مقدمة: حين لا تعود البيداغوجيا شأنًا يخصّ القسم وحده
حين صاغ باولو فريري مفهوم «التصور البنكي للتعليم» (conception bancaire de l’éducation)، لم يكن ينتقد مجرد طريقة في تقديم الدرس، ولا مجرد الاعتماد على الحفظ والاسترجاع بدل الفهم والحوار. كان ينتقد تصورًا للتعليم يجعل المعرفة أشبه بـ«ودائع» يضعها من يُفترض أنهم يعرفون في عقول من يُفترض أنهم لا يعرفون، فيتحول المتعلم إلى متلقٍّ مطالب بالحفظ والاسترجاع وإعادة الإنتاج، بدل أن يكون شريكًا في إنتاج المعنى والمعرفة (Paulo Freire, 1970). وتؤكد الأدبيات التي تناولت الكتاب أن فريري جعل نقد «التعليم البنكي» أحد المحاور المركزية في كتابه "بيداغوجيا المقهورين" Pédagogie des opprimés، في مقابل التعليم القائم على طرح المشكلات والحوار.
ومن هنا، فإن البيداغوجيا البنكية لا ينبغي أن تُختزل في علاقة المدرس بالتلميذ. إنها قد تتحول إلى منطق مؤسسي كامل يمتد من القسم إلى التكوين، ومن التكوين إلى التفقد، ومن التفقد إلى صناعة المعايير، ومن المعايير إلى تحديد ما يُعتبر معرفة صحيحة وما يُعتبر ممارسة تربوية مشروعة.
وعندما يحدث ذلك، لا تعود المشكلة مرتبطة بطريقة التدريس وحدها، وإنما بطريقة اشتغال المؤسسة التربوية برمتها.
ولعل السؤال الأكثر إزعاجًا هنا هو:
ماذا يحدث حين تغادر البيداغوجيا البنكية القسم، لكنها لا تغادر المؤسسة التربوية؟
قد تتغير اللغة، وتتغير المصطلحات، وتُرفع شعارات المتعلم الفاعل والتعلم النشط والكفايات، بينما تستمر في العمق علاقة أخرى بالمعرفة: معرفة تُنقل، ومسلمات تُلقّن، وممارسات تُشرعن، وفاعلون يُطلب منهم التنفيذ أكثر مما يُطلب منهم التفكير والمساءلة.
وهنا يبدو باولو فريري، بعد أكثر من نصف قرن، أقل تاريخية مما نعتقد؛ لأن السؤال الذي طرحه حول العلاقة بين التربية والسلطة والمعرفة لم يُغلق بعد.
1. البيداغوجيا البنكية وسلطة المعرفة: من القسم إلى المؤسسة
أ. البيداغوجيا البنكية: من تقنية تدريس إلى علاقة بالمعرفة
في Pédagogie des opprimés، يميز باولو فريري بين التصور البنكي للتعليم والتعليم القائم على طرح المشكلات والحوار. ففي التصور البنكي، يتحول المدرس إلى صاحب المعرفة، بينما يصبح المتعلم موضوعًا للاستقبال والتخزين والاسترجاع. والمعرفة، بدل أن تكون عملية مشتركة في البناء والاكتشاف، تتحول إلى مضمون جاهز ينتقل من الأعلى إلى الأسفل (Paulo Freire, 1970). ويصف فريري هذا النموذج باعتباره علاقة تجعل المدرس «صاحب المعرفة» والتلميذ موقعًا لتلقيها، بما يحد من القدرة الإبداعية والنقدية للمتعلم.
ولا تكمن المشكلة في الحفظ في حد ذاته؛ فالحفظ جزء من أي عملية تعلم، ولا يمكن اختزال المعرفة في التجربة الشخصية. المشكلة تبدأ عندما تتحول عملية التعلم إلى علاقة استهلاك واسترجاع، وعندما يصبح النجاح مرتبطًا أساسًا بقدرة المتعلم على إعادة إنتاج الإجابة المنتظرة.
هنا تتحول المعرفة من مجال للسؤال إلى مخزون ينبغي استعادته في اللحظة المناسبة.
وهذا ما يجعل التعليم البنكي أكثر من مجرد تقنية بيداغوجية. إنه تصور ضمني للعلاقة بين الإنسان والمعرفة: هناك من يعرف وهناك من لا يعرف، هناك من يفسر وهناك من يتلقى، وهناك من يضع المعايير وهناك من يطبقها.
ومن ثم فإن البيداغوجيا البنكية لا تعلم الفرد ماذا يعرف فقط، وإنما تعلمه أيضًا كيف يتعامل مع المعرفة، ومن يحق له إنتاجها، ومن يملك حق تعريف الحقيقة التعليمية.
وقد عايشتُ هذا النمط شخصيًا منذ دخولي مهنة التعليم: نتلقى لكي نسترجع، ونحفظ لكي نعيد الإنتاج، وننجح بقدر قدرتنا على الاقتراب من الإجابة المنتظرة، دون أن تكون المساءلة أو الشك في المسلمات جزءًا أصيلًا من عملية التعلم.
وهذه التجربة الشخصية لا أتعامل معها باعتبارها حكمًا نهائيًا على المنظومة، وإنما باعتبارها مدخلًا لفهم ما يجعل بعض الممارسات قادرة على الاستمرار رغم تغير الخطابات البيداغوجية.
فالسؤال لا يتعلق إذن بما إذا كان الحفظ موجودًا أم لا، وإنما بموقع المتعلم من المعرفة: هل هو مستهلك لها أم مشارك في بنائها؟ وهل المدرسة تعلمه فقط ما ينبغي أن يعرف، أم تمنحه أيضًا القدرة على مساءلة ما يُطلب منه أن يعرفه؟
ب. لاهوت المسلّمات والحق في الشك
كل مؤسسة تحتاج إلى قواعد ومعايير؛ فلا يمكن أن تقوم المدرسة على الفوضى، ولا يمكن أن تصبح كل ممارسة موضع شك دائم.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعايير إلى مسلمات، والمسلمات إلى يقينيات، واليقينيات إلى ما يشبه اللاهوت التربوي.
واللاهوت هنا لا يحيل بالضرورة إلى الدين، وإنما إلى منظومة من الأفكار التي تقدم نفسها باعتبارها حقيقة مكتملة، ولا تحتاج إلى مساءلة.
وفي المجال التربوي قد نواجه أحيانًا عبارات من قبيل: هذه هي الطريقة الصحيحة، هذا هو النموذج الجيد، هكذا ينبغي أن يكون الدرس، هذه هي الممارسة الناجعة، وهذا ما تقوله علوم التربية.
لكن السؤال السوسيولوجي يبدأ تحديدًا عندما نسأل:
من قال ذلك؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي سياق؟ ومن يملك حق مساءلته؟
لقد أظهر بيار بورديو وجان-كلود باسرون أن المدرسة لا تعمل فقط من خلال المعارف الصريحة، بل أيضًا من خلال ما يتم تقديمه باعتباره طبيعيًا ومحايدًا ومشروعًا. وحين تتحول بعض القواعد الثقافية والتربوية إلى معايير تبدو بديهية، يمكن أن تصبح المدرسة فضاءً لإعادة إنتاج ما يبدو في الظاهر مجرد «استحقاق» فردي (Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron, 1970).
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في وجود نظرية تربوية أو نموذج بيداغوجي، وإنما في تحويل النظرية إلى حقيقة مغلقة، وتحويل الخبير إلى سلطة لا تُسأل، وتحويل التكوين إلى عملية نقل عمودي للمعرفة.
عندها لا نكون قد تجاوزنا البيداغوجيا البنكية، بل نكون قد نقلناها إلى مستوى أكثر تعقيدًا.
فالحق في الشك ليس نقيضًا للمعرفة، وإنما أحد شروط إنتاجها. والمؤسسة التربوية التي تخشى السؤال حول مسلماتها قد تتحول، دون أن تقصد بالضرورة، من فضاء لإنتاج المعرفة إلى فضاء لحمايتها من النقد.
2. حين تغادر البيداغوجيا البنكية القسم: التفقد والتكوين
أ. التفقد: بين المصاحبة وسلطة المعيار
إذا كانت البيداغوجيا البنكية تقوم على علاقة عمودية بالمعرفة، فإن السؤال يصبح:
هل تنتهي هذه العلاقة بمجرد خروج المدرس من القسم؟
ليس بالضرورة.
فالبيداغوجيا البنكية يمكن أن تتجاوز حدود القسم لتصل إلى جهاز التفقد وجهاز التكوين. وقد يصبح المدرس في بعض السياقات متلقيًا لما يُنتج خارج القسم، كما كان التلميذ متلقيًا لما ينتجه المدرس.
وهنا يمكن أن تتشكل سلسلة عمودية: التلميذ يتلقى من المدرس، والمدرس يتلقى من المكوّن، والمكوّن يتلقى من منظومة المعايير، ثم تعود السلسلة كاملة إلى القسم.
وكلما ضاقت إمكانات الحوار والمساءلة داخل هذه السلسلة، أصبح إنتاج المعرفة التربوية أقرب إلى إعادة توزيعها منه إلى إنتاجها.
وهذا يطرح مفارقة عميقة: نطالب الطفل بأن يكون فاعلًا في تعلمه، بينما قد لا نمنح المدرس نفسه المساحة الكافية ليكون فاعلًا في إنتاج المعرفة المهنية.
نطالبه بالتفكير النقدي، بينما قد نمارس عليه تكوينًا لا يترك دائمًا مجالًا كافيًا للاختلاف.
نطالبه بأن يسأل، بينما قد تكون بعض الأسئلة داخل المؤسسة نفسها أكثر كلفة من بعض الأجوبة.
وقد اهتم باسيل برنشتاين بدراسة كيفية تنظيم المعرفة وتصنيفها ونقلها داخل المؤسسة التعليمية، وبالعلاقة بين هذه العمليات وبين بنية السلطة والخطاب التربوي (Basil Bernstein, 1975).
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
إذا كنا نريد متعلمًا منتجًا للمعرفة، أفلا ينبغي أولًا أن نمنح المدرس نفسه حق المشاركة في إنتاج المعرفة المهنية؟
ليس المقصود هنا مهاجمة جهاز التفقد أو التشكيك في كفاءة المتفقدين. المسألة أعمق من ذلك؛ إنها تتعلق بالوظيفة المؤسسية وبالعلاقة التي تُبنى بين المعرفة والسلطة.
يمكن للمتفقد أن يكون شريكًا في التفكير، وفاعلًا في بناء المعرفة المهنية، ووسيطًا بين البحث والممارسة. لكن حين تتحول الوظيفة أساسًا إلى مراقبة مدى مطابقة الممارسة لمعيار محدد سلفًا، يصبح خطر البيداغوجيا البنكية حاضرًا من جديد.
عندها لا يعود السؤال: لماذا اختار المدرس هذه الممارسة؟ وما الذي دفعه إليها؟ وما الذي لاحظه في الميدان؟ وإنما يصبح السؤال:
هل طابقت الممارسة النموذج المطلوب؟
والفرق بين السؤالين ليس بسيطًا. الأول يفتح باب الحوار والبحث، بينما قد يغلق الثاني النقاش عند حدود المطابقة.
إن المعيار ضروري، لكن المعيار نفسه ينبغي أن يبقى قابلًا للنقاش والتطوير. فالمؤسسة التي لا تسمح بمساءلة معاييرها تخاطر بأن تتحول من فضاء لإنتاج المعرفة إلى فضاء لإعادة إنتاجها.
ب. التكوين: حين يتحول المدرس من فاعل إلى متلقٍّ
الأمر نفسه ينطبق على التكوين.
فالتكوين الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد نقل وصفات جاهزة إلى المدرسين، بل ينبغي أن يكون فضاءً للتفكير في الممارسة.
فالمدرس لا يدخل التكوين فارغًا. إنه يدخل حاملاً سنوات من التجربة، وملاحظات من القسم، ونجاحات وإخفاقات، وأسئلة لم يجد لها جوابًا، ومعرفة ميدانية لا تظهر دائمًا في الكتب.
ومن ثم فإن تجاهل هذه الخبرة وتحويل المدرس إلى مجرد متلقٍّ للمعرفة التكوينية يعيد إنتاج المنطق البنكي نفسه.
وقد دافع هنري جيرو عن أهمية النظر إلى المدرسين باعتبارهم مثقفين قادرين على إنتاج المعنى والمعرفة، لا مجرد منفذين تقنيين للسياسات التعليمية (Henry A. Giroux, 1988).
فالمعلم، في التصور النقدي، ليس مجرد موظف يطبق برنامجًا، وإنما فاعل ثقافي واجتماعي يمارس حكمًا مهنيًا ويشارك في إنتاج المعرفة التربوية.
وهنا يصبح السؤال ضروريًا:
كيف نطلب من المدرس أن يكون باحثًا في ممارسته، بينما لا نعامله داخل منظومة التكوين باعتباره حاملًا للمعرفة؟
فالفاعل التربوي ليس مجرد منفذ لسياسات بيداغوجية تُنتج في مكان آخر؛ إنه أيضًا منتج للمعرفة المهنية.
3. من سلطة المعرفة إلى حوكمة الأرقام: صعود مدرسة السوق
أ. من قياس الواقع إلى صناعة الواقع بالأرقام:
لا تتوقف المسألة عند علاقة المؤسسة بالمعرفة، وإنما تمتد إلى الطريقة التي أصبحت بها المؤسسات التعليمية تُقاس وتُقارن وتُدار.
وهنا نصل إلى أحد التحولات الأكثر أهمية في المدرسة المعاصرة: صعود الحوكمة بالأرقام.
فالأرقام في حد ذاتها ليست مشكلة. تحتاج المدرسة إلى الإحصائيات والمؤشرات لتعرف عدد التلاميذ، ونسب النجاح، ومعدلات الانقطاع، وحجم الموارد، والفوارق بين الجهات والمؤسسات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرقم من أداة لمعرفة الواقع إلى أداة لتعريف الواقع نفسه.
عندما تصبح جودة المؤسسة مرتبطة بمؤشر، ونجاح المدرس مرتبطًا بأداء قابل للقياس، ونجاح التلميذ مرتبطًا بترتيب، وتصبح المؤسسة مطالبة باستمرار بإثبات مردوديتها، فإن ما يمكن قياسه يبدأ في احتلال موقع ما ينبغي أن يكون مهمًا.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الخطيرة:
حين يصبح كل شيء قابلًا للقياس، قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأن ما لا يمكن قياسه أقل أهمية.
لكن هل يمكن قياس الثقة التي يبنيها المدرس مع تلاميذه؟ وهل يمكن اختزال أثر المدرسة في مؤشر نجاح؟ وهل يمكن قياس قدرتها على حماية طفل هش من الانقطاع؟ وهل يمكن اختزال معنى التربية في ترتيب أو نسبة؟
هنا يصبح الرقم جزءًا من علاقة السلطة.
فهو لا يصف الواقع فقط، بل قد يبدأ في توجيه السلوك. والمؤسسة التي تعرف أنها ستُقاس وفق مؤشر معين ستعيد تنظيم أولوياتها بما يجعلها قادرة على تحسين المؤشر.
وقد يؤدي ذلك إلى ما يمكن تسميته «التدريس من أجل المؤشر»: التركيز على ما يُحتسب، وتهميش ما لا يظهر في جدول القياس.
وهكذا تنتقل المؤسسة من سؤال:
ماذا يحتاج الطفل؟
إلى سؤال آخر أكثر تقنية:
كيف نرفع المؤشر؟
وهذه ليست مسألة تقنية بريئة؛ إنها مسألة تتعلق بالسلطة.
ب. المعيار التقني كأداة هيمنة ناعمة:
حين يصبح المعيار الرقمي هو المرجع الأعلى، يمكن أن يتحول المعيار التقني إلى أداة هيمنة ناعمة: لا يحتاج إلى فرض نفسه بالقوة، لأن المؤسسة تبدأ في مراقبة نفسها بنفسها وفق ما يُطلب منها قياسه وتحقيقه.
وهنا تلتقي البيداغوجيا البنكية مع حوكمة الأرقام في نقطة عميقة: في الأولى يُطلب من المتعلم إنتاج الإجابة الصحيحة، وفي الثانية يُطلب من المؤسسة إنتاج المؤشر الصحيح.
في الحالتين، يوجد معيار جاهز ينبغي الاقتراب منه.
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام مدرسة تقيس الواقع، أم أمام واقع مدرسي يعاد تشكيله حتى يصبح قابلًا للقياس؟
ج. مدرسة السوق: حين يصبح التعليم استثمارًا
ضمن هذا السياق، تواجه المدرسة تحولًا أوسع يتمثل في صعود منطق السوق داخل المجال التربوي.
هنا يصبح التلميذ مستثمرًا في مستقبله، والمدرس مزودًا للخدمة، والمؤسسة منتجة للأداء، والتعليم رأس مال بشري، والنجاح قابلًا للقياس بالأرقام والمؤشرات والترتيبات.
وقد حلل كريستيان لافال هذا التحول في نقده لما يسميه «المدرسة الليبرالية الجديدة»، حيث تتعرض المدرسة لضغوط تجعلها أكثر ارتباطًا بمنطق المنافسة والإدارة والنتائج، وبفكرة تحويل التعليم إلى استثمار في «رأس المال البشري» (Christian Laval, 2003).
ولا يعني ذلك أن المدرسة يجب أن تنفصل عن الاقتصاد والمجتمع، فهذا مستحيل.
لكن السؤال هو:
هل يصبح الاقتصاد هو المعيار الأعلى الذي تقاس به قيمة التعليم؟
إذا حدث ذلك، فإن المدرسة تفقد شيئًا من معناها العمومي، وتتحول من مؤسسة للاندماج الاجتماعي إلى مؤسسة للفرز.
وهنا يصبح نقد مدرسة السوق امتدادًا طبيعيًا لنقد البيداغوجيا البنكية: ففي الحالتين، ثمة خطر اختزال الإنسان في وظيفة محددة؛ مرة باعتباره وعاءً ينبغي ملؤه بالمعرفة، ومرة باعتباره رأس مال بشري ينبغي تحسين مردوديته.
4. الخوصصة الناعمة وتراجع الوظيفة الاجتماعية للمدرسة:
أ. حين لا تُباع المدرسة ولكن تتغير وظيفتها:
الخوصصة لا تبدأ بالضرورة ببيع المدرسة أو تحويلها قانونيًا إلى مؤسسة خاصة.
يمكن أن تبدأ بطريقة أكثر هدوءًا: بتقليص الخدمات العمومية، وتوسيع الفوارق بين المدارس، وانتشار الدروس الخصوصية، وتحويل بعض فرص النجاح إلى خدمات يمكن شراؤها، وتراجع قدرة المدرسة العمومية على القيام بوظيفتها التعويضية.
وهكذا يصبح اللجوء إلى السوق حلًا فرديًا لمشكلة اجتماعية.
وقد بيّن صامويل بولز وهربرت جينتيس، في تحليلهما للعلاقة بين المدرسة والبنية الاقتصادية، أن المؤسسة التعليمية يمكن أن تساهم في إعادة إنتاج علاقات اجتماعية واقتصادية قائمة، خصوصًا عندما تتطابق بنية المدرسة مع متطلبات النظام الاقتصادي (Samuel Bowles et Herbert Gintis, 1976).
ومن هنا يطرح السؤال نفسه:
هل ما تزال المدرسة العمومية قادرة على تعويض الفوارق الاجتماعية، أم أصبحت تعكسها وتعيد إنتاجها؟
عندما تفقد المدرسة قدرتها على أداء وظيفتها الاجتماعية، يتوسع المجال أمام السوق.
وحين يصبح نجاح الطفل أكثر ارتباطًا بقدرة أسرته على شراء موارد تعليمية إضافية، فإن الخوصصة لا تحتاج إلى قرار إداري صريح؛ يكفي أن تتراجع قدرة المؤسسة العمومية على تحقيق المساواة.
وهنا بالضبط يمكن الحديث عن الخوصصة الناعمة: ليست خصخصة الملكية، بل خوصصة الفرص.
ب. الهامش الاجتماعي: حين يصبح الفقر قدرًا تعليميًا
لطالما أكدت السوسيولوجيا التربوية أن المدرسة لا تعمل في فراغ اجتماعي.
فبورديو وباسرون بيّنا أن المدرسة قد تساهم، رغم خطاب الاستحقاق والمساواة، في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية عندما تتعامل مع اختلاف الرأسمال الثقافي كما لو أنه اختلاف فردي في الاستعداد أو الجدارة (Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron, 1970).
فالطفل الذي يأتي من بيئة غنية ثقافيًا لا يدخل المدرسة بالرصيد نفسه الذي يحمله طفل يعيش في الهامش.
وإذا تجاهلت المدرسة هذا الاختلاف، فإنها قد تجعل اللامساواة الاجتماعية تبدو وكأنها لامساواة في الذكاء أو الجهد أو الاستحقاق.
وهنا تصبح المدرسة، بدل أن تعالج أثر الهامش، جزءًا من آليات إعادة إنتاجه.
وهذا هو المعنى العميق للدفاع عن المدرسة العمومية: ليس فقط الدفاع عن مجانية التعليم، وإنما الدفاع عن وظيفتها التعويضية والاندماجية والتحررية.
فالمدرسة العمومية، في معناها الاجتماعي، لا ينبغي أن تكون مجرد مؤسسة تقدم المنهج نفسه للجميع، وإنما مؤسسة تدرك أن الجميع لا ينطلقون من الموقع الاجتماعي نفسه.
ج. تراجع الدور الاجتماعي للدولة وفتح المجال للسوق:
المدرسة العمومية ليست مجرد بناية، ولا مجرد برنامج رسمي، ولا مجرد جهاز إداري.
إنها جزء من العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمجتمع.
وحين يتراجع الدور الاجتماعي للدولة، لا تبقى المدرسة خارج هذا التحول.
تظهر آثار ذلك في اتساع الفوارق، وتراجع قدرة المؤسسة العمومية على الاستجابة للحاجات المتزايدة، وتزايد اعتماد الأسر على إمكاناتها الخاصة، وظهور سوق موازية للدعم والتكوين والخدمات التعليمية.
هنا تبدأ الخوصصة الناعمة.
لا أحد يقول بالضرورة: سنخصخص المدرسة.
بل يحدث شيء أكثر هدوءًا: تُترك المدرسة تفقد تدريجيًا قدرتها على أداء وظيفتها الاجتماعية، ثم يصبح اللجوء إلى السوق حلًا يبدو طبيعيًا.
وهذه إحدى النقاط المركزية في تحليل كريستيان لافال لتحول المدرسة تحت ضغط النيوليبرالية؛ إذ يربط بين إعادة تنظيم المؤسسة التعليمية، والمنافسة، وتسليع المعرفة، وتزايد اللامساواة (Christian Laval, 2003).
ومن هنا يمكن صياغة الفكرة على نحو أكثر وضوحًا:
حين ينتهي الدور الاجتماعي للدولة، لا تختفي الحاجة الاجتماعية؛ وإنما تنتقل كلفتها تدريجيًا من الدولة إلى الأسرة، ومن الحق إلى القدرة على الدفع.
وهنا تتحول المدرسة من حق اجتماعي إلى مجال تتفاوت فيه قدرة الأسر على الاستثمار.
5. من لاهوت المسلّمات إلى فلسفة المعنى: استعادة الوظيفة التحررية للتربية
أ. «من أجل عيون الطفولة»: ماذا بقي من الشعار؟
لطالما ارتبط الخطاب التربوي بفكرة جميلة:
من أجل عيون الطفولة.
وهي عبارة يصعب الاختلاف معها أخلاقيًا.
لكن السوسيولوجيا لا تكتفي بجمال الشعار، وإنما تسأل عما يحدث فعليًا باسمه.
إذا كانت الطفولة هي الهدف، فلماذا تتسع الفوارق التعليمية؟
إذا كان الطفل في مركز العملية، فلماذا يُهمش الفاعل الذي يعمل معه يوميًا؟
إذا كان التعليم فعلًا للتحرر، فلماذا تقدم بعض المسلمات وكأنها حقائق نهائية؟
وإذا كانت المدرسة العمومية شأنًا عامًا، فلماذا تترك تدريجيًا لمواجهة السوق بموارد غير متكافئة؟
هنا لا يعود السؤال عن النوايا، وإنما عن النتائج الاجتماعية للممارسات والسياسات.
وقد يكون أخطر ما في بعض الخطابات التربوية أنها تستعمل الطفل باعتباره قيمة أخلاقية مطلقة، ثم تمرر باسمه خيارات قد تزيد في النهاية من هشاشة المدرسة العمومية.
لذلك لا يكفي أن نقول:
«من أجل عيون الطفولة».
السؤال السوسيولوجي هو:
أي طفولة؟ وفي أي مدرسة؟ وبأي موارد؟ ولأي مستقبل؟ ومن يدفع كلفة هذا المستقبل؟
ب. باولو فريري سبق زماننا بعقود:
ربما تكمن قوة فريري في أنه لم يتعامل مع التعليم باعتباره تقنية محايدة.
لقد رأى أن كل ممارسة تربوية تحمل تصورًا عن الإنسان والمجتمع والسلطة والمعرفة.
ومن هذه الزاوية، فإن البيداغوجيا البنكية التي عشتها شخصيًا منذ دخولي مهنة التعليم ليست مجرد تجربة فردية معزولة.
إنها تسمح بطرح سؤال أوسع حول علاقة المدرسة بالمعرفة:
هل نتعلم لكي نفهم، أم لكي نسترجع؟
هل ندرس لكي نطرح الأسئلة، أم لكي نحفظ الإجابات؟
وهل يُسمح للفاعل التربوي نفسه بأن يشك في المسلمات التي تحكم مهنته؟
إن فريري لم يقل إن المعرفة غير مهمة، ولم يدعُ إلى إلغاء دور المدرس، بل دعا إلى تجاوز العلاقة العمودية المغلقة بالمعرفة، وإلى بناء علاقة حوارية تجعل المتعلم شريكًا في إنتاج المعنى (Paulo Freire, 1970).
ولهذا يبدو اليوم كأنه سبق زماننا بعقود: لأن السؤال الذي طرحه حول حق الإنسان في الكلام، وفي السؤال، وفي إنتاج المعرفة ما زال سؤالًا راهنًا داخل مؤسساتنا التربوية.
والمفارقة أن فريري لم يعد اليوم مجرد صاحب نظرية في التربية النقدية؛ بل يمكن أن يصبح أداة لقراءة المؤسسة نفسها: القسم، والتكوين، والتفقد، والمناهج، والتقويم، والسياسات التعليمية.
ج. المدرسة التي لا تسمح بالسؤال لا تستطيع تعليم التفكير:
ربما يكون هذا هو جوهر القضية كلها.
لا يمكن أن نعلّم الطفل التفكير النقدي داخل مؤسسة لا تمارس التفكير النقدي على نفسها.
ولا يمكن أن نطلب من التلميذ مساءلة المعرفة إذا كان المدرس نفسه مطالبًا فقط بتنفيذ معرفة أنتجها آخرون.
ولا يمكن أن نتحدث عن مدرسة ديمقراطية إذا كانت آليات إنتاج القرار والمعرفة داخلها مغلقة أمام الفاعلين الذين يعيشون واقعها يوميًا.
وقد ذهب إيفان إيليتش إلى مساءلة المؤسسة المدرسية ذاتها حين تتحول من وسيلة للتعلم إلى مؤسسة تفرض احتكارًا اجتماعيًا للتعلم والمعرفة (Ivan Illich, 1971).
ومع اختلاف السياقات والمواقف بين إيليتش وفريري، فإنهما يلتقيان في نقطة أساسية: ضرورة ألا تتحول المؤسسة التعليمية إلى فضاء مغلق يحدد مسبقًا من يحق له أن يتعلم، وكيف يتعلم، ومن يملك المعرفة.
التربية تبدأ حين يصبح السؤال مشروعًا.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب المدرسة ليس الخطأ؛ فالخطأ يمكن تصحيحه.
الأخطر هو أن نفقد القدرة على الاعتراف بأننا قد نكون مخطئين.
خاتمة: استعادة حق المدرسة في السؤال
لقد سبق باولو فريري زمانه بعقود لأنه لم يسأل فقط: كيف نعلّم؟
بل سأل قبل ذلك:
لمن نعلّم؟ ولماذا؟ وبأي علاقة بالمعرفة؟ ولأي مجتمع؟
وهذه الأسئلة لا تزال مفتوحة.
فالبيداغوجيا البنكية لا تعيش فقط في القسم.
قد تعيش في الكتاب، وفي التكوين، وفي التفقد، وفي الخطاب الرسمي، وفي المعايير، وفي طرق التقويم، وفي علاقتنا بالمدرس، وفي علاقتنا بالمعرفة نفسها.
وقد تتعايش مع مدرسة تتحدث كثيرًا عن المتعلم الفاعل، بينما تظل البنية العميقة للمؤسسة قائمة على التلقي والمطابقة وإعادة الإنتاج.
أما مدرسة السوق، فهي لا تحتاج إلى إلغاء المدرسة العمومية كي تنتصر.
يكفي أن تفقد المدرسة تدريجيًا قدرتها على أداء وظيفتها الاجتماعية، حتى يصبح السوق هو الحل الطبيعي للفوارق التي لم تعد المؤسسة قادرة على معالجتها.
وهنا تتضح العلاقة بين المسارين:
حين تُفرَّغ المدرسة من وظيفتها الاجتماعية، يُفتح المجال للسوق. وحين تُفرَّغ التربية من قدرتها النقدية، يصبح من السهل تمرير هذا التحول باعتباره أمرًا طبيعيًا.
لذلك فإن المعركة ليست بين بيداغوجيا قديمة وبيداغوجيا جديدة فقط، وإنما بين تصورين للمدرسة وللإنسان وللمعرفة:
بين تربية تعتبر الإنسان غاية، وتربية تحوله إلى مورد؛
بين مدرسة ترى في المعرفة أداة للتحرر، ومدرسة تجعلها أداة للفرز؛
بين مؤسسة تقبل أن تُسائل نفسها، ومؤسسة تحول مسلماتها إلى لاهوت مقدس؛
بين مدرسة عمومية ترى في التعليم حقًا اجتماعيًا، ومدرسة تتسلل إليها تدريجيًا لغة السوق والمنافسة والاستثمار.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل ما زلنا نمارس البيداغوجيا البنكية؟
بل:
أين أصبحت البيداغوجيا البنكية تمارس نفسها اليوم، بعد أن غادرت القسم؟
وربما يكون السؤال الأشد إلحاحًا:
هل نريد مدرسة تُعلّم أبناءنا كيف يجيبون عن الأسئلة التي وضعها الآخرون، أم مدرسة تمنحهم الجرأة على اكتشاف الأسئلة التي لم نفكر نحن في طرحها بعد؟
فالمدرسة لا تكون تحررية حين تغيّر طرائق التدريس فقط، وإنما حين تستعيد حقها في مساءلة المعرفة والسلطة والسوق؛ إذ لا يمكن لتربية أن تحرّر الإنسان وهي تعلّمه أولًا كيف يطيع المعيار.
© 2026 سمير سعدولي. جميع الحقوق محفوظة.
**تنبيه بشأن الملكية الفكرية:**
هذا المقال عمل فكري أصيل لصاحبه، ومنشور باسمه وتحت مسؤوليته العلمية والفكرية. وقد أُودع كذلك على منصة **Zenodo** وحصل على معرّف رقمي دائم (DOI) يثبت تاريخ إيداعه ونسبته إلى صاحبه. وتظل حقوق التأليف والملكية الفكرية محفوظة لصاحب العمل، ولا يجوز إعادة نشره أو اقتباسه بصورة جوهرية أو توظيفه في عمل آخر دون الإحالة الصريحة إلى مصدره ومؤلفه.
DOI: https://doi.org/10.5281/zenodo.22112404
المراجع:
1. Bernstein, Basil (1975). Class, Codes and Control. Vol. 3: Towards a Theory of Educational Transmissions. London: Routledge & Kegan Paul.
2. Bourdieu, Pierre et Passeron, Jean-Claude (1970). La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les ditions de Minuit.
3. Bowles, Samuel et Gintis, Herbert (1976). Schooling in Capitalist America: Educational Reform and the Contradictions of Economic Life. New York: Basic Books.
4. Freire, Paulo (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Herder and Herder.
5. Giroux, Henry A. (1988). Teachers as Intellectuals: Toward a Critical Pedagogy of Learning. South Hadley: Bergin & Garvey.
6. Illich, Ivan (1971). Deschooling Society. New York: Harper & Row.
7. Laval, Christian (2003). L’cole n’est pas une entreprise. Le néo-libéralisme à l’assaut de l’enseignement public. Paris: La Découverte.
البيداغوجيا البنكية في ضوء باولو فريري: من القسم إلى مدرسة السوق -قراءة سوسيولوجية في سلطة المعرفة، ولاهوت المسلّمات، وتراجع الوظيفة الاجتماعية للمدرسة العمومية
2026-08-27
84 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال