مقدمة:
ربما السؤال ليس: هل يحتاج الإصلاح التربوي إلى مجلس أعلى للتربية والتعليم؟
بل: هل يحتاج هذا المجلس نفسه إلى إصلاح قبل أن يبدأ؟
ليس السؤال استفزازًا لغايته، ولا اعتراضًا على مبدأ وجود مؤسسة عليا تُعنى بالتربية والتعليم. بل إن الحاجة إلى مؤسسة وطنية قادرة على التفكير في مستقبل المدرسة التونسية، واستشراف تحولات المجتمع والمعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد، تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لكن المفارقة تبدأ عندما نكتشف أن المؤسسة التي يفترض أن تكون جزءًا من جواب الإصلاح قد تصبح هي نفسها موضوعًا لأسئلة الإصلاح: من يفكر فيها؟ وبأي مرجعية؟ وبأي صلاحيات؟ وبأي تمثيلية؟ ولأي مدرسة؟ ولأي مجتمع؟
ذلك أن الإصلاح التربوي لا يحدث داخل المدرسة وحدها. فالمدرسة ابنة المجتمع، لكنها في الوقت نفسه إحدى أهم مؤسساته القادرة على إعادة تشكيله. ومن هنا تظهر جدلية لا تقل تعقيدًا عن جدلية البيضة والدجاجة:
هل نصلح المجتمع لنصلح المدرسة، أم نصلح المدرسة لنصلح المجتمع؟
قد يبدو إصلاح المجتمع شرطًا لإصلاح المدرسة، لأن المدرسة لا تعمل في فراغ: الأسرة تتغير، والقيم تتبدل، والإعلام يتحول، والفضاء الرقمي يعيد تشكيل الوعي، والاقتصاد يفرض انتظارات جديدة. لكن المدرسة بدورها ليست مجرد مرآة سلبية للمجتمع؛ إنها مؤسسة للتنشئة وإنتاج المعنى وإعادة تشكيل العلاقات والقيم.
وقد نظر دوركهايم إلى التربية باعتبارها فعلًا اجتماعيًا يتصل بإعداد الفرد للحياة داخل المجتمع، بما يجعل المؤسسة التربوية جزءًا من البنية الاجتماعية لا كيانًا منفصلًا عنها (Durkheim, 1922).
ولذلك فإن انتظار إصلاح المجتمع أولًا قد يعني تأجيل إصلاح المدرسة إلى أجل غير معلوم.
وهنا تكمن إحدى أهم رهانات المجلس الأعلى للتربية والتعليم: هل سيكون قادرًا على التفكير في المدرسة باعتبارها جزءًا من أزمة المجتمع، وفي المجتمع باعتباره في الوقت نفسه أحد شروط إصلاح المدرسة؟
فالإصلاح الحقيقي ليس مجرد تغيير في الزمن المدرسي أو الكتاب أو البرامج أو الامتحانات. إنه، في جوهره، إعادة بناء للرؤية التي تحدد أي إنسان نريد، وأي مواطن نريد، وأي مجتمع نريد، وأي موقع نريد لتونس في عالم يتغير بسرعة.
ومن هنا فإن المؤسسة التي ستشارك في صياغة هذه الرؤية لا يمكن أن تُقاس فقط بعدد أعضائها أو تنوع اختصاصاتهم، بل بقدرتها على إنتاج تفكير استراتيجي مستقل، متماسك، مؤسس علميًا، ومتصل فعليًا بالميدان والمجتمع.
1. مؤسسة أُنشئت للإصلاح... فهل نبدأ بإصلاح هندستها؟
جاء إحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم في سياق دستوري يمنحه مكانة مؤسسية خاصة. فقد أقر دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 وجود المجلس الأعلى للتربية والتعليم، ثم جاء المرسوم عدد 2 لسنة 2024 المؤرخ في 16 سبتمبر 2024 ليضبط تركيبته واختصاصاته وطرق سيره (الجمهورية التونسية، دستور 2022؛ الجمهورية التونسية، المرسوم عدد 2 لسنة 2024).
وينص الفصل 135 من الدستور التونسي على أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم «يتولى إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى في مجال التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل» (الجمهورية التونسية، دستور 2022، الفصل 135).
وجاء المرسوم عدد 2 لسنة 2024 ليحدد بصورة أدق مجالات تدخله، ومنها إبداء الرأي وجوبًا في المسائل التي يعرضها عليه رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس نواب الشعب أو رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، إلى جانب إمكانية تعهده تلقائيًا بالمسائل الداخلة في اختصاصه، وإعداد تقرير سنوي حول أعماله (الجمهورية التونسية، المرسوم عدد 2 لسنة 2024).
ومن حيث التركيبة، تضم الهيئة العليا للمجلس الوزراء المكلفين بالتربية، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتشغيل والتكوين المهني، والأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، والشباب والرياضة، والشؤون الدينية، والشؤون الثقافية، إلى جانب سبعة أعضاء من ذوي الخبرة والكفاءة، ورئيس هيئة الخبراء ورئيس هيئة التقييم، وممثلًا عن النقابة الأكثر تمثيلًا عند تناول مسائل تتعلق بالحق النقابي (الجمهورية التونسية، المرسوم عدد 2 لسنة 2024).
أما هيئة الخبراء فتتكون من أربعة عشر عضوًا من ذوي الكفاءة والخبرة، من بينهم وجوبًا أربعة متفقدين بيداغوجيين متقاعدين، بينما تتكون هيئة التقييم من تسعة أعضاء ذوي خبرة لا تقل عن عشرين سنة في مجالات اختصاص المجلس (الجمهورية التونسية، المرسوم عدد 2 لسنة 2024).
من حيث المبدأ، تبدو الفكرة منطقية: دولة تريد إصلاح منظومتها فتُنشئ مؤسسة عليا تجمع السياسي والخبرائي والتقييمي والاجتماعي للنظر في مستقبل التربية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن مشروعية الفكرة، وإنما عن هندستها.
فنحن لا نتحدث عن لجنة ظرفية، بل عن مؤسسة يفترض أن تفكر في واحدة من أخطر القضايا الوطنية: صناعة الإنسان التونسي القادم.
وبالتالي فإن أي خلل في هندستها، أو في توزيع أدوارها، أو في طبيعة علاقتها بالقرار السياسي، أو في معايير اختيار كفاءاتها، أو في صلتها بالميدان، لا يبقى تفصيلًا إداريًا؛ بل يمكن أن يتحول إلى خلل في هندسة الإصلاح نفسه.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا:
هل يكفي أن ننشئ مؤسسة عليا حتى نمتلك عقلًا استراتيجيًا أعلى؟ أم أن العقل المؤسسي يحتاج بدوره إلى شروط حتى يصبح عقلًا منتجًا للسياسات، لا مجرد فضاء لإبداء الآراء؟
2. مجلس أعلى... أم هيئة استشارية عليا؟
من أهم الأسئلة التي أثارتها القراءات المنشورة حول المجلس طبيعة سلطته: هل هو مجلس تقريري أم استشاري؟
الجواب الذي تسمح به صياغة النصوص المنظمة له واضح في جوهره: المجلس يبدي الرأي (الجمهورية التونسية، دستور 2022، الفصل 135؛ الجمهورية التونسية، المرسوم عدد 2 لسنة 2024).
وهذه العبارة ليست تفصيلًا لغويًا، لأنها تحدد موقع المجلس داخل منظومة صناعة القرار. فهو يستطيع أن يدرس ويقيّم ويقترح ويصدر رأيًا، لكن الرأي لا يتحول تلقائيًا إلى قرار ملزم.
وقد ركزت إحدى القراءات المنشورة حول المشروع على هذه المفارقة تحديدًا، معتبرة أن المجلس، رغم تركيبته التي تجمع المستويات الحكومية والخبرائية والتقييمية والاجتماعية، يظل في النهاية مجلسًا استشاريًا، وأن ما يرفعه من مقترحات يبقى، من حيث الأثر القانوني، في دائرة الاقتراح والرأي (مواقف وقراءات منشورة حول المجلس الأعلى للتربية والتعليم).
وهنا تظهر المفارقة: إذا اجتمعت في المجلس كل هذه المستويات من الخبرة والتمثيل، ثم انتهت إلى رأي يمكن الأخذ به أو ببعضه أو تجاهله، فأين تقع القوة الفعلية في صناعة السياسة التربوية؟
ليس المقصود أن الرأي الاستشاري عديم القيمة. فقد يكون الرأي العلمي أقوى من القرار السياسي إذا استند إلى معرفة دقيقة وبيانات موثوقة. لكن قيمة الاستشارة ترتبط بموقعها داخل منظومة القرار وبالضمانات التي تمنع تحويلها إلى مجرد رأي يمكن تجاوزه دون تعليل.
ولهذا اقترحت بعض التصورات السابقة للمجلس صيغة أكثر اتساعًا، تربطه بالتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، وتمنحه وظيفة تتجاوز الاستشارة. ويُذكر في هذا السياق مشروع الائتلاف المدني لإعادة بناء المنظومة التربوية سنة 2015-2016، وكذلك مشروع سنة 2016، المستفيد من بعض التجارب المقارنة، ومنها تجربة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب وبعض التجارب الأوروبية (مشروع الائتلاف المدني لإعادة بناء المنظومة التربوية، 2015-2016؛ مشروع قانون المجلس الأعلى للتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، 2016؛ الجليدي، 2024).
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل نريد مجلسًا يفكر في الإصلاح، أم مؤسسة تستطيع أن تجعل الإصلاح سياسة وطنية مستقرة؟
3. حين يصبح السؤال: من يملك حق تعريف «الخبير»؟
المسألة الثانية أكثر حساسية: من يختار من يفكر في مستقبل المدرسة؟
فالمرسوم عدد 2 لسنة 2024 ينص على هيئة خبراء تتكون من أربعة عشر عضوًا من المشهود لهم بالكفاءة والخبرة، على ألا تقل خبرتهم عن خمس عشرة سنة، ويكون من بينهم وجوبًا أربعة متفقدين بيداغوجيين متقاعدين. كما ينص على هيئة تقييم تتكون من تسعة أعضاء يشترط فيهم مستوى من الخبرة يصل إلى عشرين سنة في مجالات اختصاص المجلس (الجمهورية التونسية، المرسوم عدد 2 لسنة 2024).
على الورق، تبدو الشروط جدية. لكن الخبرة الزمنية وحدها لا تكفي لصناعة العقل التربوي.
وهنا تصبح العودة إلى تطور علوم التربية نفسها ضرورية. فقد قدم غاستون ميالاري في كتابه Les sciences de l'éducation سنة 1973 تصورًا كلاسيكيًا لهذا الحقل، موزعًا علوم التربية على أصناف كبرى تدرس الظروف العامة للتربية، والوضعيات والوقائع التربوية، والعلوم التأملية والتقييمية والمستقبلية (Mialaret, 1973).
لكن هذا التصنيف لم يعد، في نظر بعض الباحثين، كافيًا لمواجهة التحولات التي عرفتها التربية وهندسة المنظومات.
ففي كتاب أفكار جديدة في التربية وعلومها، يقترح الدكتور مصدق الجليدي إعادة بناء تصنيف علوم التربية في أربعة أصناف، ويوسع عددها إلى أربعة وعشرين علمًا تربويًا، مضيفًا صنفًا يتعلق بـ«الهندسة اللامادية للنظم التربوية وهندسة التعليم والتكوين» (الجليدي، 2024، ص. 19).
والأهم أنه لا يكتفي بتوسيع قائمة علوم التربية، بل يقترح ما يسميه إصلاحًا معرفيًا مزدوجًا يقوم على حركة «قبض وبسط»: استبعاد بعض العلوم التي أُلحقت بعلوم التربية رغم كونها تطبيقات لعلوم نشأت خارج السياق التربوي، وفي المقابل استيعاب المعارف الجديدة المنبثقة من السياق التربوي والتكويني، ومنها هندسة بناء المناهج والكفايات التربوية (الجليدي، 2024، ص. 24).
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
إذا كانت علوم التربية نفسها تحتاج إلى إعادة تفكير في حدودها وتصنيفاتها ومفاهيمها، فكيف نضمن أن المؤسسة المكلفة بالتفكير في إصلاح التربية ممثلة فعلًا لهذا التنوع المعرفي؟
المسألة إذن ليست الحكم على أشخاص بعينهم، ولا التشكيك في كفاءات أفراد اختيروا للمجلس، وإنما السؤال عن فلسفة الاختيار نفسها.
هل نختار من يملك أقدمية؟ أم من يملك إنتاجًا علميًا؟ أم خبرة ميدانية؟ أم قدرة على بناء السياسات؟ أم نحتاج إلى تركيب يجمع هذه الأبعاد كلها؟
4. إصلاح المدرسة أم إصلاح المجتمع؟ جدلية البيضة والدجاجة
هنا نصل إلى السؤال الذي يبدو بسيطًا، لكنه ربما أكثر الأسئلة تعقيدًا:
أيهما يجب أن يُصلح أولًا: المجتمع أم المدرسة؟
لكن قبل طرح السؤال، ينبغي أن نوضح: ماذا نعني بإصلاح المجتمع؟
لا نقصد مجتمعًا «فاسدًا» يحتاج إلى إعادة تشكيل من فوق، ولا نقصد إصلاح الناس وفق نموذج أخلاقي جاهز. المقصود هو معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أصبحت تؤثر مباشرة في وظيفة المدرسة وفي قدرتها على التربية والتعليم: تفكك بعض أدوار التنشئة الأسرية، تصاعد العنف، تراجع الثقة في المؤسسات، اتساع الفوارق الاجتماعية، ضعف الإحساس بالمسؤولية الجماعية، انتشار الفردانية ومنطق المصلحة السريعة، والتحولات العميقة التي أحدثها الفضاء الرقمي في علاقة الأطفال بالمعرفة والسلطة والقيم.
فالمدرسة لا تعيش في جزيرة معزولة. إنها تستقبل أبناء أسر تغيرت بنيتها، وتتعامل مع مجتمع تغيرت قيمه وعلاقاته وسرعة إيقاعه، ومع فضاء رقمي أصبح شريكًا فعليًا في التنشئة. وهي مطالبة، في أحيان كثيرة، بمعالجة نتائج أزمات لم تكن هي التي صنعتها.
ولماذا نحتاج إلى معالجة هذه الاختلالات؟
لأن المدرسة لا تستطيع أن تنتج وحدها ما يهدمه محيطها باستمرار. لا يمكن أن نطلب منها أن تربي على الحوار، بينما يحيط بالتلميذ عنف في الأسرة أو الشارع أو الفضاء الرقمي؛ وأن تربي على المسؤولية الجماعية، بينما تسود في المجتمع ممارسات تعزز الفردانية والبحث عن المصلحة الخاصة؛ وأن تبني الثقة في المؤسسات، بينما يعيش المتعلم يوميًا مظاهر فقدان الثقة فيها.
وقد تناول دوركهايم التربية باعتبارها عملية اجتماعية تتصل بإعداد الفرد للعيش داخل المجتمع (Durkheim, 1922). ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل المدرسة عن البنية الاجتماعية التي تحتضنها.
لكن الوجه الآخر للحقيقة لا يقل أهمية، بل ربما هو الأكثر إحراجًا:
من يصلح المجتمع إذا كانت المدرسة نفسها عاجزة عن إنتاج الإنسان القادر على فهم واقعه وتغييره؟
فالمدرسة ليست مجرد مرآة للمجتمع، بل هي أيضًا مؤسسة لإعادة إنتاجه أو تغييره. وهنا تلتقي القراءة السوسيولوجية مع المقاربات النقدية للتربية عند بورديو وباسرون وفرييري، التي كشفت كيف يمكن للمدرسة أن تسهم في إعادة إنتاج البنى القائمة، لكنها تستطيع أيضًا أن تتحول إلى فضاء للتفكير النقدي وتوسيع إمكانات الفعل والتحرر (Bourdieu & Passeron, 1970; Freire, 1974). وقد امتدت هذه الرؤية في أعمال لاحقة إلى تصور المدرسة باعتبارها فضاءً لبناء الوعي والمواطنة والفعل الاجتماعي (Giroux, 2013).
وفي السياق التونسي، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا مع تداخل أسئلة الأسرة والعنف والتحولات القيمية وتراجع السلطة الرمزية لبعض مؤسسات التنشئة، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها فاعلًا تربويًا غير رسمي، فضلًا عن الاختلالات الاقتصادية والثقافية التي تجعل المدرسة مطالبة أحيانًا بما يتجاوز قدرتها ومهمتها.
ولذلك فإن انتظار مدرسة مثالية داخل مجتمع يعيش اختلالات عميقة قد يكون ضربًا من الوهم.
لكن القول، في المقابل: «لنصلح المجتمع أولًا ثم المدرسة» يحمل وجاهة من جهة، لكنه يخفي مأزقًا من جهة أخرى:
أي مجتمع سننتظر أن يصلح نفسه إذا لم نمنحه مدرسة تساعده على ذلك؟
كما أن إصلاح المدرسة وحدها، من دون معالجة شروطها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، قد يجعلها مطالبة بما يتجاوز قدرتها.
إذن، لسنا أمام خيارين متعارضين، بل أمام علاقة جدلية:
نُعالج اختلالات المجتمع حتى نهيئ شروطًا أفضل لإصلاح المدرسة، ونُصلح المدرسة حتى نُسهم في معالجة اختلالات المجتمع.
إنها بالفعل جدلية البيضة والدجاجة، لكن الفرق أن التربية لا تسمح لنا بالانتظار لمعرفة أيهما جاء أولًا.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: أيّهما نصلح أولًا؟ بقدر ما ينبغي أن يكون:
كيف نصلح المدرسة والمجتمع في علاقة تأثير متبادل، بدل أن نحمّل أحدهما مسؤولية إصلاح الآخر وحده؟
وعليه، فإن المجلس الأعلى للتربية والتعليم لا ينبغي أن يتعامل مع «إصلاح التعليم» باعتباره ملفًا قطاعيًا ضيقًا، بل باعتباره جزءًا من مشروع مجتمعي أوسع.
فالسؤال ليس فقط:
كيف نصلح المدرسة؟
بل أيضًا:
أي اختلالات في المجتمع تعيق المدرسة؟ وأي اختلالات في المدرسة تعيد إنتاج أزمات المجتمع؟
ومن هنا يصبح السؤال الأعمق:
أي مجتمع نريد أن تكون المدرسة شريكًا في بنائه، وأي مدرسة نريدها قادرة على المشاركة في بنائه؟
5. إصلاح جزئي لمنظومة مأزومة أم إعادة بناء للمنظومة؟
في موقف ميداني آخر، يرى أحد المتفقدين العامين للمدارس الابتدائية والباحثين أن الوضع الحالي للتعليم في تونس بالغ الصعوبة، وأن تأخر الإصلاح لعقود جعل عملية الإصلاح أكثر تعقيدًا، معتبرًا أن الاكتفاء بإصلاحات جزئية مثل الزمن المدرسي والكتاب والتوجيه لن يغير الوضع كما ينبغي، وأن المرحلة تحتاج إلى إجراءات «شجاعة وعميقة» وإلى رجال قادرين على استيعاب اللحظة التاريخية (مواقف وقراءات ميدانية منشورة لمتفقدين وباحثين في التربية حول الإصلاح التربوي في تونس).
هذه الملاحظة تضع الإصبع على جرح حقيقي.
فالإصلاح الذي يكتفي بتعديل أجزاء المنظومة قد ينجح في تحسين بعض المؤشرات، لكنه لا يضمن بالضرورة تغيير المنطق الذي ينتج الأزمة.
فالمدرسة اليوم ليست مدرسة الأمس. والتلميذ التونسي نفسه لم يعد هو التلميذ الذي كان قبل ثلاثين سنة. وعلاقة الطفل بالمعرفة تغيرت، كما تغيرت مصادر التعلم، وسوق الشغل، والتكنولوجيا، والعائلة، ووسائل التواصل، ومفهوم السلطة، وحتى معنى المدرسة نفسها.
ولهذا، فإن المجلس، إذا أراد أن يكون فعلًا مجلسًا «أعلى»، لا ينبغي أن يسأل فقط:
كيف نصلح المدرسة الحالية؟
بل ينبغي أن يسأل:
أي مدرسة نريد بعد عشرين سنة؟
بل أبعد من ذلك:
أي إنسان تريد تونس أن تصنع بعد خمسين سنة؟
فالاستراتيجية التربوية لا يمكن أن تُبنى بمعزل عن السياسة الاقتصادية والاقتصاد السياسي والعلاقات الخارجية والتحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، وعن موقع تونس الذي تريد أن تحتله في العالم.
وهذا ما يجعل المجلس، في صورته المثلى، أقرب إلى مختبر للتفكير في مستقبل تونس منه إلى لجنة لإصلاح البرامج.
6. السيادة التربوية: الانفتاح لا يعني الاستيراد
أثارت بعض المواقف المنشورة كذلك سؤالًا حساسًا يتعلق بالسيادة التربوية، من خلال الاعتراض على استمرار بعض المشاريع الأجنبية في مجالات تعليم اللغات والرياضيات، ومنها مشاريع EGRA وEGMA وPARLE، والدعوة إلى إخضاعها أولًا إلى نظر الخبراء التونسيين (مواقف منشورة لباحثين ومتفقدين في التربية حول السيادة التربوية).
كما طُرح سؤال موقع اللغة الإنجليزية في المنظومة اللغوية التونسية، خاصة في ضوء ما نُسب إلى نتائج الاستشارة الوطنية حول الإصلاح التربوي من ترشيح الإنجليزية لغة أجنبية ثانية، مقابل تصورات سابقة للمنهاج العام تقوم على اعتبار العربية اللغة الأولى وبقية اللغات الأجنبية ضمن تصور لغوي متوازن (نتائج ومخرجات الاستشارة الوطنية حول الإصلاح التربوي؛ مواقف منشورة حول الاختيارات اللغوية للمنظومة التربوية التونسية).
بصرف النظر عن المواقف التفصيلية من هذه المشاريع أو الاختيارات اللغوية، فإن القضية الأعمق هي:
من يحدد حاجات المدرسة التونسية؟
السيادة التربوية لا تعني رفض الخبرة الأجنبية، كما أن التعاون الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية معرفية.
المعيار هو قدرة تونس على أن تستفيد من التجارب العالمية، ثم تختبرها وتكيفها وتعيد إنتاجها وفق حاجاتها الخاصة.
فالسياسة التي نجحت في بلد آخر لا تصبح ناجحة في تونس بمجرد استيرادها. التربية مرتبطة باللغة والتاريخ والثقافة والبنية الاجتماعية والاقتصادية والذاكرة الجماعية، ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى معرفة دقيقة بخصوصية السياق التونسي.
ومن هنا يمكن للمجلس الأعلى أن يكون مؤسسة فعلية للسيادة التربوية، لا بمجرد رفض التدخل الخارجي، وإنما بقدرته على إنتاج المعرفة الوطنية التي تجعل تونس قادرة على الاختيار.
7. المشكلة ليست في الأشخاص... بل في منطق التعيين
من السهل أن يتحول النقاش حول المجلس الأعلى للتربية والتعليم إلى محاكمة لأسماء بعينها، خاصة مع الانتقادات التي رافقت بعض التعيينات. لكن ذلك قد يبعدنا عن السؤال الأكثر أهمية:
ما الذي يجعل شخصًا ما مناسبًا لموقع في مؤسسة يفترض أن تساهم في هندسة مستقبل المدرسة التونسية؟
وفي هذا السياق، يكتسب تعيين وزير التربية الأسبق محمد علي البوغديري كاتبًا عامًا للمجلس دلالة خاصة، ليس فقط باعتبار موقعه الإداري الجديد، وإنما أيضًا بالنظر إلى الذاكرة القريبة التي يحملها الميدان تجاه فترة توليه وزارة التربية سنة 2023.
فقد ارتبط اسمه آنذاك بأزمة حجب الأعداد، وبقرار حجب أجور آلاف المعلمين على خلفية تلك الأزمة، كما ارتبطت تلك المرحلة أيضًا بعزل أكثر من 300 مدير مدرسة ابتدائية، في سياق اتسم بتوتر شديد بين الوزارة وجزء واسع من الفاعلين التربويين (مواقف منشورة حول تعيين محمد علي البوغديري كاتبًا عامًا للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، وذاكرة أزمة 2023).
وهنا لا يتعلق الأمر بإعادة محاكمة تلك المرحلة، ولا بإصدار حكم جديد في وقائعها، وإنما بطرح سؤال سوسيولوجي يتجاوز الشخص ذاته:
هل يمكن لذاكرة الصراع المؤسسي أن تُفصل بسهولة عن موقع جديد يتعلق بمستقبل التربية؟ وهل يكفي أن يتغير الموقع الإداري حتى تتغير دلالات الماضي في وعي الميدان؟
فتعيين مسؤول في مؤسسة تحمل عنوان «المجلس الأعلى للتربية والتعليم» لا يشبه تعيينًا إداريًا عاديًا. نحن أمام مؤسسة يفترض أن تكون جزءًا من هندسة السياسات التربوية، وأن تساهم في التفكير في المدرسة ومستقبلها وعلاقاتها بالفاعلين فيها. ولذلك فإن الثقة تصبح هنا موردًا مؤسسيًا لا يقل أهمية عن الكفاءة الإدارية.
ومن هذه الزاوية، لا يصبح السؤال: هل يملك المسؤول المعني القدرة على إدارة مؤسسة؟
بل يصبح أكثر تركيبًا:
هل يملك الرصيد المعرفي والتربوي والمؤسسي والرمزي الذي يسمح له بالاضطلاع بموقع داخل مؤسسة يفترض أن تكون مرجعًا في قضية التربية والتعليم؟
ثم إن اختيار المسؤولين في مثل هذه المؤسسات لا يمكن أن يُختزل في الكفاءة الإدارية وحدها.
فهل تكفي الأقدمية؟
هل تكفي التجربة الحكومية؟
هل تكفي المسؤولية النقابية؟
هل يكفي الانتماء إلى الإدارة؟
أم أن الموقع يحتاج أيضًا إلى معرفة عميقة بعلوم التربية، وبيداغوجيا التعليم، وهندسة المنظومات، والسياسات العمومية، وتاريخ الإصلاحات، وثقافة المدرسة ومشكلاتها اليومية؟
وهنا تحديدًا ينبغي أن ننتقل من سؤال الشخص إلى سؤال معيار الاختيار.
فحتى لو افترضنا أن كل تعيين يمكن الدفاع عنه قانونيًا وإداريًا، يبقى من حق الرأي العام التربوي أن يسأل:
ما المعايير التي جعلت هذا الاسم تحديدًا الأنسب لهذا الموقع؟ وما الذي يجعل هذه المعايير منسجمة مع طبيعة المؤسسة والوظيفة الموكولة إليها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المجلس الأعلى للتربية والتعليم إلى مؤسسة تُقاس شرعيتها بمجرد صدور التعيينات، بدل أن تُبنى شرعيتها تدريجيًا من خلال الكفاءة، والاستقلالية، والرصيد المعرفي، والقدرة على الإنصات للميدان، واستعادة الثقة.
ولذلك، فإن استحضار اسم محمد علي البوغديري هنا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه استهدافًا شخصيًا، بل بوصفه مدخلًا إلى سؤال أوسع:
هل نحن بصدد بناء مؤسسة قادرة على تجاوز ذاكرة الصراعات السابقة، أم أننا نعيد إنتاج بعض عناصر تلك الذاكرة داخل المؤسسة التي يفترض أن تصنع مستقبل المدرسة؟
فالمشكلة، في النهاية، ليست في الأشخاص وحدهم، بل في الفلسفة التي تقف وراء اختيارهم، والمعايير التي تحكم هذا الاختيار، والرسالة التي يبعثها التعيين إلى الميدان.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا:
إذا كان المجلس قد أُحدث ليكون أحد عقول الإصلاح التربوي، فهل ينبغي ألا تكون طريقة تشكيله وتعيين مسؤوليه نفسها نموذجًا لما نريده من إصلاح؟
فمن يصلح المدرسة لا يحتاج فقط إلى سلطة القرار...
بل إلى شرعية المعرفة والثقة أيضًا.
8. أين الميدان في كل هذه الهندسة؟
قد تكون أخطر مفارقات الإصلاح أن الذين سيصنعونه ليسوا بالضرورة هم الذين سيعيشون نتائجه اليومية.
يمكن للخبراء والجامعيين والسياسيين أن يصوغوا الوثائق، لكن الإصلاح سينتهي في الفصل الدراسي: عند المعلم، والمتفقد، والتلميذ، والأسرة، والإدارة.
ولهذا فإن الميدان ليس مجرد طرف منفذ، بل هو مصدر للمعرفة التربوية.
فالخبرة التي تتكون داخل الفصل لا يمكن أن تستبدلها الوثيقة النظرية وحدها، كما لا يمكن للتجربة الميدانية وحدها أن تنتج سياسة وطنية دون تأطير علمي.
الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى حوار بين المعرفة النظرية والمعرفة الميدانية.
وهنا يصبح السؤال:
هل يستطيع المجلس أن يسمع المدرسة قبل أن يتحدث باسمها؟
وهل يستطيع أن يحول شهادات المربين وملاحظات المتفقدين وتجارب المؤسسات وبيانات التلاميذ إلى مادة بحثية تساعد على اتخاذ القرار، بدل أن تظل مجرد أصوات متفرقة تظهر عند كل أزمة؟
وهذه الفكرة تتقاطع مع المواقف الميدانية التي تؤكد أن البحث في الإصلاح لا ينبغي أن ينطلق من التصورات النظرية وحدها، وإنما من المدرسة كما تُعاش وتُمارس يوميًا (مواقف وقراءات ميدانية منشورة حول الإصلاح التربوي ودور الخبرة الميدانية).
9. المجلس يحتاج إلى منظومة معرفة... لا إلى أسماء فقط
وجود هيئة خبراء وهيئة تقييم خطوة مؤسسية مهمة، لكنه لا يحل وحده مشكلة إنتاج المعرفة.
فالمجلس يحتاج إلى دراسات، وبيانات، ومؤشرات، وبحوث مقارنة، وتقييمات للسياسات السابقة، واستشراف للتحولات المستقبلية.
وهنا تصبح مؤسسات البحث والتكوين المتخصصة في التربية جزءًا طبيعيًا من البيئة المعرفية للمجلس. فليس منطقيًا أن نبحث عن «العقل التربوي الوطني» بعيدًا عن الجامعات ومراكز البحث والهياكل التي راكمت معرفة في علوم التربية والديداكتيك والتقييم وهندسة المناهج.
وهنا تستعيد ملاحظة الدكتور مصدق الجليدي حول إعادة بناء علوم التربية أهميتها. فإذا كانت التربية نفسها تتجه نحو مجالات جديدة، ومنها هندسة النظم التربوية والتعليم والتكوين، فإن المجلس يحتاج إلى عقل معرفي قادر على استيعاب هذه التحولات، لا إلى تمثيل تقليدي للخبرة (الجليدي، 2024، ص. 19، 24).
كما أن التربية النقدية، عند فرييري وجيروا، لا تختزل التعليم في نقل المعارف، بل تربطه بإنتاج الوعي والقدرة على الفعل والنقد (Freire, 1974; Giroux, 2013).
ولهذا فإن المجلس القوي ليس الذي يضم أكبر عدد من «الأسماء اللامعة»، وإنما الذي يستطيع أن يبني نظامًا لإنتاج المعرفة التربوية.
وهذا فرق جوهري. فالمجلس الذي يجتمع ثم يناقش ثم يصدر رأيًا يظل مجلسًا.
أما المجلس الذي يمتلك ذاكرة بحثية، وقاعدة بيانات، وآليات تقييم، وشبكة خبراء، وقدرة على الاستشراف، فيمكن أن يتحول إلى عقل استراتيجي للدولة في مجال التربية.
10. المغرب... حين يصبح المجلس أكثر من مجرد فضاء للاستشارة
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نضع التجربة التونسية في مرآة مقارنة.
فالمغرب، مثل تونس، اختار إرساء مجلس أعلى يعنى بقضايا التربية والتكوين، لكن هندسة المجلس المغربي ارتبطت بفكرة أوسع، إذ يجمع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بين وظائف الرأي والتقييم والاستشارة، ويقدم نفسه باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة تهدف إلى إبداء الرأي في السياسات العمومية المتعلقة بالتربية والتكوين والبحث العلمي وتقييمها، مع مساهمته في النقاش العمومي حول هذه القضايا (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بالمغرب، النصوص المؤسسة للمجلس وتجربته).
ولا تعني المقارنة أن النموذج المغربي صالح للنسخ في تونس، ولا أن اختلاف السياقين يسمح بإصدار حكم سريع بالأفضلية.
لكن المقارنة تكشف أن هندسة المؤسسة نفسها جزء من فلسفة الإصلاح.
فحين نضع التجربتين جنبًا إلى جنب، يصبح من المشروع أن نسأل:
هل اختارت تونس الصيغة التي تمنح المجلس ما يكفي من القوة المعرفية والمؤسسية حتى يتحول إلى مرجع وطني مستقر؟ أم أنها اختارت أساسًا وظيفة استشارية، مع بقاء القرار النهائي خارج المؤسسة؟
كما أن التجربة المغربية تطرح سؤالًا آخر يتعلق بالاستقرار المؤسسي للإصلاح، وبالقدرة على التقييم الدوري للسياسات العمومية بدل الاكتفاء بإبداء الرأي فيها (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بالمغرب).
والمغزى من المقارنة ليس البحث عن نموذج جاهز، بل تحرير السؤال التونسي من وهم أن هناك صيغة واحدة ممكنة للمجلس الأعلى للتربية.
فالمؤسسات لا تُستورد كما تُستورد المناهج؛ إنها تُبنى وفق تاريخ الدولة وبنيتها السياسية والثقافية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الاقتباس من أي تجربة أجنبية هو:
ما الذي نريد أن يفعله المجلس التونسي تحديدًا، ثم أي هندسة مؤسسية قادرة على جعله يفعل ذلك؟
11. الميثاق الذي يحمي الإصلاح من ذاكرة القطيعة
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
ماذا سيحدث للإصلاح عندما تتغير الحكومات والأشخاص؟
لقد عرفت تونس على امتداد العقود الماضية إصلاحات متعددة، ولجانًا واستشارات ووثائق ومشاريع، لكن جزءًا من المشكلة كان دائمًا في انقطاع المسارات قبل أن تنضج نتائجها.
ولهذا فإن قيمة المجلس لن تقاس فقط بما سيقترحه، وإنما بقدرته على بناء ذاكرة وطنية للإصلاح التربوي.
ومن هنا تأتي أهمية فكرة الميثاق الوطني للتربية والتكوين التي وردت في بعض التصورات السابقة للمجلس، باعتباره إطارًا مرجعيًا يتأسس على حوار وطني واسع، ويمنح المدرسة قدرًا من الاستقرار الاستراتيجي، ويجعل الإصلاحات الكبرى أقل عرضة لتقلبات السياسة اليومية (مشروع الائتلاف المدني لإعادة بناء المنظومة التربوية، 2015-2016؛ مشروع قانون المجلس الأعلى للتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، 2016).
فالمدرسة لا يمكن أن تُصلح بمنطق الدورة السياسية القصيرة.
قد تحتاج بعض الإصلاحات إلى خمس سنوات، وأخرى إلى عشرين، وربما إلى جيل كامل حتى تظهر نتائجها.
ومن ثم فإن السؤال ليس فقط:
ماذا سيقترح المجلس؟
بل:
كيف نحمي ما سيقترحه من أن يموت قبل أن يُختبر؟
12. المفارقة الكبرى: من يصلح مَن؟
نعود الآن إلى السؤال الذي انطلقنا منه.
نحتاج مجلسًا أعلى للتربية والتعليم لأن المدرسة التونسية تحتاج إلى عقل استراتيجي يتجاوز اليومي، ويجمع بين المعرفة العلمية والخبرة الميدانية والتقييم والاستشراف.
لكن إذا كان المجلس نفسه محاطًا بأسئلة حول طبيعة سلطته، ومعايير اختيار خبرائه، وتنوع تمثيله المعرفي، وصلته بالميدان، واستقلال إنتاج المعرفة داخله، وعلاقته بمؤسسات البحث، وغياب إطار وطني جامع لاستقرار الإصلاح، فإن السؤال يصبح مشروعًا، بل ضروريًا:
هل يكفي أن ننشئ مؤسسة للإصلاح حتى يصبح الإصلاح ممكنًا؟
والأخطر:
هل تستطيع مؤسسة لم تُحسم كل أسئلة هندستها المعرفية والمؤسسية أن تتولى هندسة مستقبل المدرسة؟
ثم إن المسألة لا تقف عند حدود المجلس والمدرسة.
فإذا كانت المدرسة ابنة المجتمع، والمجتمع يتغذى من المدرسة، فإن إصلاح أحدهما دون الآخر قد يكون إصلاحًا مبتورًا.
نصلح المجتمع كي تستطيع المدرسة أن تتنفس؟ نعم.
ونصلح المدرسة كي يستطيع المجتمع أن يتغير؟ نعم أيضًا.
وهنا تحديدًا تتحول جدلية البيضة والدجاجة إلى جدلية المدرسة والمجتمع: لا يمكن أن ننتظر إصلاح المجتمع حتى نبدأ إصلاح المدرسة، ولا أن نطلب من المدرسة وحدها أن تحمل مجتمعًا بأكمله على كتفيها.
لذلك ربما تكون وظيفة المجلس الأعمق هي أن يفكر في هذه العلاقة نفسها:
كيف تصبح المدرسة أداة لإصلاح المجتمع، وكيف يصبح المجتمع حاضنة لإصلاح المدرسة؟
لا يتعلق الأمر بإسقاط المجلس، ولا بالتشكيك في كفاءة أعضائه، ولا بتحويل النقاش إلى صراع حول الأشخاص.
بل ربما يكون العكس تمامًا.
إذا كنا نريد للمجلس أن ينجح، فعلينا أن نمارس النقد تجاهه قبل أن تبدأ النتائج، لا بعد فوات الأوان.
فالنقد المبكر ليس هدمًا للمؤسسة؛ قد يكون أحد أشكال حمايتها.
خاتمة: الأسئلة التي لا ينبغي أن نخاف منها
ربما كان من السهل أن نحتفل بإحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم باعتباره نهاية انتظار طويل.
لكن الاحتفال بالمؤسسة لا يعفينا من مساءلة المؤسسة.
من يحدد الخبير؟
ومن يحدد معايير الكفاءة؟
من يضمن استقلال المعرفة التربوية عن القرار السياسي؟
من يمنح الرأي العلمي وزنه الحقيقي داخل صناعة القرار؟
أين الميثاق الوطني الذي يحمي المدرسة من تقلبات السياسة؟
أين الميدان في هندسة الإصلاح؟
أين علوم التربية والبحث التربوي من صناعة القرار؟
وأين المجتمع في كل هذه الهندسة؟
ثم:
هل نصلح المجتمع أولًا حتى نصلح المدرسة؟ أم نصلح المدرسة حتى نعيد بناء المجتمع؟
ومن سيبدأ أولًا في هذه الحلقة المفرغة؟
ثم السؤال الأكثر استفزازًا:
إذا كان المجلس الأعلى قد أُنشئ لإصلاح التعليم، أفليس من الأجدر أن نُصلح المجلس نفسه قبل أن نطلب منه إصلاح المدرسة؟
وربما السؤال الذي يختصر كل المفارقة:
إذا عجزنا عن إصلاح أداة الإصلاح، فكيف نثق بأنها قادرة على إصلاح المنظومة؟
وربما، في النهاية، ليست القضية:
من يُصلح مَن؟
بل:
هل نملك أصلًا الشجاعة لنُصلح الاثنين معًا؟
المراجع:
1. الجمهورية التونسية، دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، خاصة الفصل 135 المتعلق بالمجلس الأعلى للتربية والتعليم واختصاصاته.
2. الجمهورية التونسية، المرسوم عدد 2 لسنة 2024 المؤرخ في 16 سبتمبر 2024، المتعلق بتنظيم المجلس الأعلى للتربية والتعليم وتركيبته واختصاصاته وطرق سيره، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 114، 17 سبتمبر 2024.
3. مشروع قانون المجلس الأعلى للتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، 2016، ضمن التصورات والمشاريع المتعلقة بإعادة بناء المنظومة التربوية التونسية، كما أُحيل إليه في كتاب أفكار جديدة في التربية وعلومها.
4. مشروع الائتلاف المدني لإعادة بناء المنظومة التربوية، 2015-2016، المتعلق بإحداث مجلس أعلى للتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي.
5. الجليدي، مصدق (2002). أفكار جديدة في التربية وعلومها. تونس: دار زينب للنشر والتوزيع.
6. المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بالمغرب، النصوص المؤسسة للمجلس وتجربته في إبداء الرأي وتقييم السياسات العمومية في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي.
7. مواقف وقراءات ميدانية منشورة لمتفقدين وباحثين في التربية حول تأخر الإصلاح التربوي في تونس، والحاجة إلى إصلاح عميق وشامل، ودور الخبرة الميدانية في بناء السياسات التربوية.
8. مواقف منشورة لباحثين ومتفقدين في التربية حول السيادة التربوية، وخاصة ما تعلق بمشاريع EGRA وEGMA وPARLE والاختيارات اللغوية للمنظومة التربوية التونسية.
9. نتائج ومخرجات الاستشارة الوطنية حول الإصلاح التربوي كما أُحيل إليها في المواقف المنشورة المتعلقة بالاختيارات اللغوية ومستقبل المنظومة التربوية.
10. Mialaret, Gaston (1973). Les sciences de l'éducation. Paris: Presses7. Universitaires de France.
11. Durkheim, mile (1922). ducation et sociologie. Paris: Félix Alcan.
12. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1970). La Reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les ditions de Minuit.
13. Freire, Paulo (1974). Pédagogie des opprimés. Paris: François Maspero.
14. Arendt, Hannah (1961). Entre le passé et le futur : huit exercices de pensée politique. Paris: Gallimard.
15. Giroux, Henry A. (2013). La pédagogie critique. Paris: ditions écosociété.
المجلس الأعلى للتربية والتعليم: من يُصلح مَن؟ حين يحتاج الإصلاح إلى إصلاح - قراءة سوسيولوجية في ضوء المواقف والرهانات
2026-08-20
111 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال