بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

السيادة المرهونة: من يملك مفاتيح تونس الرقمية

2026-07-25 31 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
السيادة المرهونة: من يملك مفاتيح تونس الرقمية
السيادة الوطنية في هذا العصر المتسارع لم تعد مجرد علم يرفرف فوق المباني الحكومية ولا نشيد نردده في المناسبات الجليلة بل هي قدرتك المطلقة على التحكم في خزينتك وتوجيه شرايين التدفقات المالية المعقدة داخل اقتصادك. نحن نعيش في لحظة تاريخية يتفكك فيها نظام Breton Woods وتتصارع فيها القوى العظمى على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للنقد بينما تقف تونس في منتصف طريق خطير نصفها الأول يتزين بحداثة رقمية مغشوشة ونصفها الثاني مكبل بسلاسل الاستعمار المالي الحديث.
المأساة التونسية تتجسد في هذا الانفصام الهيكلي الحاد بين ظاهر يدعي الاستقلال وباطن مرتهن لكهنة النظام المالي العالمي.
حين نفتح بطن هذا المشهد نكتشف أننا نلعب في ساحة ملغومة بالكامل حيث تختصر السيادة الحقيقية في مدى التحكم المباشر في Architecture Système بينما تحكمنا في واقع الأمر Réseaux de Paiement الأجنبية وتطوقنا شبكات التسوية والتراسل الدولية في حين نتوهم أننا نمتلك قرارنا الاقتصادي لمجرد أننا نطبع ورق الدينار في مطابعنا الوطنية ونمارس السياسة بلغة العصر الحجري.
الدولة التونسية أبدعت في تشييد بنية رقمية مغلقة ومستقرة تحت إشراف البنك المركزي وتديرها شركة الموزع الوطني المالي Société Monétique Tunisie المعروفة باختصار SMT والتي تلعب دور Interbank Switch لربط المؤسسات المصرفية وتوجيه التدفقات الممتدة على عشرات الآلاف من أجهزة Terminal de Paiement lectronique أو TPE.
المعاملة المالية المحلية تبدأ عندما يضع المواطن بطاقته الوطنية CIB في الجهاز حيث يقرأ الخادم الأرقام 6 الأولى للمعرف المصرفي Bank Identification Number أو BIN وفق بروتوكولات الرسائل المالية فإن كانت البطاقة ذات منشأ محلي يتم التثبت فورا من معرف الجهاز Terminal ID ومعرف التاجر Merchant ID ثم تحال المعاملة عبر الموزع الداخلي للتأكد من وجود الرصيد لدى البنك المصدر. وفي نهاية اليوم التجاري ينشأ ملف التسوية Fichier WORKPOS للمقاصة المباشرة لتقوم منظومة أليسا القائمة على تقنية Real Time Gross Settlement والمعروفة باسم Elyssa RTGS والمؤطرة بموجب المذكرة عدد 05-2022 بإجراء التسوية الإجمالية الفورية بين البنوك بالدينار التونسي.
هذه الدورة المالية تتم بسلام وبعمولات ضئيلة تتراوح بين 0.5% و1% رغم أن الشارع ما زال معتادا على النقد الحاضر حيث تشكل المبيعات مع الدفع عند التسليم زهاء 40% من التجارة الإلكترونية.
غير أن الصدمة الحقيقية تكمن في أن هذا الملاذ المحلي المستقل ليس سوى وهم تقني مجوف إذ إن البنية التحتية المحلية برمتها تعتمد في عصبها المادي على أجهزة TPE ومقاسم مستوردة بالكامل من شركات احتكارية غريبة مثل Ingenico وVerifone وتستند إلى برمجيات وتحديثات تشغيلية Firmware Updates وشفرات تشفير حصرية خاضعة للسيطرة التقنية الخارجية مما يعني أن سيادتنا المحلية نفسها مخترقة تكنولوجيا ومكشوفة عند أول إشارة تحيين أو أبواب خلفية أو تعطيل برمجي من المصنع الخارجي.
وتتسع الفاجعة عندما نصل إلى المعاملات ذات المظلة الدولية فعندما تحاول إمرار بطاقة أجنبية أو مزدوجة التبعية تحمل شعار Visa أو Mastercard أو AMEX لدى ذات الجهاز TPE يتوقف Switch Interbancaire الوطني عن العمل فورا وكأنه غير معني بالعملية.
تلتف المعاملة وتخرج عبر الممر الخارجي Authorization Gateway متجهة نحو خوادم عملاقة تقع في الولايات المتحدة أو أوروبا لتأكيد التفويض والتسوية.
هنا تدخل المعاملة في أروقة الاقتطاعات النزفية المسماة بعمولات تتراوح بين 1.5% و2.5% لبطاقات Visa وMastercard وتصل إلى 3% لبطاقات American Express.
هذا النزف المالي الصامت يكبد تونس سنويا عمولات صافية ورسوم معالجة ورسوم تبادل تتراوح بين 450 و800 مليون دينار تونسي أي ما يقارب 150 إلى 250 مليون دولار تخرج مباشرة لحسابات احتكارات الدفع العالمية لمجرد إتاحة معالجة عمليات تسوية كان يمكن إدارتها عبر منصات سيادية وطنية دون أن يغادر دينار واحد الحقل المالي المحلي مع منح تلك الشركات القوة القانونية والتقنية لإلغاء أي معاملة بقرار سيادي خارجي دون أن يملك البنك المركزي أدنى قدرة على الاعتراض.
هذا الارتهان يمتد بشكل أكثر توحشا إلى معاملات التجارة الخارجية وعمليات التحويل النقدي الكبرى حيث يعتمد البنك المركزي التونسي المسجل بالرمز BCTNTNTTXXX وكافة المصارف الوطنية اعتمادا كليا على شبكة SWIFT لإصدار الاعتمادات المستندية Crédits Documentaires وتغطية الواردات والصادرات.
هذا الممر الأحادي يضع الاقتصاد التونسي تحت المقصلة المباشرة للبنوك المراسلة العالمية Correspondent Banks في نيويورك وفرانكفورت وباريس التي تمارس علينا ما يسمى بظاهرة De-risking الممنهجة تحت شعارات الامتثال Compliance وتطبيق قوانين Anti-Money Laundering and Countering the Financing of Terrorism أو AML/CFT وتوصيات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي OFAC.
والأخطر من ذلك أن ما بين 2% إلى 4% من الحجم التشغيلي للعملات الصعبة في احتياطي البنك المركزي يستنزف سنويا لمجرد تغطية الفوارق التشغيلية ورسوم البنوك المراسلة وفروق التسوية عبر SWIFT وعمولات المقاصة الدولية.
لكن الجريمة الحقيقية هنا لا تقف عند حدود الضغط الخارجي بل تتعداها إلى الداخل حيث يقبع ما يمكن تسميته Cartel Bancaire التونسي.
البنوك التجارية المحلية ليست مجرد ضحية خائفة بل هي شريك مستفيد من هذا الوضع الريعي القائم فهي تحقق أرباحا طائلة من المضاربة على هامش الفارق في أسعار الصرف Spread de Change ومن تحصيل العمولات الضخمة على عمليات التحويل عبر SWIFT.
هذا الكارتيل المصرفي التونسي يرفض التحديث ويستمتع بالريع المحتكر مما يتسبب في إعاقة الاقتصاد وتأخير الاعتمادات ورفع أسعار المواد المستوردة بل وامتداد الضرر ليطال 44% من منظمات المجتمع المدني التي تعاني من تعطيل الحسابات وتأخير التحويلات الوافدة.
نعيش في ظل تهديد دائم لما يعرف بآلية Kill Switch إذ إن صدور قرار حظر رقمي واحد من القوى الممسكة بمفاتيح SWIFT وVisa وMastercard كفيل بعزل القطاع المصرفي التونسي فورا وشلل استيراد الحبوب والأدوية والطاقة وإظهار الدولة في مظهر المفلس العاجز عن سداد التزاماته.
والطامة الكبرى أن هذا العجز الخارجي والتواطؤ الريعي الداخلي يستندان إلى حارس معبد قانوني متكلس يسمى قانون الصرف Code des Changes الصادر سنة 1976. هذا النص التشريعي العتيق فرض حظرا أعمى على تدفقات العملة وحركة رؤوس الأموال تحت علة حماية الاحتياطي النقدي فكانت النتيجة عزل البلاد كليا عن منصات FinTech العالمية وفي مقدمتها PayPal.
الإصرار المؤسساتي على تعطيل هذا الربط قد كلف الاقتصاد التونسي خسائر فادحة وحرمانا من فرص مهدورة تتراوح بين 2.005 و4.05 مليار دينار سنويا أي ما يعادل 500 مليون إلى 1.5 مليار دولار من المداخيل المباشرة بالعملة الصعبة كانت كفيلة بالتدفق عبر التجارة الإلكترونية واقتصاد الصادرات الرقمية والعمل الحر Freelancing.
هذا الشلل حرم أكثر من 100000 شاب من ناشطي اقتصاد العمل الحر ومطوري البرمجيات وصناع المحتوى من ضخ عوائد إبداعاتهم في شرايين البنوك الوطنية مما دفع الآلاف منهم إما إلى خيار المهجر المالي عبر فتح حسابات خارجية في إستونيا وفرنسا ومالطا أو الانكفاء داخل أنشطة اقتصاد الظل.
وفي خضم هذا العبث انتشرت الشائعات حول إطلاق تونس لعملة رقمية سيادية Central Bank Digital Currency أو CBDC تحت اسم e-Dinar بالتعاون مع منصة Universa Blockchain وهي أسطورة سارع البنك المركزي إلى نفيها رسميا تمسكا بحقه الحصري في امتياز الإصدار النقدي Privilège d'mission ورفضا لتفويض النقد للقطاع الخاص الرقمي بينما اكتفى بدعم منصات محدودة النطاق مثل Paysmart.tn بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية International Finance Corporation أو IFC وشركة WeSettle المحلية لاستخلاص الفواتير دون أن يلمس جوهر المعضلة التشريعية.
أمام هذا الأفق المنسد والتغيرات الجيواقتصادية العاصفة كإنشاء الصين لنظام CIPS وتطوير روسيا لشبكة SPFS وسعي تكتل BRICS لبناء منظومة تسوية مستقلة تحاول تونس تلمس طريقها عبر المنظومات الإقليمية البديلة.
انضمام البنك المركزي التونسي إلى منصة BUNA التابعة لصندوق النقد العربي ثم التوقيع على الانضمام لنظام PAPSS المطور من قبل Afreximbank بالتعاون مع أمانة ZLECAF والاتحاد الأفريقي ضمن منطقة AfCFTA يمثلان خطوة جيواقتصادية متتقدمة.
نظام PAPSS تحديدا يقدم هندسة تشغيلية ثورية قائمة على مبدأ Local Currency Settlement حيث يستطيع المصدر التونسي تسعير شحناته بالدينار واستلام قيمتها محليا بينما يسدد المستورد الأفريقي في نيجيريا أو غانا القيمة بعملته الوطنية دون الحاجة لشراء الدولار أو اليورو.
تعتمد هذه المنظومة على معايير الرسائل الموحدة
وتجري عمليات التسوية الصافية يوميا بين البنوك المركزية عند الساعة 11:00 صباحا بتوقيت غرينتش مع لعب دور الرئيسي لضمان السيولة وتغطية الفروقات.
هذا الربط المتكامل بين BUNA و PAPSS يمنح تونس جسرا ماليا يمتد من الخليج إلى أعمق نقاط أفريقيا متجاوزا هيمنة النظام المالي الغربي الأحادي.
غير أن هذا الأمل الجيواقتصادي يرتطم بصخرة حارس المعبد المحلي والمتمثلة في اختناق التبني المصرفي Goulot d'tranglement الصادر عن Cartel Bancaire التونسي.
البنوك التجارية ترفض الاندماج التقني والتشغيلي مع المنظومات البديلة مثل PAPSS و BUNA خوفا من ضياع عمولات الصرف الأجنبي الناتج عن Spread de Change وعمولات SWIFT وتخوفا من المساس بعلاقاتها مع Correspondent Banking الغربية فضلا عن الاحتماء
بمجلة الصرف لسنة 1976.
النتيجة الحاسمة التي نصل إليها بلا مواربة هي أن السيادة المالية التونسية مجرد هيكل عظمي محتجز داخل الحدود الوطنية ومكبل ارجها.
الاستمرار في الصراخ الشعاراتي حول الاستقلال الوطني بينما مفاتيح مقاصتنا وتجارتنا الخارجية محتكرة لدى الشركات الأجنبية هو محض تزييف للواقع.
الخروج من هذه الهشاشة الوجودية يتطلب قرارات سيادية شجاعة ترتكز على إعدام مجلة الصرف لسنة 1976 وتمرير قانون عصري يطلق الحرية الكاملة للشباب والمبتكرين في
وفرض الانضمام الفوري والإلزامي للبنوك التجارية لمنظومات PAPSS و BUNA و CIPS وFinTech
وتوسيع نطاق شركة SMT لترتبط بالمقاصات الإقليمية لكسر الاحتكار الغربي.
يجب أن ندرك جميعا أن بناء Central Bank Digital Currency سيادي وتحصين البرمجيات والعتاد المالي ليس مجرد ترف تقني أو خيار إداري بل هو معركة استقلال جديدة وخط الدفاع الأخير عن بقاء الدولة التونسية وإلا فإننا سنستفيق قريبا لنجد أنفسنا مجرد عبيد بائسين وعمال سخرة في مزرعة مالية خلفية تدار إلكترونيا بالكامل من وراء البحار.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال