مقدمة: حين يتحول الماء من ثروة طبيعية إلى سلعة
تبدو المسألة، في ظاهرها، بسيطة: مياه معدنية تُستخرج من باطن الأرض، وتُعبّأ، وتُسوَّق للمستهلك، في إطار منظومة قانونية وتنظيمية تحدد شروط الاستغلال وضوابط البيع والأسعار. وتتدخل أجهزة الرقابة عند حصول تجاوزات، وتؤكد وزارة التجارة أن احترام الأسعار القانونية واجب، وأن كل مخالفة ستُعايَن وتُتتبَّع وتُزجر وفق القانون. لكن اختزال القضية في سؤال الأسعار قد يحجب السؤال الأهم. فالسؤال ليس فقط: «هل تُحترم الأسعار؟» بل: «من يملك هذه الثروة؟ ومن يملك حق استغلالها؟ ومن يستفيد فعليًا من عائداتها؟» هنا تنتقل المسألة من مجرد مراقبة تجارية إلى سؤال يتعلق بالثروة الوطنية، والملكية العمومية، والريع، والعدالة الاجتماعية، وعلاقة القانون بموازين القوة الاقتصادية. فالمياه المعدنية ليست مجرد سلعة عادية تُنتج داخل مصنع، وإنما هي مورد طبيعي نشأ وتكوّن داخل طبقات الأرض وأصبح جزءًا من الرصيد الطبيعي للبلاد، في حين أن عملية استخراجها وتعبئتها وتسويقها هي نشاط اقتصادي لاحق على وجود المورد نفسه. ومن هنا يبرز السؤال: هل ينبغي أن تكون القيمة الاقتصادية الكبرى في المياه المعبأة ناتجة أساسًا عن حق خاص في استغلال مورد طبيعي مشترك، أم أن جزءًا أكبر من هذه القيمة ينبغي أن يعود إلى المجتمع الذي ينتمي إليه هذا المورد؟
1. من الماء الطبيعي إلى السلعة التجارية:
حين تصل قارورة الماء إلى المستهلك، فإنه يرى منتوجًا معروضًا للبيع بثمن محدد، لكنه لا يرى بالضرورة السلسلة الطويلة التي تقف وراءها: مورد طبيعي، ثم حق في الاستغلال، ثم استخراج، فتعبئة، ونقل، وتوزيع، وتسويق، وأخيرًا ربح. وفي هذه السلسلة لا تتساوى جميع الحلقات من حيث طبيعتها؛ فالمصنع والاستثمار والتجهيز والعمل والتعبئة والتوزيع عناصر اقتصادية لها كلفة ويمكن قياسها ومحاسبتها، أما الماء نفسه، باعتباره موردًا طبيعيًا، فليس نتاجًا أصليًا للمستثمر. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين استغلال الثروة وامتلاك الثروة. فقد تمنح الدولة حق استغلال مورد طبيعي لمؤسسة خاصة وفق شروط قانونية محددة، لكن منح حق الاستغلال لا يعني بالضرورة أن المورد نفسه أصبح ملكًا خاصًا بالمعنى المطلق. وهذا التمييز يسمح بطرح السؤال الحقيقي: إذا كان المورد طبيعيًا وذا قيمة اقتصادية واستراتيجية، فكيف ينبغي أن توزع القيمة الناتجة عن استغلاله؟
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نضع أمامنا معطى بالغ الدلالة: إذا كان المقابل المحدد لاستخراج المياه المعدنية هو 50 مليمًا للمتر المكعب، فإن هذا المتر المكعب يعادل 1000 لتر من الماء. أي أن المقابل عند المنبع، وفق هذا المعطى، يعادل حسابيًا 0.05 مليم فقط للتر الواحد. وإذا صح هذا المعطى وفق الأطر القانونية والمالية المعمول بها، فإن المسألة لا تعود مجرد نقاش حول سعر قارورة الماء في السوق، بل تصبح سؤالًا حول العلاقة بين قيمة المورد عند المنبع وقيمته بعد تحويله إلى سلعة. فكيف يمكن لمورد طبيعي استراتيجي أن يخرج من الأرض بهذا المقابل الرمزي، ثم يكتسب بعد ذلك قيمة تجارية أعلى بكثير عبر التعبئة والتوزيع والتسويق؟ وما الحصة التي تعود للمجتمع من هذه الزيادة في القيمة؟
2. حين يتحول الاستغلال إلى ريع:
يمكن أن يتحول استغلال الموارد الطبيعية إلى شكل من أشكال الريع الاقتصادي عندما تصبح الأرباح المرتبطة بالوصول إلى المورد أكبر بكثير من القيمة التي يضيفها النشاط الاقتصادي نفسه. وهنا لا يتعلق الأمر بالضرورة باتهام مؤسسة بعينها أو التشكيك في شرعية نشاطها، وإنما يتعلق بتصميم النظام نفسه: من يمنح حق الاستغلال؟ وبأي شروط؟ ولمدة كم؟ وبأي مقابل؟ وكيف تُحتسب الإتاوات والرسوم؟ ومن يراقب حجم الاستخراج؟ وكيف تُقيَّم القيمة الحقيقية للمورد؟ وهل يعود جزء عادل من العائد الاقتصادي إلى المجموعة الوطنية؟ فالريع لا يكون فقط في الأسعار المرتفعة التي يدفعها المستهلك، بل يمكن أن يكون أيضًا في الحصول على امتياز اقتصادي مرتبط بمورد طبيعي محدود دون أن يعكس المقابل المالي القيمة الحقيقية لذلك المورد. وإذا كان المتر المكعب، أي 1000 لتر، يُستغل بمقابل لا يتجاوز 50 مليمًا وفق المعطى المعتمد في هذا المقال، بينما تتحول المياه بعد تعبئتها وتسويقها إلى منتج ذي قيمة سوقية أكبر بكثير، فإن السؤال المشروع يصبح: هل تحصل الدولة والمجتمع على نصيبهما العادل من الثروة التي تُستخرج من باطن الأرض؟
3. السعر ليس هو القيمة:
من أكثر الاختزالات شيوعًا أن نقيس أهمية الماء فقط بسعر بيعه للمستهلك. لكن السعر التجاري لا يعكس بالضرورة القيمة الحقيقية للمورد الطبيعي، لأن ثمن القارورة يتكون من عناصر عديدة تشمل القارورة نفسها، والطاقة، والتعبئة، والأجور، والنقل، والتوزيع، والتسويق، والضرائب، وهامش الربح. ومع ذلك يبقى السؤال الأهم: أين تظهر قيمة الماء باعتباره موردًا طبيعيًا؟ وإذا كان استخراج 1000 لتر من الماء، أي متر مكعب واحد، يتم بمقابل 50 مليمًا فقط، فهل يعكس هذا المقابل فعلًا القيمة الاقتصادية والاستراتيجية والاجتماعية للماء؟ هنا ينبغي التمييز بين تكلفة إنتاج السلعة وبين قيمة المورد الذي تقوم عليه عملية الإنتاج كلها.
فالقارورة يمكن تصنيعها، والمصنع يمكن بناؤه، وشبكة التوزيع يمكن تطويرها، أما المورد المائي نفسه فلا يستطيع المستثمر خلقه أو استبداله بسهولة. ولذلك فإن حماية المستهلك من الارتفاع غير المشروع في الأسعار مسألة ضرورية، لكنها ليست سوى طبقة واحدة من المسألة، أما الطبقة الأعمق فهي حماية الثروة الوطنية نفسها من أن تتحول إلى مصدر ريع خاص لا يعكس قيمتها الاستراتيجية والاجتماعية.
4. من يملك الماء؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن ينتقل من الهامش إلى قلب النقاش. فإذا كانت المياه الجوفية والمياه المعدنية جزءًا من الموارد الطبيعية للبلاد، فإن التعامل معها لا ينبغي أن يقتصر على منطق السوق. الدولة ليست مجرد شرطي يراقب السعر ويضبط المخالفات، وإنما هي، قبل ذلك، مسؤولة عن إدارة مورد طبيعي محدود وضمان استدامته وحماية حق الأجيال القادمة فيه. ومن ثم فإن مفهوم الملكية العمومية لا ينبغي أن يبقى مفهومًا قانونيًا مجردًا، بل يجب أن تكون له ترجمة اقتصادية واجتماعية فعلية، بحيث تُحمى الموارد من الاستنزاف، وتُراقب كميات الاستخراج، وتضمن شفافية التراخيص والامتيازات، ويُراجع المقابل المالي لاستغلال الموارد الطبيعية كلما تغيرت قيمتها الاقتصادية، ويربط الاستغلال بمقتضيات التنمية المستدامة. فالملكية العمومية لا تكتمل بمجرد أن تقول الدولة إن المورد ملك عمومي؛ إنها تكتمل عندما يشعر المواطن أن هذا المورد العمومي يعود عليه بالنفع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
5. حين تصبح الثروة الوطنية مصدرًا للريع:
قد يكون المورد وطنيًا من الناحية القانونية، لكن القيمة الناتجة عن استغلاله قد تتوزع بصورة غير عادلة. وهنا ينبغي التمييز بين الثروة ومن يملك القدرة على تحويلها إلى ثروة مالية. فالمياه موجودة في الطبيعة، لكن الوصول إليها يحتاج إلى رأس مال ورخصة وتجهيزات وشبكات توزيع وقدرة على النفاذ إلى السوق. وهكذا يصبح السؤال السوسيولوجي: هل تتساوى فرص الفاعلين الاقتصاديين في الوصول إلى الموارد الطبيعية؟ أم أن رأس المال والعلاقات والنفوذ الاقتصادي تجعل بعض الفاعلين أكثر قدرة من غيرهم على الاستفادة من الثروة؟ وعندما يكون المورد متاحًا بمقابل زهيد للغاية عند المنبع، يصل إلى 50 مليمًا فقط لكل متر مكعب، أي لكل 1000 لتر، ثم تتحول عملية استغلاله إلى نشاط تجاري مربح، فإننا نحتاج إلى التدقيق في كيفية توزيع هذه القيمة بين الدولة والمستثمر والمستهلك والمجتمع. فالمشكلة ليست في وجود الاستثمار الخاص في حد ذاته، وإنما في من يلتقط القيمة الأكبر من مورد طبيعي مشترك.
6. جغرافيا السلب: حين لا يأتي النهب من الخارج
حين نتحدث عن الثروات الوطنية المنهوبة، تميل المخيلة إلى البحث عن المستفيد خارج الحدود: شركات أجنبية أو مصالح دولية أو قوى اقتصادية عابرة للدول. لكن هل يأتي الاستنزاف دائمًا من الخارج؟ أم أن جزءًا من الثروة قد يُستنزف من الداخل أيضًا، عبر شبكات محلية من المصالح والنفوذ والامتيازات؟ هنا تبرز فكرة «جغرافيا السلب»؛ فالسلب لا يرتبط بالضرورة بمكان جغرافي محدد، وإنما بشبكة من العلاقات التي تحدد من يصل إلى المورد، ومن يحصل على حق استغلاله، ومن يراكم الأرباح، ومن يملك القدرة على التأثير في قواعد اللعبة. وفي هذا السياق يصبح من المشروع طرح أسئلة أكثر إزعاجًا: هل توجد في بعض القطاعات ثروات وطنية تتحول، بفعل تركّز النفوذ الاقتصادي، إلى مصادر ريع تستفيد منها شبكات محدودة من الفاعلين؟ وهل يمكن أن تتحول بعض العائلات أو المجموعات الاقتصادية النافذة، عبر تراكم رأس المال والعلاقات والنفوذ، إلى فاعلين قادرين على الاحتفاظ بمواقع متميزة داخل منظومة الاستغلال؟ لا يعني طرح هذه الأسئلة اتهام أشخاص أو عائلات بعينها، وإنما يعني مساءلة البنية التي تجعل الوصول إلى الثروة والامتيازات غير متكافئ.
7. بارونات وعائلات وشبكات نفوذ:
عندما نتحدث عن الثروات الوطنية، لا ينبغي أن نغفل احتمال تشكل مراكز نفوذ اقتصادية تستفيد من تراكم رأس المال والعلاقات والامتيازات عبر الزمن. فقد لا يكون الأمر مجرد مؤسسة واحدة أو مستثمر واحد، بل شبكة أوسع من المصالح، تتقاطع فيها الملكية مع النفوذ، والاقتصاد مع السياسة، والامتياز مع القدرة على الوصول. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل توجد ثروات وطنية تتحول تدريجيًا إلى مجال نفوذ لبارونات اقتصادية أو عائلات متحكمة في بعض القطاعات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعود ذلك فقط إلى قوة السوق، أم أيضًا إلى طبيعة القوانين وشروط التراخيص ونظم الامتياز وآليات الرقابة؟ ومرة أخرى، لا يتعلق الأمر بإطلاق اتهامات على أشخاص أو عائلات دون أدلة، بل بتفكيك البنية: من يملك؟ من يستغل؟ من يقرر؟ من يراقب؟ من يربح؟ ومن يتحمل كلفة الاستنزاف؟ فالثروة لا تصبح «منهوبة» فقط عندما تُسرق بصورة مباشرة، بل قد تصبح كذلك عندما تتحول، عبر الزمن، إلى امتياز دائم لفئة محدودة، بينما تبقى المنافع الاجتماعية العامة محدودة مقارنة بالقيمة الحقيقية للمورد.
8. حين تصبح القوانين جزءًا من السؤال:
القانون يفترض أن يكون أداة لتنظيم استغلال الثروة وحماية المصلحة العامة، لكن السؤال الذي يستحق البحث هو: هل تظل القواعد القانونية دائمًا محايدة في آثارها الاجتماعية والاقتصادية؟ فقد يكون القانون عادلًا في صياغته، لكنه قد ينتج آثارًا غير عادلة إذا صُممت شروط الاستغلال بطريقة تمنح أفضلية دائمة لمن يملك رأس المال أو النفوذ أو القدرة على الوصول إلى دوائر القرار. ومن هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: لماذا لا تُراجع القوانين والتراتيب المنظمة لاستغلال الثروات الطبيعية بصورة دورية، بما يجعلها مواكبة للقيمة الحقيقية لهذه الموارد وللمصلحة العامة؟ وهل يمكن أن تكون بعض التشريعات قد صيغت في سياقات تاريخية واقتصادية مختلفة ثم استمرت رغم تغير قيمة الموارد وتغير شروط الاقتصاد والمجتمع؟ أما السؤال الأكثر إزعاجًا فهو: هل يمكن أن تتحول بعض القواعد، عن قصد أو دون قصد، إلى حماية لامتيازات قائمة بدل أن تكون أداة لإعادة توزيع أكثر عدلًا للثروة؟ ولذلك ينبغي أن تتحول عبارة «قوانين على المقاس» من اتهام جاهز إلى سؤال بحثي قابل للتحقق: من صاغ القانون؟ ومتى؟ وما المصالح التي كانت حاضرة في لحظة صياغته؟ ومن استفاد منه تاريخيًا؟ ومن تضرر منه؟ ومن يملك القدرة اليوم على تغييره؟ فهذه الأسئلة لا تدين أحدًا مسبقًا، لكنها تفتح الباب أمام تحليل علاقة القانون بالاقتصاد والسلطة.
9. من الثروة الوطنية إلى الثروة المتاحة لمن يملك النفوذ:
المفارقة التي تستحق التأمل أن المورد قد يكون وطنيًا من الناحية القانونية، لكن توزيع المنافع الناتجة عنه قد لا يكون وطنيًا بالقدر نفسه. قد تكون الثروة ملكًا للمجموعة الوطنية، بينما تتركز عوائد استغلالها في أيدي عدد محدود من الفاعلين. وهنا يظهر الفرق بين ملكية الثروة والقدرة على الاستفادة منها. وهذا الفرق هو الذي يصنع، في جانب منه، جغرافيا اللامساواة. فالثروة لا تُوزع فقط حسب مكان وجودها الجغرافي، بل أيضًا حسب مواقع القوة التي تسمح بالوصول إليها والتحكم في شروط استغلالها. وهكذا يمكن أن نجد أنفسنا أمام مفارقة: ثروة وطنية في القانون، خاصة في توزيع منافعها. وعندها يصبح السؤال أكبر من المياه المعدنية؛ إنه سؤال عن نموذج إدارة الثروات الطبيعية في تونس كلها.
10. ماذا لو كان الماء ثروة استراتيجية؟
ينبغي النظر إلى المياه المعدنية لا باعتبارها مجرد قطاع اقتصادي، بل باعتبارها جزءًا من الأمن المائي والثروة الاستراتيجية للبلاد. فالماء مورد لا يمكن تعويضه بسهولة، وكل كمية تُستخرج اليوم هي جزء من مخزون طبيعي قد تكون له آثار على الأجيال القادمة. لذلك فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون فقط: كم قارورة بعنا؟ بل أيضًا: كم استخرجنا؟ وكم بقي؟ وبأي شروط استخرجناه؟ وكم عاد إلى المجتمع مقابل هذا الاستغلال؟ هنا ننتقل من منطق الإنتاج والربح إلى منطق الاستدامة والمسؤولية الجماعية. فالمورد الذي يدر أرباحًا اليوم قد يتحول إلى مورد مستنزف غدًا، وإذا لم تكن هناك سياسة واضحة توازن بين الاستثمار الاقتصادي وحماية المخزون المائي، فإننا نكون قد استبدلنا منفعة آنية بمشكلة استراتيجية طويلة الأمد.
11. المستهلك ليس الطرف الوحيد في المعادلة:
حين ترتفع أسعار المياه المعدنية، ينشأ نقاش مشروع حول القدرة الشرائية، وحين يقع تجاوز السعر المحدد قانونًا يصبح تدخل أجهزة الرقابة ضروريًا. لكن اختزال القضية في العلاقة بين المستهلك والبائع يجعل طرفًا أساسيًا غائبًا: المجتمع بوصفه صاحب المصلحة في المورد الطبيعي. فالمعادلة ليست فقط الدولة والمنتج والمستهلك، وإنما ينبغي أن تصبح: المورد الطبيعي والدولة والمستثمر والمستهلك والأجيال القادمة. وهنا يتغير معنى العدالة؛ فالعدالة ليست فقط أن يدفع المواطن سعرًا معقولًا، وإنما أيضًا أن يحصل المجتمع على نصيب عادل من الثروة التي تستخرج من أرضه، وأن تكون القيمة التي تُمنح للمستثمر مقابل استغلال المورد متناسبة مع القيمة الحقيقية لهذا المورد.
12. من إعادة تنظيم الاستغلال إلى ضرورة التأميم:
إذا كان الماء ثروة طبيعية استراتيجية، وإذا كان استغلاله الخاص يتيح تحقيق أرباح من مورد لم يصنعه المستثمر، وإذا كان المقابل المدفوع عند المنبع لا يعكس، في تقديرنا، القيمة الحقيقية لهذه الثروة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند حدود تحسين شروط الاستغلال أو مراجعة الإتاوات والرسوم. بل ينبغي أن نجرؤ على طرح سؤال أكثر جذرية: هل ما زال من المنطقي أن تظل الثروة المائية الاستراتيجية مجالًا واسعًا للاستغلال الخاص أصلًا؟
من هنا تبرز فكرة تأميم قطاع المياه المعدنية باعتبارها خيارًا سياديًا يستحق النقاش الجدي، لا باعتبارها شعارًا سياسيًا أو دعوة إلى مصادرة الاستثمار الخاص، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والثروة الطبيعية. فالماء الذي تختزنه الأرض التونسية لم يصنعه مستثمر، ولم تنشئه مؤسسة خاصة، وإنما هو رصيد طبيعي تشكل عبر الزمن وأصبح ملكًا للأجيال الحالية والقادمة. ولذلك يمكن الدفاع عن مبدأ واضح: يجب أن تكون ملكية المورد وعائداته الأساسية في يد المجتمع، وأن يكون دور القطاع الخاص، عند الحاجة، محصورًا في الخدمات والأنشطة التي لا تمس ملكية الثروة نفسها.
والتأميم، بهذا المعنى، لا يعني بالضرورة إلغاء الخبرة الخاصة أو تفكيك المؤسسات القائمة أو إهدار الاستثمارات، وإنما يعني أن تنتقل السيادة الاقتصادية على المورد إلى الدولة، بحيث تصبح عملية استخراج المياه المعدنية وتعبئتها وتسويقها خاضعة لمنظومة عمومية تضمن أن تعود القيمة الأكبر من هذه الثروة إلى المجموعة الوطنية. ويمكن أن تتولى الدولة، عبر مؤسسات عمومية متخصصة، إدارة المنابع والاستخراج والتعبئة والتوزيع، مع إمكانية الاستعانة بالقطاع الخاص في مجالات تقنية أو لوجستية محددة وفق عقود شفافة ومحددة، دون أن يتحول ذلك إلى امتلاك فعلي للثروة.
وقد يبدو هذا الخيار متعارضًا مع منطق اقتصاد السوق، لكنه يصبح قابلًا للنقاش عندما يتعلق الأمر بمورد لا يمكن تعويضه بسهولة، ومرتبط بالأمن المائي والسيادة الوطنية. فهناك فرق بين خصخصة إنتاج سلعة يمكن تصنيعها، وبين فتح المجال أمام تحويل مورد طبيعي استراتيجي محدود إلى مصدر دائم للريع الخاص. وإذا كان المجتمع يرفض، بحق، أن تتحول ثرواته الباطنية إلى مجال للنهب الخارجي، فلماذا لا يطرح السؤال نفسه عندما يكون الاستغلال مركزًا في أيدي مجموعات اقتصادية محلية أو عائلات نافذة؟
إن تأميم المياه المعدنية يمكن أن يكون، في هذا السياق، جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء مفهوم الملكية العمومية للثروات الطبيعية. فبدل أن تذهب القيمة الأساسية للمورد إلى حلقات محدودة من المستثمرين، يمكن أن توجه عائداته إلى قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين: حماية الموائد المائية، تطوير شبكات المياه، دعم المناطق المحرومة، تمويل البحث العلمي، تحسين البنية التحتية، والاستثمار في الأمن المائي للأجيال القادمة. عندها لا يصبح الماء مجرد مصدر ربح، بل يتحول إلى رافعة للتنمية الوطنية وإعادة توزيع الثروة.
وهنا يصبح التأميم، في جوهره، سؤالًا عن من يملك الحق في الثروة. فإذا كانت الدولة لا تملك سوى سلطة منح الرخص ومراقبة الأسعار، بينما يتركز الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية لدى المستغلين، فإن الملكية العمومية تصبح ناقصة من حيث مضمونها الاقتصادي. أما عندما تصبح الدولة هي الحارس الفعلي للمورد والفاعل الرئيسي في استثماره، فإن معنى «الثروة الوطنية» يستعيد مضمونه الحقيقي.
13. من اقتصاد القارورة إلى سيادة الدولة على المورد:
ربما يكون الخطأ الأساسي أننا ننظر إلى المياه المعدنية من نهاية السلسلة. نرى القارورة، ونرى السعر، ونرى العلامة التجارية، ونرى الأرباح، لكننا لا نرى دائمًا ما وراء القارورة: الأرض، والمائدة المائية، والحق في الاستغلال، والموارد الطبيعية، والأجيال القادمة. وهنا تكمن أهمية المقاربة السوسيولوجية؛ فالماء ليس مادة طبيعية فقط، ولا سلعة اقتصادية فقط، بل هو أيضًا علاقة اجتماعية حول مورد محدود. ومن يملك القدرة على الوصول إلى هذا المورد واستثماره وتحويله إلى قيمة اقتصادية، يملك جزءًا من القوة الاقتصادية داخل المجتمع.
لذلك فإن سؤال الماء هو، في جانب منه، سؤال عن توزيع السلطة والثروة والفرص. وإذا كانت التجربة قد كشفت أن تركيز استغلال الموارد الطبيعية في أيدي فاعلين محدودين يمكن أن ينتج الريع وتراكم النفوذ، فإن إعادة المورد إلى المجال العمومي تصبح أكثر من خيار اقتصادي؛ تصبح خيارًا يتعلق بالسيادة والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا يمكن أن يصبح تأميم المياه المعدنية ليس نهاية النقاش، وإنما بدايته: كيف نبني مؤسسة عمومية حديثة وشفافة وفعالة، تمنع البيروقراطية والفساد والاحتكار العمومي، وفي الوقت نفسه تمنع تحويل الثروة الوطنية إلى احتكار خاص؟ فالتأميم وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه إصلاح عميق للحوكمة والرقابة والشفافية والمساءلة.
14. الحل: نحو إسناد استغلال المياه المعدنية إلى SONEDE
إذا كان الإشكال الحقيقي يتعلق بملكية الثروة المائية وبكيفية توزيع عائداتها، فإن الحل لا ينبغي أن يتوقف عند رفع الإتاوات أو تشديد الرقابة على الشركات الخاصة، بل يمكن أن يذهب أبعد من ذلك: إسناد استغلال المياه المعدنية إلى الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه SONEDE، بعد توسيع صلاحياتها وإعادة تكييف إطارها القانوني بما يتلاءم مع هذه المهمة الجديدة.
فالـSONEDE ليست مؤسسة تبدأ من الصفر؛ فهي مؤسسة عمومية أنشئت أصلًا لإدارة الموارد المائية وإنتاج المياه وتوزيعها، وتمتلك خبرة تقنية واسعة في عمليات الالتقاط والاستغلال والمعالجة وشبكات النقل والتوزيع. ومن هنا يمكن التفكير في إنشاء قطب عمومي للمياه المعدنية داخل SONEDE يتولى حصر المنابع، واستغلالها، وتعبئة المياه، ونقلها، وتوزيعها وتسويقها تحت علامات وطنية عمومية.
وبذلك تنتقل العلاقة من نموذج تمنح فيه الدولة حق استغلال المورد لفائدة مستثمر خاص إلى نموذج تصبح فيه الدولة نفسها هي المستغل الرئيسي للمورد، بينما يمكن للقطاع الخاص أن يشارك في مجالات التصنيع والتجهيز والنقل والخدمات وفق عقود واضحة وشفافة، دون أن يمتلك المورد أو يحتكر عائداته.
ولا يعني هذا الحل أن تتحول SONEDE إلى مؤسسة بيروقراطية إضافية، وإنما يستوجب إنشاء هيكل متخصص ومستقل داخلها لإدارة المياه المعدنية، يتمتع بالكفاءة الإدارية والمالية والتجارية، ويخضع لرقابة الدولة والهيئات الرقابية والمحاسبة العمومية. فالهدف ليس استبدال احتكار خاص باحتكار عمومي، وإنما الانتقال من ريع خاص إلى منفعة عامة.
وفي هذا النموذج، تصبح المنابع المائية ملكًا عموميًا فعليًا، ويصبح استخراج كل لتر من الماء خاضعًا لمعايير دقيقة تتعلق بالكميات والاستدامة وحماية الموائد المائية. أما القيمة الاقتصادية الناتجة عن التعبئة والتسويق فلا تذهب أساسًا إلى مجموعات خاصة، وإنما تتحول إلى إيرادات عمومية يمكن إعادة استثمارها في قطاع المياه نفسه.
وهنا يمكن أن تتغير فلسفة العائدات جذريًا: الأرباح المتأتية من المياه المعدنية لا ينبغي أن تكون مجرد أرباح تجارية، بل يمكن أن تصبح موردًا لتمويل الأمن المائي الوطني. جزء منها يمكن أن يوجه إلى صيانة شبكات SONEDE، وجزء إلى حماية الموارد الجوفية، وجزء إلى مشاريع تحلية مياه البحر، وجزء إلى المناطق التي تعاني من نقص المياه، وجزء إلى البحث العلمي والتكنولوجيات الجديدة في مجال الماء، وجزء إلى الاستثمار في الموارد المائية للأجيال القادمة.
ويمكن كذلك اعتماد علامة وطنية للمياه المعدنية تديرها SONEDE، مع المحافظة، إذا اقتضى الأمر، على خصوصية بعض المنابع والعلامات المحلية، لكن ضمن إطار عمومي يضمن أن القيمة الأساسية للمورد تعود إلى المجموعة الوطنية. وعندها لا يصبح المواطن مجرد مستهلك لقارورة ماء، وإنما مستفيدًا بصورة غير مباشرة من الثروة التي تخرج من أرضه.
كما يمكن أن يكون هذا النموذج أكثر عدالة من الناحية الاجتماعية. فبدل أن نترك السوق وحده يحدد القيمة النهائية للمياه المعدنية، يمكن للدولة أن تضع سياسة تسعير توازن بين كلفة الإنتاج والتعبئة والنقل وبين القدرة الشرائية للمواطن، مع تخصيص جزء من العائدات لتمويل سياسات الماء العمومي. وهكذا تصبح القارورة جزءًا من سياسة مائية وطنية، لا مجرد سلعة تجارية.
لكن نجاح هذا الخيار يتطلب شرطًا أساسيًا: إصلاح SONEDE نفسها بالتوازي مع توسيع مهامها. فلا يمكن تحميل مؤسسة تعاني أصلًا من تحديات مالية وتقنية وبشرية مهمة قطاعًا جديدًا دون إعادة هيكلتها. والمطلوب هو إنشاء فرع متخصص في المياه المعدنية يتمتع بإدارة حديثة، وحوكمة شفافة، ونظام محاسبي مستقل، ومؤشرات أداء واضحة، ورقابة صارمة على الإنتاج والتكاليف والأرباح.
وهنا يمكن أن تتحول SONEDE من مجرد مؤسسة لتوزيع الماء الصالح للشراب إلى ذراع الدولة الاقتصادي في إدارة الثروة المائية الوطنية. وهذا يجعلها، من حيث المبدأ، المؤسسة الأكثر طبيعية لاحتضان هذا النشاط، بحكم اختصاصها وخبرتها وعلاقتها المباشرة بقطاع المياه.
والأهم أن هذا المقترح يجيب عن السؤال المركزي للمقال: إذا كانت المياه المعدنية ثروة وطنية، فلماذا لا تكون هناك مؤسسة وطنية تتولى استثمارها لصالح المجموعة الوطنية؟
إن استغلال المياه المعدنية من طرف SONEDE يمكن أن يمثل، إذا توفرت له الحوكمة الرشيدة، انتقالًا من منطق منح حق استغلال الثروة إلى منطق إدارة الثروة لحساب المجتمع.
وهنا يصبح التأميم أكثر تحديدًا: ليس مجرد نزع ملكية المؤسسات الخاصة، وإنما إعادة تنظيم قطاع المياه المعدنية بحيث تصبح المنابع والعائدات الأساسية تحت السيادة الاقتصادية للدولة، وتصبح SONEDE الأداة العمومية الرئيسية لاستثمارها.
وبذلك يمكن اختصار الحل في معادلة واضحة:
**المورد ملك عمومي
الاستغلال العمومي عبر SONEDE
رقابة وشفافية صارمة
مشاركة خاصة في الخدمات عند الحاجة
عائدات تعاد إلى قطاع المياه والتنمية
= ثروة مائية وطنية في خدمة المجتمع.**
وهذا، في تقديري، أقوى من مجرد الدعوة إلى «مراجعة الإتاوات».
لأن السؤال في النهاية ليس: كم تدفع الشركات مقابل الماء؟
بل:
لماذا لا يكون الماء نفسه مصدرًا مباشرًا لتمويل الدولة والمجتمع؟
ولماذا لا تتولى SONEDE، باعتبارها المؤسسة الوطنية المتخصصة في الماء، استغلال هذه الثروة بدل أن تكتفي بمراقبة ما يفعله الآخرون بها؟
خاتمة: من مراقبة القارورة إلى استعادة الثروة
لا شك أن احترام الأسعار القانونية وحماية المستهلك من التجاوزات أمر ضروري، لكن الاقتصار على ذلك قد يجعلنا نراقب سعر القارورة وننسى قيمة المورد. وقد ننشغل بمن باع بأكثر مما هو مسموح، دون أن نسأل بما يكفي: بأي ثمن يُستغل المورد أصلًا؟ ومن يحصل على القيمة الأكبر من هذه الثروة؟ وكم يعود منها إلى الدولة والمجتمع؟ وهل يعكس المقابل المالي للاستغلال القيمة الحقيقية للمورد الطبيعي؟ وماذا نترك للأجيال القادمة؟
والأهم: هل نحن أمام ثروة وطنية تُدار لصالح المجتمع، أم أمام ثروة وطنية تتحول تدريجيًا إلى مصدر ريع لفئات محدودة؟
إن الحديث عن نهب الثروات لا ينبغي أن يظل محصورًا في الخارج. فقد تكون هناك، في الداخل أيضًا، جغرافيا للسلب، تتقاطع فيها الثروة مع النفوذ، والقانون مع المصالح، والامتياز مع القدرة على الوصول. والأخطر ليس فقط أن توجد امتيازات، بل أن تتحول الامتيازات إلى بنية مستدامة تنتقل عبر الزمن، وتحمي نفسها بالقانون، وتعيد إنتاج نفسها عبر شبكات المال والنفوذ والعلاقات.
لذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس فقط: «هل تُحترم أسعار المياه المعدنية؟» ولا: «من يرفع سعرها؟» بل: «من يملك مفاتيح الثروة؟ ومن يكتب قواعد الوصول إليها؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يدفع كلفة استنزافها؟»
وإذا كانت القوانين قد وُضعت لخدمة المصلحة العامة، فلماذا لا تكون قابلة للمراجعة كلما تغيرت قيمة الموارد وشروط استغلالها؟ ولماذا لا نعيد النظر في نموذج يسمح بتحويل مورد طبيعي استراتيجي إلى مجال دائم للربح الخاص، بينما يمكن أن تكون عائداته رافدًا مباشرًا للتنمية الوطنية؟
ربما آن الأوان للانتقال من سؤال «كيف نراقب استغلال المياه المعدنية؟» إلى سؤال أكثر جذرية:
«لماذا لا تصبح المياه المعدنية ثروة عمومية تُستثمر عموميًا؟»
فالتأميم هنا لا يعني مصادرة الثروة من أصحابها، لأن أصحابها الحقيقيين ليسوا المستثمرين وحدهم؛ إنهم المجموعة الوطنية بكل أجيالها.
إنه يعني استعادة الدولة لحقها في إدارة مورد طبيعي استراتيجي، وتحويل عائداته من مصدر للريع الخاص إلى مصدر للمنفعة العامة.
وقد يكون من المشروع أن نختلف حول آليات التأميم وتوقيته وشروطه، وأن نناقش كلفته وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، لكن ما لم يعد مقبولًا هو أن نعتبر مجرد استمرار نموذج الاستغلال الحالي أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى مساءلة.
فالماء ليس نفطًا يمكن استيراده إذا نفد، وليس سلعة يمكن إعادة إنتاجها في مصنع.
إنه ثروة تتشكل في الأرض، وتخرج منها مرة بعد أخرى، وقد تنضب قبل أن تنضب حاجتنا إليها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط:
من يبيع الماء؟
بل:
من يملك حق استغلاله؟ ومن يحدد شروط ذلك الاستغلال؟ ومن يحوّل الثروة الوطنية إلى ثروة خاصة؟ ولماذا لا تكون عائداتها ملكًا فعليًا للمجتمع؟
فإذا كانت الثروة وطنية، وإذا كان الماء استراتيجيًا، وإذا كان المورد محدودًا، فإن تأميم المياه المعدنية ليس بالضرورة عودة إلى الماضي؛ قد يكون، إذا صُمم ضمن دولة حديثة وشفافة وفعالة، استعادةً للسيادة على ثروة المستقبل.
فالثروة الوطنية لا ينبغي أن تكون وطنية في ملكيتها القانونية، وخاصة في عائداتها.
المياه المعدنية: ثروة وطنية أم ريع خاص؟ من يملكها ومن يستفيد من عائداتها؟ قراءة سوسيولوجية في ملكية الثروة المائية وتوزيع عائداتها
2026-08-24
84 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال