة العلوم: كيف يتشكل العلم في عقل الطفل؟
وهنا تكتسب مسألة حذف فلسفة العلوم من تكوين المعلّم دلالة خاصة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالتفكير الفلسفي العام، بل بطبيعة المعرفة العلمية نفسها وبكيفية تشكلها في ذهن المتعلم.
فالطفل لا يدخل القسم بعقل فارغ ينتظر أن تُسكب فيه المعرفة العلمية. إنه يأتي محملًا بتمثلات سابقة عن العالم: عن الماء والحرارة والحركة والحياة والزمان والمكان والسببية وغيرها. وهذه التمثلات ليست مجرد أخطاء ينبغي محوها، بل تشكل نقطة الانطلاق التي ينبغي أن ينطلق منها التعلم.
وقد بين باشلار أن المعرفة العلمية تتقدم عبر تجاوز عوائق إبستمولوجية، وأن الخطأ ليس دائمًا مجرد نقص في المعلومة، بل قد يكون مرتبطًا بطريقة سابقة في بناء الظاهرة وفهمها (Bachelard, 1938).
كما أظهر بياجيه أن المعرفة لا تُستقبل بصورة سلبية، وإنما تُبنى تدريجيًا من خلال تفاعل الذات مع موضوع المعرفة ومن خلال عمليات البناء وإعادة البناء (Piaget, 1970).
ومن هنا فإن فلسفة العلوم والإبستمولوجيا ليستا ترفًا نظريًا في تكوين معلّم المرحلة الأولى. إنهما تساعدانه على فهم سؤال بالغ الأهمية: كيف تتكون المعرفة العلمية في عقل الطفل؟
حين يعتقد الطفل مثلًا أن الشمس «تتحرك» حول الأرض، أو أن الجسم الأثقل يسقط أسرع بالضرورة، أو أن الحرارة مادة تنتقل من جسم إلى آخر، فإن تقديم الإجابة الصحيحة وحده لا يكفي. ينبغي للمعلّم أن يفهم من أين جاء هذا التصور، وما المنطق الذي يجعله معقولًا في ذهن الطفل، وكيف يمكن الانتقال منه إلى بناء مفهوم علمي أكثر دقة.
ومن هنا فإن حذف فلسفة العلوم، إذا تأكد، لا يعني فقط حذف حديث عن العلم، وإنما قد يعني تضييق مساحة التفكير في شروط إنتاج المعرفة العلمية وشروط تعلمها.
وهذا بالذات من صميم تكوين المعلّم.
16. فريري: من التعليم البنكي إلى المعلّم الذي يفكر
انتقد باولو فريري نموذج التعليم البنكي الذي يعامل المتعلم باعتباره وعاءً تُودع فيه المعرفة، ودافع عن تعليم حواري نقدي يجعل المتعلم شريكًا في إنتاج المعنى (Freire, 1974).
لكن المشكلة أن التعليم البنكي لا يبدأ مع التلميذ بالضرورة؛ فقد يبدأ من تكوين المعلّم نفسه.
كيف نطلب من المعلّم أن يكون حواريًا إذا كان تكوينه لا يمنحه مساحة للحوار؟
وكيف نطلب منه أن يعلم السؤال إذا كان هو نفسه يتلقى المعرفة في شكل أجوبة جاهزة؟
وكيف نطلب منه أن يحرر العقل إذا كان تكوينه يحوله إلى حامل للتعليمات؟
إن المعلّم الذي لم يتعلم أن يناقش المفهوم ويشكك في البداهة ويبني الحجة ويصغي إلى الاختلاف قد يجد صعوبة في تحويل القسم إلى فضاء للحوار النقدي.
ولهذا فإن التفكير الفلسفي ليس مجرد إضافة معرفية إلى تكوين المعلّم؛ إنه أحد شروط إمكان التربية التي تريد أن تكون تحررية لا بنكية (Freire, 1974).
17. ميشال توزي: الفلسفة ممارسة لا متحف أسماء
وهنا ينبغي أن نميز بين الفلسفة بوصفها تاريخًا للفلاسفة، والفلسفة بوصفها ممارسة للتفكير.
فالطالب الذي يحفظ أن كانط قال كذا، وديكارت قال كذا، وأفلاطون قال كذا، وابن رشد قال كذا، قد يعرف شيئًا عن تاريخ الفلسفة، لكنه لا يصبح بالضرورة قادرًا على التفكير فلسفيًا.
يشدد ميشال توزي في أعماله حول تعلمية الفلسفة على عمليات الإشكلة والمفهمة والحجاج بوصفها عناصر أساسية في الممارسة الفلسفية (Tozzi, 2001).
وهذا التمييز بالغ الأهمية في تكوين المعلّم، لأن الهدف ليس أن يتحول الطالب إلى موسوعة صغيرة في أسماء الفلاسفة، وإنما أن يمتلك القدرة على تحويل البداهة إلى مشكلة، والمفهوم إلى موضوع للفحص، والرأي إلى حجة قابلة للنقاش.
ومن هنا فإن الدفاع عن الفلسفة في الإجازة الوطنية للتربية والتعليم ينبغي ألا يكون دفاعًا عن حصص في تاريخ الفكر، بل دفاعًا عن تكوين قدرة عقلية يحتاج إليها المعلّم في كل مجالات عمله: في التربية، والتعليم، والتقييم، وهندسة البرامج، والتعامل مع الاختلاف، وفهم الطفل، واتخاذ القرار المهني (Tozzi, 2001).
18. ابن رشد: العقل جزء من ذاكرتنا الثقافية
ولا يمكن، في السياق العربي الإسلامي، أن نتحدث عن العقل والفلسفة دون استحضار ابن رشد.
فقد جعل النظر العقلي والبرهان جزءًا أساسيًا من مشروعه في التفكير، ودافع عن مشروعية النظر الفلسفي وعلاقة الحكمة بالمعرفة (Ibn Rushd, 1996).
وهذا التراث يذكرنا بأن التفكير الفلسفي ليس جسمًا غريبًا عن ثقافتنا، وأن سؤال العقل ليس مستوردًا بالضرورة، وأن تاريخنا الفكري عرف نقاشات عميقة حول الحقيقة والبرهان والتأويل والعلاقة بين العقل والنقل.
ومن ثم فإن اعتبار الفلسفة مجرد معرفة قديمة «أكل عليها الدهر وشرب» يخلط بين عمر المعرفة وصلاحية السؤال.
بعض المعارف التقنية تنتهي صلاحيتها فعلًا، لكن السؤال الفلسفي لا يملك تاريخ انتهاء بالطريقة نفسها.
فالسؤال عن الحقيقة، والإنسان، والعدل، والمعرفة، والحرية، والمسؤولية، لا يصبح قديمًا لمجرد أن من طرحه عاش قبل قرون.
19. الذكاء الاصطناعي: كلما ازدادت الآلة قدرة على «كيف؟» ازدادت حاجتنا إلى «لماذا؟»
هنا نصل إلى المفارقة الكبرى التي تجعل النقاش حول الفلسفة في تكوين المعلّم أكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي.
إذا كان الإصلاح يريد تكوين معلّم للمستقبل، فإن المستقبل نفسه يفرض علينا إعادة النظر في معنى الكفاءة المهنية.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع بصورة متزايدة أن يوفر للمعلّم المعلومات، وأن يقترح خطط الدروس، وأن يولد التمارين، وأن يصوغ الأسئلة، وأن يقدم أنشطة تعليمية، وأن يلخص النصوص، وأن يساعد في إعداد بعض أشكال التقويم، بل وأن يقترح مسارات مختلفة للتعامل مع المتعلمين.
وهذا يعني أن التكوين الذي يقوم أساسًا على الجانب الإجرائي والتقني المباشر يواجه سؤالًا جديدًا: ماذا يبقى من هذه الكفايات عندما تصبح الآلة قادرة على إنتاج جزء متزايد منها بسرعة تفوق الإنسان؟
لا يعني هذا أن التقنية أصبحت غير مهمة. العكس تمامًا. سيحتاج المعلّم إلى فهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واستخدامهما بصورة نقدية ومسؤولة. لكن المفارقة هي أن تطور التقنية يجعل الحاجة إلى التفكير الفلسفي أكثر لا أقل.
فكلما ازدادت الآلة قدرة على الإجابة عن سؤال «كيف؟»، ازدادت حاجة المعلّم إلى التكوين الذي يجعله قادرًا على طرح سؤال «لماذا؟» و«هل ينبغي؟».
فالآلة قد تقترح تمرينًا، لكن من يقرر هل هو مناسب لهذا الطفل؟
وقد تقترح طريقة للتقييم، لكن من يسأل هل هي عادلة؟
وقد تنتج إجابة تبدو صحيحة، لكن من يفحص شروط صحتها؟
وقد تقترح قرارًا تربويًا، لكن من يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن نتائجه؟
وقد تعرف ملايين المعلومات، لكنها لا تعفي الإنسان من السؤال عن الغاية والمعنى والمسؤولية.
وهنا تعود إلينا حكمة أرسطو: ليست الحكمة العملية مجرد معرفة الوسائل، وإنما القدرة على الحكم في وضعية ملموسة وتحديد ما ينبغي فعله (Aristote, 1990).
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، قد تصبح هذه القدرة إحدى أهم خصائص المعلّم البشري. فالميزة المستقبلية للمعلّم لن تكون بالضرورة أنه يعرف معلومات أكثر من الآلة، ولا أنه يستطيع إنتاج تمرين أسرع منها، وإنما في قدرته على الفهم النقدي، والحكم الأخلاقي، والتقدير السياقي، والحكمة العملية، وفهم الإنسان الذي أمامه.
وهذه ليست كماليات فلسفية.
إنها جوهر المهنة.
20. الإصلاح التربوي: تغيير البرامج أم تغيير البراديغم؟
من هنا فإن تطوير برنامج الإجازة الوطنية في التربية والتعليم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد تغيير محتوى بآخر، أو حذف بعض المواد وإضافة أخرى، أو تحيين قائمة المعارف.
فالإصلاح الحقيقي يؤسس، بالضرورة، لرؤية مستقبلية لمهنة التدريس وللعلاقة بين التعليم والتربية والتقييم والتكوين.
إن العالم الذي سيعمل فيه المعلّم الجديد ليس العالم نفسه الذي تكونت فيه أجيال سابقة من المعلمين.
نحن أمام قضايا البيئة، وأزمة المياه والطاقة، والتحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والمواطنة، والتعليم التحويلي، والتعلم مدى الحياة، والعلاقة بين التعليم النظامي وغير النظامي، والتربية على الاستدامة، والتحولات العميقة في مفهوم المعرفة والسلطة والحقيقة.
وهذه القضايا ليست تقنية فقط.
إنها قضايا فلسفية بامتياز.
حين نسأل عن الذكاء الاصطناعي في التعليم، نسأل في العمق: ما الإنسان؟ وما المعرفة؟ وما معنى التعلم؟
وحين نسأل عن التقييم، نسأل عن العدالة والاستحقاق.
وحين نسأل عن البيئة، نسأل عن علاقتنا بالطبيعة وبالأجيال القادمة.
وحين نسأل عن المواطنة، نسأل عن الحرية والمسؤولية والمشاركة.
يمكن أن نغير أسماء الوحدات، وأن نضع هذه القضايا تحت عناوين مثل «القضايا الحضارية» أو «ثقافة الناشئة» أو غيرها. لكن تغيير التسمية لا يلغي الطبيعة الفلسفية للأسئلة.
التسميات لا تهمني كثيرًا.
ما يهمني هو: هل بقي السؤال؟
21. من «المعلّم المفكر» إلى «المعلّم المنفذ»:
بعد كل ذلك، يمكن أن نعود إلى السؤال المركزي: ما الذي يحدث عندما تتراجع مساحة التفكير الفلسفي في تكوين المعلّم؟
قد يكون التحول الحقيقي أعمق من حذف وحدة دراسية.
إنه قد يكون انتقالًا تدريجيًا من صورة المعلّم بوصفه فاعلًا مهنيًا مفكرًا إلى صورة المعلّم بوصفه منفذًا للإجراءات.
المعلّم المفكر لا يرفض الدليل، لكنه يعرف أن الدليل أداة.
ولا يرفض المذكرة، لكنه يعرف أن المذكرة لا تلغي الحكم المهني.
ولا يرفض التقييم، لكنه يسأل عن فلسفته.
ولا يرفض التكنولوجيا، لكنه يسأل عن غايتها.
ولا يرفض السلطة، لكنه يسأل عن مشروعيتها.
أما المعلّم المنفذ، فوظيفته الأساسية تصبح ضمان المطابقة بين ما يفعل وما طُلب منه أن يفعل.
وهنا تظهر المفارقة التي يحملها عنوان المقال:
الفلسفة خارج البرنامج… والسؤال خارج المهنة.
فالبرنامج لا يحدد فقط ما يتعلمه الطالب، وإنما يساهم في تشكيل الطريقة التي سيفكر بها في مهنته.
وحين تضيق مساحة التفكير، قد لا نكون قد حذفنا مادة فحسب، بل نكون قد أعدنا تعريف المهنة نفسها.
22. ليست المشكلة في أن يعترض المعلّم على كل شيء:
لكن الدفاع عن الفلسفة لا ينبغي أن يتحول إلى موقف رومانسي يساوي بين التفكير والمعارضة.
فالمعلّم الفيلسوف ليس من يقول «لا» دائمًا، كما أن المعلّم المهني ليس من يقول «نعم» دائمًا.
المشكلة ليست في وجود التنظيم، ولا في وجود الأدلة، ولا في وجود السلطة، وإنما في أن يتحول التنظيم إلى بديل عن الحكم، وأن تتحول السلطة إلى بديل عن الحجة.
نحتاج إلى معلّم يستطيع أن ينفذ عندما يكون التنفيذ عقلانيًا، وأن يسأل عندما يصبح السؤال ضروريًا، وأن يعترض عندما يكون الاعتراض مبررًا، وأن يراجع نفسه عندما يكتشف خطأه.
هذه هي الاستقلالية المهنية. وهي لا تعني الفوضى، وإنما تعني أن يكون الفعل قابلًا للتبرير، وأن يكون صاحبه قادرًا على تحمل مسؤولية حكمه.
وهنا تتجلى قيمة الفلسفة: إنها لا تعلم المعلّم ماذا يعتقد، بل تدربه على أن يسأل لماذا يعتقد، وعلى أن يميز بين الرأي والحجة، وبين السلطة والحقيقة، وبين الامتثال والمسؤولية.
23. أيّ معلّم نريد؟
في النهاية، ربما ينبغي أن نعيد صياغة السؤال كله.
ليست المسألة: هل نحتاج إلى الفلسفة في تكوين المعلّم؟
بل:
أيّ معلّم نريد؟
إذا أردناه منفذًا، فقد تكفيه الإجراءات.
وإذا أردناه مهنيًا قادرًا على الحكم، فنحن بحاجة إلى أكثر من الإجراءات.
وإذا أردناه أن يربي على التفكير، فينبغي أن يكون قد مارس التفكير.
وإذا أردناه أن يعلم السؤال، فينبغي أن يكون قد تعلم أن يسأل.
وإذا أردناه أن يربي على الاستقلالية، ينبغي أن يكون تكوينه نفسه قد مارس معه شيئًا من الاستقلالية.
وهنا لا تعود الفلسفة مادة بين مواد، بل تصبح جزءًا من البنية العميقة للمهنة.
ليست القضية أن نضيف ساعات للفلسفة من أجل الفلسفة.
القضية أن نضمن للمعلّم مساحة عقلية يستطيع فيها أن يفكر في الإنسان الذي أمامه، وفي المعرفة التي يقدمها، وفي السلطة التي يمارسها، وفي التقييم الذي يستخدمه، وفي المجتمع الذي يعمل داخله، وفي المستقبل الذي يساهم في تشكيله.
24. الإصلاح الذي لا يناقش فلسفته:
وهنا تتجاوز المسألة برنامج الإجازة نفسه لتصل إلى طريقة إدارة الإصلاح التربوي.
في غياب الوثيقة الرسمية الكاملة، يصبح من المشروع أن نطلب من الجهات التي اشتغلت على الإصلاح أن تعرض للعموم فلسفة البرنامج ومبرراته ومصادره ومرجعياته.
فلماذا لا تقدم وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في القضايا الكبرى التي تمس مستقبل التعليم، حوارات عمومية واسعة تحترم عقول المدرسين والباحثين والطلبة والمجتمع؟
لماذا لا تعرض الإصلاحات الكبرى بوصفها اختيارات فكرية واستراتيجية قابلة للنقاش، بدل أن تصل إلى الميدان في صورة وثائق جاهزة ومصطلحات تقنية؟
لماذا لا تُنظم حوارات حقيقية يدعى إليها أصحاب الشأن العلمي والبيداغوجي والأكاديمي والثقافي والاستراتيجي والفلسفي الذين تزخر بهم تونس، والذين راكم كثير منهم خبرات وتجارب وأبحاثًا معترفًا بها داخل البلاد وخارجها؟
إن الإصلاح الذي لا يناقش غايات التربية قد ينجح في تغيير البرامج، لكنه قد يفشل في تغيير المدرسة.
والإصلاح الذي لا يشرح فلسفته يترك فراغًا معرفيًا.
والفراغ المعرفي تملؤه التخمينات.
والتخمينات تتحول سريعًا إلى مواقف.
والمواقف إلى صراعات.
ثم يصبح النقاش حول الإصلاح نفسه جزءًا من أزمة الثقة.
لذلك فإن الشفافية هنا ليست مجرد إجراء إداري.
إنها جزء من العقلانية التربوية.
25. حين تصبح الفلسفة «معرفة منتهية الصلاحية»:
من أكثر المفارقات إثارة في النقاش اعتبار الفلسفة من «المعارف التي أكل عليها الدهر وشرب»، أو التعامل معها باعتبارها من قبيل savoirs périmés.
فالمعرفة ليست كلها من النوع نفسه.
هناك معرفة تقنية تتغير بتغير الأدوات، ومعارف إجرائية تحتاج إلى تحيين مستمر، ومعارف علمية تتطور بتطور الاكتشافات، لكن هناك أيضًا أسئلة تأسيسية لا تصبح بالية لمجرد مرور الزمن.
هل أصبح سؤال الحقيقة قديمًا؟
هل أصبح سؤال العدالة منتهي الصلاحية؟
هل أصبح سؤال الحرية غير ذي جدوى؟
هل أصبح سؤال المعرفة زائدًا؟
هل أصبح سؤال معنى التربية نفسه معرفة من الماضي؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن علينا أن نقبل بأننا لم نحذف الفلسفة فقط، بل حذفنا جزءًا من الأسئلة التي تأسست عليها الحضارة الإنسانية.
أما إذا كانت الإجابة لا، فعلينا أن نميز بين الفلسفة بوصفها حفظًا لتاريخ الأفكار وبين التفكير الفلسفي بوصفه ممارسة عقلية مستمرة.
فالسؤال الفلسفي لا تنتهي صلاحيته لأن الإنسان نفسه لم تنته مشكلاته.
الخاتمة: الفلسفة خارج البرنامج… لكن هل يستطيع السؤال أن يبقى؟
قد يكون حذف الفلسفة قرارًا إداريًا، وقد يكون إعادة ترتيب للبرنامج، وقد يكون جزءًا من محاولة لتحيين محتويات الإجازة الوطنية في التربية والتعليم.
وكل هذه الاحتمالات قابلة للنقاش العلمي الهادئ متى توفرت الوثيقة الرسمية الكاملة، ووضحت فلسفة الإصلاح وغاياته ومعاييره.
لكن هناك سؤالًا لا تستطيع أي وثيقة أن تلغيه:
ماذا نريد من المعلّم؟
هل نريده أن يعرف كيف يطبق، أم أن يعرف أيضًا لماذا يطبق؟
هل نريده أن يحفظ الدليل، أم أن يكون قادرًا على مساءلة الدليل عندما تستدعي الضرورة؟
هل نريده أن يملأ دفتر المناداة، أم أن يقرأ ما وراء الأرقام؟
هل نريده أن ينجح في استعمال الأدوات، أم أن يفكر في الإنسان الذي يستخدمها من أجله؟
هل نريد عقلًا يحسب كل شيء، أم عقلًا يعرف أيضًا أن بعض الأشياء لا تُختزل في الحساب؟
لقد كان سقراط يسأل عن الحياة التي تستحق أن تعاش، وأفلاطون يسأل عن الحقيقة والتحرر من الوهم، وأرسطو يسأل عن الفعل الجيد والحكمة العملية، وديكارت يسأل عن شروط اليقين، وكانط يسأل عن استقلال العقل، وهوركهايمر يسأل عن العقل الذي يتحول إلى أداة، وأدورنو عن التربية التي تقاوم الامتثال، وهابرماس عن الحجاج والتفاهم، وفوكو عن العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبورديو عن آليات إعادة الإنتاج، وديوي عن التفكير الذي ينشأ من المشكلة، وأرندت عن مسؤولية التربية تجاه العالم، وليفناس عن مسؤوليتنا تجاه الآخر، وريكور عن الحكم والمعنى، وباشلار عن مقاومة البداهة، وبياجيه عن بناء المعرفة، وفريري عن التعليم الذي يحرر، وميشال توزي عن الفلسفة بوصفها إشكلة ومفهمة وحجاجًا، وابن رشد عن مشروعية العقل والنظر.
كل هؤلاء، على اختلاف مشاريعهم وتناقضاتهم، يقولون لنا شيئًا واحدًا على الأقل:
الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية بمجرد امتلاك الأدوات، بل بقدرته على التفكير في ما يفعله ولماذا يفعله.
واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه الفكرة أكثر إلحاحًا.
فإذا كانت الآلة ستصبح أكثر قدرة على إنتاج المعلومة والإجراء، فإن قيمة الإنسان لن تكمن في منافستها في السرعة، وإنما في قدرته على الحكم، والنقد، والتأويل، وتحمل المسؤولية الأخلاقية، وفهم الآخر.
ولهذا فإن السؤال عن الفلسفة في تكوين المعلّم ليس سؤالًا عن مادة قديمة في برنامج جديد.
إنه سؤال عن المستقبل نفسه.
لسنا ندافع عن ساعات الفلسفة بقدر ما ندافع عن الساعات التي يتعلم فيها المعلّم كيف يفكر.
قد يكون حذف مادة قرارًا بيداغوجيًا قابلًا للنقاش.
أما حذف الحق في السؤال من تكوين المعلّم، فذلك أمر آخر.
لأن المعلّم الذي يعرف كيف يطبق قد يكون منفذًا ممتازًا.
لكن المعلّم الذي يعرف لماذا يطبق، ومتى يطبق، ومتى يراجع، ومتى يعترض، وكيف يبرر، وكيف يحكم، هو الذي يمكن أن نسميه مهنيًا.
وهنا يعود السؤال إلى مكانه الأول:
حذف الفلسفة أم حذف السؤال؟
الفلسفة خارج البرنامج… والسؤال خارج المهنة: أيّ معلّم نريد؟
فأخطر ما يمكن أن نحذفه من تكوين المعلّم ليس مادة.
إنه الحق في السؤال.
المراجع:
1. Adorno, T. W. (1999). ducation après Auschwitz. In Modèles critiques. Paris : Payot.
2. Arendt, H. (2006). La crise de la culture. Paris : Gallimard.
3. Aristote (1990). thique à Nicomaque. Paris : Vrin.
4. Bachelard, G. (1938). La formation de l’esprit scientifique. Paris : Vrin.
5. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
6. Dewey, J. (1933). How We Think. Boston : D. C. Heath.
7. Descartes, R. (1999). Discours de la méthode. Paris : Flammarion.
8. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris : Gallimard.
9. Freire, P. (1974). Pédagogie des opprimés. Paris : Maspero.
10. Habermas, J. (1987). Théorie de l’agir communicationnel. Paris : Fayard.
11. Horkheimer, M. (1974). clipse de la raison. Paris : Payot.
12. Ibn Rushd (1996). Discours décisif. Paris : Flammarion.
13. Kant, I. (1991). La philosophie de l’histoire. Paris : Flammarion.
14. Lévinas, E. (1974). Autrement qu’être ou au-delà de l’essence. La Haye : Martinus Nijhoff.
15. Piaget, J. (1970). L’épistémologie génétique. Paris : Presses Universitaires de France.
16. Platon (1993). La République. Paris : Gallimard.
17. Plton (1997). Apologie de Socrate. Paris : GF Flammarion.
18. Ricoeur, P. (1990). Soi-même comme un autre. Paris : Seuil.
19. Tozzi, M. (2001). L’éveil de la pensée réflexive à l’école primaire. Paris : Hachette ducation.
حذف الفلسفة أم حذف السؤال؟ الفلسفة خارج البرنامج… والسؤال خارج المهنة: أيّ معلّم نريد؟ قراءة فلسفية في حذف مادة الفلسفة من برنامج الإجازة الوطنية في التربية والتعليم
2026-08-31
70 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال