بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية (4):من هندسة التوازن إلى هندسة الاختلال... كيف فقد المسار المهني مكانته، وتحولت المدرسة من فضاء لبناء الكفاءات إلى مصنع للشهادات؟

2026-07-20 71 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المقدمة:

كيف يمكن لمنظومة تربوية أن تُخرّج كل عام آلاف حاملي الشهادات الجامعية، وفي الوقت نفسه يشكو اقتصادها من نقص في عدد من الكفاءات التقنية والمهنية؟ وكيف يمكن لمجتمع يرفع التعليم إلى مرتبة القيمة العليا أن يجد نفسه، بعد عقود، أمام بطالة مرتفعة في صفوف خريجي الجامعات، مقابل عزوف متزايد عن التكوين المهني؟

قد تبدو هذه المفارقة وليدة الأزمة الاقتصادية الراهنة، لكنها في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فهي تعكس تحولات بنيوية مست وظيفة المدرسة نفسها، وأعادت صياغة علاقتها بالمجتمع وسوق الشغل والدولة.

لقد عرفت المدرسة التونسية، خلال جزء مهم من تاريخها، نوعًا من التوازن بين المسارات التعليمية؛ فإلى جانب التعليم الثانوي الطويل المؤدي إلى الجامعة وتكوين الإطارات العليا، وُجدت مسارات أقصر تفتح آفاقًا نحو التكوين المهني والاندماج المبكر في الدورة الاقتصادية. ولم يكن هذا التعدد تعبيرًا عن تمييز بين المتعلمين، بل كان يعكس تصورًا يعتبر أن المجتمع يحتاج إلى تنوع الكفاءات بقدر حاجته إلى تنوع المعارف.

غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا منذ بداية تسعينات القرن الماضي، مع إصلاحات حملت أهدافًا نبيلة، مثل تعميم التعليم وتوسيع فرص الالتحاق بالمدرسة، لكنها أسهمت، في الوقت نفسه، في إعادة تشكيل المكانة الرمزية للمسارات التعليمية. فغدت الجامعة تمثل الأفق شبه الوحيد للنجاح الاجتماعي، بينما فقد التكوين المهني، شيئًا فشيئًا، جزءًا كبيرًا من قيمته داخل المخيال الجماعي.

ولم يكن هذا التحول مرتبطًا فقط بتراجع مكانة التكوين المهني، بل أيضًا بتغير فلسفة التوجيه المدرسي نفسها؛ إذ تراجعت آليات الفرز والتوجيه المبكر، وأصبح الإبقاء على أكبر عدد ممكن من التلاميذ داخل المسار الأكاديمي هو القاعدة، بينما تأجلت لحظة الفرز الحقيقية إلى الجامعة، ثم إلى سوق الشغل.

وهكذا، لم يُلغَ الفرز، بل أُعيد تأجيل مراحله داخل المنظومة؛ فبعد أن كان يتم تدريجيًا في المدرسة وفق مسارات متعددة، أصبح يحدث متأخرًا بعد سنوات إضافية من الدراسة، بما يحمله ذلك من كلفة تربوية واقتصادية واجتماعية أعلى.

ومن هنا تنطلق هذه القراءة السوسيولوجية النقدية، التي لا تهدف إلى محاكمة مرحلة تاريخية أو شخص بعينه، بقدر ما تسعى إلى تفكيك أحد أخطر "الثقوب الدودية" في المنظومة التربوية التونسية؛ ذلك التحول الصامت الذي نقل المدرسة من هندسة التوازن بين الكفاءة والشهادة إلى هندسة الاختلال التي جعلت الشهادة معيارًا شبه وحيد للنجاح.

1. عندما كانت المدرسة تُهندس التوازن بين المعرفة والعمل

ليست التحولات الكبرى في الأنظمة التربوية دائمًا نتيجة قرارات مفاجئة أو أزمات معلنة؛ فبعضها يحدث في صمت، عبر مسارات تدريجية تعيد تعريف وظيفة المدرسة وعلاقتها بالمجتمع. ومن هنا تأتي استعارة "الثقوب الدودية" باعتبارها تلك الانتقالات الخفية التي تنقل المنظومة من نموذج إلى آخر، بحيث لا يظهر حجم التحول إلا بعد أن تصبح نتائجه جزءًا من الواقع اليومي.

فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة لتلقين المعارف، بل هي فضاء اجتماعي يعكس تصور المجتمع للإنسان والعمل والنجاح. إنها تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نوع الكفاءات التي ينتجها المجتمع، والمسارات التي يعتبرها جديرة بالاعتراف.

ولهذا فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بعدد المتعلمين أو بعدد خريجي الجامعات، بل بطبيعة العلاقة التي تربط التعليم بحاجات المجتمع: هل تنتج المدرسة أفرادًا يحملون شهادات فقط، أم أفرادًا يمتلكون كفاءات قادرة على الاندماج والمساهمة؟

لقد أدركت العديد من الدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية أن التعليم لا يمكن أن يقوم على مسار واحد. فالمجتمع الحديث يحتاج إلى باحثين وأطباء ومهندسين، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى تقنيين متخصصين، وحرفيين مؤهلين، ومهارات تطبيقية تشكل قاعدة الإنتاج والتنمية.

إن قوة هذه النماذج لم تكن في توجيه أغلبية الشباب بعيدًا عن الجامعة، بل في بناء منظومة متعددة المسارات تمنح كل مسار قيمة اجتماعية واقتصادية حقيقية. فالتكوين المهني في هذه التجارب لم يُنظر إليه كحل لمن فشلوا في التعليم العام، بل كاختيار تكويني له مكانته وآفاقه.

وهذا التصور ينسجم مع فكرة تقسيم العمل الاجتماعي التي قدمها إميل دوركايم؛ فالمجتمعات الحديثة لا تقوم على تشابه الأفراد، وإنما على تكامل وظائفهم وتنوع أدوارهم، حيث يصبح اختلاف المهارات شرطًا من شروط تماسك المجتمع وتقدمه (mile Durkheim, 1893).

وفي تونس، لم تكن فكرة تنوع المسارات غائبة عن المدرسة الوطنية؛ فقد قامت المنظومة، في مراحل سابقة، على نوع من التوازن بين تعليم ثانوي طويل يفتح الطريق نحو الجامعة وتكوين الإطارات العليا، وتعليم أقصر يسمح باكتساب مهارات وحرف والاندماج المبكر في الحياة الاقتصادية.

ولم يكن هذا التوازن يعني تقسيم المتعلمين إلى ناجحين وفاشلين، بل كان يقوم على مبدأ أساسي: اختلاف القدرات لا يعني اختلاف القيمة الإنسانية والاجتماعية. فالمجتمع يحتاج إلى مختلف أشكال المعرفة والعمل، ولا يمكن أن يجعل من مسار واحد معيارًا وحيدًا للنجاح.

كما أن تنظيم المعرفة داخل المدرسة وطريقة توزيعها بين المسارات ليست عملية محايدة، بل تعكس اختيارات اجتماعية تحدد ما يعتبر معرفة مرموقة وما يعتبر معرفة تطبيقية، وهو ما تناوله باسل برنشتاين في تحليله لعلاقة اللغة المدرسية وبنية المعرفة بالتراتبية الاجتماعية (Basil Bernstein, 1975).

لكن هذا التصور بدأ يتغير تدريجيًا عندما أصبحت الشهادة تتحول من وسيلة لإثبات الكفاءة إلى رمز للمكانة الاجتماعية. وهنا بدأت تظهر أولى علامات التحول: لم يعد السؤال المركزي هو "ما الذي يستطيع المتعلم أن ينجزه؟"، بل أصبح "ما الشهادة التي يحملها؟"
وهذا ما يفسر أهمية مفهوم الرأسمال الثقافي عند بيار بورديو؛ فالشهادات لا تمنح فقط معرفة، بل تمنح أيضًا مكانة ورمزية داخل المجتمع، وهو ما يجعل بعض المسارات أكثر جاذبية من غيرها بصرف النظر عن قيمتها العملية (Pierre Bourdieu, 1979).

ومن هنا بدأت الرحلة نحو التحول الأكبر: انتقال المدرسة تدريجيًا من منطق توزيع الكفاءات المتنوعة إلى منطق التنافس على الشهادات، وهو التحول الذي سيجد امتداده لاحقًا في إصلاحات التسعينات وما بعدها.

2. إصلاحات التسعينات... عندما أصبح التعميم طريقًا نحو الاختلال

إذا كانت "الثقوب الدودية" تعني التحولات الخفية التي تغيّر وظيفة المنظومة دون أن تبدو آثارها مباشرة، فإن بداية تسعينات القرن الماضي تمثل إحدى أهم هذه اللحظات في تاريخ المدرسة التونسية. ففي تلك المرحلة، لم يكن التغيير مقتصرًا على تعديل البرامج أو إعادة تنظيم المؤسسات، بل شمل إعادة تعريف فلسفة المدرسة ووظيفتها الاجتماعية.

وقد تجسد ذلك في القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي لسنة 1991، الذي ارتبط بإصلاحات وزير التربية آنذاك محمد الشرفي. وقد رفع هذا الإصلاح شعارات تحديث التعليم، وتكريس المدرسة الأساسية، وتوسيع فرص التمدرس، وتحقيق قدر أكبر من المساواة في الولوج إلى المعرفة.

ولا جدال في أن تعميم التعليم كان مكسبًا وطنيًا مهمًا، لأن الحق في التعليم يمثل أحد أسس العدالة الاجتماعية. غير أن تقييم أي إصلاح تربوي لا ينبغي أن يقتصر على أهدافه المعلنة، بل يجب أن يمتد إلى نتائجه البنيوية وآثاره بعيدة المدى.

ومن بين التحولات التي صاحبت هذا التوجه، برزت آليات تنظيمية هدفت إلى الحد من الانقطاع المبكر عن الدراسة وضمان استمرار أكبر عدد ممكن من التلاميذ داخل المنظومة التعليمية، من بينها نظام الإسعاف العمري، الذي أتاح، في حالات معينة، انتقال تلاميذ لم يتحصلوا على المعدلات التي كانت، في مراحل سابقة، شرطًا للنجاح أو للتوجيه نحو مسارات أخرى. ولم يكن هذا الإجراء، في حد ذاته، يفتقر إلى مبررات تربوية أو اجتماعية؛ فقد استند إلى الرغبة في الحد من الرسوب والإقصاء المدرسي.

غير أن أثره البنيوي، عندما اقترن ببقية الإصلاحات، تمثل في إضعاف وظيفة الفرز التربوي التي كانت تؤديها المدرسة خلال نهاية التعليم الأساسي، وجعل الانتقال داخل المسار الأكاديمي هو القاعدة أكثر من كونه نتيجة للاستحقاق الدراسي وحده.

لقد كانت المدرسة، في مراحل سابقة، تقوم بوظيفتين متكاملتين: ضمان الحق في التعلم، وتوجيه المتعلمين نحو مسارات مختلفة وفق قدراتهم ونتائجهم. فإلى جانب التعليم الطويل المؤدي إلى الجامعة، وُجد تعليم أقصر يهيئ للاندماج في التكوين المهني والحياة الاقتصادية. أما مع ترسيخ منطق التعميم، وتراجع آليات الفرز والتوجيه المبكر، فقد أصبح أغلب التلاميذ يواصلون المسار نفسه، وتأجلت لحظة التوجيه إلى مراحل لاحقة، بعد أن أصبحت الجامعة تمثل الأفق الطبيعي الذي تتجه إليه الأغلبية.

وبذلك لم يختف الفرز، بل انتقل من المدرسة إلى الجامعة، ثم إلى سوق الشغل، حيث أصبح أكثر قسوة وأعلى كلفة على الأفراد والمجتمع. فمع مرور السنوات، بدأت تظهر تحولات عميقة في بنية المنظومة التربوية. فقد تراجع تدريجيًا الدور الذي كان يؤديه التكوين المهني باعتباره أحد المسارات الطبيعية داخل المدرسة، بينما أخذ المسار الأكاديمي يفرض نفسه باعتباره الطريق شبه الوحيد الذي يمنح الاعتراف الاجتماعي.

وهنا تكمن إحدى "الثقوب الدودية" الكبرى؛ إذ لم يعد التوجيه المدرسي قائمًا على البحث عن أفضل توافق بين قدرات التلميذ وحاجات المجتمع، بل أصبح يخضع تدريجيًا لمنطق جديد يربط النجاح بالاستمرار في التعليم العام، ثم الوصول إلى الجامعة.

لقد تحول التنوع في المسارات إلى نوع من التراتب الرمزي؛ فأصبح التعليم العام يمثل "المسار الطبيعي"، بينما أخذ التكوين المهني يُقدَّم، في الوعي الجمعي، باعتباره خيارًا بديلًا لمن لم ينجح في المسار الأكاديمي. وهكذا فقد المسار المهني جزءًا كبيرًا من شرعيته الاجتماعية، رغم استمرار حاجة الاقتصاد إليه.

ول يتعلق هذا التحول فقط بتغير نظرة المجتمع إلى المسارات التعليمية، بل يرتبط أيضًا بطريقة اشتغال المدرسة باعتبارها مؤسسة لإنتاج التصنيفات والتراتبيات. فقد بين كريستيان بودلو وروجي إستابلي أن المدرسة، رغم دورها في نشر المعرفة وفتح فرص الصعود الاجتماعي، يمكن أن تسهم أيضًا في إعادة إنتاج بعض أشكال التفاوت عندما تصبح بعض المسارات أكثر قيمة رمزية من غيرها (Christian Baudelot & Roger Establet, 1971).

ويفسر بيار بورديو هذا النوع من التحولات من خلال فكرة أن المدرسة لا تنقل المعارف فقط، بل تعيد إنتاج منظومة القيم والمعايير التي تحدد ما يعتبره المجتمع نجاحًا أو تفوقًا (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970). فحين تمنح المؤسسة التعليمية قيمة رمزية أعلى لمسار معين، فإنها تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة تشكيل اختيارات الأسر والمتعلمين.

ومن هنا، لم يعد التوجيه المدرسي مجرد عملية تربوية، بل أصبح آلية لإنتاج تمثلات اجتماعية جديدة، جعلت الجامعة تبدو الأفق الطبيعي لكل تلميذ، بينما تراجع الاعتراف بالمسارات المهنية، حتى قبل أن يختبرها المتعلمون.

غير أن اختزال هذا التحول في إصلاحات سنة 1991 وحدها سيكون تبسيطًا مخلًا. فالمنظومة التعليمية لا تتغير بقرار إداري واحد، وإنما تتشكل عبر تفاعل السياسات التعليمية مع التحولات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. ولذلك فإن المسؤولية لا تعود إلى شخص أو وزير بعينه، بل إلى اختيارات عمومية تراكمت على امتداد سنوات، وأعادت رسم العلاقة بين المدرسة والمجتمع.

وقد حذر إدغار موران من هذا النوع من الإصلاحات الجزئية، مؤكدًا أن المنظومات المعقدة لا يمكن فهمها أو إصلاحها بمعزل عن محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (Edgar Morin, 1990). فكل تغيير في المدرسة ينعكس على سوق الشغل، كما أن كل تحول اقتصادي يعيد تشكيل وظيفة المدرسة.

وهكذا، انتقلت المنظومة التربوية التونسية تدريجيًا من هندسة تقوم على تنوع المسارات إلى هندسة جعلت المسار الأكاديمي مركز الثقل داخل المدرسة. ولم يكن هذا التحول ظاهرًا في بدايته، لكنه فتح أحد أوسع "الثقوب الدودية" التي ستقود لاحقًا إلى تضخم الشهادات، وتراجع قيمة المهارة، واتساع الفجوة بين المدرسة والاقتصاد.

3. عندما أصبح سوق الشغل يُعيد تشكيل اختيارات الأسر

إذا كان تراجع المسار المهني قد ارتبط بتحولات مست المدرسة، فإنه لا يمكن فهمه بعيدًا عن التحولات التي عرفها الاقتصاد التونسي وسوق الشغل. فالمنظومة التربوية لا تعمل في فراغ، بل تستجيب باستمرار للإشارات التي يرسلها المجتمع والاقتصاد إلى الأسر والمتعلمين.

فمنذ التسعينات، لم يعد السؤال الذي تطرحه الأسرة التونسية هو: "أي مسار يناسب قدرات ابني؟"، بل أصبح: "أي مسار يمنحه أفضل فرصة لحياة كريمة؟"

وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات التي أغفلتها كثير من النقاشات حول التكوين المهني. فالعزوف عن هذا المسار لم يكن ناتجًا فقط عن هيمنة ثقافة الشهادة أو عن نظرة دونية إلى الحرفة، بل كان أيضًا استجابة لحسابات اقتصادية واقعية.

لقد ظل جزء مهم من النسيج الاقتصادي التونسي يعتمد على أنشطة منخفضة القيمة المضافة، تقوم على المناولة والتجميع والصناعات ذات التكنولوجيا المحدودة. ونتيجة لذلك، بقيت أجور عدد كبير من أصحاب التكوين المهني محدودة، كما اتسمت ظروف العمل في كثير من القطاعات بالهشاشة وضعف فرص الترقي المهني والاستقرار الوظيفي.

غير أن ضعف جاذبية التكوين المهني لا يمكن تفسيره فقط بالتمثلات الاجتماعية السلبية تجاه الحرفة، بل يجب ربطه أيضًا بأزمة العلاقة بين التكوين وسوق الشغل. فالتكوين لا يؤدي آليًا إلى التشغيل، لأن الانتقال من المدرسة إلى العمل يتأثر ببنية الاقتصاد، وبسياسات التشغيل، وبقدرة المؤسسات على استيعاب الكفاءات المتكونة. وقد أكدت لوسي تانغي أن العلاقة بين التكوين والتشغيل علاقة مركبة لا تختزل في مجرد ملاءمة ميكانيكية بين الشهادات وحاجات المؤسسات (Lucie Tanguy, 1986).

أمام هذا الواقع، لم يكن من المستغرب أن ترى الأسر في التعليم الجامعي، رغم ما يحيط به من بطالة، استثمارًا طويل المدى قد يفتح باب الوظيفة العمومية، أو الهجرة، أو تحسين المكانة الاجتماعية. فالاختيار هنا لم يكن مجرد بحث عن الوجاهة، بل كان أيضًا محاولة لتعظيم فرص الأبناء في مستقبل يتسم بعدم اليقين.
ويفسر ريمون بودون هذا السلوك من خلال نظرية الاختيار العقلاني؛ إذ يرى أن الأسر تبني قراراتها التعليمية على مقارنة المنافع المتوقعة بالمخاطر المحتملة، وليس فقط على القيم الثقافية أو الطموحات الرمزية (Raymond Boudon, 1973).

ومن ثم، فإن تفضيل الجامعة قد يكون، في نظر الأسرة، قرارًا عقلانيًا حتى وإن كانت فرص التشغيل محدودة، لأن العائد المحتمل يظل أعلى من العائد المتوقع لمسار مهني لا يوفر دخلًا أو استقرارًا كافيين.
لكن هذه الحسابات الفردية، عندما تتكرر على نطاق واسع، تنتج نتائج جماعية قد تكون معاكسة لما يطمح إليه الجميع. فاندفاع أغلبية المتعلمين نحو المسار الأكاديمي أدى إلى تضخم أعداد خريجي الجامعات، مقابل تراجع الإقبال على التخصصات التقنية والمهنية التي ظل الاقتصاد في حاجة إليها.

وهنا تبرز مفارقة سوسيولوجية مهمة: فما يبدو قرارًا عقلانيًا على مستوى الأسرة، قد يتحول إلى مصدر اختلال على مستوى المجتمع. وقد بيّن ريمون بودون أن تراكم القرارات الفردية العقلانية قد يؤدي إلى نتائج جماعية غير عقلانية، عندما يتصرف كل فرد وفق مصلحته الخاصة دون أن يدرك الأثر الكلي لهذه الاختيارات (Raymond Boudon, 1973).

ومن جهة أخرى، ساهمت المكانة الرمزية التي منحتها المدرسة للشهادة الجامعية في تعزيز هذا الاتجاه. فقد أصبحت الشهادة تحمل قيمة تتجاوز بعدها المعرفي، لتغدو رمزًا للنجاح والاعتراف الاجتماعي. وهذا ما ينسجم مع تحليل بيار بورديو لمفهوم الرأسمال الثقافي، حيث تتحول الشهادات إلى موارد رمزية تحدد مواقع الأفراد داخل المجتمع (Pierre Bourdieu, 1979).

وهكذا، اجتمع عاملان في إنتاج الأزمة: اقتصاد لا يثمن العمل المهني بما يكفي، ومدرسة ترفع من القيمة الرمزية للمسار الأكاديمي. وبين هذين العاملين، وجد التكوين المهني نفسه يفقد جاذبيته تدريجيًا، لا لأنه عديم الجدوى، بل لأن المجتمع لم يعد يمنحه الاعتراف المادي والرمزي الذي يستحقه.

لقد كان هذا أحد أخطر "الثقوب الدودية" في المنظومة التربوية التونسية؛ إذ لم يعد التوجيه المدرسي يعكس حاجات التنمية، بل أصبح يعكس مخاوف الأسر وطموحاتها في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد.

4. عندما تحولت الجامعة إلى فضاء لتأجيل الأزمة

كان من الطبيعي، بعد تأجيل الفرز الحقيقي منذ نهاية التعليم الأساسي، واستمرار أغلب التلاميذ داخل المسار الأكاديمي، أن تتجه أعداد متزايدة نحو التعليم العالي، غير أن هذا التوسع الكمي لم يكن مصحوبًا دائمًا بتحول موازٍ في بنية الاقتصاد الوطني أو في قدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.

وهكذا، أخذت الفجوة تتسع تدريجيًا بين إيقاع إنتاج الشهادات وإيقاع إنتاج فرص العمل. فكل سنة كانت الجامعات تضخ آلاف الخريجين الجدد، بينما ظل الاقتصاد يخلق فرص تشغيل بوتيرة أبطأ، خصوصًا في الاختصاصات التي شهدت توسعًا كبيرًا.

ولم يكن ذلك يعني أن التوسع الجامعي كان خطأ في حد ذاته؛ فالتعليم العالي يظل ركيزة أساسية لإنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات العليا. لكن الإشكال ظهر عندما أصبح هذا التوسع يتم في غياب رؤية شاملة تربط سياسات التعليم بسياسات التنمية والاستثمار والتشغيل.

وفي هذا السياق، يذهب عدد من الباحثين إلى أن التوسع في التعليم العالي أدى أيضًا إلى وظيفة اجتماعية غير معلنة، تمثلت في تأخير دخول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق الشغل. فاستمرار الدراسة لثلاث أو أربع أو خمس سنوات إضافية كان يعني، في الوقت نفسه، تأجيل ظهور جزء من البطالة المفتوحة، وهو ما خفف مؤقتًا من الضغوط الاجتماعية قبل أن تعود بقوة بعد التخرج.

ولا يعني هذا أن الدولة خططت بالضرورة لهذا الأثر بوصفه هدفًا مباشرًا، وإنما يبين كيف يمكن للسياسات العمومية أن تنتج نتائج تختلف عن المقاصد التي أُعلنت عند صياغتها. وهذا ما يسميه روبرت ميرتون "النتائج غير المقصودة للفعل الاجتماعي"، حيث قد تفضي السياسات العامة إلى آثار كامنة لم تكن ضمن أهدافها الأصلية (Robert K. Merton, 1936).

ومن جهة أخرى، أدى هذا المسار إلى بروز ظاهرة يمكن وصفها بـ "تضخم الشهادات". فكلما ارتفع عدد الحاصلين على الشهادة نفسها، تراجعت قيمتها النسبية داخل سوق الشغل، وأصبحت بعض المؤسسات تطلب مستويات تعليمية أعلى لشغل وظائف لم تكن تتطلب ذلك في السابق.

ويفسر بيار بورديو هذه الظاهرة من خلال البعد الرمزي للشهادة؛ فهي لا تمثل مجرد إثبات للكفاءة، بل تؤدي أيضًا وظيفة اجتماعية تتمثل في التمييز بين الأفراد وإعادة ترتيب مواقعهم داخل المجتمع (Pierre Bourdieu, 1984). وعندما تتوسع قاعدة الحاصلين على الشهادات دون توسع موازٍ في الفرص، تنتقل المنافسة من الحصول على الشهادة إلى البحث عن شهادة أعلى، ثم إلى البحث عن تكوين إضافي، دون أن يحل ذلك أصل المشكلة.

وهكذا دخلت المنظومة في حلقة مفرغة: المجتمع يطلب مزيدًا من الشهادات، والجامعة تستجيب لهذا الطلب، وسوق الشغل يعجز عن استيعاب المخرجات، فتزداد الضغوط على الأسر لدفع أبنائها نحو مستويات تعليمية أعلى، أملاً في تحسين فرصهم المستقبلية.

إن أخطر ما في هذه الحلقة أنها جعلت المدرسة والجامعة تتحملان، بصورة غير مباشرة، عبئًا لا تستطيعان تحمله وحدهما. فمشكلة التشغيل ليست أزمة تعليم فقط، بل هي أيضًا أزمة نموذج اقتصادي، وسياسات استثمار، وتخطيط تنموي.

ومن هنا، فإن أحد أكبر "الثقوب الدودية" في المنظومة التربوية التونسية لم يكن مجرد تضخم عدد الشهادات، بل تحول الجامعة تدريجيًا من فضاء لإنتاج المعرفة والكفاءات إلى مؤسسة تتحمل، بحكم الأمر الواقع، جزءًا من إدارة التوترات الاجتماعية الناتجة عن اختلال العلاقة بين التعليم والاقتصاد.

5. إعادة بناء التوازن... من ثقافة الشهادة إلى ثقافة الكفاءة

إن نقد التحولات التي عرفتها المدرسة التونسية لا يعني الدعوة إلى تقليص التعليم العالي أو العودة إلى نماذج الماضي كما هي، وإنما يهدف إلى إعادة طرح سؤال جوهري: ما الوظيفة التي نريدها للمدرسة؟ هل هي مؤسسة لإنتاج الشهادات، أم مؤسسة لبناء الكفاءات التي يحتاجها المجتمع؟

لقد أثبتت التجارب الدولية أن نجاح المنظومات التعليمية لا يقاس بنسبة الالتحاق بالجامعة وحدها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين مختلف مسارات التكوين. ففي دول مثل ألمانيا وسويسرا والنمسا، يحظى التكوين المهني بمكانة مؤسساتية واجتماعية واقتصادية رفيعة، ويُعد أحد المحركات الأساسية للإنتاج والابتكار والتنافسية، لا مسارًا بديلًا لمن تعثروا في التعليم العام.

غير أن الاستفادة من هذه التجارب لا تعني الدعوة إلى استنساخ نماذجها كما هي، لأن لكل منظومة تربوية خصوصياتها المرتبطة بتاريخها وبنيتها الاقتصادية ومؤسساتها الاجتماعية؛ فالمطلوب ليس نقل النموذج الألماني أو السويسري إلى تونس، بل استلهام المبادئ التي تقوم عليها هذه التجارب، وفي مقدمتها الاعتراف بتعدد مسارات النجاح، وربط التكوين بحاجات الاقتصاد، ومنح الكفاءة المهنية المكانة الاجتماعية والاقتصادية التي تستحقها.

وتوضح التجارب المقارنة أن قوة التكوين المهني لا ترتبط فقط بجودة المناهج، بل أيضًا بوجود علاقة مؤسساتية قوية بين المدرسة والمؤسسة الاقتصادية. فالنماذج الناجحة، خاصة في الدول الصناعية، تقوم على دمج التعلم النظري بالتدريب العملي، وهو ما تؤكده تحليلات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حول أنظمة التكوين المهني الناجحة، التي تبرز أهمية الربط بين المؤسسة التعليمية وسوق العمل، وبين التكوين النظري والتدريب التطبيقي (OECD, 2010).

ويستند هذا النموذج إلى قناعة مفادها أن التنمية لا تحتاج فقط إلى الباحث والطبيب والمهندس، بل تحتاج أيضًا إلى التقني الماهر، والحرفي المتخصص، والمبرمج، والفني، وسائر المهن التي يقوم عليها الاقتصاد الحقيقي. فالنجاح لا يقاس بطبيعة الشهادة، وإنما بجودة الكفاءة التي يمتلكها الفرد وقدرته على تحويلها إلى قيمة مضافة داخل المجتمع.

وهذا ينسجم مع مفهوم "تقسيم العمل الاجتماعي" عند إميل دوركايم، الذي يرى أن تماسك المجتمعات الحديثة يقوم على تكامل الوظائف وتنوعها، لا على توحيد المسارات أو إخضاع الجميع للنموذج نفسه (mile Durkheim, 1893).

غير أن إعادة الاعتبار للتكوين المهني في تونس لا يمكن أن تتحقق بمجرد إصلاح مناهجه أو تطوير تجهيزاته. فالأزمة أعمق من ذلك؛ إنها أزمة اعتراف اجتماعي وأزمة عدالة اقتصادية في آن واحد.
فإذا بقيت الأجور ضعيفة، وظروف العمل هشة، وفرص الترقي محدودة، فإن تحسين صورة التكوين المهني لن يكون كافيًا لإقناع الأسر بتغيير اختياراتها. فالمكانة الاجتماعية لأي مسار تعليمي لا تُبنى عبر الخطاب الرسمي فقط، بل عبر ما يوفره من فرص حقيقية للعيش الكريم والاستقرار المهني.

ومن جهة أخرى، فإن إعادة التوازن تقتضي مراجعة فلسفة التوجيه المدرسي نفسها، بحيث يصبح توجيه التلاميذ قائمًا على الميول والكفاءات والقدرات، وعلى حاجات الاقتصاد المستقبلية، لا على تراتبية رمزية تجعل الجامعة قمة الهرم، وكل ما عداها مجرد خيارات اضطرارية.

وهذا يقتضي الانتقال من تصور للمساواة يقوم على تقديم المسار نفسه للجميع، إلى تصور أعمق للعدالة التربوية يعترف بتنوع القدرات والاختيارات. فالمدرسة العادلة ليست التي تدفع جميع المتعلمين نحو النموذج نفسه، بل التي تمنح كل واحد منهم فرصة النجاح داخل المسار الذي يناسبه. وهذا ما يؤكد عليه فرانسوا دوبِيه في تحليله لمفهوم العدالة المدرسية (François Dubet, 2004).

وقد أكد إدغار موران أن إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح طريقة التفكير، لأن الأزمات المركبة لا يمكن معالجتها بحلول جزئية أو معزولة (Edgar Morin, 1999). فإصلاح المدرسة يظل ناقصًا إذا لم يتزامن مع إصلاح السياسات الاقتصادية، وسوق الشغل، ومنظومة الاستثمار، والثقافة المجتمعية تجاه العمل المهني.

إن الثقب الدودي الحقيقي الذي أصاب المدرسة التونسية لم يكن اختفاء مسار دراسي بعينه، بل اختفاء فلسفة التوازن التي كانت تقوم على الاعتراف بتعدد أشكال النجاح. فحين يصبح المجتمع مقتنعًا بأن طريق الكرامة يمر عبر باب واحد، فإنه يغلق، دون أن يشعر، أبوابًا كثيرة كانت تقود إلى الكفاءة والإنتاج.

ولعل التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في إعادة فتح تلك الأبواب فحسب، بل في إعادة بناء الثقة فيها. فالمجتمعات لا تنهض عندما يحمل جميع أبنائها الشهادة نفسها، وإنما تنهض عندما يجد كل فرد المسار الذي ينسجم مع قدراته، ويحظى من خلاله بالاعتراف والكرامة والمشاركة الفاعلة في التنمية.

وهكذا، فإن مستقبل المدرسة التونسية لن يُحسم بعدد خريجي الجامعات، بل بقدرتها على استعادة التوازن بين العلم والمهارة، وبين المعرفة والعمل، وبين الشهادة والكفاءة؛ فهناك يبدأ الإصلاح الحقيقي، وهناك فقط يمكن إغلاق أحد أخطر "الثقوب الدودية" التي عرفتها المنظومة التربوية التونسية.

الخاتمة:

تكشف هذه القراءة أن الأزمة التي تعيشها المدرسة التونسية ليست مجرد أزمة برامج أو مناهج أو امتحانات، بل هي، في جوهرها، أزمة فلسفة تربوية أعادت تعريف معنى النجاح ذاته. فحين يصبح الطريق إلى الجامعة هو المعيار الوحيد للتفوق، تتحول بقية المسارات، مهما كانت أهميتها الاقتصادية والاجتماعية، إلى خيارات هامشية في نظر المجتمع.

لقد كان تعميم التعليم أحد أهم مكاسب الدولة الوطنية، ولا يمكن أن يكون موضع تشكيك. غير أن تعميم الحق في التعليم شيء، وتوحيد مسارات النجاح شيء آخر. فالعدالة التربوية لا تتحقق عندما يسير الجميع في الطريق نفسه، بل عندما يجد كل متعلم المسار الذي ينسجم مع قدراته، ويضمن له الاعتراف والكرامة والإسهام في بناء المجتمع.

إن الثقب الدودي الحقيقي الذي أصاب المدرسة التونسية لم يكن اختفاء مسار مهني أو تعديل إجراء إداري بعينه، بل انتقال وظيفة الفرز من المدرسة إلى الجامعة، ثم إلى سوق الشغل. فبدل أن يُوجَّه المتعلم مبكرًا نحو المسار الذي يناسب قدراته ويقوده إلى الاندماج في الحياة المهنية أو إلى مواصلة الدراسة وفق إمكاناته، أصبح الجميع تقريبًا يسلكون الطريق نفسه، قبل أن يكتشف كثير منهم، بعد سنوات طويلة، أن الفرز لم يختفِ، وإنما تأخر فقط، وأصبح أكثر قسوة وأعلى كلفة على الأفراد والمجتمع.

وهكذا، لم تعد المدرسة تُنتج فقط تفاوتات في النتائج، بل أصبحت تُؤجل لحظة اكتشافها. فالفرز الذي كان يحدث داخل المنظومة التعليمية عبر تعدد المسارات، صار يحدث خارجها، عند الاصطدام بندرة مواطن الشغل، وتضخم أعداد حاملي الشهادات، واتساع الفجوة بين الكفاءات التي ينتجها التعليم والحاجات الفعلية للاقتصاد.

ولذلك، فإن إصلاح المدرسة التونسية لن يبدأ بإضافة مادة دراسية أو تعديل امتحان، بل بإعادة الاعتبار لفلسفة التوازن؛ توازنٍ يعيد المصالحة بين الشهادة والكفاءة، وبين الجامعة والحرفة، وبين الطموح الفردي والحاجة الجماعية. كما يقتضي إعادة بناء منظومة توجيه تربوي تعترف بتعدد القدرات، وتمنح مختلف المسارات التعليمية القيمة الاجتماعية والاقتصادية التي تستحقها، بدل تأجيل الحسم إلى مراحل يصبح فيها ثمن الإخفاق أكبر بكثير.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من السؤال:
كم شهادة نُنتج؟
بل من السؤال:
أي إنسان نريد أن نبني، وأي مجتمع نريد أن نخدم؟

فالأمم لا تتقدم عندما يحمل جميع أبنائها الشهادة نفسها، بل عندما يجد كل واحد منهم مكانه الطبيعي في بناء المجتمع. فالمشكلة لم تكن يومًا في كثرة المتعلمين، بل في غياب منظومة تمنح كل شكل من أشكال المعرفة والعمل قيمته ومكانته.

وحين تستعيد المدرسة قدرتها على توجيه المتعلمين في الوقت المناسب، والاعتراف بتعدد أشكال النجاح، فإنها لا تُصلح التعليم فحسب، بل تُعيد بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع والاقتصاد والمستقبل، وتساهم في إغلاق أحد أخطر "الثقوب الدودية" التي عرفتها المنظومة التربوية التونسية.






المقال منشور كذلك على منصة Zenodo :

https://doi.org/10.5281/zenodo.21441118



المراجع:

1. Boudon, Raymond. (1973). L’Inégalité des chances : La mobilité sociale dans les sociétés industrielles. Paris : Armand Colin.

2. Bernstein, Basil. (1975). Class, Codes and Control, Volume 3: Towards a Theory of Educational Transmissions. London: Routledge & Kegan Paul.

3. Bourdieu, Pierre. (1979). La Distinction : Critique sociale du jugement. Paris : Les ditions de Minuit.

4. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. (1970). La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.

5. Bourdieu, Pierre. (1984). Homo Academicus. Paris : Les ditions de Minuit.

6. Durkheim, mile. (1893). De la division du travail social. Paris : Félix Alcan.

7. Merton, Robert K. (1936). The Unanticipated Consequences of Purposive Social Action. American Sociological Review, Vol. 1, No. 6, pp. 894-904.

8. Morin, Edgar. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris : ESF diteur.

9. Morin, Edgar. (1999). Les Sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris : UNESCO.

10. Baudelot, Christian & Establet, Roger. (1971). L’cole capitaliste en France. Paris : Maspero.

11. Dubet, François. (2004). L’cole des chances : Qu’est-ce qu’une école juste ? Paris : Seuil.

Tanguy, Lucie. (1986). L’introuvable .12 relation formation-emploi : Un état des recherches en France. Paris : La Documentation française.

13. OECD. (2010). Learning for Jobs: OECD Reviews of ocational Education and Training. Paris: OECD Publishing.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال