مقدمة: حين يتحول المسار المهني إلى مختبر للمعرفة
هل تكفي النصوص القانونية والإحصائيات الرسمية لفهم ما يجري داخل المدرسة؟ وهل تستطيع التقارير الإدارية، مهما بلغت دقتها، أن تكشف التحولات العميقة التي عرفتها المنظومة التربوية التونسية خلال العقود الأخيرة؟ أم أن هناك معرفة أخرى لا تتولد إلا من معايشة المدرسة، والعيش داخل تفاصيلها اليومية، والإنصات إلى نبضها، عامًا بعد عام؟
لا تدّعي هذه الورقة تقديم إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكنها تنطلق من قناعة إبستمولوجية مفادها أن الممارسة المهنية، متى اقترنت بالتأمل والنقد واستندت إلى أدوات التحليل السوسيولوجي، تتحول إلى مصدر مشروع لإنتاج المعرفة. فالمعلم لا يكتفي بتطبيق السياسات التربوية، بل يعيش آثارها اليومية، ويرصد المسافة بين ما يُعلن في الخطابات الرسمية وما يتحقق في الواقع، وبين ما يُراد للمدرسة أن تكونه وما أصبحت عليه فعلاً. وهو ما يقترب من تصور دونالد شون للممارس التأملي، حيث لا تظل الممارسة مجرد تطبيق للمعرفة، بل تصبح مجالًا للتفكير وإنتاج الفهم من داخل الفعل نفسه (Schn, 1983).
لقد كانت رحلتي داخل المدرسة التونسية، الممتدة لأكثر من ربع قرن، أكثر من مجرد مسار وظيفي. كانت رحلة في اكتشاف التحولات التي مست المؤسسة التربوية، والعلاقات التي تنسجها مع المجتمع، والتحولات التي أصابت صورة المربي، ووظائف المدرسة، وانتظارات الأسرة، وتمثلات التلاميذ للمعرفة وللمستقبل.
ولم تكن هذه التحولات منفصلة عن التحولات التي مست علاقة الدولة بالمربي، ولا عن الطريقة التي أُديرت بها المطالب المهنية والاجتماعية لرجال التعليم، خاصة في مرحلة ما بعد الثورة، حيث تداخلت الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والنقابية والسياسية، وأصبحت علاقة المدرس بمهنته وبالمؤسسة وبالمجتمع أكثر تعقيدًا. ومن هنا، فإن قراءة جغرافيا المنظومة التربوية تقتضي أيضًا مساءلة المكانة المادية والرمزية التي احتلها المربي داخل هذه التحولات، وما إذا كان تراجع هذه المكانة قد أصبح أحد مؤشرات الأزمة الأعمق التي تعيشها المدرسة.
وخلال هذه السنوات، أدركت أن المدرسة ليست مجرد فضاء للتدريس، بل هي مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وأن القسم الدراسي ليس مجرد مكان لتلقين المعرفة، بل مختبر اجتماعي تُقرأ من خلاله تحولات المجتمع بأكمله. ففهم الظواهر المركبة يقتضي تجاوز القراءات الخطية والتعامل معها باعتبارها منظومات من العلاقات المتداخلة، وهو ما ينسجم مع منظور إدغار موران في التفكير المركب (Morin, 1990).
وانطلاقًا من هذا الوعي، يحاول هذا المقال أن يقرأ جغرافيا المنظومة التربوية التونسية من زاوية تجمع بين التجربة الميدانية والتحليل السوسيولوجي، مستأنسًا بإسهامات عدد من رواد علم الاجتماع والتربية، دون أن يغفل خصوصية التجربة التونسية. فهو ليس سيرة ذاتية، ولا مرافعة نقابية، ولا محاولة لإصدار أحكام جاهزة، بل هو دعوة إلى التفكير في المدرسة باعتبارها إحدى أهم المرايا التي يرى المجتمع فيها صورته، ويقيس من خلالها قدرته على صناعة مستقبله.
1. من داخل القسم: حين تصبح الممارسة اليومية مرآة للمجتمع
لم يكن القسم، بالنسبة لي، مجرد فضاء لنقل المعارف أو تنفيذ البرامج الرسمية، بل كان على امتداد سنوات طويلة مختبرًا اجتماعيًا مصغرًا تختزل داخله تحولات المجتمع بأكمله. ففي مقاعد التلاميذ لا نجد فقط مستويات مختلفة في التحصيل، بل نجد أيضًا تفاوتات اجتماعية وثقافية واقتصادية، وأنماطًا متعددة من العلاقة بالمعرفة والمدرسة والمستقبل.
فالمعلم الذي يقف يوميًا أمام التلاميذ يكتشف أن الفشل الدراسي لا يمكن اختزاله في ضعف الجهد الفردي، كما لا يمكن تفسير النجاح باعتباره نتيجة للقدرات الشخصية وحدها. وراء كل مسار دراسي قصة اجتماعية: أسرة، ورأس مال ثقافي، وظروف اقتصادية، وانتظارات، وفرص متفاوتة. وقد بيّن بيير بورديو وجان-كلود باسرون أن النظام التعليمي لا يعمل بمعزل عن الفوارق الاجتماعية والثقافية، وأن المدرسة قد تساهم، من خلال آلياتها الخاصة، في إعادة إنتاج بعض أشكال اللامساواة الاجتماعية والثقافية (Bourdieu & Passeron, 1970). كما أن اختلاف علاقة المتعلمين بالمعرفة لا ينفصل عن اختلاف مواقعهم الاجتماعية وما يرتبط بها من أشكال الرأسمال الثقافي (Bourdieu, 1979).
لقد جعلتني سنوات الممارسة أكتشف أن المدرسة ليست فقط مؤسسة لإنتاج المعرفة، بل هي أيضًا فضاء لإعادة إنتاج علاقات اجتماعية قائمة. وهو ما دفعني تدريجيًا إلى الانتقال من سؤال بيداغوجي محض:
كيف أُحسّن تعلّم التلميذ؟
إلى سؤال سوسيولوجي أوسع:
كيف تساهم البنية الاجتماعية في تشكيل فرص التعلم ومسارات النجاح والفشل؟
وهنا بدأ اللقاء بين التجربة والنظرية؛ فالميدان قدّم الأسئلة، وعلم الاجتماع منحني أدوات تفكيكها.
2. من الممارسة إلى التنظير: ولادة نظرة أخرى إلى المدرسة
لم يكن الانتقال نحو التفكير السوسيولوجي قطيعة مع الممارسة، بل كان امتدادًا طبيعيًا لها. فكلما تعمقت التجربة داخل المدرسة، ازدادت الحاجة إلى مفاهيم تساعد على فهم ما وراء الظاهر.
لقد أدركت أن الأزمات التربوية لا يمكن قراءتها فقط من خلال نقص الإمكانات أو تغير البرامج أو أداء الفاعلين، بل تحتاج إلى مساءلة أعمق حول علاقة المدرسة بالمجتمع، وعلاقة المعرفة بالسلطة، وعلاقة الإصلاحات الرسمية بالواقع اليومي.
من هنا أصبح مفهوم "المنظومة" أكثر اتساعًا؛ فهي ليست مجموع مدارس ومناهج وإدارات فقط، بل شبكة معقدة من العلاقات والاختيارات والتوازنات التي تحدد اتجاهاتها. وهذا المنظور ينسجم مع التفكير المركب الذي يدعو إليه إدغار موران، حيث لا يمكن فهم الظواهر المعقدة من خلال عزل عناصرها عن بعضها، بل من خلال العلاقات والتفاعلات التي تربط بينها (Morin, 1990).
فوراء كل إصلاح تربوي يوجد تصور للإنسان الذي نريد بناءه، وللمجتمع الذي نريد إنتاجه. ووراء كل أزمة تعليمية توجد اختيارات سابقة وآثار تراكمية لا تظهر دائمًا مباشرة.
3. جغرافيا التحولات: من مدرسة المشروع المجتمعي إلى مدرسة التهميش المركب
إن الوقوف على تحولات المنظومة التربوية التونسية خلال أكثر من ربع قرن يكشف أن التغيير لم يقتصر على البرامج والمناهج أو على طرق التدريس والتقييم، بل طال، بدرجة أعمق، المكانة الاجتماعية للمؤسسة التربوية وللفاعلين داخلها. لقد تغيرت المدرسة لأن المجتمع نفسه تغير، وتغيرت علاقة الدولة بالتعليم، كما تغيرت انتظارات الأسرة، وتعددت مصادر المعرفة، وبرزت فواعل جديدة تنافس المدرسة في وظائفها التقليدية.
ومن ثم، فإن الحديث عن أزمة المدرسة لا ينبغي أن يختزل في نتائج الامتحانات أو نسب النجاح أو ضعف الموارد، لأن الأزمة تمتد إلى التحولات التي أصابت المكانة المادية والرمزية للمربي، وإلى طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط المجتمع بمؤسسته التربوية.
لقد التحقت بمهنة التعليم في مرحلة كان فيها المدرس يتمتع، رغم محدودية الإمكانات، بقدر معتبر من الاعتراف الاجتماعي. كانت المدرسة تُنظر إليها باعتبارها مؤسسة لصناعة المستقبل، وكان المربي يمثل، في المخيال الجماعي، رمزًا للمعرفة والانضباط والارتقاء الاجتماعي.
لكن السنوات اللاحقة كشفت عن انتقال تدريجي نحو واقع مختلف، أصبح فيه المربي يواجه تحديات لم تكن مرتبطة فقط بالفعل التربوي، وإنما أيضًا بمكانته داخل المجتمع وبعلاقته بالدولة وبالرأي العام.
أ- تراجع المكانة المادية والرمزية للمربي:
يرى بيير بورديو أن الرأسمال الرمزي يمثل أحد أهم مصادر السلطة داخل المجتمع؛ فالتقدير والشرعية والاحترام ليست عناصر ثانوية، بل هي شروط أساسية لممارسة الأدوار الاجتماعية بكفاءة. وإذا فقدت مهنة ما جزءًا من رأسمالها الرمزي، فإن قدرتها على أداء رسالتها تتعرض تدريجيًا للتآكل (Bourdieu, 1979).
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن من أبرز التحولات التي عايشتها خلال السنوات الأخيرة التراجع المتواصل للمكانة المادية والرمزية للمربي.
فعلى المستوى الاقتصادي، لم يعد الدخل يواكب نسق ارتفاع كلفة المعيشة، وهو ما انعكس على الاستقرار النفسي والاجتماعي لقطاع واسع من المربين. غير أن الجانب المادي، على أهميته، لا يختزل حجم التحول؛ فقد بدا أكثر إيلامًا ذلك التراجع الذي أصاب صورة المربي داخل المجتمع، حيث تآكل جزء مهم من الرصيد الرمزي الذي راكمته المدرسة التونسية عبر عقود.
وقد كان مسار ما بعد الثورة كاشفًا، بصورة خاصة، عن هذه المفارقة. ففي السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، تحركت قطاعات مهنية عديدة للمطالبة بتحسين أوضاعها وانتزاع زيادات في الأجور والامتيازات، وتمكنت قطاعات مختلفة من تحقيق مكاسب مادية معتبرة. أما قطاع التعليم، فقد وجد نفسه، في مراحل عديدة، أمام خطاب يدعوه إلى الصبر ومراعاة الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد، وكأن المطالب الاجتماعية والمهنية للمدرسين ينبغي أن تؤجل إلى حين تحسن الظروف العامة.
ولم يكن هذا التأجيل، بالنسبة إلى كثير من المربين، مجرد مسألة زمنية مرتبطة بالظرف الاقتصادي، بل تحول تدريجيًا إلى شعور بأن مطالبهم لم تحظَ بالأولوية التي كانوا ينتظرونها. فقد كان المدرس يرى قطاعات أخرى تتقدم في تحسين أوضاعها، بينما ظل يشعر بأن مهنته تتراجع نسبيًا في سلم التقدير المادي والاجتماعي.
وزاد هذا الشعور حدة عندما استُخدمت، في الخطاب النقابي المتعلق بقطاع التعليم، حجج من قبيل استفادة المدرسين من الدروس الخصوصية لتبرير أو تفسير محدودية المطالب المادية. وقد بدا ذلك لكثير من المدرسين اختزالًا لوضع مهني واجتماعي معقد؛ فوجود دخل إضافي لدى بعض المدرسين لا يلغي ضعف الأجر الأساسي، ولا يحول دون مشروعية المطالبة بتحسين الظروف المادية والمهنية، كما لا يمكن أن يصبح مبررًا لإضعاف قيمة العمل التربوي أو تحميل المربي مسؤولية اختلالات أوسع من قدرته الفردية على التحكم فيها.
ومن هنا نشأت مفارقة ذات دللة سوسيولوجية: فالمعلم الذي طُلب منه في فترات معينة أن يتحمل أعباء الأزمة الاقتصادية باسم المصلحة الوطنية، وجد نفسه لاحقًا، عندما انتقل من الصبر إلى الاحتجاج والمطالبة بحقوقه، داخل صراع أوسع بين المنظمة النقابية والسلطة السياسية. وبذلك لم تعد المطالب المهنية تُقرأ دائمًا باعتبارها مطالب اجتماعية تخص فئة مهنية، وإنما أصبحت جزءًا من تجاذبات تتجاوز حدود الملف التربوي نفسه.
وهذا ما جعل قطاع التعليم يعيش، في بعض المراحل، وضعًا شديد التعقيد: فمن جهة، كان المدرسون يطالبون بحقوق مادية ومهنية يرون أنها تأخرت مقارنة بقطاعات أخرى؛ ومن جهة ثانية، تحولت قوة الاحتجاج النقابي إلى أداة في الصراع بين المركز النقابي والسلطة السياسية. وفي خضم هذا التجاذب، وجد المدرس نفسه أحيانًا في موقع مزدوج: فاعلًا اجتماعيًا يطالب بحقوقه، وفي الوقت نفسه عنصرًا يُستدعى داخل صراعات سياسية ونقابية أكبر من مطالبه اليومية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود العلاقة بين المدرسين والنقابة والسلطة، بل امتد إلى المجال العام. فقد تعرضت مطالب المدرسين، في بعض مراحل الاحتجاج، إلى خطاب إعلامي وشعبي حمّلهم مسؤولية تعطيل الدراسة أو الإضرار بمصلحة التلاميذ، بل وصل أحيانًا إلى التشكيك في وطنيتهم أو تصوير مطالبهم المادية باعتبارها نوعًا من الجشع. وهنا تظهر مفارقة أخرى: المربي الذي يُطلب منه أن يحمل رسالة اجتماعية ووطنية تتجاوز وظيفته، قد يجد نفسه، عندما يطالب بتحسين شروط عمله، متهمًا بأنه يضع مصلحته الخاصة فوق المصلحة العامة.
ومن منظور سوسيولوجي، تكشف هذه المفارقة عن خلل أعمق في العلاقة بين المجتمع والمربي؛ إذ يبدو أن المجتمع يميل إلى الاعتراف بالرسالة الأخلاقية للمهنة أكثر من اعترافه بشروطها المادية. فهو يريد من المدرس أن يكون حاملًا للقيم، وصانعًا للأجيال، وضامنًا لاستمرار المدرسة، لكنه لا يمنحه دائمًا المكانة المادية والرمزية التي تتناسب مع حجم الوظائف الاجتماعية المنتظرة منه.
وقد بلغت هذه الأزمة إحدى ذرواتها خلال صيف سنة 2023، حين تم حجب أجور عدد من المدرسين على خلفية الأزمة التي عرفها القطاع. وبغض النظر عن المواقف المختلفة من تلك الأزمة، فقد خلفت تلك الإجراءات أثرًا نفسيًا ورمزيًا عميقًا لدى آلاف المربين، لأنها مست إحدى أكثر العلاقات حساسية داخل الدولة الحديثة: علاقة الموظف العمومي بالمؤسسة التي ينتمي إليها.
لقد شعر كثير من المربين بأنهم لم يعودوا شركاء في بناء المدرسة، بل أصبحوا طرفًا في علاقة يغلب عليها التوتر وانعدام الثقة. ولم يعد المربي يشعر فقط بصعوبة أداء رسالته، بل أصبح يشعر أحيانًا بأنه مطالب بالدفاع عن شرعية مهنته نفسها، وعن حقه في أن يُنظر إلى مطالبه باعتبارها مطالب اجتماعية ومهنية مشروعة، لا باعتبارها خروجًا عن مقتضيات الواجب أو نقصًا في الحس الوطني.
وهكذا، فإن التراجع المادي للمربي لا يمكن فهمه بمعزل عن التراجع الرمزي الذي رافقه. فالأجر ليس مجرد رقم في كشف المرتب، بل هو أيضًا مؤشر على القيمة التي يمنحها المجتمع والمؤسسة للعمل الذي يؤديه صاحبه. وحين يشعر المربي بأن جهده لا يقابله تقدير مادي أو رمزي مناسب، فإن المسألة تتجاوز الإحباط الفردي لتصبح مسألة مرتبطة بمكانة المهنة ذاتها.
ومن منظور بورديو، يمكن النظر إلى هذا المسار باعتباره تراجعًا تدريجيًا في الرأسمال الرمزي للمهنة؛ فحين تتراجع الشرعية الاجتماعية، ويضعف الاعتراف، وتتحول المطالب المهنية إلى موضوع للصراع السياسي والإعلامي، فإن المهنة تفقد جزءًا من القوة الرمزية التي كانت تمنح صاحبها موقعًا مميزًا داخل المجتمع (Bourdieu, 1979).
ولذلك، فإن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط تراجع الدخل، وإنما تراجع الاعتراف الاجتماعي. فالمدرسة لا يمكن أن تؤدي رسالتها إذا فقد من يحملها مكانته داخل المجتمع، وإذا أصبح المربي يشعر بأن عليه أن يثبت باستمرار أنه يستحق الاحترام قبل أن يبدأ في أداء مهمته.
إن استعادة مكانة المربي لا تمر، إذن، عبر زيادة الأجور وحدها، وإن كانت ضرورية، وإنما عبر إعادة بناء علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والمدرسين والنقابة والمجتمع. علاقة لا يُختزل فيها المدرس في منفذ للسياسات العمومية، ولا يتحول فيها إلى أداة في الصراع السياسي، ولا يُنظر إلى مطالبه باعتبارها تهديدًا للمصلحة الوطنية.
فحين يصبح المربي قادرًا على الدفاع عن حقوقه دون أن يفقد شرعيته الاجتماعية، وحين تستطيع النقابة الدفاع عن مطالب منظوريها دون أن تختزلهم في رهانات سياسية أوسع، وحين تتعامل الدولة مع المدرسين باعتبارهم شركاء في بناء السياسات لا مجرد منفذين لها، يمكن عندها أن تستعيد المهنة جزءًا من رأسمالها الرمزي.
أما استمرار هذه الدائرة من التوتر، حيث تتأخر المطالب، ثم تتصاعد الاحتجاجات، ثم تتحول المطالب إلى مادة للصراع السياسي والإعلامي، فإنه لا يضعف علاقة المدرس بمؤسسته فقط، بل يساهم تدريجيًا في إضعاف صورة المدرسة نفسها.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في جغرافيا المنظومة التربوية التونسية: كلما ازدادت الوظائف الاجتماعية المنتظرة من المربي، بدا أن الاعتراف المادي والرمزي به يتراجع. وبين هذين المسارين تتشكل مسافة خفية يمكن قراءتها بوصفها إحدى مناطق «الثقوب الدودية التربوية» التي تنتقل عبرها آثار الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى الحياة اليومية للمدرسة والمربي.
ومن ثم، فإن الدفاع عن مكانة المربي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دفاعًا عن فئة مهنية فحسب، بل باعتباره دفاعًا عن أحد الشروط الأساسية لاستعادة المدرسة العمومية قدرتها على أداء وظيفتها الاجتماعية والتربوية.
ب- تحولات العلاقة بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي:
إذا كانت المدرسة، في تصور إميل دوركايم، إحدى أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية، فإن قدرتها على أداء هذا الدور ترتبط بمدى الاعتراف المجتمعي بسلطتها التربوية (Durkheim, 1922).
غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحول واضح في طبيعة العلاقة بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي.
فقد أصبحت المؤسسة التعليمية تواجه تراجعًا ملحوظًا في الانضباط، وتزايدًا في حالات التمرد على القواعد المنظمة للحياة المدرسية، كما برزت سلوكات جديدة تعكس تحولات أعمق مست منظومة القيم ذاتها.
ولا يمكن فصل هذه الظواهر عن التحولات التي عرفتها الأسرة، ولا عن التأثير المتزايد للفضاءات الرقمية، ولا عن تغير أنماط السلطة داخل المجتمع.
لكن أخطر ما عرفته المدرسة يتمثل في تكرر الاعتداءات اللفظية والجسدية على الإطار التربوي.
لقد أصبحت بعض المؤسسات التعليمية تشهد اعتداءات على المدرسين والمديرين والإطار التربوي، في مشاهد كانت إلى وقت قريب تُعد استثناءً، قبل أن تتحول إلى ظاهرة تستدعي وقفة تأمل جادة.
والأخطر من الاعتداء نفسه هو الشعور الذي تولد لدى كثير من المربين بأن ردود الفعل الرسمية لم تكن دائمًا في مستوى خطورة هذه الظاهرة، سواء من خلال محدودية الإدانة، أو بطء الإجراءات، أو غياب إطار قانوني أكثر صرامة يجرّم الاعتداء على الإطار التربوي أثناء أداء وظيفته باعتباره اعتداءً على المؤسسة التربوية وعلى هيبة الدولة.
وقد ساهم ذلك في تنامي الشعور بانعدام الحماية، وفي اتساع الإحساس بأن المربي أصبح يواجه بمفرده تحولات اجتماعية وثقافية تتجاوز قدرته الفردية على المواجهة.
ومن منظور دوركايم، فإن تراجع سلطة المؤسسة التربوية لا يمثل أزمة تخص المدرسة وحدها، بل يعكس خللًا أوسع في منظومة الضبط الاجتماعي وفي مكانة القواعد المنظمة للعلاقات داخل المجتمع (Durkheim, 1922).
ولذلك، فإن حماية المربي ليست مطلبًا نقابيًا فحسب، بل هي شرط من شروط حماية المدرسة باعتبارها إحدى مؤسسات الدولة الحديثة، وصيانة لسلطتها الرمزية التي بدونها يصبح الفعل التربوي أكثر هشاشة، ويصبح بناء الأجيال أكثر صعوبة.
ج- الخوصصة الناعمة وترذيل المدرسة العمومية: إعادة تشكيل المشهد التربوي
إذا كان التراجع المادي والرمزي للمربي يمثل أحد ملامح التحول الذي عرفته المنظومة التربوية، فإن هذا التحول لا يمكن فصله عن مسار آخر أكثر عمقًا، يتمثل في إعادة تشكيل المشهد التربوي من خلال التوسع المتدرج للتعليم الخاص.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة التعليم الخاص في حد ذاته، فهو مكون من مكونات المنظومة التربوية، وله شرعيته القانونية ودوره في الاستجابة لحاجات اجتماعية متزايدة. غير أن السؤال السوسيولوجي لا ينصب على وجوده، وإنما على الظروف التي جعلت قطاعات واسعة من الأسر تغادر المدرسة العمومية نحو البدائل الخاصة.
لقد بدا، خلال العقود الأخيرة، وكأن المدرسة العمومية أصبحت تخضع لما يسميه عدد من الباحثين بـ "الخوصصة الناعمة" (Privatisation douce)؛ أي انتقال تدريجي لا يتم عبر إعلان رسمي عن خصخصة التعليم، وإنما عبر تراكم سياسات واختيارات تؤدي، بمرور الزمن، إلى إضعاف المدرسة العمومية وتقليص جاذبيتها.
ويتجلى ذلك في مظاهر متعددة: محدودية الاستثمار في البنية التحتية، بطء صيانة المؤسسات، الضغط المتزايد على الإطار التربوي، النقص في التجهيزات، وتراجع المكانة الاجتماعية للمربي، وهي عوامل ساهمت جميعها في إضعاف الثقة في المدرسة العمومية.
وفي المقابل، توسع التعليم الخاص، وقدم نفسه، في نظر كثير من الأسر، باعتباره فضاءً أكثر استقرارًا وانضباطًا، وأكثر قدرة على تأمين متابعة فردية للتلاميذ.
ومن منظور سوسيولوجي، فإن هذه الظاهرة لا تعكس مجرد تنوع في العرض التربوي، بل تعبر عن إعادة توزيع للثقة بين القطاعين العام والخاص، بما يحمله ذلك من آثار على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
لقد أفضى هذا التحول إلى تعميق الفوارق التعليمية، إذ أصبحت القدرة الاقتصادية للأسرة تؤثر، بدرجة متزايدة، في نوعية المؤسسة التي يرتادها الأبناء، وفي الفرص التعليمية التي يحصلون عليها، وهو ما يعيد إلى الواجهة تحليلات بيير بورديو حول العلاقة بين الرأسمال الاقتصادي والرأسمال الثقافي وإعادة إنتاج اللامساواة (Bourdieu & Passeron, 1970; Bourdieu, 1979).
وفي السياق نفسه، يبين كريستيان لافال (Christian Laval) أن منطق السوق، عندما يتسلل تدريجيًا إلى المجال التربوي، لا يغيّر فقط أنماط التمويل، بل يعيد تعريف المدرسة نفسها، لتتحول شيئًا فشيئًا من خدمة عمومية ذات وظيفة اجتماعية إلى مجال للمنافسة والخدمات (Laval & Vergne, 2011).
ولم يكن هذا المسار منفصلًا عن التحولات التي مست صورة المدرسة العمومية في الخطاب العام. فقد تزايدت، خلال السنوات الأخيرة، خطابات تقلل من قيمة التعليم العمومي، وتحمّل المربي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مسؤولية اختلالات تتجاوز حدود مسؤوليته المهنية.
وهكذا، أصبح ترذيل العمل التربوي، في بعض الخطابات الإعلامية والرقمية، يترافق مع تراجع الاعتراف بالمؤسسة العمومية، وهو ما ساهم في إضعاف ثقة جزء من الرأي العام فيها، وفي تعزيز صورة البديل الخاص باعتباره الحل الطبيعي.
إن هذا التداخل بين تراجع الاعتراف بالمربي، وإضعاف المدرسة العمومية، واتساع التعليم الخاص، لا ينبغي قراءته بوصفه أحداثًا منفصلة، بل باعتباره أجزاءً من سيرورة اجتماعية واحدة، تعيد رسم جغرافيا التربية في تونس.
ومن هنا، فإن الدفاع عن المدرسة العمومية لا يعني الدفاع عن واقعها الحالي بكل نقائصه، بل الدفاع عن مبدأ المرفق العمومي للتربية، وعن حق جميع الأطفال، بصرف النظر عن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، في تعليم جيد، منصف، ومتكافئ الفرص.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة تربوية ليس ضعف الإمكانات وحده، بل فقدان الثقة في المدرسة، وفي المربي، وفي الرسالة التي يحملها. وحين تتراجع هذه الثقة، يصبح إصلاح التعليم أكثر تعقيدًا، لأنه لا يتعلق بإصلاح المناهج فقط، بل بإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمدرسة والمجتمع. وهذا ما يلتقي، من زاوية أخرى، مع تحليل فرانسوا دوبايه لتحولات المؤسسات وتراجع قدرتها على إنتاج المعنى والاندماج بالطريقة التي كانت تؤدي بها وظائفها تقليديًا (Dubet, 2002).
وهنا، تتجلى بوضوح إحدى أهم "الثقوب الدودية التربوية" التي أحاول تأطيرها نظريًا: تلك الفجوة غير المرئية التي تفصل بين الخطاب الرسمي الذي يعلن أن المدرسة العمومية أولوية وطنية، وبين الممارسات والسياسات التي تؤدي، تدريجيًا، إلى إضعافها، وإلى تراجع مكانة المربي، وإلى انتقال جزء متزايد من الطلب الاجتماعي على التعليم نحو القطاع الخاص.
4. الثقوب الدودية في المنظومة التربوية: المسافات الخفية بين المدخلات والمخرجات
كل منظومة تربوية تُقاس عادة بما تعلنه من أهداف، وبما تحققه من نتائج، لكن القراءة السطحية قد تخفي مسافات غير مرئية تفصل بين العناصر المعلنة والعناصر الفعلية. ومن هنا اقترحت مفهوم "الثقوب الدودية التربوية" بوصفه مفهومًا إجرائيًا لا باعتباره استعارة أدبية فقط، بل أداة تحليلية للكشف عن تلك المسارات غير المرئية أو آليات الانتقال الخفية، التي تسمح بانتقال تأثيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية من مدخلات المنظومة إلى مخرجاتها خارج المسارات المتوقعة. فبين مدخلات المنظومة التربوية ــ من برامج ومناهج وموارد بشرية وبنية تحتية ــ ومخرجاتها ــ من مكتسبات ومعارف وفرص اجتماعية ــ توجد مساحات معقدة لا تفسرها الأرقام وحدها.
ومن ثم فإن فهم نتائج المنظومة التربوية لا يقتضي فقط دراسة ما يدخل إليها وما يخرج منها، بل تفكيك ما يحدث داخل تلك المسافات الخفية التي تعيد تشكيل المسارات الفردية والجماعية. ويمكن هنا استحضار منظور إدغار موران في التفكير في الظواهر المركبة، حيث لا تكفي العلاقة الخطية بين المدخلات والمخرجات لفهم ما تنتجه المنظومات، بل ينبغي النظر إلى التفاعلات والروابط التي تتشكل داخلها (Morin, 1990).
كيف تتحول بعض الامتيازات الاجتماعية إلى نجاحات مدرسية متكررة؟
كيف تتحول بعض الصعوبات الاقتصادية والثقافية إلى عوائق دائمة أمام بعض التلاميذ؟
كيف يحدث أحيانًا أن يكون المسار الرسمي واحدًا، لكن النتائج مختلفة جذريًا؟
هنا تظهر الحاجة إلى النظر إلى المدرسة باعتبارها فضاءً تتفاعل داخله عوامل ظاهرة وأخرى خفية.
فالثقب الدودي التربوي لا يعني وجود خلل واحد محدد، بل يشير إلى تلك الفجوات التي تسمح بانتقال تأثيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية إلى داخل المسار المدرسي، فتؤثر في فرص النجاح والتوجيه والاندماج. وهو ما يمكن ربطه، من منظور سوسيولوجي، بآليات إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والثقافية داخل النظام التعليمي كما حللها بورديو وباسرون (Bourdieu & Passeron, 1970)، وبالعلاقة بين أشكال الرأسمال ومواقع الأفراد داخل الفضاء الاجتماعي كما أبرزها بورديو (Bourdieu, 1979).
إن التلميذ لا يدخل المدرسة مجردًا من تاريخه الاجتماعي، والمدرس لا يمارس عمله في فراغ مؤسسي، والمؤسسة التربوية لا تتحرك خارج السياق العام للمجتمع.
5. من المدرس المنفذ إلى المدرس الباحث: تحول في الهوية المهنية
من أهم التحولات التي عرفتها خلال هذه الرحلة الطويلة تغير صورة المدرس عن ذاته.
في بدايات المسار المهني، يكون الاهتمام غالبًا منصبًا على إتقان الممارسة اليومية: إعداد الدروس، بناء التعلمات، معالجة الصعوبات، وتحقيق تقدم التلاميذ.
لكن مع تراكم التجربة، يبدأ المدرس في طرح أسئلة جديدة: لماذا تتكرر بعض الصعوبات رغم تعدد الإصلاحات؟ لماذا تبقى بعض الفوارق قائمة رغم توحيد البرامج؟ لماذا يشعر الفاعلون داخل المدرسة بأنهم يتحملون أعباء متزايدة في ظل إمكانات محدودة؟
هنا ينتقل المدرس من موقع المنفذ إلى موقع الفاعل المفكر.
فالممارسة التربوية لا تنتج فقط خبرة مهنية، بل يمكن أن تنتج معرفة حول المدرسة ذاتها. فالمعلم الذي يعيش التفاصيل اليومية يمتلك نوعًا من المعرفة الميدانية التي لا توفرها الوثائق الرسمية وحدها. وهذا التحول من الممارسة إلى التأمل في الممارسة يقترب من مفهوم «الممارس التأملي» عند دونالد شون، حيث تصبح الخبرة المهنية نفسها مصدرًا للتفكير وإعادة بناء المعرفة أثناء الفعل وبعده (Schn, 1983).
ومن هذا المنطلق، يصبح المدرس ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل شاهدًا على التحولات الاجتماعية التي تمر عبر المدرسة.
6. بين الذاكرة المهنية والنقد السوسيولوجي: كيف نقرأ الماضي؟
إن العودة إلى أكثر من ربع قرن داخل المنظومة التربوية لا تعني الحنين إلى الماضي أو إصدار أحكام أخلاقية على الحاضر، بل محاولة لفهم التحولات.
فكل مرحلة تاريخية لها شروطها وأسئلتها وتحدياتها. المدرسة التي عرفها جيل سابق ليست هي المدرسة التي يعيشها الجيل الحالي، لأن المجتمع نفسه تغير: تغيرت الأسرة، وتغيرت علاقة الشباب بالمعرفة، وتغيرت مصادر التأثير، وظهرت الوسائط الرقمية بوصفها منافسًا قويًا للمدرسة التقليدية.
لكن السؤال المركزي يبقى:
هل استطاعت المنظومة التربوية أن تطور أدواتها بالسرعة نفسها التي تطورت بها التحولات الاجتماعية؟
إن الفجوة بين سرعة تغير المجتمع وبطء تغير المؤسسة هي إحدى المناطق التي تحتاج إلى قراءة عميقة.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الذاكرة المهنية باعتبارها مجرد استعادة ذاتية للماضي، بل باعتبارها مادة يمكن أن تُسهم في مساءلة الحاضر وفهم التحولات التي عرفتها المؤسسة. فالممارسة، حين تخضع للتأمل والنقد، لا تكتفي بتسجيل ما حدث، وإنما تساعد على بناء معرفة أكثر وعيًا بشروط إنتاج الفعل المهني نفسه (Schn, 1983).
7. من المسار الوظيفي إلى المشروع الفكري: حين تتحول التجربة إلى مسؤولية معرفية
بعد أكثر من ربع قرن داخل المنظومة التربوية، يصبح من الصعب اختزال المهنة في بعدها الوظيفي فقط. فالسنوات الطويلة لا تُقاس بعدد الدروس المقدمة أو الملفات الإدارية المنجزة، بل بما تتركه من أسئلة وما تنتجه من قدرة على الفهم.
لقد علمتني التجربة أن المدرسة ليست مجرد مكان للعمل، بل فضاء لفهم المجتمع. فمن خلال القسم يمكن قراءة تحولات الأسرة، وتغير علاقة الأجيال بالمعرفة، وتبدل القيم، وصعود أنماط جديدة من التواصل والتأثير.
وهنا يصبح الممارس التربوي قريبًا من مفهوم "المثقف العضوي" عند أنطونيو غرامشي، بالاستناد إلى بعده المعرفي، لا إلى توظيفاته الإيديولوجية المختلفة؛ أي باعتباره فاعلًا يستمد أسئلته من موقعه الاجتماعي، ويربط بين الخبرة اليومية وإنتاج المعرفة، ويحاول أن يمنح تجربته معنى يتجاوز حدودها الفردية (Gramsci, 1978).
فالمدرس الذي يكتب ويفكر لا يغادر الميدان، بل يعود إليه بأدوات جديدة للفهم. إنه يحول التجربة المهنية من مجرد ممارسة يومية إلى مادة للتأمل والتحليل، ويساهم في بناء معرفة تنطلق من الواقع ولا تنفصل عنه. وهذا التحول ينسجم مع تصور الممارس التأملي الذي يجعل من الخبرة المهنية نفسها مجالًا لإنتاج المعرفة وإعادة النظر في الفعل (Schn, 1983).
إن تحويل التجربة إلى معرفة يمثل، في حد ذاته، مقاومة لنسيان الذاكرة المهنية؛ لأن كثيرًا من التحولات الكبرى داخل المدرسة لا تظهر في التقارير الرسمية، بل تختزنها شهادات الذين عاشوها يومًا بيوم.
8. المدرسة التونسية: بين رصيد تاريخي وأسئلة المستقبل
لا يمكن قراءة المدرسة التونسية فقط من زاوية أزماتها، كما لا يمكن التعامل معها بمنطق التمجيد غير النقدي. فهي مؤسسة تحمل رصيدًا تاريخيًا مهمًا في بناء المجتمع ونشر التعليم، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات جديدة فرضتها التحولات العميقة.
لقد أصبحت المدرسة مطالبة اليوم بالإجابة عن أسئلة تتجاوز نقل المعرفة:
أي إنسان نريد أن نبني؟
أي علاقة نريدها بين المعرفة والحياة؟
كيف نحقق العدالة بين المتعلمين في ظل تفاوت اجتماعي وثقافي متزايد؟
كيف نحافظ على معنى المدرسة في عصر تنافسها فيه فضاءات رقمية متعددة؟
إن مستقبل التربية لا يرتبط فقط بتحديث البرامج أو إدخال التكنولوجيا، بل يرتبط أيضًا بإعادة الاعتبار للفاعل التربوي. فكما يؤكد فرانسوا دوبايه في تحليلاته لسوسيولوجيا المؤسسات، فإن المؤسات لا تشتغل بالنصوص فقط، بل من خلال الفاعلين الذين يمنحونها الحياة اليومية (Dubet, 2002).
فالمدرس ليس مجرد منفذ لإصلاحات تأتي من الأعلى، بل شريك في بناء المعنى التربوي.
وفي هذا السياق، تكتسب الكفايات المهنية أهمية خاصة، إذ إن تطوير قدرة المدرس على بناء التعلمات وتكييف الممارسة مع حاجات المتعلمين يمثل جزءًا أساسيًا من تطور المهنة التربوية. وهو ما يتقاطع مع تصور فيليب بيرنو للكفايات المهنية بوصفها قدرة على تعبئة الموارد والمعارف من أجل مواجهة وضعيات ومشكلات متنوعة داخل الممارسة التعليمية (Perrenoud, 1997).
خاتمة: من التجربة إلى الشهادة... ومن الشهادة إلى السؤال
بعد أكثر من ربع قرن من العمل داخل المدرسة التونسية، لا أزعم أنني امتلكت الحقيقة، ولا أنني أحطت بكل تعقيدات المنظومة التربوية. غير أن ما أؤمن به هو أن التجربة الطويلة، حين تُقرأ في ضوء النظرية، لا تبقى مجرد رصيد مهني، بل تتحول إلى معرفة تستحق أن تُناقش، وإلى شهادة ينبغي أن تُوثق.
لقد علمتني المدرسة أن الأزمات لا تنشأ فجأة، بل تتكون بصمت، عبر تراكمات صغيرة، وقرارات متفرقة، وتحولات اجتماعية وثقافية متلاحقة، حتى يصبح ما كان استثناءً بالأمس واقعًا مألوفًا اليوم. كما علمتني أن إصلاح التعليم لا يبدأ بتعديل البرامج أو تغيير المناهج فقط، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، واستعادة المكانة المادية والرمزية للمربي، وبناء الثقة من جديد بين الدولة والمدرسة والمجتمع.
كما أظهرت لي التجربة أن أزمة المربي لا تختزل في مستوى الأجر أو في ظروف العمل، بل تتصل أيضًا بموقعه داخل شبكة العلاقات بين الدولة والنقابة والمجتمع. فحين تتأخر المطالب الاجتماعية، ثم تتحول المطالبة بها إلى صراع سياسي أو نقابي، ثم يُعاد تقديم المدرس في المجال العام باعتباره مسؤولًا عن أزمات تتجاوز حدود وظيفته، فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف حول الأجور أو شروط العمل، وإنما تصبح مسألة تتعلق بمكانة المهنة نفسها وبالرأسمال الرمزي الذي تستند إليه.
ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للمربي لا يمكن أن تكون مجرد استجابة ظرفية لمطلب مادي، بل ينبغي أن تكون جزءًا من إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمدرسة والمجتمع. فالمربي يحتاج إلى أجر عادل، لكنه يحتاج أيضًا إلى الاعتراف، والحماية، والاحترام، وإلى أن يُنظر إليه باعتباره شريكًا في بناء السياسات التربوية لا مجرد منفذ لها، وألا تتحول مطالبه المهنية إلى ورقة في صراعات تتجاوز وظيفته ورسالة المدرسة.
إن المنظومة التربوية ليست مجرد إدارة عمومية، بل هي مشروع حضاري. وكل مجتمع يفرط في مدرسته، أو يضعف مكانة معلميه، أو يحول التربية إلى مجرد كلفة مالية، إنما يغامر برأسماله البشري والثقافي، ويؤجل أزماته إلى المستقبل.
لقد حاولت، في هذه القراءة، أن أنتقل من وصف الوقائع إلى مساءلة بنياتها، ومن رصد الأحداث إلى البحث عن الآليات التي تنتجها. ومن هذا المنطلق جاء اقتراح مفهوم «الثقوب الدودية التربوية» بوصفه محاولة لفهم تلك المسافات الخفية بين الخطاب والممارسة، وبين السياسات ونتائجها، وبين ما نأمله من المدرسة وما تنتهي إليه أحيانًا.
ولعل إحدى هذه المسافات الخفية تتجلى في الفارق بين الوظيفة الاجتماعية الكبرى التي نطلبها من المربي، وبين المكانة المادية والرمزية التي نمنحه إياها؛ وبين إعلان المدرسة العمومية أولوية وطنية، وبين ما يعيشه الفاعلون داخلها من تراجع في الثقة والاعتراف والحماية. وهذه المسافة ليست تفصيلًا هامشيًا، بل إحدى النقاط التي ينبغي أن يبدأ منها أي تفكير جدي في إصلاح المنظومة.
وإذا كان لهذا المقال من غاية، فهي ألا يُقرأ باعتباره خاتمة لمسار مهني، بل بداية لحوار علمي أوسع حول المدرسة التونسية، وحول الحاجة إلى مقاربات جديدة تتجاوز التشخيص الظرفي، لتلامس البنى العميقة التي تشكل حاضر التربية ومستقبلها.
فالمدرسة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مكان نتعلم فيه، بل هي المكان الذي يتعلم فيه المجتمع كيف يصنع نفسه. ولذلك، فإن الدفاع عنها ليس دفاعًا عن مؤسسة فحسب، بل دفاع عن مستقبل وطن بأكمله...
و تستمر الرحلة.... فالمدرسة مهما تغيرت وجوهها، ستظل المختبر الأكبر لفهم المجتمع، وسيظل الإصغاء إلى نبضها أحد أنبل السبل للدفاع عن مستقبل الإنسان.
© 2026 سمير سعدولي. جميع الحقوق محفوظة.
**تنبيه بشأن الملكية الفكرية:**
هذا المقال عمل فكري أصيل لصاحبه، ومنشور باسمه وتحت مسؤوليته العلمية والفكرية. وقد أُودع كذلك على منصة **Zenodo** وحصل على معرّف رقمي دائم (DOI) يثبت تاريخ إيداعه ونسبته إلى صاحبه. وتظل حقوق التأليف والملكية الفكرية محفوظة لصاحب العمل، ولا يجوز إعادة نشره أو اقتباسه بصورة جوهرية أو توظيفه في عمل آخر دون الإحالة الصريحة إلى مصدره ومؤلفه.
DOI: https://doi.org/10.5281/zenodo.21874830
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit, 1970.
2. Bourdieu, Pierre. La Distinction : Critique sociale du jugement. Paris : Les ditions de Minuit, 1979.
3. Bourdieu, Pierre. Le Sens pratique. Paris : Les ditions de Minuit, 1980.
4. Durkheim, mile. ducation et sociologie. Paris: Presses Universitaires de France, 1922.
5. Morin, Edgar. Introduction à la pensée complexe. Paris: ESF éditeur, 1990.
6. Schn, Donald A. The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. New York: Basic Books, 1983.
7. Gramsci, Antonio. Cahiers de prison. Paris: Gallimard, 1978.
8. Dubet, François. Le Déclin de l’institution. Paris: Seuil, 2002.
9. Laval, Christian & Vergne, Francis. La nouvelle école capitaliste. Paris: La Découverte, 2011.
10. Perrenoud, Philippe. Construire des compétences dès l'école. Paris: ESF diteur, 1997.
جغرافيا المنظومة التربوية التونسية: مسيرتي عبر أكثر من ربع قرن من الممارسة المهنية إلى الفهم السوسيولوجي
2026-08-11
42 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال