بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تكوين متفقدي المدارس الابتدائية، السنة التكوينية 2026/2025: ماذا يحدث داخل القفص الحديدي؟ قراءة سوسيولوجية في هندسة التكوين، وموقع الخبرة المهنية، وحدود البيروقراطية التربوية

2026-08-14 100 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ملاحظة منهجية:

لا تستهدف هذه القراءة الأشخاص، ولا تشكك في كفاءات متفقدي المدارس الابتدائية أو المتكونين، كما لا تدّعي تقديم تقييم شامل للسنة التكوينية 2026/2025 من موقع المشاركة المباشرة فيها، ولا التحدث باسم أي من أطرافها. كذلك لا تفترض أن جميع مكونات هذه السنة التكوينية تعكس بالضرورة منطقًا بيروقراطيًا واحدًا، أو أن التجارب الفردية تختزل الواقع المؤسسي برمته.

وتستند هذه القراءة، حيثما توظف شهادات أو معطيات من الميدان، إلى التعامل معها باعتبارها موادّ دالة على تجارب وتمثلات وممارسات اجتماعية، لا باعتبارها أحكامًا نهائية على المؤسسة أو على جميع الفاعلين فيها. كما لا تُقدَّم الشهادة الميدانية بوصفها بديلًا عن المعطى الرسمي، ولا يُحوَّل ما يَرِد في مصادر غير رسمية إلى حقيقة مؤسسية إلا بقدر ما يسمح به التحقق من المعطيات.

والمقصود، في النهاية، ليس إصدار حكم مسبق على السنة التكوينية، وإنما مساءلة بعض آلياتها كما تكشفها المعطيات المتاحة، وطرح أسئلة سوسيولوجية حول هندسة التكوين، وموقع الخبرة المهنية، وعلاقات السلطة، والعدالة في التقييم، والعلاقة بين المؤسسة والميدان.
إن الانتقال الذي تقترحه هذه القراءة هو، إذن، من التجربة الجزئية إلى السؤال العام، ومن الشهادة إلى المفهوم، ومن المفهوم إلى التحليل النظري، مع الحفاظ على المسافة الضرورية بين ما يقوله الفاعلون، وما يمكن للباحث أن يستخلصه تحليليًا، وما يمكن إثباته بالمعطيات الرسمية أو الموثقة.

مقدمة: حين يصبح التكوين نفسه موضوعًا للسؤال

قد تبدو الصور التي توثق مسار تكوين متفقدي المدارس الابتدائية خلال السنة التكوينية 2026/2025 مجرد وثائق إدارية أو مشاهد عابرة من مسار مهني عادي: برنامج تكوين، مؤطرون، متفقدون، محاور، أنشطة، ومؤسسة تشرف على بناء كفاءات فئة يفترض أن تتولى لاحقًا مرافقة المدرسة والمدرسين.
لكن الصورة، في القراءة السوسيولوجية، لا تتوقف عند ما يظهر فيها؛ فالسؤال لا يصبح فقط: ماذا يتلقى المتفقدون من تكوين؟ بل يصبح: أي متفقد تريد المنظومة أن تصنع؟ ومن يريد أن يصنعه؟ وبأي تصور للخبرة المهنية؟ وبأي علاقة بين المعرفة النظرية والممارسة الميدانية والسلطة؟ وأي موقع تمنحه المؤسسة للفاعل الذي يفترض أن يكون لاحقًا عينًا بيداغوجية داخل المدرسة؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما ننتقل من الوثيقة الرسمية إلى التجربة المعاشة. فالشهادات الميدانية التي يستند إليها هذا المقال تقدم تجربة شخصية لمسار تكويني امتد على أشهر، وتثير مسائل تتصل بشروط التقييم، وتكافؤ الفرص، وفهم بعض الوضعيات التكوينية، فضلًا عن الظروف المادية والتنظيمية التي انعكست، من وجهة نظر أصحابها، على تجربتهم المهنية والنفسية.

لا ينبغي التعامل مع هذه الشهادات باعتبارها أحكامًا نهائية على المؤسسة، لكن لا ينبغي أيضًا اختزالها في شكاوى فردية. فالسوسيولوجيا تبدأ أحيانًا من التجربة الفردية، لكنها لا تتوقف عندها؛ إنها تسأل: ما البنية التي جعلت هذه التجربة ممكنة؟ وما الذي تكشفه عن طريقة اشتغال المؤسسة؟
هنا تحديدًا تبدأ الحفرية. فتكوين المتفقد ليس مجرد عملية لنقل المعارف من مكوّن إلى متكوّن، وليس مجرد تجميع لمحاور وبرامج ووحدات تكوينية؛ إنه، في العمق، عملية لإنتاج هوية مهنية وسلطة معرفية وموقع داخل الحقل التربوي. ومن ثم فإن السؤال حول تكوين متفقدي المدارس الابتدائية يتجاوز البرنامج نفسه ليصل إلى بنية أعمق: هل نحن أمام تكوين يبني خبيرًا تربويًا قادرًا على قراءة المدرسة وتعقيداتها، أم أمام جهاز بيروقراطي يعيد إنتاج أدواره داخل «قفص حديدي» من الإجراءات والتراتب والامتثال؟

1. المتفقد ليس موظفًا إداريًا إضافيًا: من الوظيفة إلى الخبرة المهنية

أول خطأ يمكن أن تقع فيه أي منظومة تكوين هو اختزال المتفقد في وظيفته الإدارية. فالمتفقد البيداغوجي ليس مجرد حلقة في السلم الإداري، ولا مجرد منفذ للتعليمات، ولا مراقبًا لمدى احترام المدرس للبرنامج، بل هو، في جوهر وظيفته، منتج للمعرفة المهنية ووسيط بين النظرية والممارسة.
وهو يحمل، بحكم مساره، معرفة لا توجد بالكامل في الكتب أو النصوص الرسمية؛ إنها معرفة تتكون من سنوات من الملاحظة والمرافقة وتحليل الممارسات والاحتكاك بالأقسام وفهم الفروق بين المدارس والجهات والمدرسين والمتعلمين، وهذه المعرفة المهنية جزء أساسي من شرعيته داخل المنظومة. فالتكوين المهني الحقيقي لا يقوم فقط على معرفة ماذا نفعل، وإنما أيضًا على فهم لماذا نفعل ذلك، ومتى، ولمن، وبأي شروط، وماذا نفعل عندما تفشل الوصفة النظرية أمام تعقيد الواقع.

وهنا تكتسب أطروحة دونالد شون حول «الممارس التأملي» أهميتها؛ فالخبير المهني لا يطبق معرفة جاهزة فقط، وإنما يبني معرفة أثناء الفعل ومن خلال التأمل في الفعل (Schn, 1983)، كما يميز بيرنو بين امتلاك المعارف وبين القدرة على تعبئة موارد متعددة داخل وضعيات مهنية معقدة (Perrenoud, 1997).
ومن هذا المنظور، فإن المتفقد لا يمكن أن يُختزل في موظف إداري، لأن جزءًا أساسيًا من شرعيته المهنية يقوم على امتلاك معرفة عملية متراكمة داخل المدرسة. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث عن تكوينه هو: هل تأتي هندسة التكوين لتوسيع هذه الخبرة وإغنائها، أم لإعادة تشكيلها وفق نموذج معياري سابق عليها؟

2. من تكوين المتفقد إلى هندسة المتفقد:

التكوين ليس محايدًا، لأن كل برنامج تكويني يحمل ضمنيًا تصورًا عن الإنسان الذي يريد إنتاجه. وحين نختار المحاور، ونقصي أخرى، ونحدد عدد الساعات، ونضبط أساليب التقييم، ونختار المؤطرين، ونحدد طبيعة الأنشطة، فإننا لا ننظم الزمن فقط، بل نبني هوية مهنية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل كان البرنامج غنيًا أم فقيرًا؟ وإنما: أي نوع من المتفقدين تسمح هذه الهندسة بإنتاجه؟
في النموذج الذي يجعل من التكوين هندسة للخبرة، يكون المتفقد قادرًا على قراءة الظاهرة التربوية قراءة متعددة الأبعاد، وتحليل الممارسة بدل الاكتفاء بوصفها، وفهم الفروق بين السياقات المدرسية، وبناء أحكام مهنية قائمة على الحجة، ومرافقة المدرس بدل الاكتفاء بمراقبته، والتفكير في الإصلاح بدل مجرد تنفيذ التعليمات.

أما في النموذج الذي يغلب فيه منطق الامتثال، فقد يُطرح السؤال عمّا إذا كان التكوين قد ينتج فاعلًا يعرف النصوص والإجراءات ويجيد تطبيقها، لكنه قد يجد نفسه أقل استعدادًا للتعامل مع الواقع عندما لا يتطابق الواقع مع النموذج الإداري المسبق.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية إذا استحضرنا إحدى الشهادات الميدانية التي تصف تفاوتًا في مستوى التكوين بين محاوره المختلفة؛ فقد بدا التكوين، في تقدير صاحبها، متينًا في بعض الجوانب، ومتوسطًا أو ضعيفًا في جوانب أخرى، بينما برز التواصل باعتباره من أكثر الحاجات الحيوية التي لم تنل ما يكفي من العناية.

وهنا تبرز ملاحظة ذات دلالة: إذا كان المتفقد سيعمل في فضاء يقوم أساسًا على التواصل والتفاوض والمرافقة وإدارة الاختلاف وبناء الثقة، فإن ضعف التكوين في هذه المهارات يمكن أن يطرح سؤالًا حول ترتيب أولويات هندسة التكوين نفسها.
وهنا تظهر أولى قضبان القفص. فالسؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت بعض المحاور أساسية أو في الهامش، وإنما بما تعتبره المؤسسة جوهرًا في تكوين المتفقد، وما تعتبره ثانويًا، وما قد يغيب أصلًا عن تصورها للكفاءة المهنية.

3. القفص الحديدي: حين تتحول العقلانية إلى جهاز ضبط

استعمل ماكس فيبر مفهوم «القفص الحديدي» لوصف وضع تصبح فيه العقلنة البيروقراطية شبكة من القواعد والإجراءات والتراتب تجعل الإنسان يتحرك داخل نظام شديد التنظيم، لكنه قد يفقد فيه جزءًا من استقلالية الفعل (Weber, 1922).
وفي المجال التربوي، لا يعني القفص الحديدي وجود سجن فعلي، بل يعني شيئًا أكثر خفاءً: أن تصبح الإجراءات أقوى من المعنى، وأن يتحول التنظيم من وسيلة لخدمة الغاية إلى غاية في ذاته.

قد تبدأ البيروقراطية بحسن نية: نريد التنظيم، وتوحيد المعايير، وضمان الجودة، والشفافية، والتقييم؛ لكن إذا انفصلت هذه الأدوات عن الغاية التربوية، يمكن أن ينقلب التنظيم إلى منطق يفرض نفسه على الفعل، فيصبح السؤال: هل احترمنا المسار؟ أكثر حضورًا من: هل حققنا الغاية؟
وتكتسب هذه الفكرة أهمية أكبر عندما تصبح القاعدة ذاتها هي المعيار النهائي للحكم، بدل أن تكون أداة للوصول إلى الغاية. وهنا لا تعود القضية مرتبطة بوجود إجراء معين أو اختبار بعينه، بل بالعلاقة بين الإجراء والغاية التي يفترض أن يخدمها.
حين يصبح الإجراء هو مركز الشرعية، قد يجد المتفقد نفسه أمام توتر بين دوره كخبير قادر على الحكم المهني وبين شبكة التعليمات التي تؤطر ممارسته؛ فيصبح السؤال: هل فعل ما هو صحيح تربويًا؟ أقل حضورًا من: هل احترم ما تنص عليه الوثيقة؟

وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها القفص الحديدي في إغلاق قضبانه.

4. مفارقة المتفقد: خبير داخل منظومة لا تثق دائمًا بخبرته

المفارقة الأكثر إثارة للاهتمام هي أن المنظومة تحتاج إلى المتفقد باعتباره خبيرًا، لكنها قد تميل في الوقت نفسه إلى إخضاع خبرته إلى منظومة معيارية صارمة.
فتظهر علاقة متوترة بين الخبرة المهنية والشرعية الإدارية: الخبرة تقول إن هذه الوضعية تحتاج إلى تقدير، والإجراء يقول إن هذه هي القاعدة؛ والخبرة تقول إن السياق مختلف، والنموذج يقول إن الممارسة يجب أن تكون موحدة؛ والخبرة تقول إن المتعلمين ليسوا نسخًا متطابقة، بينما الجدول يقول إن هناك مؤشرات محددة ينبغي قياسها.
هنا لا يعود الصراع بين أشخاص، وإنما يصبح صراعًا بين منطقين للشرعية: شرعية الخبرة من جهة، وشرعية الإجراء من جهة أخرى.
وهذا التوتر ليس خاصًا بالتعليم التونسي، لكنه يصبح أكثر حدة عندما تكون المؤسسة شديدة المركزية، لأن المسافة بين من يضع القاعدة ومن يعيش الوضعية الميدانية قد تصبح كبيرة.

ولا يعني ذلك أن أحد المنطقين خاطئ بالضرورة؛ فالمؤسسة تحتاج إلى قواعد تضمن الحد لأدنى من العدالة والانسجام، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الاعتراف بأن بعض الكفاءات المهنية لا يمكن قياسها بالكامل بواسطة قواعد جامدة.
وهنا يصبح الحفاظ على الخبرة المهنية مرتبطًا بقدرة المؤسسة على منحها مجالًا للحكم والتفسير والتبرير، لا بمجرد الاعتراف الاسمي بوجودها.

5. ماذا يحدث عندما يُفصل التكوين عن الميدان؟

التكوين المهني لا يكتمل في القاعة، وهذه قاعدة تبدو بديهية، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما يتعلق الأمر بالمتفقد، لأن المتفقد لا يعمل داخل عالم نظري، بل يدخل إلى مدارس حقيقية، وأقسام حقيقية، ومدرسين حقيقيين، وأطفال لهم تاريخ اجتماعي ونفسي وثقافي مختلف.
كما يدخل إلى مؤسسات تختلف مواردها، ومناطق تختلف شروطها، ومجتمع يتغير بسرعة قد تفوق أحيانًا سرعة النصوص الرسمية.
لذلك فإن التكوين الذي لا يجعل من الميدان مصدرًا للمعرفة قد ينتج فجوة بين ما يتعلمه المتفقد وما سيواجهه لاحقًا.

وقد بيّن دونالد شون أن المهن المعقدة لا تُختزل في تطبيق قواعد جاهزة، بل تقوم على القدرة على التفكير داخل الوضعية نفسها وعلى إنتاج المعرفة من خلال الفعل والتأمل فيه (Schn, 1983)، كما يربط بيرنو الكفاءة المهنية بالقدرة على تعبئة موارد متعددة داخل وضعيات مركبة (Perrenoud, 1997).
ومن هنا ينبغي أن تصبح الملاحظة الميدانية، وتحليل الحالات، ودراسة الممارسات، والمناقشة الجماعية، والبحث الإجرائي، والتأمل النقدي، عناصر ليست تكميلية في تكوين المتفقد، وإنما تشكل قلب هذا التكوين.

وإذا كانت بعض الشهادات الميدانية قد عبرت عن شعور بوجود مسافة بين ما يحتاجه المتفقد فعلًا في ممارسته وبين ما يحصل عليه داخل فضاء التكوين، فإن قيمة هذه الملاحظة لا تكمن في إثبات قصور شامل، وإنما في طرح سؤال أكثر عمقًا: إلى أي مدى ينطلق التكوين من الواقع الذي سيعمل فيه المتفقد، بدل أن ينطلق فقط من تصور مؤسسي مجرد عن هذا الواقع؟

6. المتفقد والميدان: من يملك شرعية تكوين الخبير؟

من يملك الشرعية لتكوين المتفقد؟ هل تكفي المعرفة الأكاديمية؟ هل تكفي الخبرة المهنية؟ هل يكفي التخصص الإداري؟ أم أن تكوين المتفقد يحتاج إلى تفاعل هذه المستويات الثلاثة؟
المتفقد الذي يفتقر إلى العمق النظري قد يقع في أسر التجربة الشخصية، والمتفقد الذي يفتقر إلى الخبرة الميدانية قد يقع في أسر النظرية، والمتفقد الذي يطغى عليه المنطق الإداري قد يتحول إلى مجرد منفذ للإجراءات.
لذلك فإن تكوينه الحقيقي يحتاج إلى تركيب بين النظرية والممارسة والتأمل والنقد والخبرة الميدانية، وهذا ما يجعل التكوين المهني مجالًا مركبًا لا يمكن اختزاله في محاضرات أو عروض أو وثائق.

فبيرنو يؤكد أن الكفاءة المهنية ليست مجرد امتلاك معارف، وإنما القدرة على تعبئة موارد متعددة داخل وضعيات معقدة (Perrenoud, 1997). ومن ثم فإن تكوين المتفقد ينبغي أن ينقله من سؤال «ماذا أعرف؟» إلى سؤال أكثر مهنية: «كيف أعبئ ما أعرفه لفهم هذه الوضعية والتدخل فيها؟».
إننا، في النهاية، لا نحتاج إلى متفقد يعرف الكثير فقط، بل إلى متفقد يعرف كيف يفكر بما يعرفه.

7. القفص الحديدي لا يلغي الخبرة... بل يعيد تشكيلها

هنا ينبغي الحذر من قراءة مبسطة. ليس معنى «القفص الحديدي» أن المؤسسة سيئة، أو أن كل إجراءاتها عبثية، أو أن كل ما هو إداري سلبي.
المشكلة ليست في وجود التنظيم، بل في حدود التنظيم. فالمنظومة تحتاج إلى قواعد، لكنها تحتاج أيضًا إلى هامش للحكم المهني؛ تحتاج إلى معايير، لكنها تحتاج إلى تفسير المعايير؛ تحتاج إلى تقييم، لكنها تحتاج إلى فهم ما وراء الأرقام؛ تحتاج إلى توحيد الحد الأدنى، لكنها تحتاج إلى الاعتراف باختلاف السياقات.
ومن هذا المنظور، يمكن استحضار تصور موران للتفكير المركب، حيث لا يكون التحدي في رفض النظام أو التنظيم، بل في القدرة على إدراك العلاقات والتفاعلات بين العناصر المختلفة وعدم اختزال الظاهرة في بعد واحد (Morin, 1999).

وعليه، فإن القفص الحديدي لا يلغي الخبرة المهنية بالضرورة، لكنه قد يعيد تشكيلها. فالخبير قد يستمر في امتلاك معرفته، لكنه يتعلم تدريجيًا كيف يعبر عنها داخل اللغة الإدارية المسموح بها، وكيف يحول أحكامه المهنية إلى مؤشرات وتقارير وصيغ قابلة للقبول المؤسسي.
وهنا تبدأ عملية أكثر خفاءً: إدماج الخبرة داخل البيروقراطية بدل تغيير البيروقراطية بالخبرة.

8. من «الخبير» إلى «الموظف»: هل يحدث التحول بصمت؟

السؤال هنا ليس اتهامًا، بل سؤال سوسيولوجي: هل تتحول وظيفة المتفقد تدريجيًا من مهنة معرفية إلى وظيفة إدارية؟
إذا كان المتفقد يقضي جزءًا متزايدًا من طاقته في التقارير والجداول والمتابعة والمؤشرات والإجراءات والاجتماعات والوثائق، فكم يبقى من الوقت للقراءة الفعلية للممارسة؟
وإذا أصبحت القيمة المهنية تقاس بدرجة الالتزام بالإجراء أكثر مما تقاس بقدرة الفاعل على فهم الوضعية، فماذا يحدث للخبرة؟
وتشير إحدى الشهادات الميدانية إلى أن بعض المتفقدين قد يجدون أنفسهم أمام أعداد كبيرة من المدرسين، بالتوازي مع أدوار التقييم والتكوين والمتابعة والبحث والتخطيط، وفي ظل ما تصفه الشهادة بمحدودية وسائل المساعدة البيداغوجية والإدارية.

كما تشير المعطيات المتداولة حول السنة القادمة إلى إعادة توزيع مدارس الدوائر الشاغرة على المتفقدين، بما يؤدي إلى مضاعفة عدد المدرسين الذين سيشرف عليهم كلّ متفقد. وإذا تأكد ذلك في المعطيات الرسمية، فإنه يطرح سؤالًا حول مدى توافق حجم المسؤوليات مع الشروط الفعلية لممارستها.
وهنا لا يعود السؤال: هل يستطيع المتفقد أن يكون كفؤًا؟ بل يصبح: هل صُممت شروط العمل أصلًا لكي تسمح له بممارسة الكفاءة التي نطالبه بها؟
فالمؤسسة التي تريد من المتفقد أن يكون خبيرًا ومرافقًا وباحثًا ومكونًا ومخططًا، مطالبة بتوفير الشروط التنظيمية والبشرية التي تجعل هذه الأدوار ممكنة. وإلا فإنها قد تنتج مفارقة خطيرة: تكوين فاعل مهني عالي التوقعات، ثم وضعه في بنية عمل تحد من قدرته على تحقيق تلك التوقعات.

وهنا تظهر إحدى مفارقات المؤسسة الحديثة: نريد فاعلًا مستقل التفكير، لكننا نكوّنه داخل نظام شديد الضبط؛ نريد منه أن يرافق الإبداع، لكننا قد نكافئه أساسًا على احترام الإجراءات؛ نريده أن يفهم تعقيد الواقع، لكننا قد نقدم له واقعًا مصنفًا مسبقًا داخل جداول ومؤشرات.
وهذه المفارقة هي بالضبط ما يجعل سؤال القفص الحديدي يتجاوز التنظيم الإداري إلى إنتاج الذات المهنية نفسها.

9. من فيبر إلى موران: لا يمكن تفقد المدرسة بعين واحدة

إذا كان فيبر يساعدنا على فهم القفص الحديدي، فإن إدغار موران يساعدنا على فهم شيء آخر: تعقيد الظاهرة التربوية.
فالمدرسة ليست جهازًا منفردًا، وإنما هي تقاطع بين المتعلم والمدرس والأسرة والإدارة والثقافة والاقتصاد والجغرافيا والسياسات العمومية والتحولات الاجتماعية.
ولهذا فإن المتفقد الذي ينظر إلى المدرسة بعين إدارية فقط قد يرى جزءًا من الحقيقة، والذي ينظر إليها بعين بيداغوجية فقط قد يفوته الاجتماعي، والذي ينظر إليها بعين اجتماعية فقط قد يفوته التقني.
أما التحدي الحقيقي فهو بناء نظرة تركيبية.

وهنا يصبح التكوين الجيد ليس ذلك الذي يعطي المتفقد أكبر عدد من المعلومات، بل الذي يمنحه القدرة على ربط المعلومات ببعضها وفهم العلاقات بينها. وهذا هو جوهر التفكير المركب عند موران: تجاوز المعرفة المجزأة نحو معرفة قادرة على وصل الأجزاء بالسياق وبالعلاقات التي تنتظم بينها (Morin, 1999).
ومن هنا فإن تكوين المتفقد ينبغي أن يجمع بين علوم التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس والمناهج والتقييم والعلوم الرقمية والمعرفة الميدانية...
فالمتفقد الذي يعرف الكثير من كل شيء ليس بالضرورة متفقدًا مركب التفكير؛ المهم أن يعرف كيف يربط ما يعرفه بما يحدث فعلًا في المدرسة.

10. من القفص الحديدي إلى «الثقوب الدودية»: كيف تعبر المعرفة؟

هنا نعود إلى مفهومنا الذي بنينا عليه سلسلة من القراءات السابقة: الثقوب الدودية التربوية.
إذا كان القفص الحديدي يمثل الانغلاق والثبات والتراتب والنمطية، فإن الثقوب الدودية تمثل المسارات التي تسمح للمعنى والمعرفة والخبرة بالتحرك بين مستويات مختلفة.

وفي حالة تكوين المتفقد، يمكن أن تكون الممارسة الميدانية، والبحث الإجرائي، والنقاش بين المتفقدين، وتبادل الخبرات، والاتصال المباشر بالمدرسين، ودراسة الحالات، والاستفادة من العلوم الاجتماعية، والرقمنة، والشبكات المهنية، والانفتاح على التجارب المقارنة، كلها مسارات قادرة على فتح منافذ داخل البنية المغلقة.
لكن المفارقة أن القفص الحديدي قد ينتج هذه الثقوب بنفسه؛ فكلما ازداد الانغلاق الإداري، ازداد بحث الفاعلين عن مساحات بديلة للتفكير والتبادل.
وهنا تظهر العلاقة الجدلية بين المفهومين: القفص ينتج الحاجة إلى الثقب، والثقب يخترق القفص دون أن يهدمه بالضرورة.
وهذه العلاقة بين منطق التثبيت البيروقراطي ومنطق الاختراق المعرفي هي التي تجعل «الثقوب الدودية» ليست مجرد استعارة جمالية، بل أداة لفهم كيفية انتقال المعرفة والخبرة بين مستويات المنظومة رغم صلابة بنيتها الرسمية.

11. لكن هل تكفي الثقوب الدودية؟

لا!
فالثقوب الدودية ليست خلاصًا آليًا. فالرقمنة مثلًا قد تفتح مسارات جديدة للمعرفة، لكنها لا تضمن وحدها إنتاج معرفة مهنية، والتكوين عن بعد قد يوسع الوصول، لكنه لا يعوض دائمًا التجربة الميدانية، والشبكات المهنية قد تفتح مجالًا للتبادل، لكنها قد تتحول هي الأخرى إلى دوائر مغلقة، وحتى الحرية الظاهرية في النقاش قد تخفي أشكالًا جديدة من الضبط.
لذلك فإن «الثقوب الدودية» ليست سوى مسارات محتملة للخروج من الانغلاق، والسؤال الحقيقي هو: هل تستخدمها المنظومة لتجديد نفسها، أم تستخدمها فقط لامتصاص التوتر وإعادة إنتاج النظام بالشكل نفسه؟

وهنا يعود التفكير السوسيولوجي إلى فكر بورديو: فالفاعلون يستطيعون تطوير استراتيجيات داخل الحقل، لكن هذه الاستراتيجيات لا تحدث ارج البنية؛ إنها تتحرك داخل شروط تحدد ما هو ممكن وما هو صعب وما هو مستحيل (Bourdieu & Passeron, 1970).
ومن ثم فإن فتح منافذ للمعرفة لا يكفي ما لم تتغير، ولو تدريجيًا، شروط إنتاج المعرفة والاعتراف بها داخل المؤسسة.

12. التكوين بين منطق الاستثمار ومنطق تدبير الحاجة

هناك سؤال آخر لا يمكن تجاهله: هل تنظر الدولة إلى تكوين الفاعلين التربويين باعتباره استثمارًا طويل المدى أم باعتباره كلفة ينبغي التحكم فيها؟
الفرق بين المنطقين جوهري.
ففي منطق الاستثمار، يكون المتفقد مشروعًا معرفيًا ومهنيًا؛ تستثمر الدولة في تكوينه لأنها تعرف أن جودة المرافقة والتأطير تنعكس على جودة المدرسين والمدارس والمتعلمين.
أما في منطق تدبير الحاجة، فيصبح التكوين مجرد حلقة من حلقات إدارة الموارد البشرية، فيتحول السؤال من: كيف نبني خبيرًا تربويًا؟ إلى: كيف نوفر الوظيفة المطلوبة بأقل كلفة وأسرع زمن؟

وتشير إحدى الشهادات الميدانية إلى أن تقدير الحاجة كان أعلى من العدد الذي انتهى إليه الترتيب الإداري للشغورات. وإذا أمكن التثبت من الفارق بالوثائق الرسمية، فإن هذا المعطى يمكن أن يطرح سؤالًا حول كيفية تعريف الدولة لحاجتها إلى الخبرة التفقدية وحول موقع الموارد البشرية في هندسة هذه الحاجة.
ومن ثم لا ينبغي الانتقال مباشرة من هذا المعطى إلى استنتاج يتعلق بمنطق الدولة أو بسياساتها؛ وإنما يمكن اعتباره نقطة تستحق البحث في ضوء الوثائق الرسمية والمعطيات المتعلقة بالحاجات الفعلية وإعادة توزيع الموارد.

ولا يمكن إثبات انتقال المنظومة من منطق الاستثمار إلى منطق تدبير الحاجة من خلال هذه الشهادة وحدها؛ لكن المعطى، إذا ثبت بالوثائق الرسمية، يستحق أن يُقرأ ضمن سياق أوسع يتصل بسياسات التحكم في كلفة الخدمة العمومية وإعادة تشكيل أدوار الدولة.
وهنا يمكن أن يظهر أحد أشكال التهميش غير المباشر للخبرة المهنية: ليس عبر إلغاء الوظيفة، وإنما عبر تقليص المجال الذي يُسمح لها بالوجود فيه، أو الحد من الموارد البشرية التي تحتاج إليها، أو التعامل معها بمنطق الكلفة بدل منطق الاستثمار.

وفي سياقات تشهد فيها الخدمات العمومية ضغوطًا متزايدة مرتبطة بالكلفة وإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، يصبح السؤال عن الموارد البشرية سؤالًا اجتماعيًا وسياسيًا يتجاوز التكوين ذاته. لكن الربط المباشر بين هذا المسار والخوصصة يحتاج إلى أدلة مستقلة؛ فلا ينبغي أن نحول مؤشرًا إلى نتيجة قبل أن نمتلك ما يكفي من المعطيات لإثباتها.
وتؤكد الأدبيات الدولية حول سياسات المدرسين أن جودة التكوين الأولي والمستمر، ودعم التطور المهني، ليست عناصر هامشية في بناء أنظمة تعليمية فعالة، بل مكونات أساسية في سياسات التعليم (OECD, 2018).

13. ماذا تقول لنا وضعية المتفقد عن صورة المدرسة؟

هنا تنقلب المعادلة. فبدل أن نسأل فقط: كيف نكوّن المتفقد؟ يمكن أن نسأل: أي مدرسة نريد أن يقودنا إليها المتفقد؟
إذا كانت المدرسة التي نريدها مدرسة تفكير ونقد وإبداع، فنحن نحتاج إلى متفقد قادر على التفكير والنقد والإبداع.
وإذا كانت المدرسة مطالبة بأن تكون أكثر انفتاحًا، فلا يمكن أن يكون تكوين فاعليها مغلقًا.

وإذا كانت المدرسة مطالبة بأن تراعي الفروق الفردية والسياقات، فلا يمكن أن تكون فلسفة تكوين المتفقد قائمة على نموذج واحد جامد.
وإذا كنا نريد من المدرس أن يكون ممارسًا متأملًا، فمن الطبيعي أن نريد من المتفقد نفسه أن يكون ممارسًا متأملًا للرقابة والمرافقة والتكوين.
وهنا يلتقي شون وبيرنو وموران: الممارسة دون تأمل قد تتحول إلى عادة، والنظرية دون ممارسة قد تتحول إلى تجريد، والاثنان دون تفكير مركب قد يتحولان إلى معرفة مجزأة (Schn, 1983; Perrenoud, 1997; Morin, 1999).
ومن ثم فإن السؤال عن تكوين المتفقد هو، في العمق، سؤال عن نوع المدرسة التي تريد المنظومة أن تنتجها.

14. المتفقد بين المراقبة والمرافقة: أي فلسفة للتفقد؟

ربما تكون هذه إحدى أكثر النقاط حساسية في وظيفة التفقد.
هل المتفقد هو الذي يأتي إلى المدرسة ليكتشف الأخطاء، أم الذي يساعد المؤسسة والمدرس على فهم ما يحدث؟
الفرق ليس لغويًا، بل هو فرق في فلسفة السلطة.
ففي النموذج الرقابي الصرف تكون العلاقة عمودية: مراقب مراقَب، أما في النموذج المهني فتصبح العلاقة أقرب إلى: خبير مهني يحتاج إلى مرافقة وتبادل ونقد.
وهذا لا يعني إلغاء المساءلة أو المعايير؛ فالمرافقة لا تعني التساهل، والتفكير النقدي لا يعني الفوضى، والاستقلالية المهنية لا تعني غياب المسؤولية، بل تعني أن تكون المسؤولية مبنية على الفهم والحجة والخبرة.

وتكشف إحدى الشهادات الميدانية عن تعدد في الخطابات التي تلقاها المتكوّنون حول طبيعة السلطة التفقدية؛ فبينما يجري التشديد في بعض السياقات على الحزم، يبرز في سياقات أخرى خطاب الحكمة والتوازن، وفي سياقات ثالثة التواصل والمرونة.
ولا تكمن المشكلة في وجود هذه المفاهيم، فهي جميعًا ضرورية في الممارسة التفقدية، وإنما في السؤال عن كيفية تركيبها داخل فلسفة مهنية واضحة: كيف يكون المتفقد حازمًا دون أن يتحول الحزم إلى قهر؟ وكيف يكون مرنًا دون أن تتحول المرونة إلى تساهل؟ وكيف يمارس سلطته دون أن يفقد القدرة على التواصل والمرافقة؟

إذا تُرك المتكوّن في النهاية ليجمع هذه الرسائل بنفسه ويحدد مقدار الحزم والمرونة الذي سيعتمده، فإن المؤسسة تكون قد نقلت إليه جزءًا من مسؤولية حل التناقض الذي يفترض أن تحسمه هندسة التكوين نفسها.
وهنا تتقاطع وظيفة المتفقد مع مفهوم المهنية الذي يؤكد أن العمل التربوي لا يقوم فقط على تنفيذ التعليمات، بل على ممارسة حكم مهني داخل وضعيات معقدة (Perrenoud, 1997; Schn, 1983).
فالمتفقد الذي يدخل المدرسة حاملًا السلطة فقط قد ينجح في فرض الامتثال، لكنه قد يفشل في بناء التعلم المؤسسي.

15. أين يقف المتفقد داخل القفص؟

ربما يكون السؤال الأكثر قسوة: هل المتفقد حارس للقفص الحديدي أم أسير داخله؟
قد يبدو في الظاهر أنه حارس، فهو يمثل المؤسسة، ويتابع المدرسين، ويذكر بالقوانين، ويراقب تنفيذ البرامج.
لكن القراءة السوسيولوجية تكشف احتمالًا آخر: المتفقد نفسه قد يكون محكومًا بالشبكة التي يطبقها. إنه مراقِب ومراقَب في الوقت نفسه؛ يملك سلطة على مستوى معين، لكنه يخضع لسلطات أعلى؛ يمارس التقييم، لكنه يخضع للتقييم؛ يشرح المعايير، لكنه لا يضعها كلها؛ يملك هامشًا من الحكم، لكنه يتحرك داخل حدود مؤسسية.

وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة عندما تشير بعض الشهادات إلى أن السنة التكوينية عاشت، بالنسبة إلى بعض المتكوّنين، باعتبارها تجربة شديدة الضغط والاستنزاف، لا مجرد مسار مهني عادي.
ولا تسمح هذه الشهادات بإطلاق حكم عام على الأثر النفسي للتكوين، لكنها تفتح سؤالًا سوسيولوجيًا مشروعًا: ماذا يحدث للهوية المهنية عندما يتحول المسار الذي يفترض أن يبني الخبير إلى تجربة يشعر فيها بعض المشاركين بضغط طويل الأمد؟
إن أهمية هذه المعطيات لا تكمن في إثبات أن المؤسسة تعمل بهذه الطريقة دائمًا، وإنما في كشف المفارقة: كيف يمكن لمن يتعلم داخل منظومة للضبط أن يمارس لاحقًا سلطة مهنية مرنة وقادرة على المرافقة؟

وهنا تصبح البيروقراطية الحديثة، وفق القراءة الفيبيرية، بنية لا يقف الفاعل خارجها، بل يتحرك داخلها ويتحدد فعله بدرجة كبيرة بالقواعد والأدوار والتراتبات التي تنظمه (Weber, 1922).
ومن هنا تصبح وظيفة المتفقد مفارِقة في طبيعتها ومزدوجة في آن واحد: فهو يمتلك سلطة داخل القفص، لكنه لا يملك بالضرورة سلطة تحديد شكل القفص نفسه.

16. ماذا ينبغي أن يكون عليه تكوين المتفقد؟

إذا أردنا الانتقال من التشخيص إلى التفكير في البديل، فإن تكوين المتفقد يحتاج إلى إعادة تركيب تقوم على أبعاد مترابطة.
أولها قاعدة علمية متعددة التخصصات تجمع بين علوم التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم التعلم والمناهج والتقييم، لأن الظاهرة المدرسية لا يمكن اختزالها في بعدها البيداغوجي وحده. ومن هذا المنظور، فإن تصور إدغار موران للتفكير المركب يكتسب أهمية خاصة؛ إذ يرى أن المعرفة لا تبلغ معناها الحقيقي إلا عندما تستطيع إقامة الروابط بين الأجزاء والسياقات المختلفة بدل عزل الظواهر داخل تخصصات منفصلة (Morin, 1999).

وثانيها تكوين مهني قائم على الممارسة، لأن وظيفة المتفقد تقوم على ممارسة مركبة تتطلب الملاحظة وتحليل الممارسات والمرافقة والتكوين وإدارة التغيير. وهنا تكتسب أطروحة بيرنو أهميتها، إذ يميز بين امتلاك المعارف وبين القدرة على تعبئة موارد متعددة داخل وضعيات مهنية معقدة؛ فالكفاءة لا توجد في المعرفة المجردة وحدها، وإنما تظهر في القدرة على استخدامها بصورة ملائمة داخل سياق معين (Perrenoud, 1997).

وثالثها تكوين ميداني وتأملي، لأن المدرسة لا تُفهم من الوثائق الرسمية وحدها، بل من خلال الاحتكاك اليومي بالأقسام والمدرسين والمتعلمين والمؤسسات والسياقات المحلية، وهو ما يجعل مفهوم «الممارس التأملي» عند دونالد شون شديد الصلة بالتكوين التفقدي (Schn, 1983).
ويضاف إلى ذلك تكوين بحثي يجعل المتفقد قادرًا على إنتاج المعرفة المهنية لا مجرد استهلاكها؛ فالمتفقد الذي يستطيع صياغة سؤال بحث، وجمع المعطيات، وتحليلها، ومناقشة نتائجها، يصبح أكثر قدرة على فهم الظواهر المدرسية بعيدًا عن الانطباعات والأحكام الجاهزة.

كما يحتاج إلى بعد نقدي يسمح له بمساءلة المسلمات والبرامج والممارسات والسياسات، لأن المهنية لا تعني الطاعة العمياء، كما أن النقد لا يعني الرفض الدائم.
ويحتاج أيضًا إلى تكوين رقمي يتجاوز مجرد استعمال الأدوات، لأن التحول الرقمي يغير طرق إنتاج المعرفة وتداولها والعلاقات المهنية نفسها.
وأخيرًا يحتاج إلى تكوين تأملي مستمر يجعله قادرًا على مساءلة ممارسته هو نفسه: لماذا أراقب بهذه الطريقة؟ لماذا أحكم بهذا الشكل؟ ما الذي لا أراه؟ وما الذي قد تكون أدواتي نفسها قد أخفته عني؟

وهنا يعود مفهوم شن حول الممارسة التأملية ليؤكد أن التطور المهني لا يحدث فقط بإضافة معلومات جديدة، بل بإعادة النظر في الطريقة التي نفكر ونمارس بها مهنتنا (Schn, 1983).
وتنسجم هذه الرؤية مع ما تطرحه الأدبيات المعاصرة حول التطور المهني للفاعلين التربويين وسياسات تحسين الممارسة التعليمية.

17. من تكوين المتفقد إلى إصلاح المدرسة:

قد يبدو الحديث عن تكوين المتفقد شأنًا مهنيًا خاصًا، لكنه في الحقيقة شأن مدرسي عام، لأن المتفقد يؤثر في المدرس، والمدرس يؤثر في القسم، والقسم يؤثر في المتعلم، والمتعلم هو في النهاية جزء من المجتمع.
أي أن السلسلة هي:
تكوين المتفقد الممارسة التفقدية الممارسة المدرسية التعلمات المجتمع.

ومن هنا فإن أي اختلال في الحلقة الأولى يمكن أن يتسرب إلى بقية الحلقات.
وهذه إحدى أهم أفكارنا في قراءة المنظومة التربوية عبر «الثقوب الدودية»: القرار لا يبقى في المستوى الذي صدر فيه؛ إنه يعبر المستويات، ويتغير أثناء عبوره، ثم يظهر لاحقًا في مكان آخر، أحيانًا بعيدًا جدًا عن مصدره الأول.
وهكذا فإن ما يحدث في مركز التكوين لا يبقى في مركز التكوين؛ قد ينتقل إلى المدرسة، ثم إلى علاقة المتفقد بالمدرس، ثم إلى الممارسة الصفية، ثم إلى المتعلم.
وهذا ما يجعل إصلاح تكوين المتفقد جزءًا من إصلاح المدرسة نفسها، وليس قضية فئوية منفصلة عنها.

18. ماذا تكشف صور تكوين 2026/2025؟

إن التجربة الميدانية التي تنقلها الشهادة التي انطلق منها هذا التحليل لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد تجربة فردية معزولة، ولا باعتبارها حكمًا نهائيًا على مسار تكوين متفقدي المدارس الابتدائية خلال السنة التكوينية 2026/2025؛ وإنما باعتبارها مدخلًا سوسيولوجيًا إلى مساءلة هندسة التكوين نفسها.
فالتجربة المعاشة تسمح بطرح أسئلة لا تظهر بالضرورة في البرامج والوثائق الرسمية: كيف تُبنى شروط التكوين؟ كيف تُفهم الكفاءة؟ كيف تُمارس السلطة؟ كيف تُدار الاختلافات؟ وكيف يشعر الفاعل داخل المؤسسة بأن خبرته المهنية معترف بها أو مهمشة؟

وإذا كانت الشهادة تشير إلى تفاوت في بعض شروط الإنجاز، وإلى اختلاف في فهم بعض الوضعيات التكوينية والتقييمية، وإلى تجربة مهنية ونفسية تأثرت، من وجهة نظر صاحبها، بهذه الظروف، فإن أهميتها لا تكمن في إثبات أن المنظومة تعمل بهذه الطريقة في كل الحالات، وإنما في أنها تكشف إمكان وجود مسافة بين الهندسة الرسمية للتكوين والتجربة التي يعيشها الفاعل داخلها.
وهذه المسافة، في حد ذاتها، تستحق الدراسة؛ لأنها قد تكشف عن الطريقة التي تتحول بها القواعد والمعايير والإجراءات إلى تجربة فعلية لدى الأشخاص الذين يفترض أن يصبحوا لاحقًا جزءًا من جهاز التفقد.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد الحكم على جودة التكوين: ماذا يحدث عندما تدخل هندسة التكوين إلى التجربة المهنية الفعلية؟ هل تتحول المعرفة والخبرة السابقة إلى موارد يعاد استثمارها وتطويرها، أم تصبح خبرة ينبغي تكييفها مع قوالب ومعايير محددة سلفًا؟ وهل يشعر الفاعل بأن التقييم يقيس فعلًا كفاءته المهنية المركبة، أم أنه يقيس قدرته على الاستجابة لما تعتبره المؤسسة إجابة أو أداءً مطابقًا للنموذج المنتظر؟
وهنا تصبح الشهادة الميدانية ذات قيمة سوسيولوجية لا لأنها تقول لنا «الحقيقة» عن المؤسسة، وإنما لأنها تجعلنا نرى ما لا يظهر في النصوص الرسمية وحدها: أثر القواعد في التجربة، وأثر التقييم في الإحساس بالإنصاف، وأثر السلطة المؤسسية في تشكيل العلاقة بالمعرفة والخبرة، وأثر شروط التكوين في بناء الهوية المهنية للمتفقد.

فالسوسيولوجيا لا تبدأ من السؤال: «من المخطئ؟»، بل من سؤال أكثر تركيبًا: "ما الذي يجعل تجربة كهذه ممكنة داخل بنية مؤسسية معينة؟"
وعند هذه النقطة، تتحول الشهادة من مجرد رواية فردية إلى نافذة على بنية أوسع؛ لا تسمح لنا وحدها بالتعميم، لكنها تسمح لنا بطرح فرضيات حول العلاقة بين الخبرة المهنية والبيروقراطية، وبين التكوين والسلطة، وبين التقييم والعدالة، وبين ما تريده المؤسسة من المتفقد وما يحمله المتفقد معه من خبرة ميدانية.
وهنا تحديدًا يصبح الانتقال من الشهادة إلى المفهوم، ومن المفهوم إلى السؤال السوسيولوجي هو جوهر هذه القراءة.

19. من القفص الحديدي إلى المدرسة المتعلمة:

ربما لا يكون الحل في هدم القفص، فكل مؤسسة تحتاج إلى حد أدنى من التنظيم.
لكن المطلوب هو تحويل المؤسسة من منظومة تنفذ إلى منظومة تتعلم، ومن مؤسسة تراقب إلى مؤسسة تتأمل ممارستها، ومن موظف يطبق إلى مهني يفكر، ومن تكوين ينقل المعرفة إلى تكوين ينتج المعرفة.

وهذا يعني أن المتفقد نفسه يجب ألا يكون فقط موضوعًا للتكوين، بل يجب أن يكون أيضًا فاعلًا في إنتاج معرفة حول المدرسة.
فالمدرسة التي تتعلم ليست المدرسة التي تخلو من القواعد، وإنما المدرسة التي تستطيع مراجعة قواعدها عندما تكشف الممارسة حدودها.
وهذا قريب من تصور مايكل فولان للإصلاح التربوي باعتباره عملية تعلم وتغيير مؤسسي مستمر، لا مجرد تنفيذ لقرارات إدارية (Fullan, 2007).
ومن هنا، يصبح المتفقد جزءًا من قدرة المدرسة على التعلم، لا مجرد أداة لمراقبة مدى امتثالها.

20. السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا:

بعد كل ذلك، لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل كان تكوين متفقدي المدارس الابتدائية خلال السنة التكوينية 2026/2025 جيدًا أم سيئًا؟ فهذا السؤال، رغم مشروعيته، يظل أسير منطق التقييم الثنائي الذي يبحث عن حكم نهائي.
السؤال الأعمق هو: أي فلسفة للتفقد تكشف عنها هندسة التكوين؟ هل نريد متفقدًا يحرس النص أم يفسر النص؟ يحرس البرنامج أم يساعد المدرسة على تحقيق غاياته؟ يحصي الأخطاء أم يفهم أسبابها؟ ينقل التعليمات أم ينتج المعرفة المهنية؟

ثم يأتي السؤال الأكثر عمقًا، وربما الأكثر إزعاجًا:
هل تستطيع منظومة بيروقراطية أن تنتج فاعلين قادرين على ممارسة حكم مهني مستقل، وعلى مساءلة حدود البيروقراطية نفسها؟

وهنا تحديدًا ينبغي أن يبقى السؤال مفتوحًا؛ لأن إغلاقه بإجابة جاهزة يعني إعادة إنتاج المنطق نفسه الذي يحاول هذا المقال مساءلته.
فالمطلوب ليس إدانة المؤسسة ولا تبرئتها، وإنما إبقاء المسافة النقدية مفتوحة بين ما تقوله هندسة التكوين عن نفسها، وما تنتجه فعليًا في التجربة المهنية، وما يمكن أن تكشفه الممارسة عندما تُقرأ بأدوات سوسيولوجية.

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا في النهاية هو:
"هل يتعلم المتفقدون كيف يعملون داخل القفص الحديدي فقط، أم يتعلمون أيضًا كيف يفكرون في القفص نفسه؟"
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي...

خاتمة: ماذا يحدث داخل القفص الحديدي؟

إن ما يحدث داخل القفص الحديدي ليس بالضرورة مؤامرة، ولا انهيارًا، ولا فشلًا فرديًا. إنه شيء أكثر تعقيدًا: إعادة إنتاج بطيئة لمنطق المؤسسة من خلال تكوين الفاعلين الذين سيعملون داخلها.
فالمؤسسة لا تكتفي بإنتاج القواعد، بل تنتج أيضًا الأشخاص القادرين على تنفيذها، وتحدد، بدرجات متفاوتة، أشكال المعرفة التي تمنحها الشرعية، وأنماط الفعل التي تعتبرها مهنية، وحدود الحكم الذي تسمح به.

ومن هنا تصبح مسألة التكوين أوسع من البرنامج ومحاوره ووحداته؛ إنها مسألة تتصل بمعنى المهنة نفسها، وبالعلاقة بين الخبرة والسلطة، وبين القاعدة والحكم المهني، وبين التكوين والممارسة.
ولذلك لا يكمن الرهان في بناء تكوين بلا قواعد، ولا في إلغاء التنظيم، ولا في استبدال البيروقراطية بالفوضى، وإنما في بناء بيروقراطية تربوية قادرة على التعلم، وخبرة مهنية قادرة على التفكير، وتكوين قادر على إنتاج المعرفة بدل الاكتفاء بإعادة تدوير التعليمات.
وربما هنا تلتقي فكرتا القفص الحديدي والثقوب الدودية: فالقفص يمثل البنية التي تنظم الفاعلين داخل النظام، أما الثقوب الدودية فتمثل المسارات التي تسمح للمعرفة والخبرة والأسئلة بالعبور بين مستوياته. والثقب لا يهدم القفص بالضرورة؛ لكنه قد يسمح بدخول الضوء، وبإعادة رؤية الجدران، وبفتح إمكانات جديدة للفعل والتفكير.

وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: حين يصبح من يعيشون داخل القفص قادرين على رؤيته، وفهم آليات اشتغاله، وامتلاك القدرة على فتح منافذ لتجاوزه والخروج من حدوده.


المراجع:

1. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
2. Fullan, M. (2007). The New Meaning of Educational Change. 4th ed. New York: Teachers College Press.
3. Morin, E. (1999). La tête bien faite : Repenser la réforme, réformer la pensée. Paris : ditions du Seuil.
4. OECD. (2018). Effective Teacher Policies: Insights from PISA. Paris: OECD Publishing.
5. Perrenoud, P. (1997). Construire des compétences dès l’école. Paris : ESF éditeur.
6. Schn, D. A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. New York: Basic Books.
7. Shulman, L. S. (1987). “Knowledge and Teaching: Foundations of the New Reform.” Harvard Educational Review, 57(1), 1–23.
8. Weber, M. (1922). Wirtschaft und Gesellschaft. Tübingen: J. C. B. Mohr (Paul Siebeck).

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال