بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الثقوب الدودية في الدولة الوطنية التونسية: المشروع البورقيبي بين بناء الدولة وإعادة إنتاج الاختلالات البنيوية - قراءة سوسيولوجية في انتقال تناقضات التأسيس إلى أزمات الحاضر

2026-08-03 31 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تنويه منهجي:

هذا المقال ليس قراءة تاريخية كرونولوجية، ولا موقفًا سياسيًا مؤيدًا أو معارضًا، ولا إصدارًا لأحكام اتهامية أو تبريرية. إنه قراءة سوسيولوجية تحاول تفكيك بنى الدولة الوطنية التونسية، وفهم كيف يمكن لبعض الاختيارات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية أن تستمر في إنتاج آثارها عبر الزمن.

ومفهوم "الثقوب الدودية" هنا ليس حكمًا على أشخاص أو مراحل، بل هو استعارة تحليلية لفهم انتقال بعض التوترات والتناقضات من الماضي إلى الحاضر، ومن مجال اجتماعي إلى آخر، وكيف يمكن لبعض الحلول التي جاءت لمعالجة اختلالات تاريخية أن تنتج، في سياقات جديدة، اختلالات أخرى تحتاج بدورها إلى مراجعة.

مقدمة: عندما تتحول مشاريع التحرر إلى أقفاص حديدية

لا تُقاس المشاريع التاريخية الكبرى فقط بما أنجزته في لحظة ولادتها، بل أيضًا بما تتركه من آثار ممتدة في بنية المجتمع والدولة. فالدولة الوطنية التونسية التي تأسست بعد الاستقلال مثلت لحظة قطيعة تاريخية مع المرحلة الاستعمارية، وأطلقت مشروعًا واسعًا لبناء مؤسسات حديثة في التعليم والصحة والإدارة والقانون.

غير أن كل مشروع تاريخي يحمل داخله مفارقاته؛ فالأدوات التي تُستخدم لبناء الدولة قد تتحول، مع مرور الزمن، إلى قيود تحد من قدرتها على التطور. ومن هنا تأتي استعارة "الثقوب الدودية" باعتبارها مدخلًا سوسيولوجيًا لفهم كيفية انتقال بعض التوترات والتناقضات من مرحلة تاريخية إلى أخرى، ومن مجال اجتماعي إلى آخر؛ إذ قد تنتقل الاختلالات السياسية إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى المدرسة، ومن التشريعات إلى العلاقات الأسرية.

إن قراءة المشروع البورقيبي لا يمكن اختزالها في صورة واحدة؛ فهو مشروع ارتبط ببناء الدولة الحديثة، وتوسيع التعليم، وتحديث الإدارة، لكنه ارتبط أيضًا بنمط من المركزية السياسية والثقافية، وباختيارات اقتصادية واجتماعية ما تزال موضوع نقاش وجدل إلى اليوم. فقد شكلت مرحلة ما بعد الاستقلال لحظة تأسيسية أعادت رسم علاقة الدولة بالمجتمع، حيث انتقلت تونس من مرحلة مقاومة الاستعمار إلى مرحلة بناء نموذج وطني خاص، حاول الجمع بين التحديث وبناء المؤسسات.

لكن هذا الانتقال لم يكن خاليًا من التناقضات؛ فبعض الاختيارات التي بدت في سياقها التاريخي أدوات لبناء الدولة وتوحيد المجتمع، أصبحت لاحقًا موضوع مساءلة حول قدرتها على الاستمرار والتكيف مع التحولات الجديدة.

ومن هنا لا يصبح السؤال السوسيولوجي متعلقًا فقط بما أنجزه المشروع البورقيبي، بل أيضًا بما أنتجه من بنيات عميقة استمرت بعد تغير الظروف والأجيال. ومن بين أكثر المجالات التي تجلت فيها قوة هذا المشروع مجال الأسرة والهوية الاجتماعية، حيث لم تكتفِ الدولة بإعادة بناء المؤسسات السياسية والإدارية، بل سعت إلى إعادة تنظيم العلاقات داخل المجتمع عبر إصلاحات قانونية عميقة، كان أبرزها مجلة الأحوال الشخصية لسنة 1956.

وقد مثلت هذه المجلة لحظة مفصلية في تاريخ تونس؛ إذ أعادت تشكيل عدد من العلاقات الأسرية والاجتماعية، وفتحت نقاشًا مستمرًا حول حدود تدخل الدولة في المجال القيمي، والتوازن بين التحديث والمرجعية الثقافية والدينية. فقد اعتبر المدافعون عن هذه الإصلاحات أنها شكلت خطوة تاريخية في مسار تحديث المجتمع، بينما يرى منتقدون أنها طرحت أسئلة عميقة حول علاقة الدولة بالمجتمع، وحدود تدخل القانون في المجالات المرتبطة بالهوية والقيم.

وهنا تظهر فكرة "الثقوب الدودية": فبعض الاختيارات التاريخية لا تختفي بانتهاء لحظتها السياسية، بل تواصل تأثيرها داخل البنى الاجتماعية، فتنتقل من مجال إلى آخر، وقد تتحول من أدوات للتحرير إلى مصادر جديدة للتوتر إذا لم ترافقها عمليات ثقافية واجتماعية قادرة على استيعاب التحولات.

فالسؤال السوسيولوجي ليس فقط:
ماذا أنجز المشروع البورقيبي؟
بل أيضًا:
ما هي البنى التي تأسست في تلك المرحلة وما تزال تؤثر في تونس المعاصرة؟
وهل استطاعت الدولة الوطنية الانتقال من بناء المؤسسات إلى بناء مواطن قادر على المشاركة في إنتاج المستقبل؟

1. الثقب الدودي السياسي... عندما تحولت شرعية التحرير إلى مركزية السلطة

اكتسب الحبيب بورقيبة شرعيته التاريخية من قيادة الحركة الوطنية ومن دوره في بناء الدولة المستقلة. وفي مرحلة التأسيس، بدا منطق الوحدة وتركيز القرار ضرورة تاريخية لبناء مؤسسات دولة حديثة بعد عقود من الاستعمار، ولتجنب مخاطر التفكك والصراعات التي واجهت العديد من الدول الخارجة من الاستعمار.
فالدولة الوطنية احتاجت، في بداياتها، إلى سلطة قادرة على فرض مشروعها التحديثي، وتوحيد المؤسسات، وبناء جهاز إداري وتعليمي وقانوني جديد. غير أن هذا التركيز للسلطة حمل داخله مفارقته الخاصة؛ إذ إن الأدوات التي ساعدت على بناء الدولة يمكن أن تتحول، مع مرور الزمن، إلى عوائق أمام تطور الحياة السياسية.

فقد أدى ارتباط مشروع الدولة بشخصية الزعيم وبالحزب الحاكم إلى بروز نمط سياسي يقوم على مركزية القرار، وضعف التعددية، وهيمنة منطق الوحدة السياسية على حساب التنافس الديمقراطي.
وهنا يظهر "الثقب الدودي السياسي": فالدولة التي تحتاج إلى قوة مركزية في لحظة التأسيس قد تجد صعوبة لاحقًا في الانتقال من منطق البناء إلى منطق المشاركة، ومن شرعية التحرير إلى شرعية المؤسسات.

وقد أثارت المرحلة البورقيبية نقاشات تاريخية حول طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضين والمنافسين السياسيين، خاصة في سياق الصراعات التي عرفتها الحركة الوطنية بعد الاستقلال، ومنها الصراع بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف.

ويرى بعض الباحثين أن هذه المرحلة ساهمت في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على إقصاء المنافس بدل دمجه داخل المجال السياسي، بينما يعتبر آخرون أن هذه الاختيارات لا يمكن فصلها عن ظروف مرحلة التأسيس، والصراعات الداخلية والإقليمية والدولية التي أحاطت ببناء الدولة الوطنية.

ومن منظور علم اجتماع الدولة، فإن القضية لا ترتبط فقط بشخص الحاكم، بل بكيفية انتقال منطق السلطة من الأشخاص إلى المؤسسات. فحين تصبح الدولة مرتبطة بالزعيم أكثر من ارتباطها بالقواعد، فإن نمط الحكم قد يستمر حتى بعد تغير الأفراد.

ويرى عالم الاجتماع التونسي منصف وناس أن فهم الدولة التونسية لا يقتصر على تحليل مؤسساتها السياسية والإدارية، بل يتطلب أيضًا دراسة البنى الاجتماعية والثقافية التي تشكلت حول الدولة الوطنية، وكيف ساهمت هذه الأخيرة في إعادة تنظيم المجتمع وإنتاج أنماط معينة من العلاقة بين السلطة والمواطن والانتماء الجماعي (Moncef Wanas, 2010).

وتتوافق هذه القراءة مع تصور عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 2012) الذي يرى أن الدولة لا تحتكر القوة المادية فقط، بل تحتكر أيضًا إنتاج الرموز والمعاني التي تجعل نظامًا معينًا يبدو مشروعًا وطبيعيًا.
فالدولة لا تعمل بالقوانين والإدارة فقط، بل تنتج كذلك تمثلات حول الشرعية والسلطة والانتماء، وهو ما يجعل السيطرة الرمزية عنصرًا أساسيًا في فهم استمرار بعض أنماط الحكم.

ومن هنا فإن إحدى مفارقات المشروع البورقيبي تتمثل في أن الدولة التي نجحت في بناء مؤسسات قوية، ساهمت في الوقت نفسه في ترسيخ نموذج مركزي جعل الانتقال من دولة الزعيم إلى دولة المؤسسات أكثر تعقيدًا.

إن الإشكال السوسيولوجي لا يكمن فقط في تقييم مرحلة تاريخية أو شخصية سياسية، بل في فهم كيف تتحول اختيارات ظرفية مرتبطة بالتأسيس إلى بنيات طويلة الأمد تؤثر في علاقة الدولة بالمجتمع.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الثقب الدودي السياسي:
هل استطاعت الدولة الوطنية الانتقال من مشروع يقوده الزعيم إلى مشروع تقوده المؤسسات؟
وهل ما تزال بعض أنماط المركزية السياسية التي تشكلت في مرحلة التأسيس تؤثر في علاقة الدولة التونسية بالمجتمع إلى اليوم؟

2. الثقب الدودي الاقتصادي... من بناء التنمية إلى سؤال السيادة على الثروة

كان بناء الاقتصاد الوطني أحد رهانات الدولة الجديدة بعد الاستقلال. فقد راهن المشروع البورقيبي على التعليم والإدارة والتخطيط باعتبارها أدوات لبناء مجتمع حديث قادر على تجاوز مخلفات المرحلة الاستعمارية.

وقد أنتج هذا النموذج مكاسب اجتماعية مهمة، خاصة في نشر التعليم، وتوسيع الخدمات العمومية، وخلق طبقة وسطى واسعة ارتبط صعودها الاجتماعي بالمدرسة والوظيفة العمومية.
غير أن الاستقلال السياسي لم يكن يعني بالضرورة استقلالًا اقتصاديًا كاملًا؛ فالدول التي خرجت من التجربة الاستعمارية وجدت نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: بناء اقتصاد وطني قادر على تحقيق التنمية، وفي الوقت نفسه التحرر من علاقات اقتصادية غير متكافئة تشكلت خلال المرحلة الاستعمارية واستمرت بأشكال جديدة بعد الاستقلال.

ومن هنا ظهر مفهوم "الاستعمار الاقتصادي" في عدد من القراءات النقدية، ليس بمعنى عودة السيطرة الاستعمارية المباشرة، بل باعتباره استمرارًا لبعض أشكال التبعية من خلال التحكم في الأسواق، والاستثمارات، والموارد، وشروط المبادلات الاقتصادية، بما يجعل القرار الاقتصادي الوطني محدودًا أحيانًا أمام قوى اقتصادية دولية أكثر نفوذًا. لكن هذا النموذج حمل تناقضاته الداخلية أيضًا؛ فمركزية القرار الاقتصادي وضعف التنمية المتوازنة بين الجهات جعلا ثمار النمو غير موزعة بالتساوي.

وظلت مناطق داخلية عديدة، رغم مساهمتها في إنتاج الثروة الوطنية، تعاني من ضعف الاستثمار والبنية الأساسية، وهو ما جعل مسألة العدالة الجهوية من أهم القضايا التي استمرت بعد عقود من الاستقلال. كما أصبحت إدارة الموارد الطبيعية، وخاصة قطاعات مثل الفسفاط والطاقة، مجالًا لصراع اجتماعي وسياسي حول سؤال جوهري:
هل تمكنت الدولة الوطنية من بناء سيادة اقتصادية كاملة على ثرواتها، أم أنها حافظت على جزء من العلاقات الاقتصادية الموروثة من المرحلة الاستعمارية؟

ويرى المؤرخ الاقتصادي التونسي الهادي التيمومي (Hédi Timoumi) أن اختيارات التنمية منذ الاستقلال ساهمت في إنتاج تفاوتات اجتماعية وجهوية أصبحت لاحقًا من مصادر الاحتقان.
كما تتقاطع هذه القراءة مع أطروحات الاقتصادي سمير أمين (Samir Amin, 1973) حول التبعية، حيث يرى أن بعض الدول الخارجة من الاستعمار قد تحقق نموًا اقتصاديًا، لكنها تبقى مرتبطة ببنية اقتصادية عالمية تجعلها أقل قدرة على التحكم الكامل في مسارات التنمية.

كما تذهب بعض القراءات النقدية إلى أن إدارة بعض الموارد الطبيعية والعلاقة مع الشركات الأجنبية لم تحقق دائمًا مستوى السيادة الاقتصادية الذي كان ينتظره المجتمع، وهو ما جعل قضايا الفسفاط والطاقة والعقود الكبرى موضوع نقاش سياسي واجتماعي مستمر.
وهنا يظهر "الثقب الدودي الاقتصادي":
فالاستعمار لا ينتهي دائمًا بخروج القوة الأجنبية من المجال السياسي، بل قد يستمر في شكل علاقات اقتصادية غير متوازنة، تجعل الثروة موجودة داخل الوطن، لكن القدرة على التحكم الكامل في توزيعها واستثمارها تبقى محل صراع.

ويبقى السؤال المركزي:
هل نجحت الدولة الوطنية في بناء اقتصاد مستقل، أم أنها انتقلت من استعمار سياسي مباشر إلى أشكال أكثر تعقيدًا من التبعية الاقتصادية؟

3. الثقب الدودي الإداري... عندما يتحول التنظيم إلى بيروقراطية الجمود

كان بناء الإدارة الحديثة من أهم ركائز المشروع البورقيبي؛ فقد اعتبرت الدولة أن الإدارة ليست مجرد جهاز لتنفيذ القرارات، بل أداة لصناعة المجتمع الجديد ونشر قيم الدولة الحديثة. وقد لعبت الإدارة العمومية دورًا أساسيًا في تعميم التعليم، وتوسيع الخدمات الصحية، وربط المواطن بمؤسسات الدولة. كما ساهمت في خلق طبقة وسطى واسعة ارتبط صعودها الاجتماعي بالمدرسة والوظيفة العمومية.

ففي مرحلة التأسيس، كانت الإدارة القوية والمركزية أداة ضرورية لبناء الدولة، وتوحيد المؤسسات، وضمان وصول الخدمات إلى مختلف الجهات. غير أن هذه القوة نفسها حملت داخلها مفارقة تاريخية؛ إذ إن النموذج الإداري الذي نجح في مرحلة البناء قد يصبح، مع تغير الظروف، مصدرًا للجمود وضعف القدرة على التكيف.

ومع مرور الزمن، تحولت المركزية الإدارية تدريجيًا إلى نمط من البيروقراطية جعل القرار غالبًا يصدر من المركز نحو الجهات، بدل أن يكون نابعًا من خصوصيات المناطق وحاجاتها.

وهنا يظهر "الثقب الدودي الإداري": فالمؤسسة التي أُنشئت لتقريب الدولة من المواطن قد تتحول أحيانًا إلى حاجز يفصل بين المواطن وصانع القرار.

ويرى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber, 1922) أن البيروقراطية تمثل شكلًا عقلانيًا من أشكال التنظيم الحديث، لأنها تقوم على القواعد والاختصاص والتدرج الوظيفي. لكنها قد تتحول إلى ما سماه لاحقًا "القفص الحديدي" عندما تصبح القواعد والإجراءات غاية في ذاتها بدل أن تكون وسائل لخدمة الإنسان وتحقيق الفاعلية.

وهذا ما يطرح إشكالية جوهرية: فالإدارة التي تهدف إلى ضمان النظام قد تصبح، إذا لم تتطور، عائقًا أمام التجديد والابتكار.
كما أن استمرار النموذج المركزي جعل العلاقة بين الدولة والجهات في كثير من الأحيان علاقة تنفيذ أكثر منها علاقة مشاركة، حيث بقيت القرارات الكبرى تُصاغ غالبًا في المركز، بينما تجد المناطق نفسها في موقع المتلقي للسياسات العمومية.

ويرى بعض الباحثين في علم الاجتماع السياسي أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على التحكم والتنظيم، بل أيضًا بقدرتها على إشراك المجتمع والجهات في إنتاج القرار. ومن هنا فإن التحدي لم يكن فقط بناء إدارة قوية، بل الانتقال من دولة تدير المجتمع إلى دولة تشارك المجتمع في إدارة ذاته.

كما أن أثر هذا النموذج الإداري لم يبقَ محصورًا داخل أجهزة الدولة، بل امتد إلى مؤسسات اجتماعية كبرى، وفي مقدمتها المدرسة. فالمركزية والبيروقراطية التي طبعت الإدارة التونسية انتقلت جزئيًا إلى المؤسسة التعليمية، فأصبحت المدرسة تحمل جزءًا من منطق الإدارة القائمة على الإجراءات والتراتيب، وهو ما جعل إصلاح التعليم مرتبطًا في العمق بإصلاح طريقة إدارة الدولة نفسها.

وهنا يظهر الترابط بين الثقب الإداري والثقب التربوي: فالإدارة ليست مجرد جهاز محايد، بل هي نموذج في التفكير والتنظيم يمكن أن ينتقل من مؤسسات الدولة إلى مختلف المجالات الاجتماعية.

ويبقى السؤال:
كيف يمكن بناء إدارة قوية دون أن تتحول قوتها إلى جمود؟
وهل تستطيع الدولة الانتقال من ثقافة التسيير الإداري إلى ثقافة الحوكمة والمشاركة؟

4. الثقب الدودي التربوي... عندما تتحول مدرسة الحراك الاجتماعي إلى مؤسسة لإعادة إنتاج الفوارق

شكّلت المدرسة التونسية بعد الاستقلال أحد أهم أدوات بناء الدولة الوطنية، فقد ارتبط مشروع التعميم المدرسي ونشر التعليم بفكرة أساسية مفادها أن المدرسة يمكن أن تكون وسيلة للارتقاء الاجتماعي وتجاوز الفوارق الموروثة. فقد راهنت الدولة على التعليم باعتباره أحد أعمدة مشروع التحديث، وأداة لإنتاج النخب، وتوسيع فرص الصعود الاجتماعي أمام أبناء الفئات الشعبية.

وقد نجحت المدرسة، خاصة في العقود الأولى بعد الاستقلال، في لعب دور مركزي في تحقيق قدر من الحراك الاجتماعي، وإتاحة فرص لم تكن متاحة سابقًا لشرائح واسعة من المجتمع. غير أن المدرسة لم تشتغل خارج بنية الدولة؛ فقد حملت معها اختياراتها الإدارية والتنظيمية، بما فيها المركزية والبيروقراطية التي طبعت بناء الإدارة الوطنية.

ولم تكن المدرسة بمنأى عن هذا الإرث الإداري؛ فالمركزية والبيروقراطية التي طبعت الإدارة التونسية امتدت إلى المؤسسة التعليمية، فتحولت المدرسة تدريجيًا من فضاء للحراك الاجتماعي وتكافؤ الفرص إلى جهاز إداري كثيف القواعد، يعاني من صعوبات التكيف مع التحولات الاجتماعية، ويساهم أحيانًا في إعادة إنتاج بعض الفوارق الجهوية والطبقية بدل تجاوزها.

وهنا يظهر "الثقب الدودي التربوي": فالمؤسسة التي تأسست لتكون أداة للتحرر الاجتماعي قد تحمل داخلها آليات تجعلها تعيد إنتاج بعض التفاوتات التي جاءت في الأصل لمحاربتها. فحين تصبح الإدارة التعليمية محكومة بمنطق الإجراءات أكثر من منطق التجديد، قد تتحول المدرسة من فضاء للإبداع والتفكير النقدي إلى مؤسسة يغلب عليها التسيير البيروقراطي، بما يحد من قدرتها على الاستجابة للحاجات المتغيرة للمتعلمين والمجتمع.

ويرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1970) أن المدرسة ليست دائمًا فضاءً محايدًا، بل يمكن أن تساهم في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية عندما تعتمد معايير ثقافية أقرب إلى الفئات الأكثر امتلاكًا للرأسمال الثقافي.

وفي السياق التونسي، لا يتعلق الأمر فقط بالفوارق الاقتصادية، بل أيضًا بالفوارق الجهوية، وتفاوت ظروف المؤسسات التعليمية، واختلاف الموارد والفرص المتاحة للتلاميذ بين المناطق. وهكذا تصبح المدرسة أمام مفارقة تاريخية: فهي التي فتحت أبواب الحراك الاجتماعي في مرحلة التأسيس، لكنها قد تتحول، إذا لم تُراجع آليات اشتغالها، إلى إحدى القنوات التي تعيد إنتاج الفوارق التي جاءت في الأصل لتجاوزها.

ويبقى السؤال:
هل أزمة المدرسة التونسية هي أزمة مؤسسة تعليمية فقط، أم أنها انعكاس لأزمة نموذج الدولة الذي أنشأها؟
وهل يمكن إصلاح المدرسة دون إصلاح البنى الإدارية والاجتماعية التي تنتج اختلالاتها؟

5. الثقب الدودي الهوياتي... بين تحديث المجتمع وإعادة تعريف المرجعية

لم يكن المشروع البورقيبي مجرد مشروع سياسي أو اقتصادي، بل كان مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمع نفسه.
فقد اعتبرت الدولة أن بناء المواطن الحديث يمر عبر إعادة تنظيم التعليم والأسرة والعلاقة بين الدين والمجال العام، بهدف الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع تحكمه مؤسسات وقوانين حديثة.
وفي هذا السياق، لم تقتصر عملية التحديث على بناء المؤسسات الاقتصادية والإدارية، بل امتدت إلى المجال الثقافي والاجتماعي، حيث سعت الدولة إلى إعادة تعريف عدد من المفاهيم المرتبطة بالأسرة والمرأة والدين ومكانة الفرد داخل المجتمع.

وكان إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 أحد أبرز رموز هذا التوجه. فقد مثلت المجلة لحظة مفصلية في تاريخ تونس؛ إذ أعادت تنظيم العلاقات داخل الأسرة، ومنحت المرأة وضعًا قانونيًا واجتماعيًا جديدًا، ورسخت حضور الدولة باعتبارها المرجع الأساسي في تنظيم المجال الأسري.

ويرى المدافعون عن هذه الإصلاحات أنها شكلت خطوة تاريخية في مسار تحديث المجتمع، وأنها ساهمت في تعزيز حضور المرأة في التعليم والعمل والحياة العامة، وجعلت تونس مختلفة عن العديد من التجارب العربية في مجال التشريع الأسري.
كما يرى هؤلاء أن هذه الإصلاحات لم تكن مجرد تغييرات قانونية، بل كانت جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء المجتمع على أساس التعليم والعقلنة وتحرير الفرد من بعض القيود التقليدية.

في المقابل، يرى منتقدون أن بعض هذه الخيارات مثلت تدخلًا واسعًا للدولة في مجالات مرتبطة بمرجعيات دينية واجتماعية عميقة، وأنها طرحت سؤالًا جوهريًا حول حدود سلطة الدولة في إعادة تعريف القيم داخل المجتمع.

ومن أكثر القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا قرار منع تعدد الزوجات.
فقد اعتبر مؤيدو هذا الاختيار أنه يندرج ضمن رؤية إصلاحية تهدف إلى حماية الأسرة وتحقيق المساواة القانونية بين الزوجين، مستندين إلى قراءات اجتهادية للنصوص الدينية ومقاصد التشريع.
بينما رأى منتقدون أن الدولة تجاوزت دورها في تنظيم الواقع الاجتماعي إلى التدخل في مجال مرتبط بأحكام دينية، وأن منع التعدد يمثل انتقالًا من سلطة تنظيم المجتمع إلى سلطة إعادة تحديد بعض المرجعيات الدينية.

وهنا يظهر الثقب الدودي الهوياتي: فالإصلاحات التي تهدف إلى تحديث المجتمع وإعادة تنظيمه قد تتحول في الوقت نفسه إلى مجال صراع حول سؤال أعمق:
من يملك سلطة تعريف القيم الاجتماعية؟ الدولة؟ المجتمع؟ أم المرجعية الدينية؟

ولم يتوقف النقاش حول مجلة الأحوال الشخصية عند لحظة إصدارها، بل ظل حاضرًا إلى اليوم، حيث يرى بعض الباحثين والفاعلين الاجتماعيين أن التحولات التي عرفها المجتمع التونسي تفرض مراجعة بعض أحكامها أو تنقيحها بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، بينما يرى آخرون أن الحفاظ على جوهرها يمثل حماية لمكتسبات اجتماعية تاريخية.

إن استمرار النقاش حول المجلة يكشف أن القوانين لا تعيش خارج المجتمع؛ فهي تتفاعل مع التحولات الثقافية والاقتصادية، وقد تصبح بدورها موضوعًا لإعادة التقييم عندما تتغير شروط الحياة الاجتماعية.

ومن هنا تظهر إحدى مفارقات المشروع التحديثي: فالدولة التي أرادت إعادة تنظيم المجتمع وتحريره من بعض البنى التقليدية، وجدت نفسها في مواجهة سؤال الهوية وحدود التدخل في المجال القيمي.

ويبقى السؤال:
هل يمكن بناء الحداثة دون خلق توتر مع الذاكرة الثقافية والدينية للمجتمع؟
وهل تستطيع الدولة أن تكون أداة للتحديث دون أن تتحول إلى طرف يعيد تعريف المجتمع وفق رؤية واحدة؟

6. الثقب الدودي الأسري... إعادة توزيع الأدوار وميلاد توترات جديدة

لم تتوقف آثار مجلة الأحوال الشخصية عند النصوص القانونية، بل امتدت إلى إعادة تشكيل العلاقات داخل الأسرة التونسية، وإلى إعادة تعريف الأدوار والسلطات والحقوق داخل هذا الفضاء الاجتماعي الأساسي.

فالأسرة ليست مجرد مؤسسة قانونية، بل هي فضاء تتقاطع داخله الثقافة والقيم والاقتصاد والقانون والتمثلات الاجتماعية. ولذلك فإن أي تغيير في قواعد تنظيمها لا يبقى محصورًا في النصوص، بل يمتد إلى طريقة نظر الأفراد إلى أدوارهم ومكانتهم داخلها.
فمع تطور التشريعات المتعلقة بالطلاق والنفقة وحضانة الأبناء، تغير ميزان العلاقة بين الزوجين، وأصبحت الأسرة مجالًا جديدًا للنقاش حول الحقوق والواجبات والمسؤوليات، بين من يرى في هذه التحولات حماية ضرورية للمرأة والأسرة، ومن يرى أنها أحدثت اختلالًا جديدًا في توازن العلاقة الزوجية.

ويرى بعض المنتقدين أن بعض التطبيقات العملية لمنظومة الأحوال الشخصية أدت، في حالات معينة، إلى شعور عدد من الرجال بفقدان جزء من مكانتهم التقليدية داخل الأسرة، خاصة في النزاعات المتعلقة بالنفقة، أو جرايات الأبناء، أو قضايا الإهمال العائلي. كما يرى هؤلاء أن الممارسة القانونية في بعض القضايا الأسرية قد تُفهم أحيانًا باعتبارها أكثر حماية للمرأة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشكايات أو نزاعات قد تكون في بعض الحالات محل خلاف أو اتهام بالكيدية، وهو ما يجعل الرجال يشعرون بأنهم يدخلون في وضعية دفاع دائم قد تمس مكانتهم الاجتماعية وشعورهم بالكرامة.

ويذهب هذا الطرح إلى أن الرجال أصبحوا يشعرون بأن التحول من نموذج الأسرة التقليدية إلى نموذج جديد للعلاقات الأسرية لم يكن مصحوبًا دائمًا بإعادة تعريف متوازنة للحقوق والواجبات، مما خلق لدى فئة منهم إحساسًا بفقدان جزء من السلطة الرمزية والمكانة الاجتماعية التي كانت مرتبطة سابقًا بدور الزوج.

ويمكن فهم هذا الشعور، سوسيولوجيًا، باعتباره جزءًا من "أزمة انتقال النماذج"؛ فالمجتمع انتقل بسرعة من نموذج أسري تقليدي قائم على توزيع أدوار واضح إلى نموذج جديد يقوم على استقلالية أكبر للمرأة وإعادة تعريف العلاقة الزوجية، غير أن التحول الثقافي والتربوي لم يواكب دائمًا التحول القانوني، مما خلق توترات حول المكانة والاعتراف والسلطة الرمزية داخل الأسرة.

غير أن التحليل السوسيولوجي يقتضي تجاوز اختزال المسألة في صراع بين الرجل والمرأة؛ فالمشكل الأعمق يتعلق بسرعة التحولات القانونية والاجتماعية مقارنة بسرعة تحول الثقافة الأسرية نفسها.
فانتقال المرأة إلى موقع أكثر استقلالية لا يعني إلغاء دور الرجل، بل يفرض إعادة بناء العلاقة الأسرية على أساس الشراكة وتقاسم المسؤوليات المادية والمعنوية، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو الإقصاء.

ويبقى السؤال:
هل نجحت التحولات القانونية في بناء توازن جديد داخل الأسرة، أم أنها غيرت موازين السلطة قبل أن يكتمل البناء الثقافي والاجتماعي المواكب لها؟

7. الثقب الدودي الاجتماعي... عندما تتحول التحولات القانونية إلى أزمة قيم وانتقال ثقافي

لا يمكن فهم التحولات التي عرفها المجتمع التونسي خلال العقود الأخيرة من خلال القوانين وحدها، لأن القوانين لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل مع الثقافة السائدة، وأنماط التنشئة، والتحولات الاقتصادية، وتغير أشكال العيش والعلاقات الاجتماعية.
فالمجتمع الذي عرف انتقالًا سريعًا في مجالات التعليم، والعمل، وموقع المرأة داخل الحياة العامة، واجه في الوقت نفسه صعوبة في بناء منظومة ثقافية جديدة تستوعب هذه التحولات وتعيد تنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الحرية والمسؤولية.

ومن جهة أخرى، يربط بعض النقاد بين التحولات الاجتماعية والقانونية وبين مظاهر أزمة القيم التي يعرفها المجتمع المعاصر، ومن بينها ما يعتبرونه انتشار بعض أنماط السلوك التي تُفهم لديهم بوصفها تراجعًا في بعض الضوابط الأخلاقية لدى شرائح من المجتمع، بما في ذلك أشكال التحرر الفردي لدى فئة من النساء، والتي يرى هؤلاء أنها تمثل خروجًا عن المرجعيات الدينية والاجتماعية التقليدية. غير أن المقاربة السوسيولوجية تقتضي عدم اختزال هذه الظواهر في عامل قانوني واحد، أو اعتبارها نتيجة مباشرة لإصلاح معين؛ فهي نتاج تفاعل معقد بين التحولات الاقتصادية، والعولمة، والإعلام، وتغير أنماط التنشئة، والتحولات الثقافية والقانونية، وتغير موقع الفرد داخل المجتمع.
فالتغير الاجتماعي لا يحدث فقط بسبب النصوص القانونية، بل بسبب تغير البنية الاقتصادية، وانتشار أنماط استهلاك جديدة، وتطور وسائل الاتصال، وتراجع بعض أشكال الرقابة الاجتماعية التقليدية.

وهنا يظهر الثقب الدودي الاجتماعي: فالإصلاح الذي يعالج اختلالًا تاريخيًا قد ينتج اختلالات جديدة إذا لم ترافقه عملية ثقافية وتربوية تعيد بناء التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تعديل القوانين، بل في قدرة المجتمع على إنتاج ثقافة جديدة تجعل التحولات القانونية جزءًا من تطور اجتماعي متوازن، لا مصدرًا لصراعات جديدة حول الهوية والمكانة والقيم.

خاتمة: هل تستطيع تونس الخروج من ثقوبها الدودية؟

تكمن المفارقة الكبرى في المشروع البورقيبي في أنه جمع بين عناصر القوة وعناصر الأزمة في آن واحد.
فهو مشروع بنى دولة حديثة، ورسخ مؤسسات أساسية، وفتح مجالات واسعة في التعليم والصحة والإدارة، وأعاد تشكيل موقع المرأة والأسرة داخل المجتمع.
لكن هذه التحولات نفسها حملت تناقضاتها؛ فالدولة التي نجحت في بناء مؤسسات قوية أنتجت أيضًا أنماطًا من المركزية السياسية والإدارية والثقافية، وأعادت طرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الحداثة والهوية، وبين الحقوق الفردية والتوازنات الاجتماعية.

إن القراءة السوسيولوجية لا تهدف إلى تقديس مرحلة تاريخية أو إدانتها بالكامل، ولا تبحث عن اختزال التحولات في أشخاص أو قرارات منفردة، بل تحاول فهم كيف تتحول الاختيارات التاريخية إلى بنيات طويلة الأمد، وكيف تستمر بعض الآليات في إعادة إنتاج آثارها بعد تغير الظروف والأجيال.
فالمشكلة ليست فقط في من صنع القرار، بل في البنى التي نشأت حوله، وفي قدرة المجتمع والدولة على مراجعة مساراتهما وتصحيح اختلالاتهما.

ومن هنا يعود مفهوم "الثقوب الدودية" كاستعارة تحليلية: فبعض التناقضات التي ولدت في لحظة التأسيس قد تنتقل عبر الزمن لتظهر في أشكال جديدة داخل السياسة والاقتصاد والإدارة والمدرسة والأسرة والهوية.

غير أن تجاوز هذه الثقوب لا يعني رفض الدولة الوطنية أو إنكار مكتسباتها، كما لا يعني العودة إلى نماذج الماضي، بل يتطلب قدرة على النقد والمراجعة وإعادة البناء. فالمجتمعات لا تتقدم فقط بتغيير القوانين والمؤسسات، بل بقدرتها على إنتاج ثقافة جديدة تستوعب التحولات، وتحقق التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات، وبين قوة الدولة وحيوية المجتمع.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل استطاعت الدولة الوطنية الانتقال من بناء الدولة إلى بناء المواطن؟
وهل ما تزال بعض آليات الماضي تعيد إنتاج نفسها داخل الحاضر؟
وهل تحتاج تونس إلى مجرد إصلاحات جزئية، أم إلى إعادة التفكير في النموذج الذي تشكل منذ الاستقلال؟
وهل تستطيع المجتمعات أن تتحرر من ثقوبها الدودية قبل أن تتحول إلى أقفاص حديدية تنقل أزمات الماضي إلى المستقبل؟

المراجع:

1. Amin, Samir. (1973). Le développement inégal : Essai sur les formations sociales du capitalisme périphérique. Paris : Les ditions de Minuit.

2. Bourdieu, Pierre. (2012). Sur l'tat : Cours au Collège de France (1989-1992). Paris : Raisons d’agir / Seuil.

3. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. (1970). La Reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.

4. Bourdieu, Pierre. (1994). Raisons pratiques : Sur la théorie de l'action. Paris : ditions du Seuil.

5. Bouhdiba, Abdelwahab. (1975). La sexualité en Islam. Paris : Presses Universitaires de France.

6. Camau, Michel & Geisser, Vincent. (2003). Le syndrome autoritaire : Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben Ali. Paris : Presses de Sciences Po.

7. Charrad, Mounira. (2001). States and Women's Rights: The Making of Postcolonial Tunisia, Algeria, and Morocco. Berkeley : University of California Press.

8. Charfi, Abdelmajid. (1998). Islam et modernité. Tunis : Alif - Les ditions de la Méditerranée.

9. Chouikha, Larbi & Gobe, ric. (2015). Histoire de la Tunisie depuis l'indépendance. Paris : La Découverte.

10. Dakhli, Leyla. (2019). Histoire du Maghreb contemporain. Paris : La Découverte.

11. Durkheim, mile. (1897). Le suicide : étude de sociologie. Paris : Félix Alcan.

12. Fanon, Frantz. (1961). Les damnés de la terre. Paris : François Maspero.

13. Gallisst, René. (1987). Maghreb, Algérie : classes et nation. Paris : Arcantère.

14. Morin, Edgar. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris : ESF diteur.

15. Murphy, Emma C. (1999). Economic and Political Change in Tunisia: From Bourguiba to Ben Ali. London : Macmillan Press.

16. Perkins, Kenneth J. (2004). A History of Modern Tunisia. Cambridge : Cambridge University Press.

17. Timoumi, Hédi. L'évolution économique et sociale de la Tunisie contemporaine. Tunis : Publications universitaires tunisiennes.

18. Wanas, Moncef. (2010). La Tunisie contemporai
ne : société, culture et politique. Tunis : Publications universitaires tunisiennes.

19. Weber, Max. (1971). conomie et société. Paris : Plon.
(dition originale allemande : Wirtschaft und Gesellschaft, 1922).

20. Zghal, Abdelkader. (1999). La société tunisienne au miroir de ses élites. Tunis : Cérès ditions.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال