تمهيد: فاجعة أخرى... أم سؤال يتكرر؟
مرة أخرى، يعود البحر التونسي إلى واجهة المأساة، وتعود معه صور القوارب والمفقودين والناجين والعائلات التي تنتظر خبرًا قد يحمل نجاة أو فاجعة. وما حدث في محيط بنقردان وجرجيس لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره حادثة غرق أخرى في سلسلة حوادث الهجرة غير النظامية، بل باعتباره لحظة تكشف سؤالًا أعمق من البحر نفسه: كيف يصل الإنسان إلى النقطة التي يصبح فيها المجهول، بكل مخاطره، أقل رعبًا من البقاء؟
إن الأرقام، مهما كانت مؤلمة، لا تستطيع اختصار المأساة. خلف كل رقم إنسان، وخلف كل إنسان عائلة، وخلف كل عائلة قصة انتظار وحلم وخوف. لكن خلف القارب نفسه مسار طويل لم يبدأ عند الشاطئ، ولن ينتهي عند البحر. هناك رحلة أخرى تسبقه: رحلة نفسية واجتماعية واقتصادية يبدأ فيها الإنسان تدريجيًا بفقدان ثقته في المكان الذي ولد فيه، وفي قدرته على بناء مستقبله داخله.
لننظر إلى الرحيل من زاوية أخرى..
لعلّ أخطرَ الرحيل أن يرحل الأمل قبل أن يرحل الإنسان.
رحيل تنميةٍ عادلةٍ منذ عقود...
رحيل ضميرٍ جمعي...
رحيل انتماءٍ لم يعد يجد ما يتعلّق به...
رحيل أملٍ أُنهكته الانتظارات...
ورحيل وطنٍ لم يعد قادرًا على إقناع أبنائه بأن لهم فيه مكانًا ومستقبلًا...
من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لقوارب الموت؛ فالقارب ليس بداية الرحلة، وإنما ربما يكون نهايتها الأكثر مأساوية. فقبل أن يغادر الشاب اليابسة، قد تكون أشياء كثيرة قد غادرت داخله: الثقة، والانتماء، والقدرة على الانتظار، والإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
رحم الله شهداءَ موتِ الأمل قبل موتهم...
فبعضهم مات غرقًا، لكنّ الأمل كان قد غرق في داخله قبل ذلك.
وحين تتكاثر الرحلات إلى «اللامكان»، يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
مَن الذي رحل أولًا؟ الشباب... أم الوطن عنهم؟
1. الرحيل الذي يبدأ قبل البحر:
الرحيل لا يبدأ دائمًا عندما يصعد الإنسان إلى القارب، بل قد يبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما تتراكم داخله خيبات صغيرة تبدو منفصلة في البداية، لكنها تتحول مع الزمن إلى شعور عام بأن الحياة لا تتحرك في الاتجاه الذي كان ينتظره. قد يبدأ الرحيل من شهادة لم تتحول إلى فرصة، أو من سنوات طويلة من البطالة، أو من مشروع ظل مؤجلًا، أو من انتظار متكرر للعمل والاستقلال والزواج وتحسين الوضع الاجتماعي، أو من شعور بأن أبناء مناطق أخرى يمتلكون فرصًا لا يمتلكها هو. ولا يعني ذلك أن كل عاطل سيهاجر، أو أن كل فقير سيختار البحر، فالعلاقة بين الظروف الاجتماعية والهجرة ليست آلية، لكن اجتماع الحرمان مع الإحباط وضعف الثقة في المستقبل يمكن أن يحول الرحيل من فكرة بعيدة إلى احتمال واقعي.
وهنا يساعدنا إميل دوركايم على فهم جانب من هذه الحالة من خلال مفهوم «الأنومي»، أي حالة اختلال المعايير والروابط التي تمنح الفرد اتجاهًا ومعنى، حين لا تعود التطلعات الفردية منسجمة مع قدرة المجتمع على تنظيمها وتحقيقها (mile Durkheim, 1897).
ومن هذه الزاوية، لا يصبح الرحيل مجرد قرار اقتصادي، وإنما قد يتحول إلى استجابة لحالة أعمق من فقدان الاتجاه؛ فالذي يصعد إلى القارب لم تبدأ رحلته عند الشاطئ، وإنما ربما بدأت يوم شعر لأول مرة أن السنوات القادمة لن تكون أفضل من السنوات التي سبقتها، وأن المكان الذي ينتمي إليه لم يعد قادرًا على تقديم صورة مقنعة عن مستقبله. وهكذا يكون الإنسان قد بدأ الرحيل عن وطنه في داخله قبل أن يرحل عنه بجسده.
2. حين يصبح البحر أقل رعبًا من اليابسة:
ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجًا في ظاهرة قوارب الموت هو: كيف يصبح البحر أقل رعبًا من اليابسة؟ فالجميع يعرف مخاطر الرحلة، والجميع يدرك أن القارب قد يغرق وأن الوصول غير مضمون، ومع ذلك يختار بعض الشباب المخاطرة بحياتهم. وهذا يعني أن تفسير الظاهرة بالفقر أو البطالة وحدهما يظل ناقصًا؛ لأن ما يجعل المخاطرة ممكنة ليس الفقر فقط، بل انهيار الأفق. فالإنسان الذي يرى أمامه بدائل حقيقية يستطيع أن يقارن بين المخاطرة والأمان، أما الذي يشعر أن البدائل تضيق من حوله، فقد يبدأ في مقارنة مخاطرة الموت بمستقبل يراه مسدودًا أصلًا.
وهنا يعود إميل دوركايم بمفهوم الأنومي ليشير إلى حالة اضطراب التطلعات عندما تضعف الأطر الاجتماعية القادرة على تنظيم الرغبات وتوفير مسارات واقعية لتحقيقها (mile Durkheim, 1897). بينما يوضح روبرت ميرتون أن المجتمع قد يرسخ أهدافًا للنجاح والارتقاء، لكنه لا يوفر لجميع أفراده الوسائل نفسها لتحقيقها؛ وعندما تتسع الفجوة بين الأهداف والوسائل المتاحة، تظهر استجابات مختلفة، بعضها يخرج عن الوسائل المعيارية (Robert K. Merton, 1938).
ومن هنا يمكن قراءة الهجرة غير النظامية، في أحد أبعادها، باعتبارها تعبيرًا عن فجوة بين الرغبة المشروعة في حياة أفضل والوسائل المتاحة لتحقيقها؛ فالهدف ليس الموت، بل الحياة، لكن عندما يبدو الطريق المشروع إلى الحياة الكريمة مغلقًا أو بطيئًا أو بعيدًا، يصبح الطريق الخطير أكثر قابلية للتجربة. وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تقلقنا: أن يصبح البحر، الذي نعرف أنه قد يقتل، أكثر إقناعًا من أرض لم تعد تقنع صاحبها بأن المستقبل ممكن.
3. رحيل تنمية عادلة منذ عقود... عندما تصبح الجغرافيا قدرًا
لا يمكن أن نفهم قوارب الموت دون أن نفهم الجغرافيا التي تنطلق منها، لأن المواطن لا يعيش في «تونس» بوصفها فكرة مجردة، وإنما يعيش في مدينة أو قرية أو ولاية، ويختبر الدولة من خلال فرص العمل والتعليم والصحة والاستثمار والنقل والخدمات التي يجدها في محيطه. ولهذا تصبح التنمية الجهوية قضية عدالة اجتماعية وليست مجرد قضية بنية تحتية؛ فحين تتوزع الفرص بشكل غير متكافئ، يمكن لمكان الميلاد أن يتحول إلى عامل يحدد جزءًا من المسار الاجتماعي للفرد. وتشير تحليلات سوق العمل التونسي إلى استمرار هشاشة تشغيل الشباب وصعوبة الانتقال من التعليم إلى العمل، إلى جانب تفاوتات جهوية تؤثر في فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي (Danish Refugee Council, 2026).
وهنا يصبح تحليل بيير بورديو مهمًا، لأنه يبين أن الموارد التي يمتلكها الفرد لا تتحول تلقائيًا إلى فرص، فالرأسمال الثقافي والشهادات والمهارات تحتاج إلى شبكات ومواقع اجتماعية تسمح بتحويلها إلى مكاسب فعلية (Pierre Bourdieu, 1980). لذلك قد يكون الشاب متعلمًا ويمتلك شهادة ومهارة واستعدادًا للعمل، لكنه لا يجد البيئة التي تحول هذه الموارد إلى حياة مستقرة، فيبدأ في الشعور بأن المشكلة ليست في قدراته فقط، وإنما في جغرافيا الفرص التي وُضع فيها.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام أفراد فشلوا في بناء حياتهم، أم أمام منظومة لم تنجح في تحويل إمكاناتهم إلى فرص؟
4. من البطالة إلى انهيار الأفق:
البطالة ليست مجرد غياب راتب، خصوصًا بالنسبة إلى الشباب، لأنها قد تعني أيضًا تأجيل الاستقلال والاعتراف الاجتماعي وتكوين الأسرة وبناء المشروع الشخصي؛ فالعمل ليس مصدر دخل فقط، بل موقع اجتماعي يشعر الإنسان من خلاله أنه منتج وفاعل وقادر على التخطيط للمستقبل. وعندما يطول غياب العمل، قد يتحول الحرمان الاقتصادي إلى إحساس بالهامشية واللاجدوى، خصوصًا عندما يقارن الفرد حياته بحياة الآخرين. وهنا يظهر مفهوم الحرمان النسبي؛ فالإنسان لا يقيس وضعه بما يملك فقط، وإنما بما يراه ممكنًا وبما يعتقد أنه كان يمكن أن يحصل عليه.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المقارنة أكثر كثافة؛ فالشاب يرى يوميًا صورًا لحياة أخرى، مدنًا أخرى، وظائف أخرى، مستويات استهلاك أخرى ومسارات نجاح أخرى، حتى وإن كانت هذه الصور انتقائية، فينشأ شعور بالمسافة بين الواقع الذي يعيش فيه والحياة التي يتخيلها. ويكتسب تحليل زيغمونت بومان للحداثة السائلة أهمية هنا، إذ يرى أن العمل والعلاقات والهويات والمسارات الحياتية أصبحت أكثر هشاشة وعدم استقرار، وأن الفرد يعيش تحت ضغط مستمر لإعادة بناء موقعه في عالم سريع التغير (Zygmunt Bauman, 2000).
ومن هذه الزاوية، قد تصبح الهجرة محاولة لإعادة تشغيل الحياة، لا لأنها تضمن حياة مثالية، وإنما لأنها تمنح صاحبها شعورًا بأن هناك احتمالًا آخر لمستقبل مختلف؛ فالمشكلة ليست دائمًا أن الشاب يريد أكثر مما يستطيع وطنه أن يعطيه، وإنما أنه لم يعد قادرًا على رؤية أي مستقبل قابل للبناء داخل الوطن.
5. رحيل الأمل قبل رحيل الإنسان:
لعل العبارة الأشد اختصارًا للمأساة كلها هي: رحيل الأمل قبل رحيل الإنسان. فالأمل ليس ترفًا نفسيًا أو عبارة أدبية، وإنما قدرة على تخيل المستقبل، وهو ما يجعل الإنسان قادرًا على تحمل صعوبات الحاضر. حين يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، يستطيع أن ينتظر ويصبر ويعيد المحاولة، لكن عندما يصبح الغد نسخة من اليوم، وعندما تتكرر الخيبات دون أن تظهر مؤشرات على التغيير، يتحول الانتظار إلى عبء، ويبدأ الأمل نفسه في التآكل.
وهنا يساعدنا روبرت كاستل على فهم العلاقة بين العمل والاستقرار والاندماج الاجتماعي؛ فالهشاشة لا تعني الفقر فقط، بل تعني أيضًا فقدان الروابط التي تمنح الفرد موقعًا مستقرًا داخل المجتمع، وخاصة العمل والحماية والاعتراف (Robert Castel, 1995). وعندما تتآكل هذه الروابط، يصبح الإنسان أقرب إلى الهامش، وعندما يشعر بأنه يقف طويلًا على هامش المجتمع، قد يتحول الرحيل إلى محاولة للخروج من الهامش.
لذلك فإن بعض هؤلاء الشباب لا يهربون بالضرورة من الفقر إلى الثراء، وإنما من اللاجدوى إلى إمكانية الحياة؛ إنهم لا يبحثون فقط عن بلد آخر، بل عن فرصة لاستعادة الإحساس بأن لحياتهم اتجاهًا، وأن سنواتهم القادمة يمكن أن تكون مختلفة، وأن الجهد يمكن أن ينتج نتيجة، وأن الانتظار يمكن أن ينتهي يومًا ما.
6. رحيل الانتماء... عندما لا يعود الوطن مقنعًا
الوطن ليس مجرد حدود جغرافية ولا مجرد وثيقة هوية، وإنما هو تجربة يومية يعيشها الإنسان من خلال المدرسة والمستشفى والإدارة والعمل والعدالة والخدمات والفرص والعلاات الاجتماعية؛ لذلك فإن الانتماء لا يمكن أن يكون مجرد مطلب أخلاقي يوجه إلى المواطن، بل هو أيضًا علاقة متبادلة بين الفرد والمجتمع والدولة. وقد قدم بنديكت أندرسون مفهوم «الجماعة المتخيلة» لفهم الأمة باعتبارها جماعة يشعر أفرادها بأنهم ينتمون إلى كيان مشترك، حتى وإن كانوا لا يعرفون معظم أعضائه بصورة شخصية (Benedict Anderson, 1983).
لكن هذا الشعور بالانتماء يحتاج إلى تجارب يومية تغذيه؛ فإذا شعر الشاب أن وطنه يطالبه بالبقاء لكنه لا يوفر له شروط الحياة الكريمة، فإن العلاقة تبدأ في التصدع. ويضيف بيير بورديو أن الموقع الاجتماعي للفرد ورصيده من رأس المال الاجتماعي والثقافي يؤثران في قدرته على الوصول إلى الفرص والموارد (Pierre Bourdieu, 1979).
لذلك فإن الشاب الذي يرى أن الكفاءة وحدها لا تكفي، وأن الطريق إلى الفرصة يمر أحيانًا عبر شبكات لا يمتلكها، قد يبدأ في فقدان الثقة في إمكانية تحقيق ذاته داخل المكان الذي ينتمي إليه. وهنا لا يختفي الوطن من وجدانه بالضرورة، لكنه يصبح أقل حضورًا في صورة المستقبل؛ أي أن الوطن يبقى في الهوية، لكنه يبدأ في الغياب عن الخيال المستقبلي.
7. رحيل الضمير الجمعي... حين يصبح الموت خبرًا عابرًا
ثمة مأساة أخرى قد تكون أقل ظهورًا من الغرق، لكنها لا تقل خطورة: أن نعتاد الغرق. في البداية يصدمنا الخبر، ثم نحزن، ثم نغضب، ثم تتكرر الحوادث، فنبدأ في التعامل معها باعتبارها جزءًا من الأخبار اليومية؛ نقرأ عدد المفقودين، نشاهد صور القارب، نكتب كلمات التعاطف، ثم نعود إلى حياتنا. هنا لا تعود المشكلة في الموت وحده، بل في قدرتنا الجماعية على تحويل الموت إلى سؤال. وقد جعل إميل دوركايم التضامن والضمير الجمعي عنصرين أساسيين في تماسك المجتمع، لأن المجتمع لا يقوم فقط على القوانين والمؤسسات، وإنما أيضًا على الشعور بأن مصير أفراده مرتبط بعضه ببعض (mile Durkheim, 1893).
وإذا أصبحت وفاة شباب في البحر خبرًا يتكرر دون أن تنتج المأساة مراجعة عميقة للأسباب والسياسات، فإننا نكون أمام شكل من أشكال التطبيع مع الموت. عندها يصبح الخطر أن نبدأ في الحديث عن «عدد الضحايا» بدل الحديث عن البشر الذين كانوا وراء العدد؛ فكل واحد منهم حياة كاملة، وأسرة، وذاكرة، وأصدقاء، وأحلام. ولذلك فإن إنقاذ الضمير الجمعي لا يقل أهمية عن إنقاذ الغرقى؛ لأن المجتمع الذي يعتاد موت أبنائه يخسر شيئًا من حساسيته الأخلاقية، وربما يبدأ تدريجيًا في اعتبار المأساة قدرًا بدل أن يراها نتيجة قابلة للتغيير.
8. المهرب ليس بداية الحكاية:
لا يمكن بأي شكل من الأشكال تجاهل المسؤولية القانونية والأخلاقية لشبكات التهريب التي تستغل هشاشة الناس وتبيعهم وعود الوصول وتضعهم أحيانًا في وسائل غير صالحة للإبحار، لكن اختزال الظاهرة كلها في المهربين يعني أننا نعالج الحلقة الأخيرة من السلسلة ونترك بدايتها.
وهنا يكتسب تحليل عبد الملك صياد أهمية خاصة، لأنه يرفض اختزال الهجرة في انتقال فرد من بلد إلى آخر، ويدعو إلى فهم شروط إنتاجها داخل مجتمع الانطلاق أيضًا، بما في ذلك التمثلات والانتظارات والموقع الاجتماعي للمهاجر (Abdelmalek Sayad, 1991). فالمهرب لا يخلق الرغبة في الرحيل من الصفر، وإنما يستثمر في رغبة موجودة أصلًا؛ هناك شاب بدأ يفكر، ثم تحدث مع صديق، ثم تابع قصة مهاجر، ثم أصبح الرحيل احتمالًا، ثم بحث عن الطريق، وعندها ظهر المهرب باعتباره بائع هذا الطريق.
لذلك فإن تفكيك شبكات التهريب ضرورة، لكنه لا يعالج وحده الطلب الاجتماعي الذي يجعل هذه الشبكات قادرة على الاستمرار؛ والسؤال الأعمق ليس فقط: من يبيع القارب؟ بل: لماذا أصبح هناك من هو مستعد لشراء تذكرة قد تكون تذكرة إلى الموت؟
9. من «الحرقة» إلى جغرافيا اليأس:
ربما آن الأوان لكي نعيد النظر في مفهوم «الحرقة»، لأنه يصف الفعل لكنه لا يفسر البيئة التي أنتجته. يمكن أن نتحدث، بدلًا من ذلك، عن جغرافيا اليأس؛ أي تلك المناطق والبيئات التي تتقاطع فيها البطالة والهشاشة والتفاوت الجهوي وضعف الفرص وتراجع الثقة وانتشار ثقافة الرحيل. فالقرار الفردي لا يولد في عزلة؛ الشاب يتأثر بأصدقائه وأقاربه وأبناء حيه، يسمع من وصلوا، ويعرف من عادوا، ويتابع صورًا وتجارب من سبقوه، وقد تصبح قصص الهجرة جزءًا من الحديث اليومي حتى تتحول من مغامرة فردية إلى احتمال اجتماعي مألوف. وهنا يعود عبد الملك صياد ليذكرنا بأن الهجرة ظاهرة اجتماعية تتشكل داخل شبكة من التمثلات والعلاقات، وليست مجرد حركة جغرافية (Abdelmalek Sayad, 1999).
وعندما يصبح في حي واحد عدد من الشباب الذين غادروا، فإن الهجرة تخلق نموذجًا اجتماعيًا قابلًا للتكرار؛ فنجاح أحدهم قد يصبح دافعًا للآخر، وفشل آخر قد يُفسر باعتباره سوء حظ، وموت ثالث قد لا يمنع رابعًا من التجربة. وهكذا يتحول الرحيل إلى خيال جماعي، ويصبح البحر جزءًا من المخيال الاجتماعي، لا مجرد فضاء جغرافي.
10. حين يصبح المستقبل نفسه مهاجرًا:
ربما تكون هذه أكثر صور المأساة عمقًا؛ فالإنسان قد يهاجر قبل أن يغادر جسديًا، حين يبدأ في بناء مستقبله في مكان آخر داخل خياله. يتابع أخبار الهجرة، يتخيل العمل، يتصور المدينة التي سيعيش فيها، يقارن بين الأجور، يبحث عن فرص، ويتحدث مع من سبقوه، حتى يصبح المكان الذي يعيش فيه مجرد محطة مؤقتة. وهنا تخسر البلاد شيئًا قبل أن تخسر جسدًا؛ إنها تخسر المستقبل الذي كان يمكن أن يبنيه هذا الشاب داخلها.
فالمجتمع لا يفقد فقط عددًا من الشباب، وإنما قد يفقد مهاراتهم وأفكارهم ومبادراتهم واستثماراتهم وقدرتهم على تجديد النسيج الاجتماعي. ومن هذه الزاوية يمكن استحضار تحليل روبرت بوتنام للرأسمال الاجتماعي، حيث يربط قوة المجتمع بدرجة الثقة والمشاركة والشبكات التي تسمح للأفراد بالعمل المشترك (Robert D. Putnam, 2000).
وعندما يبدأ جيل كامل في التفكير في مستقبله خارج البلد، فإن الخسارة لا تكون ديموغرافية فقط، بل تصبح أيضًا خسارة في الثقة وفي القدرة على إنتاج المستقبل محليًا؛ فالشاب لا يأخذ معه جسده فقط، وإنما قد يأخذ معه نسخة من المستقبل كانت ممكنة هنا.
11. الوطن كعقد اجتماعي ووعد بالمستقبل:
إذا أردنا من الشباب أن يبقوا، فلا يكفي أن نقول لهم إن الوطن يحتاجهم، لأن الوطن الذي يريد من أبنائه أن يبقوا يجب أن يمنحهم أسبابًا حقيقية للبقاء. الوطن عقد اجتماعي، والعقد الاجتماعي لا يقوم على الواجبات فقط، وإنما على الحقوق والفرص والكرامة والعدالة والاعتراف. ويؤكد روبرت بوتنام أن الثقة الاجتماعية والمؤسساتية والتعاون ليست عناصر ثانوية، بل هي من مقومات قوة المجتمع وقدرته على العمل المشترك (Robert D. Putnam, 2000).
كما يوضح بيير بورديو أن الفرص لا تتوزع فقط وفق الكفاءة الفردية، وإنما تتأثر بالرأسمال الاجتماعي والثقافي وبالموقع الذي يحتله الفرد داخل الشبكات الاجتماعية (Pierre Bourdieu, 1980). ولذلك فإن بناء الانتماء لا يكون عبر الخطاب وحده، وإنما عبر جعل المواطن يشعر أن جهده يمكن أن يتحول إلى نتيجة، وأن كفاءته يمكن أن تفتح له بابًا، وأن مكان ميلاده لا يحكم عليه بمستقبل أقل، وأن الدولة لا تظهر فقط عندما تمنع وتراقب وتعاقب، بل تظهر أيضًا عندما تفتح الطريق أمام الحياة. الوطن ليس فقط أرضًا نطلب من أبنائها ألا يغادروها؛ الوطن وعدٌ بأن يكون لهم فيها مستقبل.
12. هل نمنع القوارب أم نفتح طرقًا للحياة؟
إن إنقاذ الأرواح وملاحقة شبكات التهريب وحماية الحدود مسؤوليات لا يمكن التقليل من شأنها، لكن المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن المقاربة الأمنية وحدها قادرة على إنهاء الظاهرة؛ يمكن إيقاف قارب، وتشديد الرقابة، وإغلاق طريق، لكن هل يمكن منع الفكرة التي دفعت صاحبها إلى القارب؟ إن لم تتغير الأسباب التي تنتج الرغبة في الرحيل، فسوف تبحث الرغبة عن طرق جديدة.
لذلك ينبغي أن تنتقل السياسة من منع الرحيل فقط إلى صناعة أسباب البقاء، ومن مراقبة البحر إلى إصلاح الأرض، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن النظر إلى الشباب باعتبارهم مشكلة أمنية إلى النظر إليهم باعتبارهم طاقة بشرية واجتماعية يمكن أن تكون أساس التنمية. إن السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع الشباب من ركوب القوارب؟ وإنما: كيف نجعلهم لا يحتاجون إلى ركوبها أصلًا؟ وهذا يعني الاستثمار في التعليم وسوق العمل والتنمية الجهوية والخدمات والعدالة الاجتماعية، لأن أفضل وسيلة لمواجهة قوارب الموت ليست فقط منع القوارب من الإبحار، وإنما جعل الحياة على اليابسة أكثر إقناعًا من الرحيل.
13. بنقردان وجرجيس... حين تكشف الجغرافيا سؤال الوطن
قد تبدو المأساة مرتبطة ببنقردان وجرجيس، لكنها في الحقيقة تكشف سؤالًا وطنيًا يتجاوز المنطقتين؛ لأن التفاوت الجهوي لا يبقى في الإحصائيات، بل يتحول إلى تجارب شخصية وقرارات وهجرة وغضب وفقدان ثقة. والمطلوب من التنمية الجهوية ليس فقط بناء مشاريع أو تحسين البنية الأساسية، وإنما بناء أفق اجتماعي يشعر معه الشاب أن المكان الذي ولد فيه لا يحكم عليه بمستقبل محدود. ينبغي أن يتحول البحر إلى مورد للعمل والتنمية لا إلى طريق للهروب، وأن تتحول الحدود إلى فرصة للتبادل والاستثمار لا إلى مجرد خط ينبغي عبوره، وأن يشعر أبناء هذه المناطق بأن الدولة موجودة عندما يبحثون عن فرصة بقدر حضورها عندما يتعلق الأمر بالرقابة والمنع. فالمشكلة ليست في الجغرافيا نفسها، وإنما في الطريقة التي تُوزع بها الفرص داخلها؛ وعندما يشعر المواطن أن مكانه الجغرافي أصبح قدرًا اجتماعيًا، فإن الرحيل يصبح محاولة لتغيير ذلك القدر.
14. رحم الله شهداء موت الأمل قبل موتهم:
رحم الله الذين ابتلعهم البحر، ورحم الله المفقودين، ورحم الله عائلاتهم التي تعيش الآن أقسى أنواع الانتظار، بين أمل عودة الابن وخوف تلقي خبر موته؛ لكن رحم الله أيضًا شهداء موت الأمل قبل موتهم، لأن بعضهم مات غرقًا، لكنّ الأمل كان قد غرق في داخله قبل ذلك. وهذه العبارة ليست مجرد استعارةأدبية، وإنما يمكن أن تكون مفتاحًا لفهم المأساة كلها؛ فالإنسان الذي يملك الأمل يستطيع أن يصبر، والذي يرى أفقًا يستطيع أن ينتظر، والذي يشعر أن له مكانًا في المستقبل يستطيع أن يتحمل صعوبات الحاضر، أما عندما يموت الأمل، يصبح المجهول أقل رعبًا، ويصبح الرحيل احتمالًا قابلًا للتجربة، حتى عندما يكون ثمنه الحياة نفسها. ولذلك لا ينبغي أن نسأل فقط من دفع ثمن القارب، أو من نظمه، أو من قاده، بل علينا أن نسأل أيضًا: من دفع هذا الإنسان إلى التفكير في القارب أصلًا؟
خاتمة: من الذي رحل أولًا؟
حين تتكاثر الرحلات إلى «اللامكان»، لا ينبغي أن نكتفي بعدّ القوارب أو المفقودين، بل علينا أن نعدّ الأحلام التي سبقتها، وسنوات الانتظار، وفرص العمل الضائعة، والتنمية المؤجلة، والفوارق الجهوية، والوعود التي لم تتحول إلى واقع، والثقة التي تآكلت، والشباب الذين بدأوا يغادرون في مخيلتهم قبل أن يغادروا بأجسادهم. فالقارب الذي يغرق في البحر قد يكون آخر حلقة في سلسلة طويلة من الغرق الاجتماعي: غرق التنمية العادلة، وغرق الانتماء، وغرق الثقة، وغرق الضمير الجمعي، وغرق الأمل، ثم يأتي البحر ليعلن الغرق الأخير.
لذلك فإن مأساة قوارب الموت ليست في القارب وحده، وليست في المهرب وحده، وليست في الشاب وحده؛ إنها في المسافة التي اتسعت بين الإنسان ووطنه، وفي تلك اللحظة التي يصبح فيها الرحيل أكثر إقناعًا من البقاء.
رحم الله شهداء موت الأمل قبل موتهم.
فبعضهم مات غرقًا، لكنّ الأمل كان قد غرق في داخله قبل ذلك.
وحين تتكاثر الرحلات إلى «اللامكان»، يبقى السؤال:
مَن الذي رحل أولًا؟
الشباب... أم الوطن عنهم؟
المراجع:
1. Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso, 1983.
2. Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.
3. Bourdieu, Pierre. La distinction : critique sociale du jugement. Paris: Les ditions de Minuit, 1979.
4. Bourdieu, Pierre. « Le capital social : notes provisoires ». Actes de la recherche en sciences sociales, n° 31, 1980.
5. Castel, Robert. Les métamorphoses de la question sociale : une chronique du salariat. Paris: Fayard, 1995.
6. Danish Refugee Council. DRC Tunisia: Youth Employment and Inclusive Growth in Tunisia – Labour Market Assessment. 2026.
7. Durkheim, mile. De la division du travail social. Paris: Félix Alcan, 1893.
8. Durkheim, mile. Le Suicide : étude de sociologie. Paris: Félix Alcan, 1897.
9. Merton, Robert K. « Social Structure and Anomie ». American Sociological Review, vol. 3, n° 5, 1938.
10. Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon & Schuster, 2000.
11. Sayad, Abdelmalek. L’immigration ou les paradoxes de l’altérité. Bruxelles: De Boeck-Wesmael, 1991.
12. Sayad, Abdelmalek. La double absence : des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré. Paris: ditions du Seuil, 1999.
13. Institut National de la Statistique (INS). Statistiques de l’emploi et du chômage en Tunisie. Tunis.
14. Afrobarometer. Tunisian Youth See Their Country as Moving in the Wrong Direction, but Express Optimism about the Future. 2026.
حين يرحل الأمل قبل الإنسان قوارب الموت من بنقردان وجرجيس... قراءة سوسيولوجية في جغرافيا اليأس والرحيل إلى اللامكان
2026-08-25
45 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال