بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الثقوب الدودية للفساد في تونس: كيف تُبْتَلَعُ الدولة من الداخل؟ قراءة سوسيولوجية في البنى الخفية التي تعيد إنتاج الفساد وتُضعف الدولة

2026-07-28 80 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تنويه منهجي:

يندرج هذا المقال ضمن قراءة سوسيولوجية تحليلية لآليات الفساد البنيوي، ويهدف إلى فهم الظاهرة من منظور علمي بالاستناد إلى الأدبيات المتخصصة والمراجع والتقارير الرسمية. ولا يتضمن اتهامًا لأي شخص أو مؤسسة بعينها، بل يسعى إلى تحليل البنى والآليات التي قد تسمح بإعادة إنتاج الفساد داخل مؤسسات الدولة، بما ينسجم مع مقاربات علم الاجتماع السياسي وعلم اجتماع الدولة.

تقديم :

غالبًا ما يُختزل الفساد في صور مألوفة؛ رشوة تُدفع، أو صفقة يشوبها الغموض، أو استغلال للنفوذ، أو هدر للمال العام. غير أن هذه المظاهر، على أهميتها، ليست سوى الجزء الظاهر من ظاهرة أكثر تعقيدًا. فخلف كل ممارسة فساد قد توجد بنى مؤسساتية، وشبكات مصالح، وقواعد غير رسمية، تسمح لهذه الممارسات بالاستمرار والتوسع وإعادة إنتاج نفسها.
ومن هنا تأتي استعارة «الثقوب الدودية» بوصفها أداة تحليلية لفهم تلك المسارات الخفية التي تنشأ داخل الدولة، فتختصر الطريق بين السلطة والثروة، وبين القرار والمصلحة الخاصة، وبين الوظيفة العامة والامتياز الشخصي. وكما تسمح الثقوب الدودية – في التصور الفيزيائي – بالعبور عبر مسارات مختصرة تتجاوز المسافة الطبيعية، فإن الفساد البنيوي يخلق بدوره ممرات موازية تتجاوز القانون، وتلتف على قواعد المنافسة والشفافية والاستحقاق.
ولا يقتصر أثر هذه الممرات على إهدار المال العام أو إضعاف الرقابة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل وظيفة الدولة نفسها؛ إذ قد تتحول الإدارة من فضاء لخدمة الصالح العام إلى مجال لإدارة الولاءات، وقد تتحول الوظيفة العمومية من أداة لاستقطاب الكفاءات إلى وسيلة لمعالجة الضغوط الاجتماعية أو السياسية، وقد تصبح الثروة الوطنية والصفقات العمومية والقرار الإداري مجالات تتداخل فيها المصالح الخاصة مع المصلحة العامة.
وانطلاقًا من هذا المنظور، لا يتعامل هذا المقال مع الفساد باعتباره سلسلة من الوقائع المنعزلة، بل باعتباره منظومة اجتماعية ومؤسساتية قادرة على إنتاج نفسها عبر الزمن، كلما ضعفت الحوكمة، وتراجعت الشفافية، واتسعت المسافة بين النص القانوني والممارسة الفعلية.
إن السؤال الذي يوجه هذه القراءة ليس: من هو الفاسد؟ بل: كيف تتشكل البيئات التي تجعل الفساد ممكنًا، وكيف تتحول الثغرات الصغيرة داخل مؤسسات الدولة إلى «ثقوب دودية» تعيد رسم مسارات السلطة والثروة والفرص؟
ولهذا يسعى المقال إلى تفكيك أهم هذه المسارات داخل السياق التونسي، من خلال قراءة سوسيولوجية تربط بين الدولة، والمؤسسات، والاقتصاد، والإدارة، والشبكات غير الرسمية، لفهم الكيفية التي يمكن أن تتسلل بها المصالح الخاصة إلى قلب المجال العام، وأن تؤثر في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.


1. من الفساد الفردي إلى الفساد البنيوي: عندما تتحول الثغرات إلى ممرات

يُختزل الفساد غالبًا في صورته الأكثر شيوعًا: موظف يستغل منصبه، أو مسؤول يتلقى رشوة، أو فرد يخالف القانون لتحقيق منفعة شخصية. ووفق هذا التصور، تبدو الظاهرة مرتبطة بانحرافات فردية يمكن الحد منها عبر العقوبات وتشديد الرقابة. غير أن التحليل السوسيولوجي يكشف أن هذا الفهم، رغم أهميته، لا يفسر قدرة الفساد على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه عبر الزمن.
فالفساد لا ينشأ في الفراغ، بل يتطور داخل بيئات مؤسساتية واجتماعية تسمح بظهوره أو تقلل من كلفته. ومن هنا يبرز الانتقال من مفهوم الفساد الفردي إلى مفهوم الفساد البنيوي؛ أي ذلك الفساد الذي لا يرتبط فقط بسلوك أشخاص، بل بطريقة اشتغال المؤسسات والعلاقات غير الرسمية التي قد تتداخل مع القواعد القانونية.

أ. الفساد الفردي: مخالفة القاعدة
يقوم الفساد الفردي على خروج شخص عن القانون لتحقيق مصلحة خاصة، فيظهر في أشكال مثل الرشوة، والاختلاس، واستغلال النفوذ، والمحاباة. ويظل هذا المستوى هو الوجه الأكثر وضوحًا للفساد، لكنه لا يفسر وحده استمرار الظاهرة، لأن استبدال الأشخاص لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الممارسات إذا بقيت الظروف التي تسمح بها قائمة.

ب. الفساد البنيوي: عندما تنتج البيئة الفساد
يظهر الفساد البنيوي عندما تصبح الاختلالات جزءًا من طريقة عمل المؤسسات، فتتسع مساحة السلطة التقديرية، وتضعف الشفافية والرقابة، وتصبح العلاقات غير الرسمية أكثر تأثيرًا في القرار. وقد أوضح روبرت كليتغارد أن فرص الفساد ترتفع كلما اجتمع احتكار القرار مع السلطة التقديرية وضعف المساءلة (Klitgaard, 1988). وهنا لا يكون السؤال: لماذا فسد هذا الشخص؟ بل: ما الذي جعل هذا السلوك ممكنًا ومتكررًا؟

ج. من القواعد الرسمية إلى القواعد غير الرسمية:
تقوم الدولة الحديثة على قوانين وإجراءات تنظم الوصول إلى الحقوق والفرص، غير أن الواقع الاجتماعي تحكمه أيضًا قواعد غير رسمية كالعلاقات والوساطة وشبكات النفوذ. ويشير دوغلاس نورث إلى أن المؤسسات لا تقتصر على القواعد المكتوبة، بل تشمل أيضًا الأعراف والممارسات التي توجه السلوك الفعلي للأفراد (North, 1990). وتصبح المشكلة عندما تغدو هذه القواعد غير الرسمية أكثر فاعلية من القانون، فيصبح القرب من أصحاب النفوذ أهم من الكفاءة، وتصبح الوساطة أسرع من المسار الإداري.

د. الثقب الدودي للفساد: الطريق المختصر داخل الدولة
يفترض أن يكون الوصول إلى الفرص والمناصب والموارد خاضعًا لمسار مؤسساتي يبدأ باحترام القانون، ثم يمر عبر المنافسة العادلة، ويُحسم على أساس الكفاءة والاستحقاق. غير أن الفساد البنيوي يفتح ممرات خفية تتجاوز هذا المسار، فتتحول العلاقة الشخصية إلى بديل عن القانون، والنفوذ إلى بديل عن المنافسة، والامتياز إلى بديل عن الكفاءة، ليصبح الوصول إلى الموارد أو المواقع محكومًا بمنطق الشبكات أكثر من خضوعه لمنطق الجدارة. وهنا يتجسد "الثقب الدودي للفساد" باعتباره مسارًا مختصرًا يلتف على المؤسسات، فيختزل الطريق نحو السلطة أو الثروة، ويجعل ما كان ينبغي أن يتحقق بالاستحقاق يتحقق عبر العلاقات والنفوذ.

هـ. من الانحراف الفردي إلى إعادة إنتاج الفساد:
تكمن خطورة الفساد البنيوي في أنه يعيد إنتاج نفسه؛ فالشخص الذي يصل إلى موقعه عبر شبكة نفوذ قد يعمل لاحقًا على توسيع هذه الشبكة وحمايتها. وهكذا تدخل المؤسسات في حلقة مغلقة: ضعفها يسمح بظهور النفوذ، والنفوذ يضعف الكفاءة، وضعف الكفاءة يزيد من هشاشة المؤسسات. وقد بين بيير بورديو أن العلاقات الاجتماعية قد تتحول إلى شكل من أشكال رأس المال يمنح أصحابها قدرة أكبر على الوصول إلى الموارد والمواقع (Bourdieu, 1980).
وهكذا، فإن فهم الفساد لا يقتصر على البحث عن الأفراد الذين يخالفون القانون، بل يتطلب تحليل البنى التي تجعل هذه المخالفات قابلة للتكرار والاستمرار. لكن إذا كان الفساد يبدأ كثغرات داخل بنية الدولة، فأين تتحول هذه الثغرات إلى أخطر ممرات للنفوذ؟ وهل تمثل الثروات الوطنية أول مجال يكشف كيف يمكن أن تنتقل المصالح الخاصة إلى قلب المجال العام؟

2. الثروات الوطنية: أول الثقوب الدودية لاختراق الدولة

تمثل الثروات الوطنية، من موارد طبيعية وأراضٍ عمومية ومؤسسات استراتيجية وقطاعات إنتاجية حيوية، أحد أهم المجالات التي تُختبر فيها قدرة الدولة على حماية المصلحة العامة. فكلما كانت آليات التصرف في هذه الثروات واضحة وخاضعة للرقابة، تعززت الثقة في الدولة، وتحولت الموارد الوطنية إلى أدوات للتنمية وتحسين شروط العيش. أما عندما تضعف الشفافية أو تتداخل المصالح الخاصة مع القرار العمومي، فقد تتحول هذه الموارد إلى أحد أخطر الثقوب الدودية للفساد.
فالثروة الوطنية لا تعني فقط ما يوجد في باطن الأرض من موارد طبيعية، بل تشمل أيضًا الأرض والماء والطاقة والقطاع الفلاحي والمنظومات الاقتصادية المرتبطة بها، باعتبارها عناصر استراتيجية تتعلق بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.

أ. الثروة الوطنية بين الملكية العامة والمصلحة الخاصة:
تقوم الدولة الحديثة على مبدأ أن الثروات الوطنية ملك للمجتمع بأكمله، وأن السلطة لا تديرها بصفتها مالكة، بل بصفتها مؤتمنة عليها. لذلك يفترض أن تخضع كيفية استغلالها لمعايير الشفافية والمساءلة والنجاعة، حتى تعود عائداتها بالنفع على جميع المواطنين. غير أن الخطر يظهر عندما تتحول بعض الموارد إلى مجال تتقاطع فيه المصالح الخاصة مع القرار العمومي، فتبدأ الحدود الفاصلة بين خدمة الصالح العام وخدمة الامتيازات الخاصة في التلاشي. وهنا لا يكون الفساد دائمًا في شكل اختلاس مباشر، بل قد يظهر في طريقة توزيع الفرص، أو منح الامتيازات، أو التحكم في الوصول إلى الموارد.

ب. من النهب المباشر إلى آليات أكثر تعقيدًا:
لا يقتصر الاستيلاء على الثروات الوطنية على الاختلاس أو السرقة المباشرة، بل قد يتم عبر وسائل أكثر تعقيدًا، مثل استغلال النفوذ، أو توجيه الامتيازات، أو التأثير في شروط استغلال الموارد، أو توظيف المعلومات غير المتاحة للعموم لتحقيق مكاسب خاصة.
وهنا يصبح الفساد أكثر صعوبة في الاكتشاف، لأنه يتحرك داخل إجراءات تبدو في ظاهرها قانونية، بينما قد تكون نتائجها موجهة لفائدة أطراف محددة. فالثقب الدودي للفساد لا يلغي القواعد، بل يستفيد من المساحات الموجودة بين القاعدة وتطبيقها، وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.

ج. المجال الفلاحي ومسالك التوزيع: عندما يتحول الوسيط إلى مركز نفوذ
يمثل القطاع الفلاحي أحد أهم المجالات التي تكشف العلاقة بين الموارد الوطنية وآليات توزيع القيمة داخل المجتمع. فالفلاحة ليست فقط عملية إنتاج، بل هي سلسلة مترابطة تبدأ من الفلاح، مرورًا بالتجميع والنقل وأسواق الجملة، وصولًا إلى المستهلك.
وفي الحالة التي تكون فيها هذه السلسلة غير متوازنة، قد يتحول بعض الوسطاء أو المتدخلين في مسالك التوزيع من مجرد حلقات اقتصادية ضرورية إلى أطراف تمتلك قدرة كبيرة على التحكم في الأسعار وشروط النفاذ إلى السوق. فالمشكل لا يكمن في وجود الوساطة باعتبارها وظيفة اقتصادية طبيعية، بل في تحولها إلى قوة احتكارية تستفيد من ضعف التنظيم وغياب الشفافية في تحديد الأسعار والمسالك.
وهنا يظهر أحد أشكال الثقوب الدودية للفساد: فعوض أن تكون القيمة موزعة بشكل متوازن بين المنتج والمستهلك، قد تنتقل القوة الاقتصادية نحو من يسيطر على المعلومة أو مسالك التوزيع أو شبكات النفوذ. فالمنتج قد يجد نفسه يبيع بأسعار ضعيفة رغم ارتفاع كلفة الإنتاج، بينما يدفع المستهلك أسعارًا مرتفعة، في حين تتحكم حلقات وسيطة في جزء كبير من القيمة المضافة.
ولا يعني ذلك اتهام كل الوسطاء أو المتدخلين في القطاع، بل يشير إلى خلل بنيوي عندما تصبح قواعد السوق غير قادرة على ضمان التوازن بين مختلف الفاعلين. وتزداد خطورة هذا الوضع عندما تترافق مع ضعف الرقابة، أو محدودية تنظيم الأسواق، أو غياب آليات فعالة لحماية صغار المنتجين، لأن ضعف المؤسسة يفتح المجال أمام علاقات القوة غير الرسمية لتصبح أكثر تأثيرًا من القواعد الرسمية.

د. من الداخل لا من الخارج:
إن أخطر أشكال نهب الثروات لا تأتي فقط من قوى خارجية، بل قد تتم بتورط فاعلين من داخل مؤسسات الدولة أو من خلال تحالفات بين أصحاب القرار وبعض المصالح الاقتصادية.
فالثقب الدودي لا يُفتح من خارج الجدار، بل من داخله، عندما تُستغل السلطة أو الموقع الوظيفي أو القدرة على التأثير لتوجيه الموارد بعيدًا عن المصلحة العامة. وفي هذا السياق، تبين بيّاتريس هيبو أن فهم الاقتصاد السياسي في تونس يقتضي تحليل العلاقة بين السلطة والامتيازات الاقتصادية، وكيف يمكن أن تتحول بعض مواقع القرار إلى مصادر للريع والنفوذ (Hibou, 2006).

هـ. الثروات الوطنية في تونس: مسار تاريخي معقد
منذ الاستقلال، اضطلعت الدولة التونسية بدور رئيسي في إدارة الموارد الوطنية وبناء المؤسسات الاقتصادية. وقد ساهم ذلك في دعم التنمية في مراحل عديدة، غير أن التحولات الاقتصادية والسياسية التي عرفتها البلاد أفرزت أيضًا تحديات تتعلق بالحوكمة والرقابة والشفافية. فالقطاع الفلاحي، مثل غيره من القطاعات الحيوية، عرف تدخلًا واسعًا للدولة من خلال الدعم والتنظيم والتصرف في الموارد، لكنه واجه أيضًا صعوبات مرتبطة بتفاوت القدرة على النفاذ إلى الموارد والأسواق.
وقد كشفت تقارير محكمة المحاسبات، وهيئة الحقيقة والكرامة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، في فترات مختلفة، عن وجود إخلالات وتجاوزات في بعض مجالات التصرف في المال العام واستغلال الموارد، بما يؤكد أن حماية الثروة الوطنية لا ترتبط فقط بوجود القوانين، بل أيضًا بمدى احترامها وتفعيل آليات الرقابة.

و. حماية الثروة الوطنية تبدأ بحماية المؤسسات:
إن الثروات الوطنية لا تُنهب فقط عندما تُسرق، بل أيضًا عندما تضعف المؤسسات التي تحميها. فكل تراجع في الشفافية أو استقلالية الرقابة أو فعالية المحاسبة يفتح ممرًا جديدًا أمام المصالح الخاصة للتسلل إلى المجال العام. لذلك، فإن الدفاع عن الثروة الوطنية يبدأ بإغلاق الثقوب الدودية داخل مؤسسات الدولة، وفي تنظيم مسالك الاقتصاد، وضمان أن تكون القواعد أقوى من العلاقات، والمصلحة العامة أقوى من الامتيازات الخاصة.
لكن إذا كانت الثروات الوطنية تمثل أول مجال تتسلل إليه شبكات المصالح، فكيف تمتد هذه الممرات إلى الإدارة والوظيفة العمومية؟ وكيف يمكن أن تتحول المؤسسة الإدارية نفسها إلى فضاء لإعادة إنتاج النفوذ بدل خدمة الصالح العام؟
وهنا يقودنا السؤال إلى الجزء الثالث:
اختراق الإدارة والوظيفة العمومية: عندما تتحول الخدمة العامة إلى مجال للنفوذ.

3.اختراق الإدارة والوظيفة العمومية: عندما تتحول الخدمة العامة إلى مجال للنفوذ

تمثل الإدارة العمومية العمود الفقري للدولة، فهي الأداة التي تُنفذ القوانين، وتقدم الخدمات، وتضمن المساواة بين المواطنين. لذلك فإن سلامة الإدارة ليست مجرد مسألة تنظيمية، بل شرط أساسي لقيام دولة القانون. غير أن الفساد البنيوي يبدأ في اكتساب خطورته الحقيقية عندما تتسلل شبكات المصالح إلى هذه الإدارة، فتتحول بعض مواقعها من فضاءات لخدمة الصالح العام إلى أدوات لإنتاج النفوذ وإعادة توزيعه.

أ. الإدارة بين الحياد والولاء:
يقوم النموذج الحديث للإدارة على الحياد والكفاءة، بحيث تُسند المسؤوليات على أساس الجدارة، ويُعامل المواطنون وفق القانون دون تمييز. وقد اعتبر ماكس فيبر أن الإدارة البيروقراطية القائمة على القواعد الموضوعية تمثل أحد أهم أسس الدولة الحديثة (Weber, 1922). لكن عندما تصبح التعيينات أو الترقيات أو توزيع المسؤوليات خاضعة، في بعض الحالات، لاعتبارات غير مهنية، فإن منطق الولاء يبدأ في منافسة منطق الكفاءة، وتفقد الإدارة جزءًا من حيادها.

ب. التعيينات والانتدابات: بين الحاجة والكفاءة
تؤدي الوظيفة العمومية دورًا اجتماعيًا واقتصاديًا أساسيًا، فهي الإطار الذي تعتمد عليه الدولة لتقديم الخدمات العمومية وضمان استمرارية مؤسساتها. ومن ثم، فإن الأصل في الانتداب أن يكون استجابة لحاجات حقيقية للإدارة، وأن يقوم على مبادئ الجدارة والكفاءة وتكافؤ الفرص، حتى تتمكن المؤسسات من استقطاب الموارد البشرية القادرة على أداء مهامها بكفاءة وحياد.
غير أن هذا المنطق قد يتعرض للاختلال عندما تتحول بعض التعيينات أو الانتدابات أو الترقيات إلى استجابة لضغوط اجتماعية أو اعتبارات سياسية أو شبكات نفوذ، بدل أن ترتبط بحاجات فعلية للمؤسسات ومعايير الاستحقاق. ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة آلاف الموظفين الذين التحقوا بالإدارة بكفاءتهم، بل التنبيه إلى أن أي خروج عن مبدأ الجدارة يضعف ثقة المواطنين في المؤسسة العمومية، ويفتح مجالًا لإعادة إنتاج الامتيازات.
ولا يقتصر هذا الاختلال على طرق الانتداب فحسب، بل قد يمتد إلى حجم الوظيفة العمومية ذاته، عندما تتحول الإدارة أو بعض المؤسسات العمومية إلى فضاء لاستيعاب أعداد متزايدة من الأعوان دون أن يقابل ذلك توسع مماثل في الحاجات الوظيفية أو في حجم الخدمات المقدمة. ففي مثل هذه الحالات، قد تجد بعض المؤسسات نفسها تضم أعوانًا لا تتناسب مهامهم مع اختصاص المؤسسة أو مع حاجاتها الفعلية، أو تشهد تضخمًا في بعض الخطط مقابل نقص في اختصاصات حيوية أخرى.
ومن منظور سوسيولوجي، لا تكمن المشكلة في توفير مواطن الشغل في حد ذاته، بل في الخلط بين سياسات التشغيل وسياسات بناء الإدارة. فالوظيفة العمومية وُجدت لضمان حسن سير المرفق العام، بينما تهدف سياسات التشغيل إلى معالجة البطالة وتحقيق الإدماج الاجتماعي. وعندما تتحمل الإدارة وحدها عبء معالجة الأزمة الاجتماعية، فإنها قد تفقد تدريجيًا جزءًا من وظيفتها الأصلية، وتتحول من جهاز للإنتاج الإداري إلى أداة لامتصاص الاحتقان الاجتماعي.
وقد تجلت هذه الإشكالية في تونس، في مراحل مختلفة، من خلال التوسع في بعض صيغ الانتداب الاستثنائية أو برامج الإدماج، أو في تضخم بعض الخطط داخل مؤسسات عمومية معينة، أو في استيعاب أعداد من الأعوان لا تتناسب دائمًا مع الحاجات الفعلية للمؤسسة. ولا يتعلق الأمر هنا بتقييم فئة بعينها أو التشكيك في استحقاق أفرادها، وإنما بقراءة بنيوية لسياسات الموارد البشرية وآثارها على كفاءة الإدارة واستدامة المالية العمومية.
ويزداد هذا الاختلال عندما يقابله استمرار بطالة أعداد كبيرة من خريجي الجامعات وأصحاب الاختصاصات التي تحتاجها الدولة فعلًا، فينشأ شعور متزايد بأن الحصول على الوظيفة لا يخضع دائمًا لأولويات التنمية أو للكفاءة العلمية، بل قد يتأثر، في بعض الحالات، باعتبارات أخرى غير مؤسساتية. وعندئذ تتراجع الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص، ويضعف الإيمان بقيمة التعليم والجدارة باعتبارهما طريقًا طبيعيًا للحراك الاجتماعي.
ولا يقتصر الإخلال بمبدأ الاستحقاق على الانتدابات، بل قد يبدأ أحيانًا من مرحلة أسبق، عندما تُستعمل شهائد جامعية مزورة أو وثائق علمية غير مستوفية للشروط القانونية للحصول على وظيفة أو ترقية أو امتياز مهني. ففي هذه الحالات لا يقتصر الضرر على مجرد مخالفة قانونية، بل يمتد إلى تقويض مبدأ الجدارة الذي تقوم عليه الوظيفة العمومية، وإقصاء أصحاب الكفاءة الحقيقيين، وإضعاف جودة الموارد البشرية داخل المؤسسات.
وهنا يتجسد أحد أخطر الثقوب الدودية للفساد؛ فبدل أن تكون الوظيفة العمومية فضاءً لتجميع أفضل الكفاءات في خدمة الدولة، قد تتحول، في بعض الحالات، إلى مجال تتداخل فيه الضغوط الاجتماعية، والحسابات السياسية، وشبكات النفوذ، مع القرار الإداري. وعندما يحدث ذلك، لا يقتصر الأثر على تضخم كتلة الأجور أو تراجع النجاعة، بل يمتد إلى إضعاف شرعية المؤسسة العمومية نفسها، لأن المواطن يبدأ في الاعتقاد بأن النفاذ إلى الوظيفة لا تحكمه دائمًا قواعد الجدارة، بل قد تحدده ممرات موازية تتجاوز المسار الطبيعي للاستحقاق. وهكذا يفتح الفساد البنيوي ثقبًا دوديًا جديدًا داخل الدولة، يسمح بعبور الأفراد إلى المواقع الوظيفية عبر مسارات مختصرة، بينما يُترك أصحاب الكفاءة ينتظرون خارج أسوار الإدارة.
ج. الإدارة كأداة لإعادة إنتاج النفوذ:
عندما يصل شخص إلى موقع مسؤولية بفضل شبكة نفوذ، قد يصبح، عن قصد أو غير قصد، جزءًا من آلية تحافظ على استمرار تلك الشبكة، سواء عبر التعيينات أو توزيع الامتيازات أو التأثير في القرارات. وهكذا يتحول النفوذ من ممارسة فردية إلى منطق مؤسساتي يعيد إنتاج نفسه. وقد بين بيير بورديو أن رأس المال الاجتماعي، المتمثل في شبكة العلاقات، قد يتحول إلى مورد يمنح أصحابه فرصًا أكبر للوصول إلى المواقع والموارد (Bourdieu, 1980).

د. فساد المعلومة والزمن: عندما تصبح المعرفة والانتظار أدوات للنفوذ
لا يقتصر الفساد داخل الإدارة على الرشوة أو المحاباة في التعيينات، بل قد يتخذ أشكالًا أكثر خفاءً ترتبط بالتحكم في المعلومة والزمن الإداري. فالمعلومة داخل الدولة تمثل موردًا مهمًا، لأنها تحدد القدرة على الاستعداد واتخاذ القرار والوصول إلى الفرص في الوقت المناسب. وعندما تصبح بعض المعلومات متاحة لفئة قبل غيرها، أو يتم حجبها عن أصحاب الحق، فإنها تتحول من أداة لخدمة المصلحة العامة إلى وسيلة لصناعة الامتياز.
كما يمكن أن يتحول الزمن الإداري نفسه إلى مجال للنفوذ، عندما يصبح التأخير غير المبرر وسيلة للضغط، أو عندما تُسرَّع بعض الملفات بفضل العلاقات أو التدخلات، بينما تبقى ملفات أخرى عالقة داخل دواليب الإدارة. وفي هذه الحالة لا يعود المواطن يواجه فقط تعقيد الإجراءات، بل يواجه تفاوتًا في القدرة على الوصول إلى الخدمة العمومية.
وهنا يظهر ثقب دودي آخر للفساد: فبدل أن يكون المسار الإداري موحدًا أمام الجميع، تصبح المعلومة والعلاقة والقدرة على اختصار الزمن عوامل تحدد من يصل أولًا ومن يحصل على الخدمة أسرع. وهكذا تنتقل اللامساواة من مجال توزيع الموارد إلى مجال الوصول إلى الدولة نفسها.
هـ. الإدارة التونسية بين الإنجاز والتحديات:
أسهمت الإدارة التونسية، منذ الاستقلال، في بناء الدولة وتوفير الخدمات العمومية وتكوين كفاءات مشهود لها. غير أن توسع حجم الجهاز الإداري وتعقد وظائفه، إلى جانب التحولات الاقتصادية والسياسية، فرض تحديات تتعلق بالحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص. وقد أشارت تقارير محكمة المحاسبات والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، في مناسبات مختلفة، إلى وجود إخلالات في بعض مجالات التصرف الإداري والانتدابات والتسيير، وهو ما يؤكد أن إصلاح الإدارة لا يقتصر على تطوير القوانين، بل يتطلب أيضًا ترسيخ ثقافة المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

و. الإدارة القوية هي خط الدفاع الأول عن الدولة:
إن الدولة لا تُقاس فقط بعدد مؤسساتها، بل بقدرتها على ضمان حياد الإدارة واستقلالها عن الضغوط وشبكات المصالح. فكلما كانت الإدارة قائمة على الكفاءة والشفافية، ضاقت المساحات التي يمكن أن تنفذ منها ممارسات الفساد. لكن إذا تمكنت شبكات النفوذ من التأثير في الإدارة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ينعكس ذلك على إدارة المال العام؟ وهل تصبح الصفقات العمومية بدورها أحد أهم الثقوب الدودية التي تتسلل عبرها المصالح الخاصة إلى قلب الدولة؟

4. الصفقات العمومية: عندما تتحول المنافسة إلى امتياز

تمثل الصفقات العمومية أحد أهم أدوات الدولة لإنجاز المشاريع وتوفير الخدمات وتحريك الاقتصاد، إذ تُنفق عبرها مبالغ ضخمة من المال العام سنويًا. ولذلك تقوم التشريعات المنظمة لها على مبادئ المنافسة والشفافية والمساواة بين المتنافسين. غير أن هذه الأهمية تجعلها أيضًا من أكثر المجالات عرضة لاختراق شبكات المصالح، لتتحول أحيانًا إلى أحد أخطر الثقوب الدودية للفساد.

أ. الصفقات العمومية: حماية للمال العام قبل أن تكون إجراءات إدارية
لا تُعد إجراءات الصفقات العمومية مجرد تعقيدات إدارية، بل هي ضمانات لحسن التصرف في المال العام. فالإعلان عن المنافسة، وتحديد شروط المشاركة، وتقييم العروض وفق معايير موضوعية، كلها آليات تهدف إلى حماية مبدأ تكافؤ الفرص وضمان حصول الدولة على أفضل خدمة أو مشروع بأفضل الشروط. وعندما تُحترم هذه المبادئ، تصبح الصفقة العمومية أداة لتحقيق التنمية وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.

ب. كيف تتحول الصفقة إلى ثقب دودي؟
لا يحدث الفساد في الصفقات العمومية دائمًا عبر الرشوة المباشرة، بل قد يظهر في مراحل مختلفة من إعداد الصفقة وتنفيذها، مثل صياغة كراس شروط يخدم جهة بعينها، أو تضييق المنافسة، أو استغلال المعلومات غير المتاحة للجميع، أو التأثير في لجان التقييم، أو إدخال تعديلات لاحقة تغير جوهر المشروع.
وفي هذه الحالات، يبدو المسار قانونيًا في ظاهره، لكنه يكون قد انحرف عن هدفه الأصلي، لتصبح المنافسة شكلية بينما تكون النتيجة محسومة مسبقًا. كما قد يظهر الاختلال أثناء مرحلة تنفيذ المشاريع والتصرف في التجهيزات، عندما تُتخذ قرارات لا تستجيب بالضرورة للحاجة الفعلية للمؤسسة، بل قد ترتبط أحيانًا بمصالح خاصة. ومن أمثلة ذلك استبدال تجهيزات أو معدات ما تزال صالحة للاستعمال بأخرى جديدة دون مبرر تقني واضح، بما يؤدي إلى تحميل المال العام نفقات إضافية، وقد يفتح المجال أمام منافع غير مشروعة لبعض المتدخلين. ففي هذه الحالات لا يكون الفساد مرتبطًا بعملية الشراء فقط، بل يبدأ من صناعة الحاجة إلى الإنفاق وتوجيه القرار العمومي بعيدًا عن منطق النجاعة وحسن التصرف في الموارد. وهنا يظهر الثقب الدودي للفساد، حيث تُستعمل الإجراءات القانونية ظاهريًا، بينما يتم توجيه المال العمومي لخدمة مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة.

ج. المال العام بين الرقابة والمساءلة:
كلما ضعفت الرقابة على الصفقات العمومية، اتسعت فرص توجيه المال العام نحو مصالح خاصة. ولذلك لا تكفي النصوص القانونية وحدها، بل يجب أن ترافقها رقابة مستقلة وشفافية في نشر المعلومات ومساءلة فعلية عند اكتشاف الإخلالات.
وقد بيّن روبرت كليتغارد أن الفساد يزدهر عندما تجتمع السلطة التقديرية مع ضعف المساءلة وغياب الشفافية (Klitgaard, 1988)، وهو ما يجعل الصفقات العمومية مجالًا حساسًا يتطلب أعلى درجات الحوكمة.

د. الصفقات العمومية في تونس: بين الإصلاح والتحديات
شهدت تونس خلال العقود الماضية إصلاحات متتالية في مجال الصفقات العمومية بهدف تعزيز الشفافية وتطوير الإطار القانوني. ومع ذلك، كشفت تقارير محكمة المحاسبات عن إخلالات في بعض الصفقات العمومية، تمثلت في تجاوزات إجرائية، وضعف المتابعة، وعدم احترام بعض قواعد المنافسة أو التنفيذ، وهو ما يؤكد أن تطوير النصوص القانونية يجب أن يرافقه حسن التطبيق والرقابة المستمرة. ولا يعني ذلك أن التجاوزات تشمل جميع الصفقات أو جميع المؤسسات، بل يؤكد أن هذا المجال يظل من أكثر المجالات حساسية بسبب حجم الأموال المتداولة وأثرها المباشر على التنمية.

هـ. حماية الصفقات العمومية هي حماية لثقة المواطن:
إن كل صفقة تُدار بشفافية تعزز ثقة المواطن في الدولة، وكل صفقة يشوبها الغموض تفتح المجال أمام الشك في حسن التصرف في المال العام. لذلك فإن إصلاح منظومة الصفقات العمومية لا يقتصر على الجانب المالي، بل يتعلق أيضًا بإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون. لكن إذا كانت الصفقات العمومية تمثل أحد أهم منافذ توجيه المال العام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يمتلك القدرة على التأثير في هذه القرارات؟ وكيف يتشكل التداخل بين السلطة السياسية والمال، بحيث تتحول شبكات النفوذ إلى قوة تؤثر في القرار العمومي؟

5. الرشوة والفساد اليومي: عندما تتحول الممارسات الصغيرة إلى ثقوب دودية تبتلع الدولة

إذا كان الفساد الكبير المرتبط بالصفقات العمومية أو بشبكات المال والسلطة يستنزف موارد الدولة على نطاق واسع، فإن الفساد اليومي هو الوجه الذي يلتقي به المواطن في حياته العادية. فهو لا يظهر عادة في القضايا التي تتصدر وسائل الإعلام أو في ملفات الاختلاس الكبرى، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول بعض الخدمات وفي بعض المناظرات الوطنية والإجراءات التي يفترض أن تكون حقًا للجميع إلى فرص لتحقيق منافع خاصة. وقد تبدو هذه الممارسات محدودة إذا نُظر إليها كل على حدة، لكنها، عندما تتكرر وتنتشر وتصبح متوقعة، تتحول إلى أحد أخطر الثقوب الدودية للفساد، لأنها لا تستنزف المال العام فحسب، بل تضعف ثقة المواطن في الدولة، وتعيد تشكيل علاقته بالقانون والمؤسسات.

أ. الرشوة اليومية: من الاستثناء إلى الاعتياد
تتخذ الرشوة اليومية صورًا متعددة، فقد تظهر في محاولة تجنب مخالفة مرورية، أو تسريع استخراج وثيقة إدارية، أو الحصول على خدمة يفترض أن تقدم وفق ترتيب قانوني، أو التأثير في بعض الإجراءات القضائية، أو تسهيل عبور السلع عبر بعض المعابر الحدودية أو الموانئ، أو تجاوز بعض إجراءات المراقبة. كما قد تظهر، في بعض الحالات، في محاولات التأثير غير المشروع على مسارات الانتداب أو بعض المناظرات والمسابقات الوطنية للحصول على وظيفة أو امتياز، بما يمس بمبدأ تكافؤ الفرص ويقوض الثقة في الجدارة والاستحقاق. ورغم اختلاف هذه الحالات من حيث طبيعتها وخطورتها، فإنها تقوم جميعًا على المبدأ نفسه، وهو استبدال القاعدة القانونية بمنفعة خاصة، وتحويل الحق إلى امتياز يمكن الحصول عليه بالمال أو النفوذ أو الوساطة.

ب. لماذا تنتشر الرشوة اليومية؟
لا يمكن تفسير انتشار الرشوة اليومية فقط بوجود أفراد مستعدين لدفع المال أو قبوله، لأن هذا التفسير يختزل الظاهرة في بعدها الأخلاقي. فالتحليل السوسيولوجي يبين أن الرشوة تنمو عندما تجتمع إجراءات معقدة، وسلطة تقديرية واسعة، وضعف في الرقابة، وطول آجال المعاملات، مع ضعف احتمال المحاسبة. وقد أوضح روبرت كليتغارد أن الفساد يزداد كلما اجتمع احتكار القرار مع السلطة التقديرية وضعف المساءلة (Klitgaard, 1988). لذلك فإن الرشوة ليست مجرد قرار فردي، بل هي أيضًا نتيجة لبيئة مؤسساتية تسمح بتحول الاستثناء إلى ممارسة متكررة.

ج. من الرشوة إلى الاقتصاد غير المنظم:
لا تقتصر آثار الرشوة اليومية على العلاقة بين الراشي والمرتشي، بل تمتد إلى الاقتصاد بأكمله. فعندما يصبح تجاوز الإجراءات ممكنًا مقابل منفعة، تتراجع المنافسة النزيهة، ويزداد نشاط الاقتصاد غير المنظم، وتفقد الدولة جزءًا من مواردها الجبائية، كما تتضرر المؤسسات والأشخاص الذين يلتزمون بالقانون.
ويظهر ذلك بوضوح في بعض مسالك توزيع الخضر والغلال والمنتجات الفلاحية، حيث قد يؤدي ضعف الرقابة، وتدخل الوسطاء غير المنظمين، واستغلال مسالك التوزيع، إلى تضخم هوامش الربح وارتفاع الأسعار بين المنتج والمستهلك. ولا يعني ذلك أن جميع الوسطاء يمارسون تجاوزات، أو أن كل ارتفاع في الأسعار يعود إلى الفساد، إذ تتداخل عوامل عديدة مثل تكاليف النقل والتخزين والعوامل المناخية وتقلبات العرض والطلب. لكن عندما تغيب الشفافية وتضعف الرقابة، تتوسع المساحات التي يمكن أن تستغلها بعض شبكات السمسرة لتحقيق أرباح غير مبررة على حساب الفلاح والمستهلك معًا.
ويمتد الأمر إلى القطاع الفلاحي عمومًا، حيث يمكن أن يؤدي أي إخلال في إسناد الدعم، أو توزيع الموارد المائية، أو مراقبة مسالك توزيع الخضر والغلال وكذلك الأعلاف، أو تنظيم الأسواق، إلى فتح منافذ جديدة أمام المحاباة والامتيازات، بما يضعف الإنتاج ويؤثر في الأمن الغذائي على المدى البعيد.

د. الرشوة اليومية وثقافة اللامساواة:
تكمن خطورة الرشوة اليومية في أنها لا تغير فقط طريقة إنجاز المعاملات، بل تعيد تشكيل تصور المجتمع للعدالة. فعندما يلاحظ المواطن أن الحصول على الخدمة أو الحق قد يصبح أسرع لمن يدفع أو يمتلك علاقة نافذة، تتراجع قيمة الكفاءة والالتزام بالقانون، ويترسخ الاعتقاد بأن النفوذ أكثر فاعلية من المؤسسات.
وهكذا تتحول الرشوة تدريجيًا من مخالفة استثنائية إلى ثقافة ضمنية، حيث يصبح الالتفاف على الإجراءات أمرًا مألوفًا، ويغدو احترام القانون خيارًا أقل جدوى في نظر بعض الأفراد. وقد أشار بيير بورديو إلى أن الممارسات الاجتماعية لا تستمر فقط عبر القواعد الرسمية، بل يعاد إنتاجها أيضًا عبر العادات والتمثلات الجماعية التي تتشكل داخل المجتمع (Bourdieu, 1980).

هـ. الثقب الدودي للرشوة: عندما يصبح الطريق غير المشروع أقصر من القانون
يفترض في الدولة الحديثة أن يحصل جميع المواطنين على حقوقهم وخدماتهم عبر مسار مؤسساتي واضح، يبدأ باحترام القانون، ثم يمر بالإجراءات الإدارية المنظمة، ويضمن المساواة بين الجميع، لينتهي بالحصول على الحق وفق معايير موضوعية. غير أن الرشوة تفتح مسارًا موازيًا يلتف على هذا الطريق، فتغدو الوساطة أو المال أو النفوذ وسائل لاختصار الإجراءات وتجاوز الانتظار والحصول على امتيازات لا تتاح لغير أصحابها. وهكذا يتحول ما يفترض أن يكون حقًا متساويًا إلى خدمة متفاوتة بحسب القدرة على الدفع أو الوصول إلى أصحاب النفوذ. وعند هذه النقطة يتجسد الثقب الدودي للفساد بأوضح صوره، لأنه يختزل الطريق الطبيعي الذي رسمته المؤسسات، ويخلق ممرًا خفيًا يسمح بتجاوز القانون دون إلغائه، فتبدو الإجراءات قائمة في ظاهرها، بينما تكون نتائجها قد حُسمت عبر مسارات غير رسمية.

و. إغلاق الثقب الدودي للرشوة:
إن مقاومة الرشوة اليومية لا تتحقق فقط بتشديد العقوبات، بل تتطلب إصلاحًا مؤسساتيًا شاملًا يقوم على تبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، وتقليص السلطة التقديرية غير المبررة، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة، وحماية المبلغين، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فكلما أصبحت الخدمة العمومية واضحة وسريعة وقابلة للتتبع، تقلصت الحاجة إلى الوساطة، وضاقت المساحات التي يمكن أن تنمو فيها الرشوة. لكن إذا كانت الرشوة اليومية تمثل الوجه الأكثر حضورًا للفساد في حياة المواطن، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من يملك القدرة على تحويل هذه الممارسات المتفرقة إلى منظومات مصالح واسعة؟ وكيف يتداخل المال مع السلطة لتصبح الامتيازات أكثر رسوخًا واستمرارًا؟
وهنا يقودنا التحليل إلى الجزء السادس: تزاوج المال والسلطة... عندما تتحول القوة إلى امتياز دائم.

6. تزاوج المال والسلطة: عندما تتحول القوة إلى امتياز دائم

لا يبلغ الفساد البنيوي ذروته عند حدود الرشوة أو التلاعب بالصفقات، بل عندما تتداخل السلطة السياسية مع المصالح الاقتصادية، فيصبح المال وسيلة لاكتساب النفوذ، ويصبح النفوذ وسيلة لتوسيع الثروة. عندها لا تعود العلاقة بين الدولة والاقتصاد قائمة فقط على تنظيم السوق وحماية المصلحة العامة، بل قد تنشأ شبكات قادرة على التأثير في القرار العمومي بما يخدم مصالحها الخاصة.

أ. السلطة والثروة: علاقة مشروعة وحدودها:
من الطبيعي أن تتفاعل الدولة مع الفاعلين الاقتصاديين، وأن تستشيرهم في السياسات العامة، فالتنمية تحتاج إلى تعاون بين القطاعين العام والخاص. لكن هذا التعاون يفقد مشروعيته عندما تتحول العلاقة إلى تبادل للمصالح، فيصبح القرار العمومي خاضعًا لضغوط فئات محددة بدل أن يعكس المصلحة العامة.
وهنا يبدأ المال في أداء دور يتجاوز الاستثمار والإنتاج، ليصبح أداة للتأثير في مواقع القرار.

ب. من النفوذ الاقتصادي إلى النفوذ السياسي:
قد يسعى بعض الفاعلين الاقتصاديين إلى توسيع نفوذهم عبر بناء علاقات مع أصحاب القرار، بينما قد يستخدم بعض المسؤولين مواقعهم لتوفير امتيازات اقتصادية لفئات معينة. وعندما يستمر هذا التبادل، تتكون شبكات يصعب فيها الفصل بين السلطة والمال، ويصبح كل طرف داعمًا للآخر. وقد بينت سوزان روز-أكرمان أن أخطر صور الفساد لا تتمثل في الرشوة الصغيرة، بل في العلاقة المستمرة بين السلطة والمصالح الاقتصادية، لأنها تؤثر في السياسات العامة نفسها (Rose-Ackerman, 1999).

ج. الاقتصاد الريعي: عندما تصبح الامتيازات أهم من المنافسة
في الاقتصاد السليم، تتحقق الأرباح عبر الابتكار والإنتاج والمنافسة. أما في الاقتصاد الريعي، فتتحول الامتيازات التي تمنحها السلطة إلى مصدر رئيسي للثروة، فيصبح القرب من القرار أكثر أهمية من الكفاءة الاقتصادية. وهنا تتراجع المنافسة الحرة، لأن بعض الفاعلين يحصلون على مزايا لا تتوفر لغيرهم، فتختل قواعد السوق ويتراجع الاستثمار المنتج لصالح البحث عن الامتيازات. وقد أوضح مانكور أولسون أن جماعات المصالح المنظمة تستطيع، في ظل ضعف المؤسسات، توجيه السياسات بما يخدم مصالحها على حساب المصلحة العامة (Olson, 1982).

د. السياق التونسي: بين الدولة والاقتصاد
عرفت تونس، منذ الاستقلال، تحولات متتالية في العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، خاصة مع الانفتاح الاقتصادي وبرامج الإصلاح. وقد ساهمت هذه التحولات في تنشيط الاقتصاد، لكنها أفرزت أيضًا تحديات مرتبطة بالحوكمة والشفافية. وتشير بيّاتريس هيبو إلى أن فهم الاقتصاد السياسي في تونس يقتضي دراسة كيفية تشكل الامتيازات الاقتصادية من خلال العلاقة مع السلطة، وليس فقط من خلال آليات السوق (Hibou, 2006). كما بين كامو وغياسر أن الشبكات غير الرسمية لعبت دورًا مهمًا في فهم طبيعة السلطة وآليات اشتغالها في بعض المراحل التاريخية (Camau & Geisser, 2003). ولا يعني ذلك أن كل علاقة بين الدولة والقطاع الخاص هي علاقة فساد، بل إن الإشكال يظهر عندما تصبح الامتيازات مرتبطة بالنفوذ بدل المنافسة.

هـ. كسر الحلقة بين المال والسلطة:
إن حماية الدولة لا تقتصر على الفصل القانوني بين السلطة والمال، بل تتطلب أيضًا بناء مؤسسات قوية، وإرساء قواعد شفافة لتضارب المصالح، وضمان تكافؤ الفرص أمام جميع الفاعلين الاقتصاديين. فكلما كانت المؤسسات مستقلة، وكانت الرقابة فعالة، تقلصت قدرة شبكات المصالح على التأثير في القرار العمومي، وعاد المال إلى وظيفته الطبيعية كوسيلة للاستثمار والإنتاج، لا كطريق مختصر إلى النفوذ. لكن إذا كانت شبكات المال والسلطة قادرة على إنتاج الامتيازات، فما الذي يسمح لها بالاستمرار رغم كشف التجاوزات؟ ولماذا لا تؤدي كل ملفات الفساد إلى محاسبة تنهي هذه الممارسات؟ وهنا يقودنا السؤال إلى الجزء السابع: الإفلات من العقاب... الثقب الدودي الذي يسمح للفساد بإعادة إنتاج نفسه.

7. الإفلات من العقاب: عندما يتحول ضعف المحاسبة إلى حماية للفساد

لا يمكن لأي منظومة فساد أن تستمر وتتحول إلى ظاهرة بنيوية دون وجود بيئة تسمح لها بالبقاء. فالفساد لا يحتاج فقط إلى وجود أفراد مستعدين لمخالفة القانون، بل يحتاج أيضًا إلى شروط مؤسساتية تجعل هذه المخالفة ممكنة وقابلة للاستمرار. ومن أهم هذه الشروط ضعف احتمال المحاسبة، لأن الفاعل الذي يدرك أن كلفة الفساد محدودة، وأن النفوذ أو العلاقات قد توفر له الحماية، يصبح أكثر استعدادًا للمغامرة بتحويل السلطة أو الموقع أو المعلومة إلى منفعة خاصة. ومن هنا يظهر الإفلات من العقاب باعتباره أحد أخطر الثقوب الدودية للفساد؛ فهو لا يمثل مجرد نتيجة لضعف الدولة، بل يصبح آلية لإعادة إنتاج الفساد. فالفاسد لا يستفيد فقط من الموارد التي يحصل عليها، بل يستفيد أيضًا من هشاشة النظام الرقابي والقضائي الذي يفترض أن يمنعه. لذلك فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بعدد القوانين الموجودة، بل بقدرتها على جعل هذه القوانين ملزمة للجميع دون استثناء.

أ. القانون بين وجود النص وفعالية التطبيق:
تقوم الدولة الحديثة على مبدأ أساسي يتمثل في خضوع الجميع للقانون، غير أن الفارق بين الدولة التي تمتلك مؤسسات قوية والدولة التي تعاني من اختلالات بنيوية يكمن في المسافة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي. فوجود قوانين لمقاومة الفساد لا يعني بالضرورة القدرة على الحد منه، لأن القانون يفقد جزءًا من قوته عندما يصبح تطبيقه انتقائيًا أو مرتبطًا بموازين النفوذ.
وقد أكد ماكس فيبر أن شرعية الدولة الحديثة تقوم على السلطة القانونية العقلانية، أي على خضوع الأفراد والمؤسسات لقواعد عامة ومجردة، وليس لعلاقات شخصية أو امتيازات خاصة (Weber, 1922). وعندما تتراجع هذه القاعدة، يعود المنطق الشخصي ليزاحم المنطق المؤسساتي، فتصبح العلاقة بالقانون مختلفة حسب الموقع الاجتماعي أو السياسي للفرد.
وفي الحالة التونسية، فإن الإشكال لم يكن دائمًا في غياب النصوص، بل في قدرة المؤسسات على فرض احترامها وتحويلها من قواعد مكتوبة إلى ممارسات يومية. فالفجوة بين القانون والممارسة تمثل أحد الممرات التي تعبر منها المصالح الخاصة داخل الدولة.

ب. ضعف الرقابة: عندما تتحول الثغرات إلى ممرات
تمثل الرقابة إحدى أهم آليات حماية الدولة من الانحرافات، لأنها لا تقتصر على كشف المخالفات بعد وقوعها، بل تساهم أيضًا في الوقاية منها عبر جعل المسؤولين يدركون أن قراراتهم خاضعة للمراجعة والمساءلة. غير أن الرقابة تفقد فعاليتها عندما تتحول إلى مجرد إجراءات شكلية لا تؤدي إلى نتائج ملموسة.
وهنا يظهر أحد أشكال الثقب الدودي للفساد: فالمؤسسات الرقابية تكون موجودة من الناحية القانونية، لكن قدرتها على التأثير قد تكون محدودة بسبب ضعف الاستقلالية أو بطء الإجراءات أو غياب المتابعة الفعلية. وقد بين دوغلاس نورث أن قوة المؤسسات لا ترتبط فقط بوجود القواعد، بل بقدرة المجتمع والدولة على إنفاذها وجعلها جزءًا من السلوك الفعلي للفاعلين (North, 1990). فالرقابة التي لا تنتج محاسبة تتحول تدريجيًا إلى مجرد تسجيل للاختلالات بدل أن تكون أداة لمنعها. وفي تونس، كشفت تقارير محكمة المحاسبات وتقارير الهياكل الرقابية المختلفة عن أهمية الانتقال من مرحلة رصد التجاوزات إلى مرحلة بناء منظومة تجعل المسؤولية مرتبطة فعليًا بالمحاسبة.

ج. من الحماية الفردية إلى الحماية الشبكية:
قد يبدأ الإفلات من العقاب كحالة فردية، عندما يستعمل شخص نفوذه أو موقعه لتجنب المساءلة، لكن الخطر الأكبر يظهر عندما يتحول الأمر إلى حماية شبكية تتجاوز الفرد لتشمل مجموعة من العلاقات والمصالح المتبادلة. فالشبكات لا تقوم فقط على المال، بل على تبادل المعلومات، والقرب من مراكز القرار، والقدرة على التأثير في المؤسسات. وهنا يصبح الفساد أكثر قدرة على البقاء، لأنه لا يعتمد على شخص واحد يمكن محاسبته، بل على منظومة علاقات قادرة على إعادة تنظيم نفسها. وقد أوضح مانويل كاستلز أن المجتمعات الحديثة تعرف انتقالًا متزايدًا نحو قوة الشبكات، حيث لا تكمن السلطة فقط في امتلاك المنصب، بل في القدرة على التحكم في تدفقات المعلومات والعلاقات والموارد (Castells, 1996). وهكذا يصبح الثقب الدودي للفساد ممرًا يسمح بانتقال المصالح الخاصة من موقع هامشي إلى موقع مؤثر داخل الدولة.

د. الإفلات من العقاب وإعادة إنتاج ثقافة الفساد:
لا يقتصر أثر الإفلات من العقاب على الجانب القانوني، بل يمتد إلى الثقافة الاجتماعية نفسها. فعندما يلاحظ المجتمع أن بعض الأشخاص يستطيعون تحقيق النفوذ أو الثروة رغم وجود شبهات حول طرق وصولهم، فإن صورة النجاح الاجتماعي تبدأ في التحول. فبدل أن تصبح الكفاءة والعمل والالتزام بالقانون مصادر أساسية للصعود الاجتماعي، قد تنتشر فكرة أن العلاقة والوساطة والقرب من النفوذ هي الطرق الأكثر فاعلية لتحقيق المصالح.
وهنا يتحول الفساد من مجرد ممارسة فردية إلى ثقافة ضمنية تعيد إنتاج نفسها. وقد أشار بيير بورديو إلى أن الممارسات الاجتماعية لا تستمر فقط عبر القواعد الرسمية، بل عبر أنماط التفكير والعادات التي يعاد إنتاجها داخل المجتمع (Bourdieu, 1980).

هـ. الحالة التونسية: مطلب المحاسبة وصعوبة التحول المؤسساتي
بعد سنة 2011، أصبح ملف مكافحة الفساد أحد أبرز المطالب الاجتماعية والسياسية في تونس، باعتباره مرتبطًا بمطلب أوسع يتمثل في بناء دولة القانون والعدالة. وقد ارتبطت تجربة هيئة الحقيقة والكرامة ومسارات مقاومة الفساد بمحاولة كشف اختلالات الماضي وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
لكن التجربة أظهرت أن كشف الملفات لا يكفي وحده، لأن محاربة الفساد تتطلب تغييرًا أعمق في طريقة اشتغال المؤسسات. فالمطلوب ليس فقط محاسبة بعض الأشخاص، بل منع الظروف التي تسمح بإعادة إنتاج نفس الممارسات بأسماء وشبكات جديدة.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الإصلاح المؤسساتي، لأن الدولة التي لا تغلق مسارات الفساد تظل معرضة لعودة الظاهرة مهما تغير الفاعلون.

و. إغلاق ثقب الإفلات من العقاب:
إن إغلاق هذا الثقب الدودي يتطلب بناء منظومة متكاملة تقوم على استقلال القضاء، وفعالية الرقابة، وشفافية القرار العمومي، وحماية من يكشفون التجاوزات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالهدف ليس فقط معاقبة الفاسدين بعد وقوع الفعل، بل بناء دولة تجعل الفساد أكثر صعوبة وأقل قابلية للاستمرار. فكلما أصبحت المؤسسات أقوى من الأشخاص، تقلصت قدرة الشبكات على اختراقها.لكن إذا كان الإفلات من العقاب يحمي الفساد ويمنحه القدرة على الاستمرار، فإن السؤال الأعمق يبقى: ماذا يحدث عندما لا تكتفي شبكات الفساد باستغلال ضعف المؤسسات، بل تصبح قادرة على التأثير في اتجاهات الدولة نفسها؟ وهل ننتقل عندها من فساد داخل الدولة إلى منطق "الدولة الموازية" حيث تصبح الشبكات منافسًا خفيًا للمؤسسات الرسمية؟
مسترسلة.

8. الدولة الموازية: عندما تحكم الشبكات بدل المؤسسات

إذا كان الإفلات من العقاب يمثل البيئة التي تسمح للفساد بالاستمرار، فإن الخطر الأكبر يظهر عندما تتجاوز شبكات المصالح مرحلة الاستفادة من ثغرات الدولة لتصبح قادرة على التأثير في اتجاهاتها وقراراتها. عندها لا يعود الفساد مجرد انحراف داخل النظام، بل يتحول إلى منطق موازٍ يعمل داخل الدولة نفسها، ويعيد ترتيب الأولويات وفق مصالح غير معلنة. ولا تعني الدولة الموازية وجود دولة أخرى بالمعنى القانوني أو المؤسساتي، بل تعني وجود شبكات غير رسمية من النفوذ والعلاقات تتحرك داخل الدولة أو حولها، وتمتلك القدرة على التأثير في توزيع الموارد، وتوجيه القرارات، وصناعة الامتيازات، دون أن تخضع دائمًا لنفس القواعد التي يفترض أن تحكم المؤسسات الرسمية. فالدولة الرسمية تقوم على الدستور والقوانين والإجراءات، بينما تقوم الدولة الموازية على العلاقات والولاءات والقدرة على الوصول إلى مراكز التأثير. وكلما اتسعت الفجوة بين ما تنص عليه القواعد وما يحدث في الواقع، أصبحت هذه الشبكات أكثر قدرة على التحرك.

أ. من استغلال ثغرات الدولة إلى التأثير في بنيتها:
في المراحل الأولى، يظهر الفساد عادة باعتباره استغلالًا لثغرة داخل مؤسسة معينة أو استفادة فردية من موقع إداري أو سياسي. لكن عندما تتراكم هذه الممارسات وتتشكل شبكات قادرة على حماية مصالحها، فإنها تنتقل من مرحلة الاستفادة من الدولة إلى مرحلة التأثير في طريقة اشتغالها. وهنا يكمن التحول الأساسي: فالفساد لم يعد مجرد مخالفة للقواعد، بل يصبح قادرًا على التأثير في البيئة التي تنتج القواعد نفسها. فالشبكة التي تمتلك النفوذ لا تكتفي بالحصول على امتيازات ظرفية، بل تسعى إلى الحفاظ على الظروف التي تسمح باستمرار نفوذها. وهذا ما يجعل الفساد البنيوي أكثر خطورة من الفساد الفردي، لأنه لا يعتمد على شخص يمكن تغييره، بل على منطق قادر على إعادة إنتاج نفسه داخل المؤسسات. وقد أكد دوغلاس نورث أن المؤسسات لا تتحدد فقط بالقوانين الرسمية، بل أيضًا بالقواعد غير الرسمية وأنماط التفاعل التي تحدد فعليًا كيفية اشتغال المجتمع (North, 1990).

ب. الشبكات بدل المؤسسات: عندما تصبح العلاقات أقوى من القواعد
تقوم الدولة الحديثة على فكرة أساسية مفادها أن المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن القواعد تستمر حتى مع تغير المسؤولين. لكن عندما تصبح الشبكات أكثر تأثيرًا من المؤسسات، يبدأ منطق مختلف في الظهور. فالشبكة لا تحتاج دائمًا إلى سلطة رسمية مباشرة، بل تعتمد على العلاقات والثقة المتبادلة وتبادل المصالح. وقد تمتلك قدرة على التأثير لأنها تربط بين مواقع مختلفة داخل الاقتصاد والإدارة والسياسة. وقد أوضح مانويل كاستلز أن المجتمعات الحديثة تعرف تحولًا في طبيعة القوة، حيث أصبحت الشبكات قادرة على إنتاج النفوذ من خلال التحكم في تدفق المعلومات والموارد والعلاقات (Castells, 1996).
وهنا يظهر الثقب الدودي للفساد: فبدل المرور عبر المسار المؤسساتي الطبيعي، تصبح الشبكة طريقًا مختصرًا للوصول إلى القرار أو المورد أو الموقع.

ج. القرب من السلطة كرأس مال اجتماعي:
في منطق الدولة الموازية، لا يكون المنصب الرسمي وحده مصدر القوة، بل يصبح القرب من مراكز القرار نوعًا من رأس المال. فالمعلومة، والعلاقة، والقدرة على الوصول، كلها تتحول إلى موارد تمنح أصحابها قدرة على التأثير. وقد حلل بيير بورديو هذه الظاهرة من خلال مفهوم رأس المال الاجتماعي، موضحًا أن شبكة العلاقات يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة يمنح بعض الأفراد والجماعات فرصًا أكبر للوصول إلى الموارد والمواقع (Bourdieu, 1980). وهنا لا يصبح السؤال فقط: ماذا يملك الفرد؟ بل أيضًا: من يعرف؟ وإلى أي شبكة ينتمي؟ وما قدرته على فتح الأبواب المغلقة؟ وهذا التحول خطير لأنه ينقل المجتمع تدريجيًا من منطق الحقوق العامة إلى منطق الامتيازات الخاصة.

د. الدولة الموازية وإعادة توزيع الموارد:
لا تكمن خطورة الدولة الموازية في وجود شبكات اجتماعية، فكل المجتمعات تعرف علاقات غير رسمية. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الشبكات إلى قوة قادرة على التأثير في توزيع الموارد العمومية. فعندما يصبح الوصول إلى فرصة اقتصادية، أو موقع إداري، أو امتياز معين مرتبطًا بالقرب من شبكة نفوذ، فإن مبدأ المساواة أمام الدولة يتعرض للاختلال. وهنا يتحول الفساد إلى آلية لإعادة توزيع الموارد خارج القواعد الرسمية. فالثروة والفرص لا تعود مرتبطة فقط بالكفاءة أو الحاجة، بل بالقدرة على الوصول إلى مراكز التأثير. وقد بين مانكور أولسون أن جماعات المصالح المنظمة تستطيع الاستفادة من ضعف المؤسسات لتحقيق مكاسب خاصة على حساب المصلحة العامة (Olson, 1982).

هـ. الدولة الموازية في السياق التونسي: بين التاريخ والمؤسسات
لا يمكن تحليل فكرة الدولة الموازية في تونس دون وضعها في سياق تاريخي يتعلق بعلاقة الدولة بالمجتمع والاقتصاد منذ الاستقلال. فقد قامت الدولة الوطنية على حضور قوي للإدارة والمؤسسات العمومية، وكانت الدولة الفاعل الأساسي في بناء الاقتصاد وتنظيم المجال الاجتماعي. غير أن هذا الحضور المركزي جعل التحكم في الموارد والفرص مرتبطًا بدرجة كبيرة بموقع الفاعلين داخل الدولة أو قربهم منها. ومع التحولات الاقتصادية والسياسية، ظهرت أشكال مختلفة من شبكات النفوذ التي حاولت الاستفادة من هذا الموقع المركزي للدولة. وقد حللت بيّاتريس هيبو طبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد في تونس قبل 2011، مبرزة كيف يمكن أن تتحول العلاقات السياسية والقرب من السلطة إلى موارد اقتصادية (Hibou, 2006). كما أشار ميشال كامو وفانسون غياسر إلى أهمية تحليل الشبكات غير الرسمية لفهم طريقة اشتغال السلطة خارج الهياكل الرسمية (Camau & Geisser, 2003) . لكن فهم هذه الظاهرة لا يعني اختزال تاريخ الدولة التونسية في الفساد، بل يعني دراسة التوتر بين دولة المؤسسات ومنطق الشبكات الذي قد يظهر داخلها.

و. أزمة الشرعية عندما تفقد المؤسسات قدرتها على الإقناع:
إن أخطر آثار الدولة الموازية لا يتعلق فقط بالاقتصاد أو توزيع الموارد، بل بصورة الدولة في وعي المواطنين. فعندما يشعر الفرد بأن القنوات الرسمية لا تكفي للحصول على حقه، وأن العلاقة قد تكون أكثر فاعلية من القانون، تتراجع الثقة في المؤسسات.
وهنا تتحول علاقة المواطن بالدولة من علاقة حقوق وواجبات إلى علاقة بحث عن وسيط أو حماية أو قرب من النفوذ.
وقد أكد ماكس فيبر أن شرعية الدولة الحديثة تقوم على قبول المواطنين بسلطة القواعد والمؤسسات، لا بسلطة الأشخاص والعلاقات الشخصية (Weber, 1922). وعندما تصبح الشبكات أكثر حضورًا من المؤسسات، فإن الدولة تفقد تدريجيًا قدرتها على تمثيل المصلحة العامة.

ز. من الدولة الموازية إلى سؤال الإصلاح:
إن مواجهة الدولة الموازية لا تعني القضاء على العلاقات الاجتماعية أو المصالح الخاصة، فهذا أمر مستحيل في أي مجتمع. بل تعني ضمان ألا تتحول هذه العلاقات إلى قوة تتجاوز القانون وتعيد توزيع الموارد خارج المؤسسات. فالدولة القوية ليست الدولة التي تمنع وجود الشبكات، بل الدولة التي تجعل المؤسسات أقوى من الشبكات، والقواعد أقوى من العلاقات، والمصلحة العامة أقوى من المصالح الخاصة. لكن إذا كانت شبكات النفوذ قد تشكلت داخل الدولة وأصبحت قادرة على التأثير في مواردها وقراراتها، فإن السؤال الذي يقود إلى الجزء الثامن هو: كيف تشكلت هذه العلاقة التاريخية بين السلطة والثروة والمؤسسات في تونس منذ الاستقلال؟ وهل يمكن فهم الثقوب الدودية للفساد دون العودة إلى المسار الذي أنتج شبكات النفوذ وأشكال إعادة توزيع الامتيازات عبر العقود؟

9. جذور الفساد البنيوي في تونس: من دولة البناء الوطني إلى تشكل شبكات النفوذ

لا يمكن فهم ظاهرة الفساد البنيوي في تونس باعتبارها ظاهرة ظهرت فجأة في مرحلة معينة، أو باعتبارها نتيجة مرتبطة فقط بأفراد أو حكومات بعينها. فالفساد، عندما يصبح بنيويًا، يكون نتاج مسار تاريخي طويل تتداخل فيه طبيعة بناء الدولة، واختيارات التنمية، وطريقة توزيع الموارد، والعلاقة بين السلطة والمجتمع.
إن العودة إلى التاريخ لا تعني إصدار أحكام عامة على مرحلة كاملة، ولا اختزال تجربة الدولة الوطنية في الفساد، لأن دولة الاستقلال حققت أيضًا مكاسب مهمة في بناء المؤسسات، ونشر التعليم، وتوسيع الخدمات العمومية، وترسيخ مفهوم الدولة الحديثة. لكن التحليل السوسيولوجي يفرض دراسة التناقضات التي رافقت هذا المسار: كيف يمكن لدولة قوية في بناء المؤسسات أن تنتج في الوقت نفسه مساحات تسمح بظهور شبكات نفوذ؟ وكيف يمكن لمشروع تحديثي أن يحمل داخله ثغرات تستغل لاحقًا لإعادة إنتاج الامتيازات؟ وهنا تظهر أهمية مفهوم الثقوب الدودية للفساد: فهي لا تظهر خارج التاريخ، بل تتشكل داخل التحولات الكبرى التي تعرفها الدولة والمجتمع.

أ. دولة الاستقلال: بناء المؤسسات وتركيز مركزية القرار
بعد الاستقلال سنة 1956، اختارت تونس نموذجًا يقوم على بناء دولة وطنية حديثة يكون فيها الجهاز العمومي أداة أساسية للتنمية والتحديث. فقد لعبت الدولة دورًا مركزيًا في التعليم، والصحة، والإدارة، والتخطيط الاقتصادي، وكانت المؤسسات العمومية وسيلة لإدماج فئات واسعة في مشروع الدولة الجديدة.
وقد شكل هذا النموذج أحد عوامل بناء الهوية الوطنية وتوحيد المجال الإداري والاجتماعي. فالدولة لم تكن مجرد جهاز للحكم، بل كانت مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمع وفق قيم الحداثة والتعليم والتنظيم المؤسساتي. غير أن هذه المركزية القوية حملت في الوقت نفسه تحديًا بنيويًا: فكلما أصبحت الدولة الفاعل الرئيسي في توزيع الموارد والفرص، أصبحت السيطرة على مواقع القرار داخلها مصدرًا مهمًا للقوة. وهنا بدأت تظهر إمكانية تحول القرب من الدولة إلى نوع من رأس المال الاجتماعي والسياسي. وقد أشار عبد الوهاب بوحديبة في تحليلاته للمجتمع التونسي إلى أهمية دور الدولة والتعليم والإدارة في تشكيل التحولات الاجتماعية، مع التنبيه إلى التوترات التي قد تنتج عن العلاقة بين الحداثة المؤسساتية والبنى الاجتماعية التقليدية (Boudhiba, 1995).

ب. دولة الرعاية والوظيفة العمومية: بين الإدماج الاجتماعي ومنطق التبعية
ساهمت الدولة بعد الاستقلال في توسيع الوظيفة العمومية وإدماج أعداد كبيرة من المواطنين في الإدارة والمؤسسات العمومية. وقد لعب هذا الدور وظيفة اجتماعية مهمة، إذ أصبح التعليم والوظيفة العمومية وسيلتين للحراك الاجتماعي وتحسين شروط العيش.
لكن مع مرور الوقت، أصبحت الدولة أيضًا المصدر الأساسي للفرص الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل محدودية قدرة القطاع الخاص على استيعاب أعداد متزايدة من طالبي الشغل.
وهنا ظهر أحد التوترات الكبرى: فالدولة التي كانت أداة لتحقيق الاندماج الاجتماعي أصبحت مطالبة بتوزيع فرص تفوق أحيانًا قدرتها الاقتصادية. وقد أدى ذلك إلى بروز علاقات جديدة بين المواطن والدولة، حيث أصبح الوصول إلى الوظيفة أو الامتياز العمومي مرتبطًا أحيانًا ليس فقط بالكفاءة، بل أيضًا بالقدرة على التأثير والضغط والمطالبة. وهذا لا يعني أن كل انتداب عمومي كان قائمًا على المحاباة، بل يعني أن توسع دور الدولة في توزيع الفرص خلق مجالًا يمكن أن تتدخل فيه اعتبارات غير مؤسساتية.

ج. التحول الاقتصادي والانفتاح: من دولة المنتج إلى دولة الوسيط
مع التحولات الاقتصادية التي عرفتها تونس منذ السبعينيات والثمانينيات، انتقلت الدولة تدريجيًا من نموذج التدخل المباشر في الاقتصاد إلى نموذج أكثر انفتاحًا على القطاع الخاص والاستثمار.
وقد كان هذا التحول جزءًا من التحولات الاقتصادية العالمية، لكنه خلق في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول العلاقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين. ففي الوقت الذي يفترض فيه اقتصاد السوق أن تقوم المنافسة على الكفاءة والإنتاج، قد تظهر مخاطر عندما يصبح القرب من مراكز القرار عنصرًا مؤثرًا في الحصول على الامتيازات. وقد حللت بيّاتريس هيبو هذه التحولات في تونس، مبينة أن الاقتصاد لم يكن منفصلًا عن المجال السياسي، وأن بعض العلاقات مع السلطة تحولت إلى مورد اقتصادي بحد ذاته (Hibou, 2006). وهنا ظهر شكل جديد من الثقوب الدودية: الانتقال من الموقع السياسي إلى الامتياز الاقتصادي عبر شبكة العلاقات.

د. مرحلة ما قبل 2011: تشكل اقتصاد النفوذ
خلال العقود الأخيرة قبل 2011، أصبحت العلاقة بين السلطة وبعض الدوائر الاقتصادية موضوعًا مركزيًا في تحليل طبيعة النظام التونسي. فقد ظهرت شبكات استفادت من القرب من مراكز القرار، وتحول النفوذ السياسي إلى عنصر يساعد على الوصول إلى فرص اقتصادية. وقد بين ميشال كامو وفانسون غياسر أن فهم النظام السياسي التونسي يتطلب تجاوز التحليل المؤسساتي الرسمي ودراسة شبكات السلطة غير الرسمية التي كانت تؤثر في عملية اتخاذ القرار (Camau & Geisser, 2003). كما أبرزت هيبو أن الاقتصاد السياسي للنظام التونسي لم يكن قائمًا فقط على قواعد السوق، بل على تداخل بين الطاعة السياسية والامتيازات الاقتصادية (Hibou, 2006). وهنا أصبحت الدولة تواجه تناقضًا عميقًا: فهي من جهة تمتلك مؤسسات وقوانين، ومن جهة أخرى تتشكل داخلها مساحات نفوذ تعمل بمنطق مختلف.

هـ. بعد 2011: سقوط الشبكات أم إعادة تشكلها؟
مثلت سنة 2011 لحظة تاريخية كشفت جانبًا من العلاقة بين السلطة والثروة، ورفعت شعار مقاومة الفساد وإعادة بناء دولة القانون. وقد أصبح مطلب العدالة والشفافية أحد أهم مطالب المرحلة الانتقالية. لكن سقوط بعض الرموز لم يكن بالضرورة يعني اختفاء المنطق الذي أنتج الشبكات، لأن الفساد البنيوي لا يرتبط فقط بأسماء محددة، بل بآليات وممارسات يمكن أن تعيد إنتاج نفسها. فالسؤال لم يكن فقط: من غادر المشهد؟ بل: هل تغيرت قواعد إنتاج النفوذ؟
وهنا تكمن صعوبة الإصلاح: فمحاربة الفساد لا تقتصر على تفكيك شبكات معينة، بل تتطلب بناء مؤسسات تجعل ظهور شبكات بديلة أكثر صعوبة.

و. الاستقلال والدولة والفساد: قراءة سوسيولوجية متوازنة
إن الحديث عن جذور الفساد منذ الاستقلال لا يعني القول إن تاريخ الدولة التونسية هو تاريخ فساد، فهذا تبسيط يرفضه التحليل العلمي. فالدولة التونسية أنتجت أيضًا مؤسسات وطنية وكفاءات ومشاريع تحديثية لا يمكن إنكارها. لكن التحليل السوسيولوجي يبحث عن التناقضات الداخلية: كيف يمكن لمؤسسات الدولة نفسها أن تكون في الوقت ذاته أداة للتنمية وأرضية محتملة لإنتاج علاقات نفوذ؟ فالفساد البنيوي لا يعيش خارج الدولة، بل يظهر عندما تكون بعض الثغرات داخلها أكبر من قدرة المؤسسات على ضبطها.
إن فهم جذور الفساد في تونس يقود إلى إدراك أن المشكلة ليست فقط في وجود أفراد فاسدين، بل في مسارات تاريخية أنتجت أحيانًا تداخلًا بين السلطة والموارد والشبكات. لكن إذا كانت جذور الفساد مرتبطة بتاريخ تشكل الدولة وشبكات النفوذ، فكيف انعكس ذلك على المجتمع نفسه؟ وكيف تحولت هذه المنظومات إلى ثقافة اجتماعية تؤثر في علاقة المواطن بالقانون والعمل والكفاءة؟

خاتمة: إغلاق الثقوب الدودية للفساد... أي دولة نريد؟

تكشف هذه القراءة أن الفساد ليس مجرد انحراف أخلاقي أو مخالفة قانونية معزولة، بل قد يتحول إلى بنية اجتماعية ومؤسساتية معقدة تعيد إنتاج نفسها كلما ضعفت المؤسسات، واتسعت السلطة التقديرية، وتراجعت المحاسبة، وأصبحت العلاقات أكثر تأثيرًا من القواعد.
فالثقب الدودي للفساد لا يتمثل فقط في رشوة أو صفقة مشبوهة أو تعيين غير مستحق، بل في كل مسار خفي يسمح بتجاوز القانون دون إلغائه، ويجعل النفوذ أسرع من الكفاءة، والولاء أقوى من الاستحقاق، والعلاقة أكثر فاعلية من المؤسسة. وعندما تتكرر هذه المسارات، فإنها لا تستنزف المال العام فحسب، بل تعيد تشكيل الدولة من الداخل، وتغيّر وظائفها تدريجيًا، حتى يصبح جزء من أجهزتها منشغلًا بإدارة الامتيازات أكثر من انشغاله بخدمة الصالح العام.
إن أخطر ما يفعله الفساد البنيوي أنه لا يهدم الدولة دفعة واحدة، بل يدفعها إلى التآكل البطيء. فكل ثقب دودي يبدو في بدايته محدودًا، لكن تراكم هذه الثقوب يحولها إلى شبكة واسعة تعيد توزيع الموارد، والوظائف، والفرص، والنفوذ، بعيدًا عن منطق القانون والجدارة. وعندئذ لا تصبح المشكلة في وجود فاسدين داخل الدولة، بل في احتمال أن تتحول بعض آليات اشتغال الدولة نفسها إلى وسائل لإعادة إنتاج الفساد.
ومن هنا، فإن مقاومة الفساد ليست مجرد سياسة زجرية أو حملة ظرفية، وليست أيضًا مسؤولية القضاء أو أجهزة الرقابة وحدها، بل هي مشروع لإعادة بناء الدولة على أسس الكفاءة، والشفافية، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بمعاقبة من استغل الثغرات، بل بإغلاق الثغرات نفسها، حتى لا تجد شبكات المصالح طريقًا جديدًا للعودة.
وفي السياق التونسي، يظل الرهان الأكبر هو الانتقال من دولة تُدار بردود الأفعال إلى دولة تُبنى بمنطق المؤسسات؛ دولة تكون فيها الوظيفة العمومية أداة لخدمة المواطن، والثروة الوطنية رافعة للتنمية، والإدارة فضاءً للكفاءة، والرقابة ضمانة للمساءلة، والقانون المرجع الوحيد لتنظيم الحياة العامة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع: هل تستطيع تونس أن تغلق ثقوبها الدودية قبل أن تتحول إلى ممرات دائمة تعيد إنتاج الفساد مع كل مرحلة جديدة؟ أم أن بناء الدولة القوية يبدأ أولًا بجعل المؤسسات أقوى من الشبكات، والقانون أقوى من العلاقات، والمصلحة العامة أقوى من جميع الامتيازات؟


المراجع:

اعتمد هذا المقال على مجموعة من المراجع النظرية والسوسيولوجية المتعلقة بالدولة والمؤسسات والفساد، إضافة إلى دراسات تناولت الحالة التونسية وتقارير مؤسساتية رسمية، بهدف الجمع بين التحليل المفاهيمي والقراءة التاريخية والوقائع المرتبطة بالحوكمة والتصرف في المال العام.

1. Bourdieu, Pierre. (1979). La Distinction: Critique sociale du jugement. Paris: Les ditions de Minuit.
2. Bourdieu, Pierre. (1980). Le Sens pratique. Paris: Les ditions de Minuit.
3. Castells, Manuel. (1996). The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell Publishers.
4. Durkheim, mile. (1893). De la division du travail social. Paris: Félix Alcan.
5. Merton, Robert K. (1938). “Social Structure and Anomie”. American Sociological Review, Vol. 3, No. 5, pp. 672-682.
6. North, Douglass C. (1990). Institutions, Institutional Change and Economic Performance. Cambridge: Cambridge University Press.
7. Olson, Mancur. (1982). The Rise and Decline of Nations: Economic Growth, Stagflation, and Social Rigidities. New Haven: Yale University Press.
8. Weber, Max. (1922). conomie et société. Paris: Plon.
9. Klitgaard, Robert. (1988). Controlling Corruption. Berkeley: University of California Press.
10. Rose-Ackerman, Susan. (1999). Corruption and Government: Causes, Consequences, and Reform. Cambridge: Cambridge University Press.
11. Hibou, Béatrice. (2006). La Force de l’obéissance. conomie politique de la répression en Tunisie. Paris: La Découverte.
12. Camau, Michel & Geisser, Vincent. (2003). Le Syndrome autoritaire. Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben Ali. Paris: Presses de Sciences Po.
13. Boudhiba, Abdelwahab. (1995). La Tunisie: Société, culture et développement.
14. Transparency International. (Années différentes). Corruption Perceptions Index. Berlin: Transparency International.
15. World Bank. (1997). Helping Countries Combat Corruption: The Role of the World Bank. Washington D.C.: World Bank.
16. Cour des comptes – Tunisie. Rapports annuels et rapports spécifiques.
17. Instance Vérité et Dignité (IVD). Rapports et publications officielles.
18. Instance Nationale de Lutte Contre la Corruption (INLUCC). Rapports et publications officielles.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال