بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المعتزلة حركة يسار ديمقراطي في فجر الإسلام

2026-08-27 8 قراءة مقالات بحوث د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
فهرس البحث

مدخل : ..........................................................................
1. لمحة عن الأوضاع السياسية والاجتماعية : ...............
2. الأصول الفكرية والعقائدية: .....................................
3. المعتزلة: مواقف سياسية: ......................................
4. تأثر المعتزلة بالتيارات السياسية: ............................
5. آراء المستشرقين : .. .................................................
6. المسار التاريخي للحركة : .........................................
7. مرحلة الضعف والتلاشي : .......................................
8. هوامش البحث : .......................................................
9. مصادر البحث : ........................................................

مدخـل

تكتسب الدراسات المعاصرة عن الحركات التيارات الفكرية التي انبثقت في العهود الإسلامية المبكرة أهمية متزايدة في أطار الدراسات عن جذور الفكر السياسي العربي، أو تلك الدراسات التي تعني بتطور النظم السياسية العربية، كما أن أي محاولة جادة لفهم أوضاع مجتمعاتنا المعاصرة ستقودنا بالضرورة إلى دراسة الخلفيات التاريخية لهذه الظاهرة أو تلك. ومن البديهي أننا لا نستطيع أن نتعامل مع حشد هائل من الحقائق دون ربط أجمالي وفهم شامل ومتكامل لها، فأوضاعنا الراهنة ما هي سوى تراكم وتفاعل لهذه العناصر، وهي التي أدت بنفس الوقت إلى خلق صفات وملامح وشخصية التطور اللاحق وفرضت نفسها سواء كان ذلك بصورة ظاهرة ملحوظة، أو كامنة مستترة خلف أطر ورموز، تطرح نفسها في التعامل المادي الموضوعي أو الأخلاقي المعنوي على حد السواء.

وبصفة خاصة نلاحظ أهمية دراسة هذه الحركات والعناصر في أطار محاولة فهم معاصرة لها، متحررين قدر الإمكان من الضغوط، لشعورنا أن كشف الحقائق والإصغاء مخلصين لقواعد الفهم العلمي سوف تقودنا، أي تقود حركة البحث العلمي بصفة عامة إلى موقف ومعطيات وفهم أعمق لتفاصيل كثيرة مهمة وضرورية لعملية تطوير الرؤية وذلك سيقوده بدوره إلى منح الثقافة العربية فرص أفضل لتطورها، وتطور العلوم السياسية العربية، لذلك، فإن أي أسهام في هذا المجال سيكون مفيداً للقراء، أو بالأحرى للباحثين والدارسين من الجيل الحالي والأجيال القادمة.

والمعتزلة كتيار فكري أو سياسي فكلا الجانبان يستحقان اهتماما من الدرسين، حركة انبثقت في مرحلة بالغة الأهمية، ومنذ انبثاقها وحتى اضمحلالها على مدى أربعة قرون تقريباً، أي من أواسط العهد الأموي إلى أواسط العهد العباسي، كانت فيها حركة المعتزلة حاضرة في وعي وثقافة المجتمع العربي الإسلامي، فاعلين ومتفاعلين، نشطاء في ميدان الفكر والفقه، والسياسة والحكم أيضاً. وبصرف النظر عن حكم أي مؤرخ على المعتزلة، إلا أنه لا يمكننا سوى الإقرار بفاعلية دورهم وعلو كعبهم في المجالات والميادين التي خاضوا غمارها، سواء خرجوا منها منتصرين أو مندحرين مهزومين.

وقد عبرت حركة المعتزلة (وتلك ملاحظة تستحق التمعن) عن وعي مبكر. فعلماء ومفكري المعتزلة كانوا قد ولدوا قبل أئمة الفقه والمذاهب، مثلوا قياساً إلى الحركات السياسية والفكرية المتواجدة آنذاك على مسرح الحياة السياسية والثقافية نموذجاً متطوراً.

ولا يمكننا فهم نشوء حركة المعتزلة بدقة، ما لم نقدم المعطيات الدقيقة عن أبرز ثلاثة شخصيات في تاريخ هذه الحركة ونشوئها : ـ

*الحسن البصري(أبو سعيد) : ولد في المدينة عام 21 هج / 642 م
توفي في البصرة عام 110 هج/728 م
*واصل بن عطاء(أبو غزال) : ولد في المدينة عام 80هج /699 م
توفي في البصرة عام 131هج/ 748م
*عمرو بن عبيد(أبو عثمان) : ولد في بلخ(أفغانستان) عام80هج/699 م
تـوفي في البصـرة عام144هج/ 761م

ولدت هذه الشخصيات الثلاثة التي ستلعب دوراً مهماً في تاريخ الحركة الفكرية والسياسية العربية والإسلامية، ولدت قبل ولادة أئمة المذاهب الأربعة، والإمام جعفر الصادق، مما يحملنا على التوصل إلى نتيجة أولية والإقرار بأن هذه الحركة لم تكن متأثرة بهذه التيارات الرئيسية الخمسة، لاسيما المفكر الكبير الحسن البصري، الذي ولد في عصر الرسول(ص) وقد أرضعته أم سلمه زوج الرسول، ونشأ البصري في المدينة وعاصر الخلافة الراشدية، وعاش أحداث الفتنة وشهد اغتيال الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، وهو صبي أبن 14 سنة.

وحملت هذه السيرة الحسن البصري(الذي أنتقل إلى مدينة البصرة)، على العيش على نمط حياة الزهاد والتأمل والعبادة(ويصنف من التابعين)، في محيط مدينة البصرة الذي أطلق الكثير من المفكرين والعلماء وقادة لحركات سياسية ودينية، بسبب كونها نقطة التقاء العراق بشبه الجزيرة العربية وقربها إلى بلاد فارس وأواسط آسيا، ولعل أشهر هؤلاء: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، موضع بحث دراستنا هذه.

وكان الحسن البصري يتزعم حلقة تتخذ من أحدى المساجد الرئيسية في البصرة مقراً لها، يجتمع فيها إلى طلابه ومريديه، يعلم فيها أصول الدين والفقه، وكان على إطلاع تام بالأحكام الشرعية وتدريس الحديث والوعظ، وذو شخصية مهيبة أثرت على الكثيرين من شخصيات عصره، فكان من بين تلاميذه من تزعم اتجاهات فكرية أو حركات سياسية. وكانت نقاشات مهمة تدور في هذه الحلقة، لا شك أن معظمها، بل أشدها حرارة تلك التي كانت تبحث في مواقف ومشكلات ذلك العصر(ما بعد 100 هجرية) وهو أواسط عصر الخلافة الأموية، وأبرزها قضية الخلافة والإمامة التي ما برحت، الشأن الأكثر أهمية والذي شغل المجتمع الإسلامي. وفي هذا المناخ، أختلف واصل بن عطاء، الذي كان أحد مريدي الحسن البصري، أختلف مع معلمه البصري في واحدة من أهم الموضوعات التي أثيرت في تلك المرحلة المهمة وهي : الحكم في مرتكب الكبيرة. وكان حكم الحسن البصري على مرتكب الكبيرة، بأنه منافق، في حين رأى واصل بن عطاء بأنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو بالمؤمن ولا هو بالكافر وكان هذا الخلاف سبباً في أن ينسحب واصل بن عطاء من حلقة البصري ليؤسس بنفسه حلقة خاصة به، وليسحب معه رفيقه عمرو بن عبيد، فشاع عنهم أسم المعتزلة، لأنهم اعتزلوا(انشقوا) عن حلقة البصري، وإن كانوا يفضلون أن يطلق عليهم أسم حركتهم:"جماعة العدل والتوحيد ".(1)

وواصل بن عطاء الذي ولد في المدينة، أنتقل منها إلى مدينة البصرة، ثم ما لبث أن أنظم في مطلع شبابه إلى حلقة الحسن البصري وسرعان ما أصبح من أبرز عناصرها، ثم أنشق فيما بعد عن حلقة البصري ليؤسس حركة المعتزلة، ولقب بالغزال لتصدقه على فقيرات ورش الغزل، وله مؤلفات كثيرة أشهرها:" الخطب في التوحيد والعدل" وكذلك " السبيل إلى معرفة الحق " كان مصيرها الفقدان والضياع، وتمكن من تأسيس حركة العدل والتوحيد مع صديقه وشقيق زوجته عمرو بن عبيد، وتوفي عن عمر 51 سنة في البصرة.

ولم يكن دور عمرو بن عبيد أقل شأناً من دور رفيقه واصل، فقد تابع كفاحه من أجل نشر أفكاره، لمدة 13 سنة بعد وفاة رفيقه ومؤسس الحركة، وأصبح رأس المعتزلة في عصره، وأتبع سلوك الزهاد، وعاش في مدينة البصرة، رغم أن أبواب عاصمة الخلافة بغداد فتحت له في عهد المنصور، وله مؤلفين: "التفسير " وكذلك " الرد على القدرية ". توفي في البصرة.

والجدير بالذكر، أن حركة العدل والتوحيد، أو المعتزلة، كما ذاع شهرتها، لم تنته بوفاة هذين الرأسين والمفكرين للحركة، وذلك يدل دون ريب على حيوية أفكارهم وسعة انتشارها، ليس في محيطها الصغير (البصرة)، بل وفي بلوغها أمصار عربية والإسلامية بعيدة، وتعاملها مع قضايا ذات أهمية في المجال النظري والسياسي.

أولاً : لمحة عن الأوضاع السـياسية والاجتماعية

قبل الولوج في عالم المعتزلة الواسع، نرى من المناسب إجراء استعراض سريع لمفردات الموقف السياسي / الاجتماعي / الثقافي الذي ساد تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الخلافة بل من التاريخ العربي والإسلامي برمته.

كتب المفكر والمؤرخ الإسلامي الشهرستاني مقولته الشهيرة: " ما سل سيف في الإسلام على قاعدة ودين مثلما سل على الإمامة في كل زمان " ، وكانت مقولته ستكون أكثر دقة لو أنه أضاف إليها وما أثارته من صراعات فكرية وسياسية. والدخول إلى بحث هذا الموضوع الكبير يستدعي منا، وإن كنا سنفعل ذلك بصورة سريعة لبسط المقدمات السياسية والفكرية والاجتماعية لنشوء حركة المعتزلة. (2)

وفي الواقع، فأن تبلور الموقف الثقافي والفكري ما هو (عادة) إلا نتاج لتفاعل طويل الأمد بين عناصر كثيرة. فشبه الجزيرة العربية التي كانت تشهد تخلفاً على مختلف الأصعدة، حتى بالقياس إلى المجتمعات العربية الأخرى (العراق ـ بلاد الشام ـ مصر ـ اليمن ـ شمال أفريقيا) التي كانت متطورة قياساً إلى وسط شبه الجزيرة العربية، سواء بامتلاكها وسائل أنتاج أو مجتمعات أكثر تطوراً بصفة عامه. ولكن التناقضات تفجرت في أكثر الحلقات تخلفاً، فالدعوة والحركة الإسلامية كانت تنطوي على معالم ومؤشرات ثورة شاملة، وبالفعل، فقد تمكنت هذه الثورة رغم الصعوبات الموضوعية الكثيرة أن تحقق انتصارات باهرة سريعة، تمثلت أولاً بإقامة الدولة في المدينة، ثم انتصارها على خصومها المحليين من القيادات القبلية الوثنية والتحالفات الأرستقراطية، ثم رسوخها وثباتها بوجه قوى الثورة المضادة المتمثلة بحركة الارتداد، ثم بتحطيمها لأعتى إمبراطوريتين كانتا في موقف التناقض التام مع الدولة الإسلامية:

الأول / وهو ما تمثل بتناقض عقائدهم مع عقيدة الإسلام والتوحيد الإسلامية.
الثاني / وهو ما تمثل بواقع متناقض فرضه الاحتلال الأجنبي لتلك القوى(الفرس والروم) للأرض العربية وما يفرزه هذا التناقض من ظواهر وتحديات ونزاعات واصطدامات.

وقد نجم عن الانتصارات العسكرية / السياسية، تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف تمتد من أواسط آسيا حتى المحيط الأطلسي، وشهدت الأوضاع الاقتصادية قفزة كبرى إلى الأمام، وانصبت في عاصمة الدولة ثروات وخزائن إمبراطوريتين عظيمتين، وكانت هناك عوامل ثلاث لعبت دورها الحاسم في هذا المجال :ـ
الأول/ أن الدولة الحديثة ورثت عن كلا الإمبراطوريتين ثرواتها، بما في ذلك أدوات أنتاج(أراضِ وغيرها) كما غادر الأجانب من ملاكي الأرض البلاد إلى أوطانهم مع جيوش الاحتلال.
الثاني / أتاحت وحدة الأرض والسلطة والسكان، فرص ازدهار اقتصادي وحرية انتقال للتجارة ولسائر الأنشطة الاقتصادية بين الأمصار العربية الإسلامية.
الثالث / تعدد الخبرات والتجارب في حقول الاقتصاد والزراعة والورش اليدوية وانتقالها السريع بين الأقطار.

تفسر هذه المؤشرات التطور الواسع والسريع في حياة السكان، وبالتحديد في شبه الجزيرة العربية، وفي عاصمة الخلافة، حيث أزداد ثراء الناس لاسيما المقاتلين وقادة الفتح من أموال الغنائم والفيء، ودارت عجلة الاقتصاد والمال بين أيدي الناس من جهة، ومن جهة أخرى فان أتساع الدولة وتشكيل الحكومة المركزية في المدينة والإدارات في الأمصار، وقيادات الجيوش وسائر المناصب القيادية الرفيعة، وأصبحت موضع تنافس بين الشخصيات النافذة وطلاب الجاه والمقام والمكاسب المالية، ولا بد لهذين العاملين، المال والوجاهة والنفوذ القيادي والحكم أن يكون عاملاً مضافاً إلى المنازعات والعنصر الكامن فيها.

ومن جهة أخرى كان لخلو الشريعة(ولا نعد ذلك نقصاً معيباً) لنصوص واضحة ومحددة للكثير مما احتاجه المجتمع السياسي العربي الإسلامي، بل أن الشريعة تركت هذا الأمر ليختاره المسلمون بأنفسهم، فليس من المعقول أن تختار الشريعة أسلوب وعمل نظام تحدده بحذافيره وتطبقه كافة المجتمعات الإسلامية على تباين درجات وعيهم وتطورهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وقد مارس المسلمون الاجتهاد حتى في عهد الرسول وذلك عندما أوفد النبي(ص) معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن يحكم بالنص عند وجوده، وبالاجتهاد عند عدمه. (3)

ولكن تأويل وتفسير النصوص في الشريعة وسبل الاجتهاد ظلت على الدوام واحدة من ابرز الموضوعات التي اختلف فيها المفكرون الإسلاميون، وفي مقدمة تلك الموضوعات، الخلافة أو الإمامة وسبل انتقال السلطة وشكلها في الدولة العربية الإسلامية.

وفي خضم هذه المناخات، كانت تتبلور مواقف وبدائل تطرح، تتطور واحدة وتتراجع أخرى، وتجنح ثالثة إلى التطرف، فيما كانت المعطيات تمور في رحم الحياة العربية وتتراكم في عملية تواصل، وهي تفرز في تقدمها أدوات وظواهر بارزة وكامنة. وقد نشأت الحركات السياسية والمعتزلة منها بصفة خاصة، وسط ظروف سياسية واجتماعية تميزت بالثورات والانتفاضات والإضطرابات التي شهدها المجتمع الإسلامي، منذ اغتيال الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، وما تلا ذلك بعده بقرون. فمنذ 37 H / 658 M وحتى 117 H / 748 M كانت هناك 35ثورة للخوارج فقط، إضافة إلى ثورات غيلان والجهني، ضد الأمويون خاصة، وخلال هذه الفترة المليئة بالصراعات المسلحة والنزاعات السياسية والفتن والدسائس وكثرة المشاحنات والمجادلات ذات الطابع العقائدي، ظهرت مدرسة المعتزلة بقيادة واصل بن عطاء حوالي 110 ـ100 / H . (4)

فحركة الاعتزال إذن، هي حركة سياسية أكثر مما هي فرقة دينية، تعاملت مع العناوين السياسية في الشريعة، ولكنها لم تلج فصل العبادات وإقامة الفرائض والسنن فيها، وهي حركة انبثقت من قلب الصراعات الفكرية والسياسية، شأنها شأن فرق مهمة أخرى في الإسلام كانت بدايتها مطلبية سياسية مثلت الإمامة والخلافة محورها الأساسي، والخلافة والإمامة ومثلها الرئاسة والزعامة مهما اشتطت في تأويلها، فهي قضية كانت، كما هي اليوم، قضية سياسية/دستورية صرفة، سواء في مجتمعاتنا العربي الإسلامية، أو في المجتمعات الأجنبية الأخرى، وكان إحراز المكاسب المالية والاقتصادية من عناصرها المحركة الرئيسية، لذلك فقد اكتسبت تلك الصراعات وبالتالي ما أفرزته من حركات صفة اجتماعية، ومنها حركة المعتزلة التي نضعها في مرتبة الحركات التاريخية المهمة، تأثرت بتلك الأجواء، كما أثرت بدورها على التطور السياسي والفكري تأثيراً بالغاً مما يحمل المؤرخين على التعامل معها بوصفها حركة تاريخية واسعة الإشعاع، وليست حركة عابرة، وفي تلك المرحلة المهمة طور المعتزلة أفكارهم، وكانوا يتمتعون في تلك المرحلة بالجرأة الفكرية والشجاعة المبدأية العالية.

وفي عودة إلى جذور ونشأة حركة الاعتزال، لابد من الإشارة دوماً إلى الحسن البصري ودوره الريادي بمدينة البصرة في مجال الفقه والتفسير والعلوم الدينية. ففي أطار المناقشات الفكرية ذات الطابع السياسي التي كانت تدور في أحدى مساجد البصرة حيث كان الحسن البصري يتخذ منها مقراً للقاء تلاميذه، تدور مناقشات مهمة، وتحتدم حول واحدة من أشد المسائل أهمية في تلك المرحلة حيث أنقسم العلماء المسلمين حول تفسير وتأويل الكثير من القضايا السياسية ومنها الحكم على مرتكبي الكبائر، وحيث كان تفاوتاً غير بسيط في الحكم بحق الذين خرجوا على الخلافة لاسيما على الخليفة الثالث عثمان بن عفان واغتياله، ثم الخروج على الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ومقاتلته واغتياله فيما بعد، ثم اختلفوا في مرتكب الكبيرة، ولكنهم اتفقوا أن هناك فرعين من الكبائر : ـ

الأولى: وهي الكبيرة المطلقة (الشرك) وصاحبها إذا مات عليها مخلد في النار.
الثانية: وهي ما دون الشرك ويعاقب المسلم عليها.

وقد وقفت الفصائل السياسية والفرق الدينية من هذه القضية مواقف متباينة. وفي استعراض سريع لهذه المواقف قادت إلى مواقف سياسية وفكرية لاحقه : ـ
*الخوارج: أن مرتكب الكبيرة والصغيرة في النار، معبرين عن موقف متشدد ملتزم بالكتاب والسنة.
*المرجئة: وهم بالأساس فرقة رفضت الحكم المتطرف وقالوا (لا يضر مع الأيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة) وأرجئوا أمر مرتكب الكبيرة إلى يوم القيامة ليحكم الله بما يشاء وهو موقف سياسي مرن.
*الأزارقة : وهم فرقة من الخوارج، قالوا أن مرتكب الذنوب كبيرها وصغيرها في النار وأطفال المشركين مشركين، واستحلوا دمائهم.
*النجدات: قالوا إذا أجمع المسلمون على تحريمه فمرتكبه كافر مشرك، وإذا أختلف في كبيرته فيترك لأهل الفقه. وعذروا من أرتكب ذنباً وهو يجهل تحريمه، وهم من فرق الخوارج.
*الصفرية: قالوا بقول الازارقة ولكنهم لم يقبلوا بقتل الأطفال، وهم من الخوارج.
*الأباضية: قالوا أن مرتكب الكبيرة كافر نعمة وليس كافر مشرك، وهم من الخوارج.

وقد فصلت الفرق والتيارات هذه المواقف النظرية على الممارسة السياسية العملية، لاسيما بصلة أهم قضية في تلك المرحلة، وهي قضية الصراع على الخلافة وكما يلي : ـ

*الشيعة: كفروا الذين خرجوا على علي أبن أبي طالب وحاربوه.
*الخوارج: أيدوا علي أبن أبي طالب في كل شيء إلا في التحكيم فقد كفرّ.
*المرجئة: يؤمنون بحسن إسلام الفريقين، ويرجئون الحكم عليها إلى يوم القيامة.(5)
المعتزلة: إزاء هذه الأحكام المتباينة، قال الحسن البصري أن مرتكب الكبيرة هو منافق. وكان واصل بن عطاء وهو من أبرز تلاميذ لبصري قد تقدم بما يتيح له أن يطور لنفسه أراء خاصة به مستقلاً عن حلقة البصري، فقد نجح بإقناع عدد من تلاميذ البصري بموقفه ومنهم صديقه ورفيقه عمرو بن عبيد، إذ طرح موقفه الأولى قائلاً: أن مرتكب الكبيرة لا هو بالكافر ولا هو بالمؤمن، وإنما هو منزلة بين المنزلتين.

أما فقهاء السنة: فقد صرحوا بأن الذين قاتلوا علياً قد أخطأؤا، ولكن خطأهم لا يرتقي إلى مرتبة الكفر ولا الفسق.

بيد أن هذه العناوين التي تبدو أنها لا تستحق أن تثير صراعات ولا حتى خلافات كبيرة، كانت الشرارة التي أشعلت أوار قضايا سياسية عديدة وليس نادراً ما قادت إلى حروب ومعارك دموية، فالمعتزلة اعتبروا أنفسهم فصيلاً من فصائل أهل العدل والتوحيد(السنة)، بيد أنهم وبمرور الوقت كانت مدرستهم تكتسب خصائص جديدة ويضيف إليها علماءها الجديد، وبذلك أضيف إلى فكر المعتزلة الكثير بمرور الوقت وتفرعت عنه اتجاهات، حتى أنهم أثاروا على أنفسهم عداء التيارات المتشددة من فقهاء السنة عندما جادلوا في مسألة خلق القرآن وباستعانتهم بالفلسفة الإغريقية لرد خصومهم بوصفهم تياراً عقلانياً، وانغمسوا في الفلسفة على حساب المواقف السياسية فأتهمهم خصومهم بالدهرية (6) وهم الذين كانوا قد ناضلوا في البدء ضدها.

بدء العصر الذهبي للمعتزلة الذي تمثل بمكوث أحد زعمائهم(أبو داؤود) لمدة تتوف على 22 عاماً كرئيس للوزراء في عهد الخلفاء العباسيين السابع والثامن والتاسع، المأمون والمعتصم والواثق، كان فيها مذهب الاعتزال يمثل المذهب الرسمي للدولة، فتراجع مستوى أدائهم السياسي وتعددت أخطائهم وبالغوا في تصور ضعف خصومهم، وفتحوا جبهات عديدة ضدهم، كما أنهم لم يحسنوا فن المناورة في العمل السياسي مما أوقعهم في مآزق سياسية وفكرية، وأخيراً في لجوئهم إلى خصوم الأمس البويهيين ومارسوا موقفاً انتهازيا يتنافى مع طروحاتهم، وكان لتعدد الاتجاهات والانشقاقات، بالإضافة إلى ارتكاب أخطاء سياسية، وركوب موجة التطرف مثل لها بداية الانحدار وهكذا مضى هذه الحركة المهمة في التاريخ السياسي والفكري العربي الإسلامي إلى الضعف والتلاشي، هذا الفصيل المهم الذي أحدث حقاً ثورة في الفكر والعمل السياسي، في تلك العصور المبكرة من الحياة السياسية العربية الإسلامية، ويصفه العديد من المؤرخين والمستشرقين على أنه فصيل ديمقراطي يساري وتقدمي.

ثانياً : الأصول الـفكرية العقائدية

سنحاول هنا أن نسلط الأضواء على أبرز العناوين للشعارات السياسية والفكرية التي طرحها المعتزلة والتي اشتقت الأصول الفكرية الخمسة الرئيسية، وهي خمسة مرتكزات مثلت العماد النظري لحركة المعتزلة، حتى قيل لن يكون معتزلياً من لم يأخذ بالأصول الخمسة هذه. وبناء على ذلك، فأن كافة فرق المعتزلة يتفقون على الأصول الخمسة هذه، وكما أشتق منها مفكري المعتزلة أفكار ومذاهب عديدة سواء كانت فقهية دينية، أو سياسية أو فلسفية، والأصول الخمسة هي : ـ

أولاً: العدل: ـ
وهي تعني حرية الإنسان واختياره لأفعاله واختراعه لهذه الأفعال، ومنها أشتقوا :
آ/ القضاء والقدر .
ب/ الحرية الفردية.
ج/ تقدير العقل.
د/ الأصلح.

وقد أنطلق المعتزلة في هذا المبحث إلى تناول قضايا فقهية دينية وقضايا سياسية وفلسفية. وجذر هذا المبحث، هو أن الله سبحانه عادل ولا يحاسب مخلوقاً على ما لم يفعله، وهنا تطرقوا بالضرورة إلى أصل هذا الباب: " وهذا الأصل يعني أثبات القدرة والإرادة والمشيئة والاستطاعة للإنسان ونسبة أفعاله إليه على سبيل الحقيقة لا المجاز، على عكس الذين قالوا بالجبر ونفوا عن الإنسان الحرية والاختيار." (7)

وملخص رأي المعتزلة أن البشر المسئولون عن أفعالهم السيئ منها والحسن وهم خالقوها، ولكنهم أقروا من جهة أخرى أن الله وحده هو الذي يمنح القدرة للإنسان على القيام بهذه الأفعال، ولكنهم اختلفوا في: متى يمنح الله هذه القدرة ؟ (8)

ولكن المعتزلة لم يكونوا ليتركوا هذه المسألة من دون إيضاح كاف، وهم الذين تصدوا بجرأة مذهلة للكثير من الموضوعات الحساسة، وفي هذا المجال قالوا: إن الله قادر على فعل الخير والشر، ولكنه لا يفعل الشر ولا يريده لقبحه وغناه عنه (9) أن الله لا يظلم عباده ولا يزين لهم فعل الشر ليعاقبهم واستندوا إلى الآيات:" وما ربك بظّلام للعبيد " 46ـ فصلت) و: " وما الله يريد ظلماً للعباد " 33 ـ المؤمن)، و: " فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " 71 ـ التوبة) و: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد العسر " 181 ـ البقرة)، وفي ذلك فأن المعتزلة فسروا القرآن، وقالوا: نعم أن الله خالق لكل شيء، ولكنه يريد الخير ولا يريد الشر.

وواصلوا بحثهم لمثل هذه القضايا الحساسة، فخاضوا في أطار مباحث العدل واتجاهاته في موضوعة الجبرية، وطرقوا هذا الموضوع بجرأة، :" وإذ لم يهضم المعتزلة مسألة الجبر، فأثبتوا بأنهم يحترمون الإنسان وحريته الفردية ويقدرون المواهب العقلية للإنسان، وكانوا دعاة حرية، ونفوا الظلم عن الله ودافعوا عن العدل الإلهي " (10) ، ويستشهد المعتزلة بآيات كثيرة التي تنفي القدر وتؤيد الاختيار منها : " كل نفس بما كسبت رهينة " 41 ـ المدثر) و" من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها "46 ـ فصلت) و " قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها " 104 ـ الأنعام).

ولكن التيار المحافظ الذي أخذ يواجه المعتزلة بلا هوادة، وكان له بدوره حجة وأسانيده، ولا يتورعون عن التأويل لصالح فكرة الجبر من الآيات القرآنية ومنها: " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " 51 ـ التوبة) وكذلك: " يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء " 31 ـ المدثر) و: " قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرراً إلا ما شاء الله " 188 ـ الأعراف).

ولا شك أن المعتزلة خاضوا معارك مريرة مع دعاة التيارات الجبرية المتشددة، وهم وإن كانوا يدافعون عن الإنسان وحريته، كانوا يدافعون عن ألذات الإلهية، بأن الأفعال السيئة وأعمال تدل على عصيان البشر لإرادة الخالق وينزهونها عن أعمال الشر.

نعم كان المعتزلة ماهرين في علم الكلام، ولكن المجتمع العربي الإسلامي كان لما يزل بعد حديث العهد بمناقشات عميقة الغور كهذه وأفكار القدر والجبر مترسخة فيه حتى قبل ظهور الإسلام وميل الناس إلى تأويل الأمور إلى قوى جبارة ودفع مسؤوليتها عنهم بضرب من الاتكالية لها جذورها الراسخة في الشرق بأسره.

والمعتزلة أقروا أن الله خالق كل شيء، ولكنهم قالوا أن الله خلق البشر والعالم وخير الإنسان بين فعل الخير والشر، وقالوا: " إن الله أقدر عباده على العمل فوهبهم العقل الذي يميزون به بين الحسن والقبيح ويفرقون بين الصواب وبين الخطأ وأعطاهم القدرة التي يأتون بها أعمالهم وأرسل أليهم الرسل الذين أبانوا الحجة وأوضحوا السبل، وخلى بعد ذلك بينهم وبين أعمالهم، فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها " (11).

ثانياً/ التوحيد :ـ
ومنها اشتقوا:
أ/ الصفات الأزلية.
ب/ خلق القـرآن.
ج/ الرؤية السعيدة.
د/ التشبيه والتجسيم.

ويعني هذا المبحث بصفة عامة، تنزيه ألذات الإلهية من المشابهة والمماثلة مع المخلوقات والمحدثات ونفي الصفات الزائدة عن ذات الله، أو تصوير ألذات الإلهية كفكرة مجردة وكذلك القول بخلق القرآن حتى لا يكون قديم سوى الله خالق الأرض والسماوات وكل شيء.(12)
والمعتزلة بهذا الطرح، إنما يؤكدون على وحدانية الله ويرون في خلاف ذلك بدع وضلالات، بيد أن ذلك لم ينجيهم من الاتهام بالتأثر بالفلسفة اليونانية والثقافة المسيحية، حيث كان الفلاسفة اليونانيون يرون: أن الله واجب الوجود بذاته والمعتزلة بعد واصل بن عطاء درسوا الفلسفة اليونانية وأخذوا يفسرون قوله تعالى بالبراهين العقلية، فقالوا: أن الله عالم بذاته، حي بذاته، وما يختص به له بذاته ولو شاركه أحد في الصفات والقدم الذي أختص به لشاركه في الإلهية.(13)، استعان إذن المعتزلة بالمنطق اليوناني وللأمر مزاياه ومساوئه.

ويلاحظ ميل بعض المستشرقين الأوربيين إلى أبراز تأثيرات الهيلينية أو الغنوصية وفي الفكر المسيحي عامة مثل الفلاسفة المسلمين. ويبالغ بعضهم ولكنه في ذلك أمر يجافي الصواب، ليس بفرض نفي التأثير، بل بسبب ابتعاد الفكر الإسلامي في جوهره عن الهيلينية والغنوصية، ربما كانت لإطلاع الفلاسفة المسلمين على آثار بعض الفلاسفة اليونانيين بعض التأثير، ولكن ذلك لم يبدأ قبل أواسط العصر العباسي وليس قبله، ويذهب الكاتب د. محمد عمارة الخبير في الفلسفة الإسلامية :"أن الترجمة ظلت بعيدة عن الإنسانيات والإلهيات اليونانية حتى العصر العباسي تقريباً، ولم تحدث دراسة عربية لأرسطو قبل 866 M / 194 H على يد الكندي، أبو يوسف يعقوب بن أسحق وحتى نهاية عصر هرون الرشيد 809 M/ 194 H ، لم يحدث مجهود جدي في الفلسفة ". (14)، وتدل هذه المعطيات التاريخية دون مواربة، على وفرة الحياة السياسية المبكرة عند العرب قبل ذلك التاريخ بوقت طويل. وقد شهد الحسن البصري وهو أحد قادة الفكر مقتل عثمان بن عفان وهو أبن 14 سنة. وهي تجربة سياسية مثيرة لابد أنها خلفت في ذهنيته الكثير من الانطباعات.

وبصرف النظر عن درجة تقبل المجتمع الإسلامي طرح موضوع ذات بعد فلسفي كالقول بخلق القرآن، فإن المعتزلة أصروا على هذه المسألة وحجتهم في ذلك، إذا كان كلام الله مخلوقاً، فالقرآن مخلوق أيضاً وإنه كلامه وقد خلق القرآن وأحدثه. وقال المأمون: "إن الذين يقولون أن الله غير مخلوق ملحدون لأنهم يضعون خلق الله وفعله بصفة الله وحده".وأورد المعتزلة أدلة عقلية على خلق القرآن، وأدلة نقلية(القرآن)، وقد كذبوا الكثير من الأحاديث، ولكنهم لم يكذبوا القرآن بل فسروه وأولوه. . (15)

ثالثاً/ الوعد والوعيد :ـ
وخلاصة رأي المعتزلة في هذا الباب، أن من أطاع الله دخل الجنة، وأن الله صادق في وعده ولن يخلف لان : " حقيقة الوعد كل خير يتضمن وصول نفع إلى الموعود سواء عن طريق الاستحقاق أو عن طريق التفضل " وأن : " التوعد هو أن الله لا يتوعد إلا بالمستحق إذا خرج عن المستحق ودخل في حد الظلم " . (16)

وفي هذا البحث اختلفوا في التأويل مع المرجئة وفقهاء السنة في مسألة الشفعة، حيث نفوا الشفعة يوم القيامة وقالوا بالآيات التي تثبت صدق وعد الله بالعقاب على المخالفات ومنعا:" من قبل يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفعة "255 ـ البقرة ) وكذلك: " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفعة ". 25 ـ البقرة)، معارضين الآيات التي قابلهم بها فقهاء السنة ومنها: " ولا تنفع الشفعة إلا لمن أذن له " 22 ـ سبأ ) (17)، ففي رأي المعتزلة، الأصل هو عدم الشفعة، ولكن لا جدال أن الله قادر على كل شيء، وشفعة الله هي لمن رضي الله عنه لفعله وسيرته فهي أرادة إلهية لا خلاف عليها فالشفعة هي حسب رأي المعتزلة، للمؤمنين وليس للفاسقين.(18)

أما المرجئة، الذين كان شعارهم: " لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة " وهم بذلك جعلوا الأعمال مقيدة عن التأثير في العقيدة وبذلك يستفيد من موقفهم الولاة والحكام الجائرين، كما أن المعتزلة اعتبروا هذا الموقف يقود إلى الانتهازية والفساد السياسي والوقوف ضد الثورة على مغتصبي السلطة والظلم.

رابعاً / المنزلة بين المنزلتين:ـ
وهذا رابع الأصول الخمسة المهمة، وقد تسبب في خلاف بين المعتزلة وفرق سياسية وإسلامية عديدة، فهو الخلاف الذي تسبب في خروج واصل بن عطاء من حلقة الحسن البصري كما أسلفنا، وفي ذلك كان موقف بن عطاء أكثر راديكالية من موقف البصري إلى حد ما، كما أنه تسبب في خلاف مع المرجئة(وهم أيضاً من الفصائل التقدمية)، ثم أخيراً في خلاف لهم مع أحدى الفرق المهمة آنذاك وهم الخوارج.

والخوارج الذين لم يكونوا على جانب كبير من الثراء على الصعيد النظري، وكان التطرف والتعصب يطبع مواقفهم وسياساتهم إذ كانوا يقولون: أن مرتكب الصغيرة والكبيرة في النار وهو كافر، في حين كان موقف المرجئة أكثر مرونة بقولهم: أن مرتكب الكبيرة مع فسقه وفجوره فهو مؤمن. أما المعتزلة فقد قرروا: أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن بزوال أحكام الكفر عنه، ووجب أنه ليس منافق في زوال أحكام المنافقين عنه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجب أنه فاسق فاجر لإجماع الأمة على تسميته بذلك لتسمية الله له في كتابه " (19) يئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" 11ـ الحجرات).

فالموقف الوسط هنا ليس بمعنى الوسط ألتوفيقي الانتهازي، فالمعتزلة بهذا لم يشاؤا وقوف موقف الخوارج المتطرف الرافض لكل شيء حتى غدوا أسرى موقفهم، حتى غدوا أسرى مواقفهم المتطرفة. ومواقف المعتزلة السياسية كانت محاولة لإقامة توازن بين صرامة الموقف العقائدي الثوري الجرئ، وقد فعلوا ذلك مراراً. ومرونة العمل السياسي مع رفض للموقف ألتوفيقي الذي تفوح منه رائحة إقامة أو تحقيق الهدف على حساب المبادئ مع الأنظمة الجائرة والحكام الطغاة، وهو ما انزلقت إليه المرجئة في بعض الأحيان، ويرى المختصين بحركة الانعزال في ذلك أنهم:" جعلوا من المنزلة بين المنزلتين مبدأً عقلياً أخلاقياً وخطة فلسفية مثلى هي خطة الاعتدال في الأمور والتوسط بين المتطرفين والمتناقضين وقد تجلى ذلك في محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة، وأن المعتزلة وسائر الفلاسفة المسلمين كانوا يعتقدون أن الدين والفلسفة متفقان اتفاقا جوهرياً، ولكن المعتزلة وجدوا أن الدين يقول أن العالم محدث وقد أحدثه الله من لا شيء وكانوا حائرين أمام هذا التناقض ". (20)

وفي الواقع، فأن الانغماس في موضوعات فلسفية قاد المعتزلة إلى نتيجتين، كانت لهما نتائجهما الوخيمة على مستقبل حركة الاعتزال:

أولاً / قاد الانغماس في الفلسفة ودراستها والبحث فيها إلى الابتعاد عن فقه الدين، وظهورهم بمظهر الدهرين وهو تيار مرفوض بصفة عامه وكان المعتزلة يتجنبون إلصاق هذه التهمة بهم.
ثانياً / قاد هذا الموقف في الفلسفة إلى جملة من المواقف السياسية إذ بالغوا في المضي فيه دون ضوابط أو هدف محدد، مع أن غايتهم كانت بالأساس تعلم الفلسفة للدفاع عن العقائد الإسلامية. وقد ذهبوا بعيداً في تقدير العقل فقالوا: " إذا تعارض النقل والعقل وجب تقديم العقل لأنه أساس النقل، وإذا أجمع العقلاء على شيء أنه حسن أو قبيح، كان إجماعهم حجة. وشنوا على المحدثين هجوماً عنيفاً وحاولوا أن يبطلوا الحديث كله، فقالوا أن خبر الواحد العدل لا يوجب العلم وأصبحوا أقرب إلى الفلاسفة " . (21)

وقد أدت المناقشات في موضوعة المنزلة بين المنزلتين، بالإضافة إلى الفقه الديني، أدت إلى الخوض في قضايا سياسية، بل أن هناك من يعتقد أن جذر (المنزلة بين المنزلتين) في الفكر ألمعتزلي هو سياسي، قاد إليه الموقف من النزاعات والصراعات السياسية، أو الموقف من الحكام والولاة الفاسقين الذين يرتكبون الكبائر. كما كانت ثورات الخوارج عاملاً ضاغطاً مثيراً للجدل والمناقشات في الحياة السياسية العربية الإسلامية. نعم، كان للمسألة وجه ديني، ولكن إذا شئنا النظر إلى الموضوع بصورة شاملة، فأن المضمون السياسي لها سيبرز بصورة واضحة، ثم استطردوا في هذا المبحث، فتداولوا في قضية الإمامة، وكانت واحدة من أشد الموضوعات حرارة في الحياة السياسية، بل أشدها على الإطلاق، وفي مسألة خلع الإمام الجائر في حال ثبوت فسقه إذ يفقده ذلك أهليته لهذا المنصب.

وهناك من الكتاب من يأخذ على المعتزلة موقفهم هذا بوصفه الموقف الوسط، وهو عادة موقف يميني، ولكننا لا نعتقد أن هذا الحكم دقيق، فالابتعاد عن التطرف والتشنج السياسي والأيديولوجي لا يعد يمينياً، وموقف المعتزلة كان متميزاً في مرحلة كانت تعج بالشعارات الثورية المتطرفة(الخوارج وفرقها)، والأرستقراطية القبلية والو لاءات الأسرية، والاتجاهات التقليدية التي لم تكن تمتلك أفقاً لأبعاد المرحلة المقبلة، وجل ما كانت تهدف إليه هو الإبقاء على مصالحها ونفوذها في المجتمع، أما المعتزلة فهم (والمرجئة بدرجة أقل) ممن يصح اعتبارهم تياراً يسارياً تقدمياً.

خامساً / الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ـ
وهي تعني بصفة عامة، مشاركة المواطن في الدولة الإسلامية في الخطط الهادفة إلى أعمار البلاد وإلى كل ما يدل على المساهمة في العمل المفيد للشعب والأمة. وينفس الوقت بأدائه, والكفاح ضد كل ما يمكن وصفه بأنه معاد للشعب وأهدافه ومصالحه. وقد أخذ ألمعتزله هذا الأصل بوصفه من الأحكام الواردة في القرآن والحديث: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " 104 ـ آل عمران ) والحديث: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الأيمان " حديث ).

ومن المؤكد أن لهذا المبحث جوانبه الدينية والفقهية، ولكن أيضاً السياسية والاجتماعية وعلى نطاق واسع، بل يذهب البعض إلى اعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل سياسي في جوهره يتلخص في مشروعية ألثورة بل وجوبها والانتفاضة على السلطة الجائرة وتغيرها بالقوة إذا لم يكن من ذلك بد، وإحلاله السلطة العادلة محلها ونقد الإنسان المسلم للسلطة الجائرة عند المعتزلة جائز بل هو واجب وعلى المسلم العمل على تغيرها.(22)

وقد أدى هذا المبحث في جانبه السياسي إلى خلاف يتفاوت في شدته مع سائر الفرق الإسلامية. وإذا كنا قد عرفنا رأي المعتزلة بوجوب الثورة (ما لم يكن لذلك من بد ) ضد الإمام الجائر (الفاسق) فأن رأي الفرق الإسلامية الأخرى باختصار هي كما يلي : ـ
*الخوارج: كفروا الإمام الجائر، والثورة ضده حتمية.

*فقهاء السنة: (معظمهم) قبلوا إزالة الحاكم الجائر ما لم يؤدي ذلك إلى تفريق وحدة المسلمين،
مفضلين استخدام الوسائل السلمية.
*المرجئة: (عامة) قرار إعلان الثورة هو من اختصاص الإمام.
*الشيعة: (الزيدية) قبلوا بما ذهب إليه المعتزلة بوجوب الثورة على الإمام الجائر إن لم
يكن لذلك من بد.
*الشيعة: (الكيسيانية) قالوا بالدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر بوسائل سلمية.
*الشيعة: (الروافض) رفضوا موقف الكيسانية وانشقوا عنها وقالوا بالخروج بالسيف مع
الأمام العادل.

فالمعتزلة الذين قالوا بالعمل ضد الأمام الجائر إلى حد الثورة المسلحة، ولكت بوصفها الحل الأخير، وبذلك رفض المعتزلة بصورة مبدأية موقف الشيعة، بأن حق الخروج المسلح هو للإمام فقط. ولكن المعتزلة ولكي لا يكون الأمر مطلقاً، ولكي يضعوا حدوداً في مواقفهم مع الفرق المتطرفة : " فأنهم وضعوا ضوابط وشروط للثورة على أئمة الجور وأزالتهم " . (23)

بيد أن خلاف المعتزلة مع الشيعة كان جوهرياً بسبب رفض الوصية والنص ومكانة الإمام في العقائد الشيعية، وفيما كانت نظرية الوصية والتعين من الله والإمام تسلب الأمة حقها قي تقرير مصير الحكم في مجتمعها، ورفعوا من شأن الأئمة قياساً إلى الأنبياء من العلم اللامحدود الذي يتصف به الإمام وباتصال نبأ السماء وأخبارها بالإمام وفلسفة الحكم عندهم هي الحق الإلهي والدولة الدينية The Divine Right (24) فيما كانت المعتزلة تريد الخلافة والحكم بالاختيار والحل والعقد والبيعة .

وقد حدد المعتزلة شروطهم في الثورة على أئمة الجور أربع رئيسية لأبعاد الثورة عن التطرف والمغامرات: ـ

أولاً: أن يكون الثوار جماعة، وبذلك يطالبون بالعمل المنظم والابتعاد عن صيغ العمل الفوضوية.
ثانياً: أن تتوفر للثورة إمكانيات ترجح نجاحها.
ثالثاً: أن يكون للثورة قائد عادل(إمام عادل) البديل للإمام الجائر.
رابعاً: أن لا تتوقف حدود الثورة عند إزالة الإمام الجائر، بل وأحداث تغيرات مهمـة التـي
استحقت قيام الثورة من أجلها وتحقيق العدالة. (25)

ثالثا : المعتزلة، مـواقف سياسـية

كانت الإمامة والقضايا المتفرعة عنها، كانت من أكثر القضايا التي تعرضت إلى النقاش ونشبت حولها الخلافات والصراعات، فليست المشكلة مقتصرة على خلع الإمام الجائر فحسب، بل وقبل ذلك اختياره وتعينه في هذا المنصب الخطير وصلاحياته الواسعة فالخلاف نشب ابتداء حول أصل الخليفة وانحداره الأسري، حيث قال كل طرف رأياً قد يختلف كثيراً أو قليلاً:

السنة: قالوا أن الخليفة يجب أن يكون عربياً (قريشياً على الأرجح) ينال منصبه بالتعين أو
المبايعة أو كلاهما.
الشيعة: قالوا بإمامة أهل البيت، حصروها في بني هاشم، ثم في عقب على بن أبي طالب، ثم
في عقب على من فاطمة، ثم قالوا بثلاثة أئمة، ثم قالوا بخمسة ثم بسبعة ثم بأثنا عشر من الأئمة المعصومين بتعيين إلهي.
الخوارج: قالوا بالخلافة بانتخاب فرد من الأمة وكل مسلم له الحق بالخلافة ولو كان عبداً
حبشياً.
المعتزلة: قالوا أن الإمامة اختيار الأمة، وإن الله والرسول لم يعين شخصاً بالتحديد.

كان موقف المعتزلة يتسم بالميل إلى التحرر، ليبرالي ديمقراطي، بمفاهيم اليوم عن جاز التعبير/ إذا كانوا يؤمنون بالشعب وإيماناً عميقاً بحرية الإنسان وكرامته وحقوقه في التعبير عن وجهة نظره، وهي رؤية مبكرة للحريات الديمقراطية، وحاولوا(بقدر ما سمح به ذلك العصر) أتباع وسائل منظمة، نعم، كانوا ثوريين ويؤمنون بالثورة والتغير، ولكن ليس دون ضوابط ومفاهيم، قالوا بحرية الناس وحرية اختيارهم ووسعوها إلى كافة الأهداف، في حين قالت الشيعة الأمامية أن حق القتال والثورة مقصور على الإمام. أما الخوارج فقد مارسوا هذا الشعار دون حدود وضوابط، أما المعتزلة فقالوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفهوم سياسي واسع وهو مطروح على المسلمين كافة برسم التنفيذ ومن حقهم وصلاحيتهم الخوض فيه وليس للإمام وحده.

ومسألة الحرية الفردية واختيار الإنسان عند المعتزلة مسألة جوهرية فقد قالوا: " أنه ثبت بالشرع أن الصلاح في أقامة الأمراء والعمال أن يكون على الاجتهاد والاختيار بعد معرفة الصفة، فكذلك لا يمنع مثله الإمام " ، وقالوا " لقد قرر الصحابة ذلك وأجمعوا عليه وعملوا به، أي الاختيار والبيعة " واستشهدوا بقول للخليفة الرابع على بن أبي طالب : " أيها الناس أنكم بايعتموني على ما بويع عليه من قبلي، إنما الخيار للناس قبل البيعة، فأن بايعوا فلا خيار لهم إلا وأن علي الاستقامة وعلى الرعية التسليم " .(26)

واستكمالا لرؤيتهم الديمقراطية، فأنهم وضعوا تصوراً لاختيار الإمام الخليفة، وذلك أن يتم بواسطة نواب عن الأمة إذ قالوا: " أن يستشيروا سائر المسلمين " وأن يتحققوا عن " رضي الجماعة " و " رضي الانقياد وإظهار ذلك في الأمر وشكليات البيعة والعقد، كما أنهم تحدثوا عن انتخاب نواب الأمة، أو ما يصطلح عليه في مصادر الفقه الإسلامي، أهل العقد والحل " وبما أن تنصيب الإمام والخليفة هو فرض كفاية(يقوم به جماعة من المسلمين نيابة عن الأمة) فالواجب أن يكونوا من أهل الحق ولا يقولون بمذهب يضل به ولا يظهر ما يفسق به من يصلح للأمانة ومن لا يصلح لها وأن يكونوا ممن يعتمد عليهم ".(27)
ويعتبر د. محمد عمارة أستاذ الفلسفة الإسلامية مختص بشؤون المعتزلة: " أن عملية اختيار الإمام ومبايعته بالإمامة تمثل تعاقداً دستورياً فهناك أهل الاختيار بواسطة ممثليهم كطرف أول وهناك الأمام الذي عقد له أولئك الممثلون " (28)إذن فأطراف العملية التعاقدية هم:

ـ أهل الحل والعقد: وهم النافذون في الدولة والمجتمع.
ـ الإمام المرشح: المتوفرة فيه شروط الإمامة، وقبوله الترشيح.
ـ الحريــــة: في عملية الاختيار.

على أن طاعة الإمام ـ الحاكم واجبة بعد الاختيار والمبايعة ومن لم يطع فهو مخطئ والمشاقي له (المعارض ـ المناكف)، فاسق. وبرأي الحسن البصري، فإن الإسلام أعطى الإمام صلاحيات السلطة في الحكم (السلطة التنفيذية) والفيء (المال والاقتصاد) والجمعة (الواجبات الدينية) والجهاد (القوات المسلحة والقرار السياسي)، فيما تمكن المعتزلة من تطوير موقف أكثر شمولاً لواجبات الإمام واختصاص الفرد والدولة:

1 ـ هدف الدولة هو جلب المصالح ودرء المفاسد، وهو المبدأ الأساسي للدولة والإمام .
2 ـ سائر مجالات النفع العام على سبيل الواجب لا الجواز .
3 ـ جلب المنافع ودفع المضار للفرد ضمن المعقول هو من اختصاص الفرد على سبيل الجواز لا الوجوب .
4 ـ على الدولة أن تتدخل للنهوض بدور الأفراد أن هم عجزوا عن القيام به.
5 ـ للإمام والدولة التدخل في شؤون خاصة للأفراد (إن دعت الضرورة أن شـكل ذلك نـفعاً للمجتمع ) .(29)

ولم يكن المعتزلة ليتركوا مباحثهم السياسية دون الخوض في مفردات وعناوين مهمة، ومن تلك الآراء البالغة الأهمية صلاحيات الإمام(قائد الدولة) في الأموال الخاصة(أموال الأفراد) فتلك قضية اجتماعية حساسة ذات مؤشرات سياسية / اجتماعية، وفي ذلك قالت المعتزلة بحق الإمام في التدخل بالأموال الخاصة سواء بالإضافة لهم أو الأخذ منهم والإزالة عنهم، والأموال عند المعتزلة نوعان:

آ / الأموال الظاهرة: وهي أموال بيت المال (خزانة الدولة)
ب/ الأموال الباطنية: وهي الأموال في حوزة الأفراد.

والأموال الباطنة(أموال الأفراد) شكلت نقطة طلاق بين المعتزلة والآخرين أو بين فرق المعتزلة، فمنهم من جعل حق التصرف للإمام فيها مثل الأموال الظاهرة، ومنهم من قال بضرورة احترام ملكيتها ومنهم من قال بضرورة احترام ملكيتها ومنهم من قال أن وكيل الإمام هو مالكها وله فيها حق التصرف. ومنهم من قال بين هذا وذاك(30)، والحق فأن سلطة الإمام الواسعة في قضايا الأموال تستحق التمعن، بل التدخل لتأمين الصالح العام ومعالجة أي خلل وتجاوزات تستحق المعالجة.

وعلى الرغم أن المعتزلة كانوا أساساً ضمن تيار العدل والتوحيد في الفقه الديني، إلا أنهم منحوا أفكارهم السياسية عمقاً دينياً وطرحوا أنفسهم في الحياة السياسية العربية الإسلامية كطرف سياسي أكثر من أي صفة أخرى، والمعطيات بين أيدينا تشير إلى كونهم حركة (حزب) سياسي وليس فرقة أو مذهب، وحتى العناوين والشعارات الدينية التي تعاملوا معها بعقل سياسي. آمنوا بالثورة وكانوا ثوريين حقاً ولكنهم لم يسمحوا لأنفسهم أن يركبوا موجة التطرف التي ضربت العمل السياسي وأشاعت فيه العنف والعنف المقابل، كالخوارج الذين كان تصلبهم النظري يضيف الصعوبات إلى نشاطهم السياسي، كما أنهم (المعتزلة) بنفس الوقت رفضوا الحلول الوسط التوفيقية التي بالغت في أبداء المرونة كالمرجئة، وكانت لهم (المعتزلة) النظرية والسياسية المتميزة التي عرفوا بها، ولم يتنازلوا عنها إلا في أواخر عهودهم عندما أشتد الطرق عليهم، وكانوا في المراحل المتأخرة يفتقرون إلى القيادة الفكرية الناضجة، وزعاماتهم الحكيمة المقتدرة، فانزلقوا إلى مواقف متناقضة، وقد وضع أحد العلماء المعاصرين تسلسلاً طريفاً إذ قال: " أن المعتزلة هم معتدلة الخوارج، فيمكن قياساً على ذلك، أن أهل السنة هم معتدلة المعتزلة، وبالتالي يمكن أن يقال أيضاً أن المرجئة هم معتدلة أهل السنة ".(31)

وهكذا فأن الخوارج على الرغم من مبدأيتهم العالية ونزاهتهم وشجاعتهم وثباتهم على أرائهم بصرف النظر عن المخاطر الناجمة عن مواقفهم، يبدون اليوم على يسار جميع الفرق، وبل هم في تطرفهم وتعصبهم الشديد، أقرب إلى التيار الفوضوي الذي تأسس في أوربا في القرن التاسع عشر Anarchism الذي قادة باكونين (32)، والمرجئة كتيار تقدمي ديمقراطي.

كان للمعتزلة (بمقاييس ذلك العصر بالطبع) رؤية سياسية عميقة، فقالوا أن قيام الظلم مرهون بتوفر الأنصار والأعوان الذين يساعدونهم وإذا تفرق هؤلاء وأنفظوا عن السلطة انهارت، وفي ذلك أشارة إلى دور الجماهير بالإطاحة بالنظم السياسية الجائرة، وإشارة إلى أن الإطاحة بهذه النظم يستلزم العمل بين الجماهير وقطع صلات الحكام الطغاة بالشعب وعزلهم، وأشاروا كذلك إلى تأثير أفكار التيار الجبري والقدري السياسي الذي كان يساعد هذه الأنظمة وعلى أبقاء الشلل في ذهن الجماهير بوصفها ظلماً قضى الله به وكانوا أشداء حيال النظرة التلفيقية التي تمرر من خلال الإيمان بالصياغات الجبرية والقدرية ومقابل ذلك طرح المعتزلة نظرية متكاملة تقضي بأن الإنسان هو الصانع لأفعاله وهو المسئول عنها.(33)

ولعل المعتزلة من الحركات والفرق القليلة في تاريخ العرب والإسلام التي صاغت في العهود المبكرة أفكار ونظريات سياسية متقدمة. وإذا شئنا تلخيص أهم النقاط في أرائهم السياسية الرئيسية فهي:

ـ دولة الخلافة الراشدية مثال يحتذي به(في مبادئه العامة) والطابع السياسي وليس الديني الذي طبع بنائها وانبثقت منها مصطلحات الإمامة وأفكار ومباحث سياسية.
ـ أن البحث في نظرية الإمامة حدثت خلال وبعد الدولة الراشدية وليس هناك في الشريعة نصوص حولها.
ـ أن الطبيعة المدنية لأي مجتمع يحتم وجود سلطة، وهذه السلطة تعمل بمقتضى عهد ووعد تفويض.
ـ إن الطبيعية المدنية والسياسية التي يتصدى الإمام لحلها تتطلب فيه عدة صفات من صفات الحاكم الناضج لتنفيذ الشريعة والقانون.
ـ أن سلطة الإمام لا تقف عند حد في الأمور الخارجية والداخلية وبذلك فهو يتدخل في حياة الأفراد بما له صله بحياة المجتمع.
ـ أن البحوث النظرية في أحوال الحكم والسياسية حاول المعتزلة تطبيقها سلماً أو بالثورة. (34)

رابعاً : تأثر المعتزلة بالتيارات السـياسية

ذكرنا أن المعتزلة في المرحلة التأسيسية كانت متأثرة بدرجة رئيسية بأجواء الدراسات التي سادت المجتمع العربي الإسلامي خلال القرن الأول الهجري. فالأب الروحي للمعتزلة وحجر الأساس في بناء المعتزلة الفكري، الحسن البصري كان قد ولد في المدينة وهو ينحدر من أسرة فقيرة وكذلك كان واصل بن عطاء المؤسس الفعلي للمعتزلة. أما عمرو بن عبيد، فقد كان من الموالي الفقراء، وهذا الانحدار الاجتماعي وجذوره تنبأ باستبعاد احتمال تأثر هذه الفئة بالثقافة أو الفلسفة اليونانية المسيحية، هذا بالإضافة إلى أن الترجمة لمنجزات الثقافة اليونانية والمسيحية لم تجر إلا بعد ذلك بعقود كثيرة(في عصر الرشيد ـ الأمين ـ المأمون)، بيد أن المعتزلة توجهوا في المراحل اللاحقة للتأسيس إلى الفكر والفلسفة اليونانية للاستفادة منها في الرد أو الدفاع عن أفكارهم "ورد خصوم الدين الإسلامي بنفس سلاحهم ويخاطبونهم بنفس اللغة وهي التي حملت المأمون على ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية " (35)

بيد أن المعتزلة بمرور الوقت، اتسعوا في دراسة الفلسفة واستخدامها:
آ/ فمن جهة كانت النزاعات الفكرية المعادية للعرب والإسلام تحاول أن تثبت أفكارها ودعاياتها وفي المقدمة الشعوبية.
ب/ وكذلك في الرد على مفكري القدرية والجبرية وسعّ من اعتمادهم على الفلسفة باستخدام العقل.
ج/ وكذلك بانغماسهم في شؤون الحكم خلال ولاية ثلاثة خلفاء عباسيين، المأمون، المعتصم الواثق، وشيء من خلافة المتوكل، وأتساع جبهة الأعداء والخصوم، أخذوا بالابتعاد عن الشعارات والفكر الديني. ومن خلال الممارسة الكثيفة لشؤون السياسة والحكم، ارتكبوا أخطاء عديدة بمواجهة المعضلات التي كانت تفرزها هذه التحديات، مقابل تكاثف اعتمادهم على الفلسفة.

خامساً : أراء المسـتشرقـين

نطالع في نصوص عديدة، أن المستشرقين(بصفة عامة) يظهرون الميل إلى اعتبار المنجزات الفكرية لحركة المعتزلة، تأثرها، ما لم تكن مقتبسة من مصادر الفكر والثقافة والفلسفة اليونانية والمسيحية. ومثل هذا الرأي أكده أحد المستشرقين الألمان البارزين، وهو فون كريمر Von Kremmer. (36)

ومثل هذه الآراء وما يشابهها، نلاحظها أيضاً في أعمال العديد من المستشرقين التي ترجع تأثر المعتزلة بالفلسفة اليونانية وبدرجات متفاوتة، الأمر الذي نقر حدوثه، ولكن في المراحل المتأخرة من حركة المعتزلة وليس في مرحلتها التأسيسية التي كانت رد الفعل وإفراز للظروف السياسية والاجتماعية السائدة في القرن الهجري الأول، وإلا لم يكن بوسعها أن تكون حركة نافذة واسعة التأثير في المجتمع العربي الإسلامي، لو أنها كانت صدى للثقافة اليونانية فحسب. فحركة الاعتزال بوصفها جزء من نظرية العدل والتوحيد السياسية / الدينية، ولم يكن لها أن تنشأ وتترعرع وتنمو ويشتد عودها لدرجة أنها أصبحت المذهب الرسمي للدولة العباسية في أكثر عصورها ازدهارا.

وقد اخترنا مقطعين من أهم أعمال المستشرقين:
الأول: عن عمل جماعي مهم قام به فريق من المستشرقين بقيادة البروفسور دكتور لوثر راتمان من جامعة لايبزج بألمانيا: " المعتزلة تيار عقلي لاهوتي أستند إلى الأفكار الهيلينية التي تعتمد على الحكمة وعقل الإنسان وخياراته الحرة مع المسؤولية الأخلاقية في أفعاله، والصراع الأساس في الموضوع تمثل بمسألة الخلق، أي أن القرآن غير موجود من الأزل وأنه من خلق الله. وكاد مذهب المعتزلة أن يصبح المذهب الرسمي للدولة في عهد المأمون، ولكن تصفية المعتزلة كانت مترافقة مع ازدهار علمي وثقافي، ولم تكن بدون آثار جانبية على مسيرة التطور الدوغماتية الإسلامية، ثم قاد الأشعري حركة انشقاقية، حيث قاد المعتزلة إلى عقائدية في الإسلام، وكان الشعري في الواقع مؤسس علم الكلام " .(37)

ولكننا نلاحظ أن المعتزلة احتلت المساحة الأكبر في مؤلفات المستشرق الفرنسي المعروف كلود كاهن، والمترجم إلى العربية بعنوان " تاريخ العرب والشعوب الإسلامية "، ويطرح ذلك في مقدمة طويلة (نسبياً)، ويقر بأن المعتزلة تأثروا بالجو السياسي والفكري، وأن أهم ما طرحوه، أن على المسلمين أن يسعوا إلى النهوض بالإسلام واختيار خليفة على نحو أقرب إلى الصواب والحكمة، وليس لأحد أن يدعي الأفضلية على أحد، وهو موقف معتدل قياساً إلى العلويين. (38)

ولعل أهم ما أشار إليه كاهن، هو أن حالة الغليان الفكري الذي كانت تعيشه مدينة البصرة التي شهدت تأسيس حركة المعتزلة، حيث كانت الموضوعات الفكرية والفلسفية تدور حول خلق القرآن وأزليته، وماهية المولى تعالى ومسالة الأيمان وحرية الإنسان إزاء القدرة الإلهية المطلقة (قضايا القضاء والقدر والاختيار) وهي مسألة تدور عادة في جميع الأديان في مرحلة معينة من النضج. وتميز المعتزلة عن غيرهم، أنهم كانوا يؤمنون بأسلوب النقاش والحوار والحجج، كما أقر المعتزلة أن الحقيقة قد تم تثبيتها بصفة نهائية بواسطة الوحي ولكن الهدف الآن هو الدفاع عن الدين وجعلوا العقل المعيار الذي يعينهم على فهم الطبيعة الإلهية وأعتبر كاهن أن مجمل أراء المعتزلة هي:
*التشدد في وحدانية الله: وأن ليس للإنسان صفات تشبه صفات الله وإذا كانت له صفات فهي ليست نماذج واقعية، بل هي مجرد مظاهر لجوهر لا تدركه الحواس.

* خلق القرآن: وهو أمر يشوبه الغموض أحياناً ولا بد من اللجوء إلى العقل لإدراكه وفهمه، وقد رأى الناس أن جوهر الاعتزال هو الاعتقاد بخلق القرآن.
* اللــه: هو العدل بالذات ولطالما منح الإنسان حرية الاختيار فقد ينشأ عن سلوكه الشر بطبيعة الحال ولكن هذه المسألة لا معنى لها إلا على الصعيد الإنساني والله لا يريد إلا الخير للناس.
* لا يستطيع الكافر تجنب الكبائر ولا سيما من يشهد بوحدانية الله، ولا يتوجب تكفير مرتكب الصغائر.
* الغاية من الدولة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي دولة تعتمد الجهاد ويجب فرض مذهبهم عل الناس بوصفه خيراً ومعروفاً.
* لما كان العقل معياراً للحقيقة، فقد ناقض مبدأ الإجماع.

ومذهب المعتزلة، وإن كان إسلامياً، إلا أنه نبه إلى ضرورة الاحتكام إلى العقل من جهة وإلى لزوم معرفة المخلوقات الحسية من جهة أخرى، فقد حمل أتباعه على الإفادة من العلم والفلسفة وآزر حركة الترجمة للآثار القديمة، ولم تختفي من آثار المعتزلة في الحياة الفكرية حتى بعد أن تلاشت حركتهم لا سيما على صعيد الكلام والمنطق. (39)

وإذا كان لنا أن نجمع بين أراء المستشرقين، وبالطبع لن يسعنا أن نعتبر أن أراء المستشرقين هي واحدة حيال كافة القضايا والمسائل المطروحة، فالمصدر الأستشراقي الأول الذي اعتمدنا عليه (الألماني) هو اشتراكي ماركسي المنهج والاتجاه، في حين يمثل المصدر الثاني(الفرنسي) الاتجاه الأوربي الليبرالي. ولكن كلا المصدران يشيران بوضوح إلى اعتبار المعتزلة تيار عقلي(فلسفي) حاول تفسير المفاهيم الدينية بالاعتماد على الفلسفة، بصرف النظر عن درجة هذا الاعتماد وحققوا نتائج باهرة سواء بنشر أفكارهم أو بدرجة نضجها، كما كانت حركة المعتزلة تنطوي على شحنة كبيرة من الديمقراطية والمبدأية العالية في نضالها السياسي رغم الخطأ الجسيم الذي وقعوا به أبان ما أطلق عليه بفترة (المحنة) وفيها حملوا الناس بالترهيب والترغيب على اعتناق أرائهم و أفكارهم، فتلك كانت حقاً مثلبة توجه إلى هذه الحركة الكبيرة.

سادساً: المسار التاريخي للحركة

عرضنا أن حركة المعتزلة تأسست بين 110 / 100 H، وهذه مرحلة تعد مبكرة في تاريخ الخلافة العربية الإسلامية، والحركة الثقافية فيها لما تكن بعد قد بلغت مرحلة تقدمية، وبهذه الصورة فأن حركة المعتزلة التي انشقت عن حركة عامة هي حركة العدل والتوحيد، إنما هي حركة أصيلة وتعبر عن وعي مبكر قادت إليه سلسلة من التناقضات أساسها الموقف الاجتماعي/ الاقتصادي والسياسي، في أرجاء عديدة من الدولة العربية الإسلامية، مثلت البصرة مركزها الرئيسي، لاسيما في مرحلة التأسيس. وكانت أراء مشابهة لأراء المعتزلة، وإن كانت أقل نضجاً وتكاملاً قد طرحت في دمشق عاصمة الخلافة الأموية، أو في البصرة أو في أرجاء أخرى من الدولة العربية الإسلامية، وأهم تلك الحركات:
*معيد الجهني: ولد في البصرة ثم تحول إلى المدينة، وهو أول من قال: أن الإنسان العبد مخير وليس مسير، فنشأت حول جماعة تقول بالحرية وقدرة الإنسان على العمل وتأويل الصفات الذاتية كاليد، ونفي الصفات المعنوية كالقدرة.
*غيلان بن مسلم: (أبو مروان بن مسلم)، وهو من المتكلمين، أبن عتيق لعثمان بن عفان، عاش في دمشق، ورد ذكره في أعمال الجاحظ، ترك رسائل تقع في نحو 2000 صفحة على ما جاء في أخبار أبن النديم، أمر هشام بن عبد الملك بصلبه عام 723 M / 105 H بعد أن أفتى الإمام الأوزاعي بقتله.

*جهم بن صفوان: الراسي السمرقندي، رأس الفرقة التي عرفت باسمه (الجهمية) وهي تقول أن الإنسان مّسير وتنفي الصفات عن ذات الله. أثار حركة في العهد الأموي مع الحارث بن سريح في خراسان. قتل بمرو على شط نهر بلخ عام 745 M / 128 H .

ففي مثل تلك الظروف الثورية نشأت حركة المعتزلة وقد ورثت كل التقاليد الفكرية والنضالية للقائلين بالعدل والتوحيد، وهم أساساً الساخطين على انحراف التيار الإسلامي الرسمي، حيث تضمنت مبادئ العدل والتوحيد، شعارات ثورية عبروا فيها عن رفضهم للأمر الواقع، وحاولوا من خلال العمل السياسي الثوري المتزن تغير أوضاع الدولة الأموية، ولم يستبعدوا العمل النضالي المسلح، ولكن فقط عندما يكون ذلك ضرورة ملحة، أي استجابة للتناقض الرئيسي. فقد حاولوا العمل من داخل السلطة الأموية، وكسبوا إلى صفوفهم يزيد بن عبد الملك وأيدوه، وحاولوا في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين، ثم ساعدوا العباسيين على إسقاط الأمويين عندما استبعدوا أمكانية إصلاح الأوضاع، وواصلوا عملهم السياسي في عهد الخلافة العباسية، وتوصلوا إلى نجاحات مهمة في عهد المأمون والمعتصم والواثق ، حيث أصبح منصب المعتزلة هو المذهب الرسمي للدولة.

وكان العمل الدءوب للمعتزلة قد أثمر بإقامة صلات جيدة مع الفئات العليا للخلافة العباسية. وبرغم أنهم كانوا يتمتعون بصلات طيبة حتى مع خلفاء العصر العباسي الأول، بيد أن الخلفاء، وخاصة الرشيد كانوا شديدي التزمت في أمر الدين، والخليفة الأمين(أبن الرشيد)كان أشد من أبيه، ولكن مع خلافة المأمون الذي كان ميالاً إلى العلم والفلسفة ومعاشرة العلماء والأدباء والمثقفين، ومحباً للمناقشة، جاهر بآراء المعتزلة ونشر خطاباً إلى قائد شرطته، فيه إشارة إلى حق الخليفة في الاجتهاد وإقامة الدين وينطوي على حمل الناس على الطاعة في مسألة خلق القرآن ومن بعده سار المعتصم والواثق عل خطاه وإن بدرجة أقل من التشدد، ذلك أن المأمون نفسه كان مقتنعاً بالفكر ألمعتزلي.

وهنا بالذات أرتكب المعتزلة خطأهم الفادح، وكحركة ثورية تخلت عن النضال الفكري والتجأت إلى قوة السلطة لإثبات أمور عقائدية، أو لفرضه بالقوة، فتصدوا لخصومهم بسلطان الدولة، مع أنهم كانوا متفوقين في المناظرات والمناقشات وإقامة الحجة، ولكن أغراء سلطان الدولة قادهم إلى الإسراف في استخدام سلطان الدولة والتمادي فيه إلى حد التصدي العنيف لحركة الرفض التي بدأت تتشكل تدريجياً. ومع عهد المتوكل 247/232 H – 861 / 846 M ، بدء دور المعتزلة بالانحدار والسقوط، إذ تركوا العمل الجماهيري للقوى المحافظة التي كان يسيراً عليها أن تستفز عواطف الجماهير ومخاوفها من التشكيك والتخلي أو التراجع عن رباط الدين، فتولت قيادتها في المعارضة التي وجدت لها قائداً صلباً(أحمد بن حنبل)، ففقدوا القدرة على المبادرة بسبب التطرف (تكفير أهل السنة)، والتخلي عن العمل وسط الجماهير، حيث دعاهم العمل من قمة السلطة (أستمر الزعيم ألمعتزلي أبو داؤود في منصب الوزارة لمدة 22 عاماً) إلى مخاطبة الشعب بصفة تسلطية ودعوا إلى قمع الآراء المخالفة لهم وهم الذين كانوا دعاة حرية الفكر والرأي. فتحت هذه الشعارات الجذابة كانوا قد كسبوا شعبيتهم والتأييد الواسع النطاق على عكس ما ظهروا عليه في أواخر عهدهم بالحكم. وأخيراً أعلن الخليفة المتوكل في عام 237 H، إنهاء العمل بمبادئ المعتزلة، أي بعد 39 عاماً من المكوث في السلطة هي دون شك تجربة سياسية وثقافية عميقة تستحق الاهتمام.

وإذا شئنا أن نقيم تحليلاً سريعاً للأسباب الجوهرية الرئيسية لتراجع دور المعتزلة كحركة تاريخية، فإننا سنلاحظ أن بروزها كان بسبب موقفها الثوري المعبر عن أراء الجماهير في الصراعات التي دارت على السلطة في القرن الأول الهجري، وأتخذ المعتزلة موقفاً متميزاً عبر عن المبدأية العالية من جهة، وأبعاد الجماهير عن صراعات سوف لن تجني منها سوى المزيد من التخلف والدمار. بيد أن المعتزلة لم يستطيعوا أن يواصلوا هذا الدور القيادي في أوساط الجماهير، فلم يعد بوسعهم تقديم المزيد من المواقف والآراء المتميزة، وكانت الخلافة في مرحلة انحدار، فلم يتمكنوا من تقديم برامج من شأنها إنهاض الأوضاع وإصلاح مؤسسة الخلافة، ففقدوا بريقهم والالتفاف الشعبي من حولهم، ثم أنهم بالغوا في الخوض في قضايا الفقه الديني، فيما كان الأجدر والأنفع الاعتناء بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومن خلالها أبقاء الروابط قوية مع الجماهير.

وقد ساهمت عناصر أخرى في هذه العملية، منها عدم تبلور الوضع الاجتماعي وبروز التشكيلات بصورة واضحة من جهة، وعمق العلاقات الإقطاعية وقوة نفوذ الأرستقراطية القبلية بتحالفها مع التيار المحافظ، شكلت جبهة قوية خشي منها الخلفاء العباسيون أن تؤدي بهم إلى مصير الأمويين، كما أن كثرة الانشقاقات تدل على اهتزاز الوضع القيادي للحركة واشتداد التيارات الانتهازية.

سابعاً : مرحلة الضعف والتلاشي

كان المتوكل قد أعلن عام 237 H إنهاء العمل بالمذهب ألمعتزلي وكان ذلك يمكن أن يعيد المعتزلة إلى صفوف الجماهير التي غادروها، فالمعتزلة ارتكبوا خطاً قاتلاً بخروجهم من خندقهم الذي كانوا يتمترسون فيه، ثم أنهم خالفوا مبادئهم وهم الذين اشتهروا باحترامهم لحرية الإنسان وخياراته والعقل البشري ومنجزات الفكر الإنسانين هذا من جهة، ومن جهة أخرى أظهروا بأنهم لم يقدروا مدى تغلغل الرجعية في صفوف الجماهير، وأنهم بامتحان الناس في مسألة خلق القرى أثاروا روح التعصب ومنحوا القوى المحافظة الفرصة لقيادة الناس، وأخيراً في بروز الحركات الانشقاقية العديدة من بين صفوفهم المتداعية.
بيد أن حملة النقد والانشقاقات التي سادت صفوفهم أبرزت حركة، أدركت ربما أن شيئاً من الشطط والمغالاة كان السبب في تقليص وإنهاء نفوذهم بين الناس، ففي تلك المرحلة 320 H، تحرك أبو الحسن الشعري في محاولة لاستعادة بعض النفوذ المفقود للمعتزلة من خلال تصحيح ما أعتبره مغالاة. والأشعري كان معتزلياً مخلصاً، وكان رجلاً ذو بصيرة نافذة وعقل راجح، فأعلن انفصاله عن المعتزلة وأتخذ طريقاً وسطا بين مذاهب المعتزلة، وهو الذي طور علم الكلام الذي كان المعتزلة قد أرسوا أصوله، وغايتهم أن يستخدموا العقل في الدفاع عما جاء به النقل(القرآن)، وفكر المعتزلة كان يقول: " أن لإنسان يخلق أفعاله ويوجهها كما يشاء، ولكن القدرة على العقل من الله. جاء الأشاعرة وقالوا، أن الفعل من الله والحادثة التي يتم بها الفعل منه تعالى أيضاً والإنسان له الرادة والتوجيه ". (40)

وتوالت المواقف التي تنم عن دفاع مرتبك وسط فوضى الانشقاقات وانحسار النفوذ وتراجع المد الجماهيري من حولهم ونشاط القوى المحافظة المدعومة من السلطات، وأخيراً عندما تسلط البويهيون بالقوة على مركز الخلافة، قام المعتزلة ربما بآخر مناورة سياسية مهمة على صعيد السلطة، وذلك بتحالفهم مع البويهيين الذين كان يهمهم التعاون مع فصائل من أهل العدل والتوحيد(السنة)، وهكذا وبعد نزاع فكري وصراع سياسي استغرق أكثر من 200 عام، أقام المعتزلة تحالفهم مع البويهيين(وهم شيعة زيدية)، الذين كانوا بحاجة إلى طرف يتمتع بالكفاءة الفكرية والعقلية، ولكن ذلك أفقد المعتزلة مصداقيتهم الفكرية والسياسية من جهة وطرحهم كطرف انتهازي متهافت خسر قيادة الجماهير والسلطة معاً، على أن دورهم السياسي والفكري لم يتوقف عن الانحسار حتى تلاشى نهائياً بعد عام 500 H ومال ما تبقى من المعتزلة إلى المذهب الزيدي الذي يحمل الكثير من أفكار المعتزلة أكثر مما يحمل من أفكار الفرق الشيعية.

ثامناً : هوامش البحث

1. زهدي حسن جار الله: المعتزلة، ص 16 القاهرة / 1974
2. أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل، مجلد 1 ص24، بيروت / ـ
3. أبو حامد محمد الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 25، بغداد/1984
4. عمارة، محمد: المعتزلة ومشكلة الحريات، ص 164بيروت/1972
5. جار الله: نفس المصدر ص 18 -16
6. الدهرية: اتجاه شاع في العصر العباسي متأثراً بالفلسفة اليونانية، لا يؤمن بالعقيدة الدينية رد عليهم المعتزلة.
7. عمارة: نفس المصدر ص 46
8. جار الله: نفس المصدر ص 91
9. جار الله: نفس المصدر ص 98
10. جار الله: نفس المصدر ص 112
11. جار الله: نفس المصدر ص11
12. عمارة: نفس المصدر ص 9
13. جار الله: نفس المصدر ص 63
14. عمارة: نفس المصدر ص 23
15. جار الله: نفس المصدر ص 81-77
16. عمارة: نفس المصدر ص 64
17. جار الله: نفس المصدر ص 52
18. عمارة: نفس المصدر ص 65
19. عمارة: نفس المصدر ص 67
20. جار الله: نفس المصدر ص 56
21. جار الله: نفس المصدر ص 247
22. عمارة: نفس المصدر ص 176
23. عمارة: نفس المصدر ص 71
24. عمارة، د. محمد: الإسلام وفلسفة الحكم ج3 بيروت / 1977
25. عمارة: المعتزلة ومشكلة الحريات ص71
26. عمارة: نفس المصدر ص 193 - 191
27. عمارة: نفس المصدر ص 192
28. د. عمارة الإسلام وفلسفة الحكم: نفس المصدر ص 9
29. د. عمارة: نفس المصدر ص 13 – 9
30. د. عمارة: نفس المصدر ص 20 -18
31. الريس، د. محمد ضياء الدين: النظريات السياسية الإسلامية ص70 القاهرة/1960
32. الفوضوية تيار أنشق عن الاشتراكية الماركسية قاده باكونين، أحرزت في مرحلة معينة شعبية واسعة، اعتبرت الدولة والكنيسة هم أشد أعداء الطبقة العاملة. نشط الفوضويون بصفة خاصة في فرنسا وأسبانيا. الباحث
33. عمارة: المعتزلة ومشكلة الحريات ص75- 73
34. د. عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم ص128-126
35. جارالله: نفس المصدر ص 48
36. جارالله : نفس المصدر ص 32
37) Rathmann, L : Geschichte der Araber , Teil 1 , S.140 , Leipzig 1971
38. كاهن، كلود: تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، ص112-104 بيروت / 1972
39. جار الله: نفس المصدر ص 262
40. نفس المصدر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تاسعاً : مصادر البحث

1. أبو حامد محمد الغزالي: المنقذ من الضلال، بغداد/1984
2. أبي الفتح محمد عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل، مجلد 1، بيروت / بلا تاريخ
3. جار الله، زهدي حسن: المعتزلة، القاهرة/1974
4. الريس، د. محمد ضياء: النظريات السياسية الإسلامية، القاهرة/1960
5. عمارة، محمد: المعتزلة ومشكلة الحريات، بيروت/1972
6. عمارة، د. محمد: الإسلام وفلسفة الحكم، جزء 3، بيروت/ 1977
7. كاهن، كلود: تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، بيروت/1972
8. /Rathmann; L : Geschichte der Araber , Teil 1, Leipzig 1971
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال