بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية (6): الفجوة الرقمية وهمجية الذكاء الاصطناعي: سوسيولوجيا الانفصام بين فصل القرن العشرين وتلميذ القرن الحادي والعشرين

2026-08-05 108 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
مقدمة: عندما أصبح التلميذ يعيش في عالمين

لم يعد التلميذ يدخل إلى القسم حاملاً محفظته فقط، بل يدخل وهو يحمل عالماً كاملاً داخل هاتفه الذكي. يدخل إلى الفصل وقد شاهد عشرات الفيديوهات، واستعمل محركات البحث، وربما تحاور مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل أن يصل إلى المدرسة. إنه تلميذ يعيش داخل فضاء معرفي مفتوح، سريع، متغير، تحكمه الشبكات والخوارزميات، بينما تستقبله في المقابل منظومة تربوية ما تزال، في كثير من مفاصلها، تشتغل بمنطق القرن العشرين: سبورة تقليدية، إملاء، حفظ، واستظهار، وامتحانات تقيس ما يتذكره المتعلم أكثر مما تقيس ما يفهمه أو ما يستطيع إنتاجه.

هنا يتشكل أحد أخطر الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية: ثقب زمني وتكنولوجي يجعل المدرسة تتحرك بسرعة الماضي، بينما يتحرك المتعلم بسرعة المستقبل. ولم يعد الانفصال بين الطرفين مجرد اختلاف في الوسائل، بل أصبح اختلافاً في طريقة إدراك العالم، وفي معنى المعرفة، وفي طبيعة السلطة التي كانت تمارسها المدرسة على المتعلم.

فالقضية لم تعد: هل تدخل التكنولوجيا إلى المدرسة أم لا؟
بل أصبحت: كيف تستطيع المدرسة أن تستعيد دورها داخل عالم أصبحت فيه المعرفة موزعة خارج أسوارها، وأصبحت فيه الخوارزميات تنافس المؤسسات التقليدية في تشكيل وعي الأجيال الجديدة؟

إن الحديث عن "همجية الذكاء الاصطناعي" لا يعني أن التقنية ذاتها تحمل طبيعة همجية، بل يشير إلى حالة الانفلات التي تحدث عندما تتقدم قوة الخوارزميات بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات التربوية والاجتماعية على إنتاج المعنى، وبناء التفكير النقدي، ووضع الضوابط الأخلاقية. فالمشكل ليس في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في تحوله، إذا غابت التربية الرقمية، إلى قوة تفرض منطقها الخاص: السرعة بدل العمق، الإجابة الجاهزة بدل بناء السؤال، الاستهلاك بدل الإنتاج، والخوارزمية بدل التفكير الإنساني.

وحين تصبح المدرسة منفصلة عن البيئة الرقمية التي يعيش فيها التلميذ، تتحول تدريجياً إلى فضاء يفقد قدرته على إنتاج المعنى، ويغدو مجرد محطة إجبارية داخل المسار الدراسي.

1- انهيار احتكار المدرسة للمعرفة:

طوال قرون، احتكرت المدرسة إنتاج المعرفة ونقلها. كان المعلم هو المصدر الرئيس للمعلومة، وكانت الكتب المدرسية تمثل المرجع الأساسي للتعلم، وكانت المؤسسة التعليمية تحتكر ما يمكن اعتباره "المعرفة الشرعية". غير أن الثورة الرقمية قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب. فاليوم يستطيع التلميذ الوصول إلى آلاف الكتب والدورات والمحاضرات والمنصات التعليمية والموسوعات العلمية خلال ثوانٍ معدودة.

ولم يعد السؤال:
كيف نحصل على المعرفة؟
بل أصبح:
كيف نميز بين المعرفة الدقيقة والمعلومة الزائفة؟ وكيف نحول المعلومات إلى فهم نقدي؟

لقد فقدت المدرسة احتكارها الرمزي للمعرفة، لكنها لم تُعد تعريف وظيفتها. ويبين بيير بورديو وجون كلود باسرون (Bourdieu & Passeron, 1970)، كما يوضح بورديو، أن المدرسة كانت تستمد جزءاً مهماً من سلطتها من احتكارها للرأسمال الثقافي المشروع، ومن قدرتها على تحديد ما يُعد معرفة شرعية. أما اليوم فقد أصبحت المعرفة موزعة داخل فضاءات رقمية مفتوحة، بينما ما تزال المؤسسة التعليمية تتصرف كما لو أنها المصدر الوحيد للعلم.

وهذا الوضع يطرح سؤالاً مركزياً بالنسبة للمدرسة التونسية:
هل ما تزال المؤسسة التعليمية قادرة على الاحتفاظ بدورها التقليدي كمصدر أول للمعرفة، أم أنها مطالبة بإعادة تعريف وظيفتها داخل مجتمع أصبحت فيه المعرفة متاحة خارج أسوارها؟

لقد بينت بعض القراءات السوسيولوجية التونسية للمدرسة أن المؤسسة التعليمية لم تكن مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل كانت مؤسسة لإنتاج المكانة الاجتماعية وإعادة توزيع الفرص.
ويرى عبد الستار الصحباني في تحليلاته حول التحولات الاجتماعية والثقافية في تونس أن المدرسة تواجه اليوم تحدياً مزدوجاً:
الحفاظ على وظيفتها الاجتماعية التاريخية.
والانفتاح على التحولات الجديدة التي فرضها المجتمع الرقمي.

وهكذا تتحول الحصة الدراسية، في كثير من الأحيان، إلى إعادة إنتاج لما يستطيع المتعلم الوصول إليه خلال ثوانٍ عبر الإنترنت، فتتراجع جاذبية المدرسة وتتآكل سلطتها الرمزية.

إن وظيفة المدرسة الحديثة لم تعد نقل المعلومات، بل تعليم التلميذ كيف يفكر، وكيف يحلل، وكيف يناقش، وكيف يتحقق من صدقية ما يقرأه، وكيف يبني معرفة مستقلة.

2- الذكاء الاصطناعي: رأسمال جديد يعيد إنتاج اللامساواة

لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً تكنولوجياً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية. فبعض التلاميذ يوظفون تطبيقاته في الترجمة، وكتابة النصوص، وتلخيص الدروس، والبرمجة، وإنتاج الصور، والتخطيط للمشاريع، بينما لا يمتلك آخرون حتى اتصالاً مستقراً بالإنترنت أو جهازاً رقمياً مناسباً. وهنا تظهر فجوة جديدة لم تكن معروفة في المدرسة التقليدية. إنها ليست فجوة بين المتفوقين والضعفاء فقط، بل فجوة بين من يمتلك أدوات العصر ومن يُحرم منها.

لقد أصبح الرأسمال الرقمي امتداداً للرأسمال الاقتصادي والثقافي، وأصبح النفاذ إلى التكنولوجيا محدداً جديداً للحظوظ المدرسية.
ويؤكد يان فان دايك (Van Dijk, 2005) أن الفجوة الرقمية لا تتعلق فقط بامتلاك الأجهزة، بل تشمل القدرة على استخدامها، وإنتاج المعرفة من خلالها، والاستفادة من مواردها، وهو ما يجعلها شكلاً جديداً من أشكال اللامساواة الاجتماعية.

وفي السياق التونسي، تزداد أهمية هذا السؤال لأن الفوارق الاجتماعية والمجالية ما تزال تؤثر في فرص النفاذ إلى التكنولوجيا. فليس كل تلميذ تونسي يعيش نفس الواقع الرقمي: هناك فرق بين مؤسسة تعليمية في وسط حضري تتوفر فيها بعض الإمكانات الرقمية، ومؤسسات أخرى تعاني ضعف التجهيزات وغياب الموارد الرقمية.

وقد أشارت تقارير ودراسات تونسية حديثة حول الذكاء الاصطناعي في التعليم إلى أن التحدي لا يكمن فقط في توفير الأدوات التقنية، بل في بناء استراتيجية وطنية تضمن التكوين، والعدالة في النفاذ، وإدماج الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية تربوية واضحة. لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في غياب التكنولوجيا، بل في حضورها غير المتكافئ. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة لتحرير المعرفة وتوسيع فرص التعلم، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول إلى رأسمال جديد يعمق الفوارق بين من يملكون القدرة على استعماله ومن يظلون خارج فضائه.

وهنا تظهر إحدى تجليات "همجية الذكاء الاصطناعي":
ليست في التقنية ذاتها، بل في قدرتها على إنتاج عالم معرفي منقسم بين فئة تمتلك أدوات المستقبل وفئة تُترك على هامشه.

3- العدالة الرقمية: الوجه الجديد للعدالة التربوية

لم تعد العدالة التربوية تقاس فقط بعدد المدارس أو عدد المدرسين أو الكتب المدرسية. لقد أصبحت العدالة الرقمية أحد أهم مؤشرات العدالة الاجتماعية، لأن الحق في التعلم لم يعد منفصلاً عن:
الحق في الاتصال بالإنترنت.
الحق في امتلاك الأدوات الرقمية.
الحق في التكوين على استعمالها.
الحق في الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي بصورة متكافئة.
فالمدرسة التي كانت مطالبة سابقاً بتحقيق تكافؤ الفرص عبر توفير نفس البرامج ونفس الكتب ونفس الامتحانات، أصبحت اليوم مطالبة بتجاوز مستوى جديد من اللامساواة:
اللامساواة في النفاذ إلى المعرفة الرقمية وإنتاجها.

وفي تونس، تكشف التحولات الأخيرة أن الفجوة الرقمية لم تعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبحت قضية اجتماعية وتربوية. فوجود جهاز رقمي أو اتصال بالإنترنت لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على توظيفه تربوياً. فالفرق لا يكمن فقط بين من يملك الحاسوب ومن لا يملكه، بل بين من يستطيع تحويل التكنولوجيا إلى أداة للتعلم والإبداع، ومن يظل مستهلكاً سلبياً للمحتوى الرقمي.
وهذا ما يؤكده فان دايك عندما يميز بين مستويات مختلفة للفجوة الرقمية:
فجوة النفاذ.
فجوة الاستعمال.
فجوة الاستفادة من النتائج.

فالامتلاك المادي للتكنولوجيا لا يؤدي آلياً إلى امتلاك رأسمال رقمي. وفي السياق التونسي، ترتبط هذه المسألة أيضاً بتاريخ المدرسة العمومية ووظيفتها الاجتماعية. فقد لعبت المدرسة منذ الاستقلال دوراً مركزياً في بناء الحراك الاجتماعي وتقليص بعض الفوارق. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة جعلتها تواجه تحدياً جديداً:
كيف تحافظ على دورها التعديلي في مجتمع أصبحت فيه الموارد الرقمية جزءاً من رأس المال الثقافي؟

إن المدرسة التي لا تضمن العدالة الرقمية قد تجد نفسها، بشكل غير مباشر، تعيد إنتاج نفس اللامساواة التي جاءت تاريخياً لتقليصها. ويصف مانويل كاستلز (Castells, 1996؛ 1997) هذا التحول بالانتقال إلى مجتمع الشبكات، حيث أصبحت المعرفة تتحرك عبر شبكات لا مركزية، ولم تعد المؤسسات التقليدية تحتكر إنتاجها أو توزيعها. ومن ثم فإن المدرسة التي تبقى خارج هذا المجتمع الشبكي تزداد عزلة، ويتسع بينها وبين الواقع ثقب دودي جديد يهدد وظيفتها الاجتماعية.

4- همجية الذكاء الاصطناعي وأزمة الانتباه: عندما تنافس الخوارزميات المعلم

لم يعد المعلم ينافس الجهل فقط، بل أصبح ينافس الهاتف الذكي.
وينافس منصات الفيديو القصير، والألعاب الإلكترونية، والإشعارات المتواصلة، والخوارزميات المصممة لجذب انتباه المستخدم والاحتفاظ به لأطول مدة ممكنة.

لقد دخلت المدرسة في مواجهة غير متكافئة مع ما يسمى اليوم بـ اقتصاد الانتباه. فالتلميذ المعاصر يعيش داخل بيئة رقمية قائمة على السرعة والصورة والتفاعل الفوري، بينما تقوم المدرسة التقليدية غالباً على التركيز، والصبر، والقراءة الطويلة، وبناء المعرفة بشكل تدريجي.

وهنا تظهر إحدى أخطر أوجه همجية الذكاء الاصطناعي:
عندما تصبح السرعة بديلاً عن التفكير، والإجابة الجاهزة بديلاً عن البحث، والمعلومة السريعة بديلاً عن المعرفة العميقة. فالخطر ليس أن الآلة تنتج النصوص، بل أن الإنسان قد يفقد تدريجياً القدرة على إنتاج الأسئلة.

وتوضح شوشانا زوبوف (Zuboff, 2019) أن المنصات الرقمية لا تكتفي بتقديم المحتوى، بل تبني نموذجاً اقتصادياً قائماً على جمع البيانات وتحليل السلوك البشري واستثمار الانتباه، وهو ما تسميه "رأسمالية المراقبة". وفي الاتجاه نفسه، يبين نيكولاس كار (Carr, 2010) أن التعرض المستمر للمحتويات الرقمية السريعة يمكن أن يؤثر في أنماط التفكير، ويضعف القدرة على القراءة العميقة والتركيز والتحليل المركب.

أما نيل بوستمان (Postman, 1985) فقد حذر من هيمنة الثقافة الترفيهية، ومن انتقال المجتمعات من ثقافة التفكير والنقاش إلى ثقافة الاستهلاك السريع للصور والرسائل المختصرة.
وفي الحالة التونسية، تزداد حدة هذا التحدي لأن المدرسة لم تواكب دائماً التحولات الثقافية التي أحدثها الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. فالتلميذ لم يعد يعيش فقط داخل فضاء الأسرة والمدرسة، بل أصبح عضواً في مجتمع رقمي عالمي يتجاوز الحدود الجغرافية والمؤسسات التقليدية.

وهنا يصبح السؤال:
هل تستطيع المدرسة أن تستعيد دورها في تنظيم العلاقة بالمعرفة، أم أنها ستبقى في موقع الدفاع أمام قوى رقمية تتحكم في انتباه الأجيال الجديدة؟

5- المدرسة بين رفض التكنولوجيا والخضوع لها:

أمام هذا التحول العميق، تقف المدرسة أمام خيارين متناقضين:
إما أن ترفض التكنولوجيا باعتبارها تهديداً للعملية التعليمية، وتتمسك بأشكال تقليدية من نقل المعرفة. وإما أن تستسلم لها بالكامل، فتتحول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن التفكير الإنساني، ويصبح المتعلم مجرد مستهلك لمخرجات الآلة. غير أن كلا الخيارين يحمل مخاطر كبيرة. فالرفض المطلق يعزل المدرسة عن واقع المتعلم، ويجعلها منفصلة عن البيئة التي يعيش فيها. أما القبول غير النقدي فيجعلها تابعة لمنطق تقني قد يحول المعرفة إلى مجرد إنتاج آلي للمعلومات.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في منع الذكاء الاصطناعي، ولا في تقديسه، بل في تحويله إلى موضوع للتربية والتفكير النقدي.
ينبغي أن يتعلم التلميذ:
كيف يطرح السؤال الصحيح.
كيف يتحقق من الإجابات.
كيف يكتشف الأخطاء والتحيزات.
كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع التفكير لا لاستبداله.
فالآلة تستطيع إنتاج النصوص والصور والتحليلات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضمير الأخلاقي، ولا الحس النقدي، ولا القدرة على إصدار الأحكام المستقلة.

وهنا يكمن الفرق بين استخدام ذكي للتكنولوجيا وبين همجية الاستخدام التكنولوجي. فالهمجية لا تأتي من وجود الأداة، بل من غياب الوعي بشروط استخدامها.
عندما يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة للغش بدل التعلم، أو بديلاً عن الجهد بدل أن يكون مساعداً له، أو أداة لتكريس الفوارق بدل تقليصها، فإنه يتحول من فرصة معرفية إلى قوة تعيد إنتاج الاختلالات.

وفي هذا الإطار، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في المدرسة التونسية يحتاج إلى رؤية تتجاوز التجهيزات التقنية نحو بناء ثقافة تربوية جديدة. فالمشكل ليس فقط أن المدرسة تحتاج إلى حواسيب أو منصات، بل أن التحول الرقمي الحقيقي يتطلب تغييراً في:
دور المعلم.
طرق التقييم.
مفهوم التعلم.
علاقة المتعلم بالمعرفة.

6- نحو مدرسة تنتج التفكير لا المعلومات:

إن المدرسة التي ستنجح في المستقبل ليست المدرسة التي تمتلك أكبر عدد من الحواسيب أو السبورات الذكية، بل المدرسة التي تعيد تعريف علاقتها بالمعرفة. إنها مدرسة يصبح فيها المعلم موجهاً وميسراً للنقاش، لا مجرد ناقل للمعلومات. ومدرسة يتحول فيها الذكاء الاصطناعي إلى مختبر للتفكير والإبداع، لا إلى وسيلة للنسخ والغش. فالرهان الحقيقي ليس أن ننافس الآلة في قدرتها على تخزين المعلومات وإنتاج النصوص، بل أن نطور ما يميز الإنسان عنها:
القدرة على التساؤل، والتفسير، والحكم، والإبداع، وربط المعرفة بالسياق الأخلاقي والاجتماعي.

وهذا ما يدعو إليه إدغار موران (Morin, 1999)، حين يؤكد أن إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح الفكر، وأن المدرسة مطالبة بتعليم التفكير المركب، وربط المعارف، وفهم التعقيد، لا الاكتفاء بتراكم المعلومات المجزأة. كما أن التجربة التونسية نفسها تؤكد أن الإصلاح التربوي لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على تغيير البرامج أو إدخال أدوات جديدة، بل يجب أن يمس الثقافة المدرسية نفسها.
فالمدرسة ليست بناية وتجهيزات فقط، بل هي علاقة اجتماعية بالمعرفة، وبالمستقبل، وبالمواطن.

ومن هنا فإن التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ بشراء المعدات، بل يبدأ بإعادة بناء فلسفة التعليم.
فالسؤال ليس:
كيف نجعل المدرسة أكثر شبهاً بالعالم الرقمي؟
بل:
كيف نجعل العالم الرقمي أكثر إنسانية عبر المدرسة؟

الخاتمة: هل أصبحت المدرسة خارج زمنها؟

ليست الأزمة أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، بل أن المدرسة تتطور ببطء. وليست المشكلة أن التلميذ أصبح رقمياً، بل أن جزءاً من المنظومة التعليمية ما يزال أسير أدوات ورؤى تنتمي إلى زمن آخر.

لقد أصبح أخطر الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية ذلك الذي يفصل بين زمن المؤسسة وزمن المجتمع، وبين ثقافة المدرسة وثقافة المتعلم، وبين عالم يدار بالخوارزميات ومدرسة ما تزال، في كثير من الأحيان، تراهن على الحفظ والاستظهار.

إن همجية الذكاء الاصطناعي لا تكمن في الآلة ذاتها، بل في احتمال أن نسمح لها بإعادة تشكيل علاقتنا بالمعرفة دون وعي نقدي. فالخطر ليس أن يصبح للآلة ذكاء، بل أن يفقد الإنسان قدرته على التفكير.

ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام المدرسة ليس مقاومة المستقبل، بل الاستعداد له. فإذا استمرت المدرسة في تعليم أبناء القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين، فهل ستظل قادرة على إنتاج مواطن يمتلك أدوات المستقبل؟
وهل يكفي أن ندخل الحواسيب والذكاء الاصطناعي إلى الأقسام، إذا ظلت الفلسفة التربوية نفسها قائمة على التلقين وإعادة إنتاج المعرفة؟

ثم، أليس السؤال الحقيقي اليوم هو:
كيف نعيد اختراع المدرسة قبل أن يتحول أكبر ثقب دودي في تاريخ التربية إلى هوة تفصل المؤسسة التعليمية نهائياً عن المجتمع الذي وُجدت لخدمته؟

المراجع:

1. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude.
La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : ditions de Minuit, 1970.

2. Bourdieu, Pierre. La Distinction. Critique sociale du jugement. Paris : ditions de Minuit, 1979.

3. Van Dijk, Jan. The Deepening Divide: Inequality in the Information Society. Thousand Oaks : Sage Publications, 2005.

4. Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. The Information Age: Economy, Society and Culture, Volume I. Oxford : Blackwell Publishers, 1996.

5. Castells, Manuel. The Power of Identity. The Information Age: Economy, Society and Culture, Volume II. Oxford : Blackwell Publishers, 1997.

6. Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. New York : PublicAffairs, 2019.

7. Carr, Nicholas. The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains. New York : W. W. Norton & Company, 2010.

8. Postman, Neil. Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show Business.
New York : Viking Penguin, 1985.

9. Morin, Edgar. La Tête bien faite. Repenser la réforme, réformer la pensée. Paris : ditions du Seuil, 1999.

10. Sahbani, Abdessatar. Travaux et analyses sur l’école tunisienne, les mutations sociales et les transformations culturelles en Tunisie.
Université de Tunis.

11. Institut Arabe des Chefs d’Entreprises (IACE).
Pour une stratégie tunisienne d’adoption de l’intelligence artificielle dans le système éducatif. Tunis, 2025.

12. Arbi, Marwa. « Le capital culturel numérique dans la société en réseau tunisienne : cadre théorique pour l’intégration de l’intelligence artificielle en éducation artistique et design ».
Journal of Educational and Human Sciences, 2025.

13. tude exploratoire sur la démocratisation de l’intelligence artificielle chez les étudiants tunisiens : état des lieux et perspectives.
Portail national des données ouvertes de Tunisie, 2024.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال